![]() |
| موقع أسافو | منتديات أسافو | موقع بصيرة | واحة الإيمان |
( نرحب بضيوفنا الكرام ونتمنى لكم أطيب الأوقات وندعوكم للإبداع في منتديات شبكة نفوسة )
( التسجيل والمشاركة في المنتدى متاحة للجميع فقط قم بالضغط على كلمة التسجيل في المستطيل أعلى هذا الإعلان ثم قد بتعبئة الفراغات ومتابعة التسجيل )
|
|||||||
| القرآن الكريم وعلومه كل ما يخص القرآن الكريم وعلومه المرتطبه به |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#11 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 142 - 157 )
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) { سَيَقُولُ } الخ نزلت قبل قوله : مَا وَلاَّهم وبعد { قد نرى تقلب وجهك } . . الآية فتكون معجزة بالإخبار بالغيب ، وتوطيناً لنفوس المؤمنين على الصبر ، وليستعدوا للجواب ، ومفاجأة المكروه أشد على النفس ، وأدعى لاضطراب الجواب ، أو خطئه فقدم الله الإخبار لهم ولقنهم الجواب ، وعلى صحة نزولها بعد قولهم : ما ولاهم ، فالسين للتأكيد دون الاستقبال ، وفائدة التأكيد ذمهم ، بأنهم قد تحقق منهم كلام سوء وطعن ، فيكون الفعل للال المحكية تنزيلا للماضى منزلة الحاضر ، أو الاستمرار أو هى للاستقبال بمعنى ، أنهم سيعيدون القول ويكررونه مجاهرة ، وجد بعد إخفاء. { السُّفَهَاءُ } من يضعون الشىء فى غير موضعه لخفة عقولهم ، ويعملون بغير دليل ويرون غير الدليل دليلا { مِنَ النَّاسِ } أى من جملة الناس ، لئلا يتوهم أن السفهاء هم خصوص المذكورين أوائل السورة ، والسفيه ولو كان قد يكون من الحيوانات لكن لا قول لها إلا شاداً ، أو تأويلا فلا يحترز عنها ، والسفهاء اليهود المجاهرون ، والمنافقون بإضمار الشرك من العرب ، والمنافقون من اليهود ، ومشركو العرب ، أما اليهود فإنهم لا يرون الفسخ ، وكانوا يأنسون باستقبال النبى صلى الله عليه وسلم بيت المقدس ، ويرجعون أن يرجع إلى دينهم ، ولما استقبل القبلة اغتموا ، وقالوا ، اشتاق إلى دين آبائه ، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه المبشر به فى التوراة ، فبعض علموا أنه النبى ، وأنه سيرجع إلى الكعبة وكتم ، ولو لم يرجع إليها لعلموا أنه غير النبى ، وقال ذلك سفها ، وبعض ما علم وقال ذلك ، وأما المنافقون فقالوا : تحوله للكعبة لعب بالدين وعمل بالرأى لا دين ، وأما مشركو العرب فقالوا ، قد رجع إلى وفاقنا ، ولو بقى عليه من أول الأمر لكان أولى له وكذبوا ، لم يكن قط إلا على الإسلام ، إلا إن أرادوا موافقة الكعبة . ويروى أنه كان يصلى إلى بيت المقدس فتأذوا بذلك ، وقيل : يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ولما حوّلت الكعبة قالوا ، لو كان من أول كذلك كأن ألْيق به ، وقالوا : رغب عن قبلة آبائه ، ثم رجع إليها ، وسيرجع إلى دينهم . قال البراء : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً ، وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله تعالى « قد نرى تقلب وجهك . . . الآية » فكان يصلى إليها . وفى رواية صلى إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر ، وعن معاذ ثلاثة عشر شهرا ، وقيل سبعة أشهر { مَا وَلَّهُمْ } صرفهم إلى الكعبة { عَنْ قِبْلَتِهِمُ } صخرة بيت المقدس . وأصل الكعبة نوع من الاستقبال فى ذات المستقبل وأحواله فى مكانه ، ثم صار حقيقة عرفية عامة للجهة المسقبل إليها { الَّتِى كَانُواُ عَلَيْهَا } فى صلاتهم ودعائهم وأمورهم ، وذلك ظاهر فى اليهود والمنافقين من العرب المعتقدين لحقية قبلة اليهود تقليداً لليهود . ومما ورد فى صخرة بيت المقدس ، أن المياه تقسم عليها لأهل الأرض . وأما مشركو العرب فقولهم ، ما ولاهم . . . الخ مجرد طعن ، بأن الانصراف بلا داع ، وأما استقبال الكعبة فحق عندهم { قُل لِّلهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } وسائر الأرض دخل فيها تعميما للجوانب ، أو كناية عن جميع الأرض ، وذلك أبلغ من أن يقول ، لله الأرض كلها ، وأيضاً فى ذكرها تلويح بذكر قبلة النصارى وهى المشرق ، وقبلة اليهود ، وهى المغرب ، وأخره لأن الطلوع قبل الغروب ، ومطابقة لمزيد ظهورها لكونهما مطالع النور والظلمة وكثرة توجه الناس إليهما للأوقات والمقاصد ، ولا بد أنهما سميا لشروق الشمس وغروبها ، لكن إما أن يعتبرا على طول الأرض وعرضها ، وإما أن يعتبرا بمشارق الأرض ومغاربها { يَهْدِى مَن يَشَآءُ } هدايته { إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } هداية توفيق إلى قبول دين الله ، سواء أعمل به ، أو آمن ، وقيل : وعمل الكبائر فهو للنار إن أصرَّ ، فهؤلاء أمة الإجابة ، ومقابلهم من لم يهده التوحيد وقبول الدين ، وهم اليهود والنصارى وكل مشرك ، وهم أمة كفر من جملة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كقوم نوح وقوم هود ، وهداية توفيق للسعادة ، وبدل للأول العموم فى قوله : { وَكَذَلِكَ } الخ ، أى كما هديناكم إلى الصراط المسقيم ، وجعلنا قبلتكم الكعبة لا تنسخ هى ولا دينكم ، وهما أفضل دين وقبلة ، ولو لم تصرح الآية بالأفضلية وعدم النسخ ، لكن ناسبه التفضيل فى قوله « جعلناكم أمة . . . الخ » . ولا شك أن الكعبة أشرف لأنها قبلة إبراهيم ، وقبلة آدم ، ومن بعد ، وإذا صير إلى السبق فهى أسبق ، لأنها قبل آدم بألفى عام تحجه الملائكة ، ووضع الله بيت المقدس أيضاً لكن بعد الكعبة بأربعين عاما. { جَعَلْنَكُمْ } يا أمة محمد { أُمَّةً وَسَطاً } أفضل من غيركم بالعلم ، والعمل من الواسطة التى هى المختار من الجواهر ، أو من الواسطة بمعنى الاعتدال فى الشأن ، لأن وسط الشىء مصون ، والأطراف يتسارع إليها الخلل ، ولأنها وسط معنوى ، بين إفراط وتفريط ، والوسط فى الأصل اسم لما يستوى نسبة الجوانب إليه كالمركز ، ثم استعير للخصال المحمودة لكونها أوساطا للخصال المذمومة المكتنفة بها من طرفى الإفراط والتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين الجبن والتهور { لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ } أن أنبياءهم بلغوهم ، والمراد بالكاف وواو تكونوا المجموع لا الجميع ، لأن الأشقياء من هذه الأمة لا يكونون شهداء على الناس الذين قبل هذه الأمة . { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ } لكم { شَهِيداً } بأنكم عدول تقبل شهادتكم على الأمم ، وأنه بلغكم وقبلتم ، كما دل عليه أمة وسطاً وأنكم شهداء ، فله مدخل فى التعليل ، بخلاف ما لو فسرنا بمجرد شهادته صلى الله عليه وسلم ، أنه بلغكم ، فيخص عن الأنبياء بشهادته لنفسه بالتبليغ فتكون على بظاهرها ، فتكون اللام للعاقبة فى هذا ، ولو صح التعليل فى تكونوا فيجمع فيه بين الحقيقة والمجاز ، أو تجعل لعموم المجاز ، أو تجعل فى الأول للتعليل ، وتقدر فى الثانى للعاقبة ، أى ، وليكون الرسول عليكم شهيداً . تنكر كفار الأمم تبليغ الرسل ، فيقول الرسل ، تشهد لنا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيشهدون لهم بالتبليغ ، فيقول الكفار : كيف يشهدون علينا وهم بعدنا؟ فيقولون : يا ربنا ، أرسلت إلينا رسولا : وأنزلت علينا كتابا فيه تبليغهم وأنت صادق ، فيسأل صلى الله عليه وسلم عن أمته ، فيزكيهم ، يشهد كل نبى على أمته باكفر بما بلغها « فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد » فتكذبه الأمم ، فتشهد له هذه الأمة ، وشهادته صلى الله عليه وسلم بعدالة أمته الشاهدين للأنبياء شهادة على كفار الأمم « وجئنا بك على هؤلاء » أى كفار الأمم ، شهيداً . وعن أبى سعيد عنه صلى الله عليه وسلم : يجىء النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ومعه الرجل ، أو النبى ومعه الرجلان وأكثر ، فيدعى قومه ، فيقال لهم : هل بلغكم هذا؟ فيقولون : لا ، فيقال له : هل بلغت قومك؟ فيقول : نعم ، فيقال له : من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته ، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون : نعم ، فيقال : وما أعلمكم؟ فيقولون : جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا ، فذلك قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا . الآية . وفى رواية ، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته ، فيزكيهم ، ويشهد بعدالتهم ، وذلك قوله تعالى : ويكون الرسول عليكم شهيداً : { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ } وهى الكعبة فى نفس الأمر { الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا } قبل ، كانت قبلته حين كان بمكة الكعبة ، ولو كان يجعلها بينه وبين بيت المقدس ، واستقبل المقدس فى المدينة ستة أو سبعة عشر شهرا ، بأمر الله تأليفا لليهود ، ثم حوله للكعبة . فالتى مفعول ثان لا نعت على المختار ، أو ما جعلنا القبلة فى المدينة قبل التحويل أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها قبل الهجرة قبلة ، أو ما جعلنا القبلة التى كنت عليها بعد الهجرة قبلة ، فالمفعول الثانى محذوف ، والتى نعت. { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } محمداً صلى الله عليه وسلم علم ظهور ، أو ليظهر علمنا ، أو نعاملهم معاملة المختبر ، وعلم الله أزكى ، لكن لا يخفى عنه وقع الشىء ووقته وتفاصيله ، لأنه الخالق له؛ أو ليعلم رسولنا أو عبادنا الصالحون ، فحذف المضاف ، أو أسند لنفسه ، لأنهم خواصه ، وفى ذلك تعظيم لهم ، أو لنميز مع يتبع الرسول للناس ، والعلم سبب للتمييز وملزوم له ، فإن العلم صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض ، أو لنجازى الطائع والعاصى ، وإنما يكون الجزاء ممن علم طاعة الطائع وعصيان العاصى ، والمراد بالاتباع البقاء على اتباعه فيما مضى وفيما يحدث من القبلة وغيرها . { مِمَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } يكفر بعد الإيمان ، بسبب تبدل القبلة كفراً شبيهاً برجوع الماشى إلى ورائه ، يظن أنه صلى الله عليه وسلم فى حيرة من أمره ، وقد ارتد لذلك الظن جماعة { وَإِن } إنه أى الشأن { كَانَتْ } أى التولية المعلومة من قوله ، ما ولاهم ، أو القبلة ، أو التحويلة ، أو الردة إلى الكعبة أو الجعلة أو المتابعة. { لَكَبِيرَةً } شاقة على قلوب الناس ، وقاعدة الكوفيين فى جميع القرآن وغيره ، أن يجعلوا أن المخففة نافية لا مخففة ، واللام بعدها بمعنى إلا ، ويرده أنه لم يجىء فى كلام العرب ، ما جاء لزيد ، أى إلا زيد ، وجاء القوم لزيد ، أى إلا زيداً { إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ } منهم ، أجاز بعضهم التفريغ فى الإثبات ، والمانع يعتبر ما فى كبيرة من معنى النفى ، أى لا تخف إلا على الذين هدى الله . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى نحو بيت المقدس ، ويكثر النظر إلى السماء ، ينتظر أمر الله ، فأنزل الله تعالى ، قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضَها فول وجهك شطر المسجد الحرام ، فقال رجال من المسلمين : ووددنا لو علمنا علم من مات منا ، قبل أن نصرف إلى القبلة ، وكيف صلواتنا إلى بيت المقدس ، فأنزل الله عز وجل { وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ } أى طاعتكم ، أى ثوابها ، وكل عبادة إيمان ، وفى الحديث ، الإيمان بضع وستون جزءا ، وهى أن الإيمان مؤنثة لتأنيث الخبر فى الآية ، الصلاة . قال حيى بن أخطب وأصحابه من اليهود ، إن كانت صلاتكم إلى بيت المقدس هدى فقط تحولتم عنه ، أو ضلالة فقد دنتم بها مدة ، ومن مات قبل التحويل مات عليها كأسعد بن زرارة ، وأبى أمامة بن بنى النجار والبراء بن معرور من بنى سلمة ، وكانا من النقباء ، وآخرين ، فقال عشائرهم ، يا رسول الله ، قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فما حال من مات منا قبل الصرف؟ فنزل : وما كان الله ليضيع إيمنكم ، أى صلاتكم أو طاعتكم مطلقاً ، لا يضيع صلاتكم ولا غيرها ، أو إيمانكم باستقبال بيت المقدس سواء أقلنا لها بوحى على ما رجحوا ، أو اجتهاد منه إذ وجد أهل التوراة يستقبلونها ، كما صام عاشوراء متابعة لهم ، فوطن أن يستقبلها حتى يوحتى إليه فى الاستقبال ، ومن قال ، الإيمان التصديق فقط ، وفسره بالصلاة فقد يجوز لأنه سببها وملزومها. { إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ } متعلق بما بعد اللام بحسب الظاهر فيحمل عليه ، فيقال ، لا صدر لللام فى خير إن إذا كان المتعلق ظرفاً أو مجروراً ، لأن تأويل الكثير لا يحسن إلا لما لا بد منه ولا محيد عنه { لَرَءُوفٌ } شديد الرحمة { رَّحِيمٌ } الرحمة أعم من الرأفة ، ومع ذلك أخرها للفاصلة ، وهى مبنية على الميم نظير الميم فى مستقيم ، وأولى من ذلك أن نقول ، لا محذور فى تقديم خاص لا يشمل كل ما فى العام ، فلذكر العام بعده دلالة على ما لم يدل عليه الخاص ، فذكر الرحمة ليدل على رحمة أخرى دون الشديدة ، بخلاف فلان متكلم فصيح ، فإنه لو أخر متكلم لم تكن له فائدة ، فإن فلانا لا يكون فصيحاً إلا وهو متكلم . ولذلك قدمت بلا فاصلة فى قوله تعالى { رأفة ورحمة } وقيل ، الرحمة تعم دفع المكروه وإزالة الضرر وسائر الأفضال ، والرأفة دفع المكروه والضرر ، ودفعهما أهم من جلب الرزف مثلا ، فقدمت لذلك على الرحمة ، فهى تخلية متقدمة على التحلية ، أو الرأفة دفع المضار ، والرحمة جلب المسار . ------------------------------------------------------ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) { قَدْ نَرَى } تحقق إنا لنعلم ، وقال سيبويه ، كثر تقلب وجهك { تَقلُّبَ وَجْهِكَ } حال الدعاء { فِى السَّمَآءِ } إلخ ، تعليل جملى ثان لقوله تعالى { وما جعلنا . . . } إلخ ، والأول لنعلم من يتبع . . . إلخ . روى أنه أمره الله بعد الهجرة باستقبال المقدس تأليفاً لليهود فرضى وأحب ، وكان بطبع يحب استقبال الكعبة لأنها أشرف وأقدم للملائكة قبل آدم ، ولأنها قبلة آدم إلى إبراهيم وإسماعيل ومن بعدها حتى نزلت التوراة ، ولأن الأنبياء تحجه ، ولأنه أدعى للعرب إلى الإسلام ، وهم أفضل ، ولهم قرابة ، وأنفع فىلإسلام وأقوى ، ولو كان استقبال القدس أدعى لليهود ، ولأنه أغيظ لهم ، وأشد مغايرة ، ولأنه لو لم يتحول لوجدوا مقالا ، إذ علموا أنه يؤمر بالتحول ، ولأنهم قالوا ، يخالفنا ويتبع قبلتنا . وقال لجبريل ، وددت لو حولنى الله إلى الكعبة ، فقال جبريل : إنما أنا عبد مثلك ، ثم عرج جبريل ، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يديم النظر فى جهة السماء. { فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا } فوالله لنصيرنك تاليا قبلة محبوبة لك بالطبع ، وما معهه من دواعى الدين كما رأيت ، وأما بيت المقدس فهو أيضاً يحب اسقباله ، امتثالاً لأمر الله عز وجل ، أو لنوجهنك إلى قبلة ترضاها . قيل : لا تدعو الأنبياء بشىء حتى يأذن الله لهم فيه ، خوف أن يكون فتنة لقومهم ، وقد روى ، أنه صلى الله عليه وسلم ، استأذن جبريل أن يدعو الله فى شأن ، فأخبره ، أن الله عز وجل قد أذن له أن يدعو فيه ، والواضح : أنه لا يلزمهم أن يستأذنوا ، وقد جاءت أخبار بأنهم دعوا بدون استئذان ، وليس ذلك خروجاً عن الأدب ، وما ورد فيه معاتبة له صلى الله عليه وسلم فإنما هو لأسرار خفية { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ } جهة { الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } جهته ، لا لذاته ، بل للكعبة فيه ، وهى التى تقصد ، ولكن ذكر شطر المسجد ، وهو الحرم ، لأنه يتعذر الجزم بإصابته عينها مع عدم معاينتها والبعد عنها . نزلت فى رجب بعد الزوال قبل بدر بشهرين ، وقد صلى بأصحابه فى مسجد بنى سلمة ، بكسر اللام فى زيارة أم بشر بن البراء بن معرور ، وقد صنعت لهم طعاما ، ركعتين من الظهر ، وقيل كان فى ركوع الركعة الثانية فتحول ، واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال والنساء صفوفا ، وزاد الركعتين الباقيتين ، ولا يضر ذلك صلاتهم ، ولو كثرت الخطا والأعمال ورفع الأقدام والمقام من الركوع بمشى ، لأنهم فى إصلاح الصلاة بذلك وفى امتثال أمر الله . وقيل : قدم المدينة فى ربيع الأول ، وصلى إلى بيت المقدس تمام السنة ، وصلى من سنة اثنتين سبعة عشر أو ستة عشر شهراً ، ثم حولت الكعبة فى جمادى ، وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان ، وقيل ، نصف رجب يوم الاثنين ، وقيل فى صلاة العصر ، وذلك قبل بدر بشهرين . وقيل : من رجل ببنى سلمة فناداهم وهم ركوع فى صلاة الفجر نحو بيت المقدس ، إلا أن القبلة قد حولت للكعبة فمالوا كلهم ركوعاً إليها ، وروى ذلك فى قباء فى صلاة الفجر نحو بيت المقدس ، وأنه قال المار : ألا إن القبلة قد حولت الليلة ، وقال السيوطى : حديث بنى سلمة تحريف ، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن إماماً فى تلك الصلاة ، ولا هو الذى تحول فى الصلاة ، فإن أبا سعيد بن المعلى روى أنه صلى الله عليه وسلم قرأ ، قد نرى تقلب وجهك فى السماء .. . الآية ، فنزل ، فصلى الظهر أربعاً ، قلت : لعله نزل فى صلاة الفجر ، وتحول ، وأعاد قراءتها عند الظهر ، فإن أبا سعيد لم يقل نزلت فى الظهر ، بل قال ، قرأت على المنبر ، قال ، فقلت لصاحبى ، تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أو من صلى إليها ، فصليناهما ، فنزل صلى الله عليه وسلم ، فصلى الظهر إليها . { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وهو الحرم ومن كان فيه ، فشطره المسجد ومن عاينه ، وكلف الجزم بمقابلته ، ويكلف بمقابلة الكعبة جزما من عاينها . وعن مالك ، الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وهو لأهل مكة ، وهى لأهل الحرم ، وهو لأهل الدنيا ، قلت ذلك ، مقاربة ، ولا يحل لأحد قصد غيرها فقط ، بل يقصدها ، وإنما يقصد الجهة لأجلها ، وعمم الأمكنة لتعم بيت المقدس وغير المدينة ، وما حضر فيه اليهود وما لم يحضروا فيه ، فلا يتوهم خصوص المدينة ، إذ نزلت فيها ، ولا غير محضر اليهود إذ كان يصلى لبيت المقدس حين هاجر ، استجلاباً لهم ، أمره الله سبحانه بالتولية خصوصاً ، تعظيماً له ، ولأنه الداعى لله بالتحويل ، فخاطبه ، بأنا قد استجبنا لك ، وذكر دعاءه فى قوله « قد نرى تقلب وجهك . . . » الآية ، فكأنه قيل : دعوتنا بالتحويل فاستجبنا لك ، ثم عمم أمته بالخطاب ، تأكيداً ، أو حثّاً على المتابعة ، وإلا فخاطبه كاف إلا إذا تبينت الخصوصية. { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ } اليهود والنصارى والصابئين { لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } أى ما ذكر من التولية ، أو أن التولى المطاوع للتولية ، أو أن التوجيه أو التحويل ، أو أن التحول أو التوجه { الْحَقُّ مِنْ رَّبِّهِمْ } وقد صح لهم فى التوراة والإنجيل أنه صلى الله عليه وسلم يصلى إلى القبلتين ، بيت المقدس والكعبة { وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } وعيد لليهود والصنارى والصابئين على التكذيب وسائر المعاصى ، ووعد للمؤمنين على التصديق وسائر الطاعات . ------------------------------------------------------- وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ } التوراة والإنجيل { بِكُلِّ ءَايَةٍ } دليل منقول عن الله ، أو حجة عقلية ، تنبنى على دين الله ، أو مجرد حجة عقلية على صدقك ، فى أن الله هو الذى أمرك بالتحويل إلى استقبال الكعبة. { مَّا تَبِعُواْ } كلهم ، ولو يتبع بعضهم { قِبْلَتَكَ } الكعبة ، لأن عنادهم لك فى أمر القبلة وغيره ليس لشبهة ، فيتركوه لآية تزيلها ، بل عناد وحسد { وَمَآ أَنْتَ بِتَاَبِعٍ قِبْلَتَهُمْ } إخبار منه تعالى ، بأنه لا يصدر منه متابعة قبلتهم ، وهو مدح وتبشير ، وقيل : إخبار بمعنى النهى ، أى لا تتبع قبلتهم ، أى دم على عدم ابتاعها ، صخرة بيت المقدس لليهود ، ومطلع الشمس للنصارى ، لأن الله هو الذى أمرك بالتحول عن قبلة بيت المقدس ، وأما مطلع الشمس فلا وجه لاستقباله ، إذ ليس فى التوراة ، وإنما الواجب على النصار قبل التحويل إلى الكعبة استقبال بيت المقدس لوجوب اتباع التوراة عليهم إلا ما نسخ الإنجيل منها ، وإنما اتخذوه من اتخاذ مريم مكاناً شرقيا ، أو من بوليس اليهودى إذ غرهم ، وقال : إن الشمس كل يوم تبلغ سلام عيسى إلى الله ، وقد أمر عيسى بأن تستقبلوه فى الصلاة . وقد صح أن عيسى يستقبل بيت المقدس ، ولذلك أفرد قبلتهم ، لأن القبلة بيت المقدس لا المشرق وبه خوطبوا كاليهود ، وهذا أنسب بما فى نفس الأمر ، وزعم أشياخ النصارى أن المسيح فوض إليه الدين ، فما أوجبوه أو حرموه أو أباحوه فهو كذلك ، فجعلوا الصلاة للمشرق ، لأن فيه أسراراً ليست فى غيره عندهم ، ولذا كان مولده شرقاً ، أو أفردها مع أنها اثنتان ، بيت المقدس ومطلع الشمس لا تحادهما فى البطلان بعد التحويل للكعبة ، فأنهما إذ بطلتا قبلة واحدة ، فقبلة حق ، وهى الكعبة ، وقبلة باطل ، وهى ماعداها ، وهو أنسب لقوله { وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَاَبِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } وكذا إن قلنا ، أفردها لمشاكلة الأفراد فى قوله « ما تبعوا قبلتك » أو معنى « ما أنت بتابع قبلتهم » أن قبلتك لا تنسخ إلى قبلتهم ، كما لا تنسخ إلى غيرها ، وفيه قطع طمعهم عن أن يستقبل قبلتهم ، كما أنه قطع طمعه فى أن يؤمنوا ، ويستقبلوا الكعبة ، بقوله ، ما تبعوا قبلتك ، وهذا أولى من أن يقال ، المراد النهى ، أى لا تتبع قبلتهم ، لأن استعمال الجملة الاسمية فى الطلب ضعيف ، وما تقدم أولى من أن يقال ، المعنى ما ينبغى لك اتباع قبلتهم وما يحق . وقيل : إن الله لم يأمر اليهود باستقبال بيت المقدس فى التوراة ، بل كانوا ينصبون التابوت ، ويصلون إليه من حيث خرجوا ، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه من خلفه ، ولما رفع صلوا إلى موضعه ، وأبقاهم الله على ذلك وصحح بعضهم أنها فى التوراة التى غيروها ، ونسخت على كل حال ، والصابئون يصلون إلى الكعبة ، ولعلهم اختاروهخا بعد نزول القرآن بها ، وقبلة السامرية طورهم فى الشام ، يعظمونه ويحجون إليه ، وهى فى بلدة نابلس قبلة باطلة مبتدعة ، والبعض الأول لليهود أو للنصارى ، والثانى للآخرين ، وفى ذلك بعض تسلية ، إذ لم يختص عنادهم به ، بل هو شأنهم حتى كان بينهم . { وَلَئِنِ اتَبَعْتَ أَهْوَاءَهُمّْ } ما يحبونه مما خالف الحق كالرجوع إلى قبلتهم ، وهذا زيادة فى قطع طمعهم فى أن يتبعهم ، وإلا فقد تحقق أنه صلى الله عليه وسلم ، وتحقق من الله ، أن الرسل لا تفعل ذلك ، أو الخطاب للمؤمنين على البدلية لا له صلى الله عليه وسلم ، ولا سيما مع قوله تعالى « وما أنت بتابع قبلتهم » إلا على معنى ، لا ينبغى لك ابتاعها ، أولا تتبعها ، أو الخطاب له صلى الله عليه وسلم على سبيل الفرض تعريضا بغيره ، إذ كان يعاقب لو اتبع ، فكيف غيره ، وتهييجا على الثبات . { مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } الوحى ، أن القبلة الكعبة أبدا ، أو العلم المعلوم { إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ } لأنفسهم ، ولدين الله ، ولغيرهم بالبدعة ، أكد الله عز وجل باللام ، والقسم المقدر قبلها ، وإن الفرضية ، وإن اللام فى خبرها ، والجملة الاسمية ، وتعريف الظالمين ، وإذا الجزائية فإنها لكونها جوابا وجزاء تفيد المبالغة وإيثار من الظالمين على أنك ظالم ، أو الظالم لإفادة أنك معدود فيهم ، وزيد من العلماء أبلغ من زيد عالم ، وتسمية الاتباع هو بمعنى أنه لا يعضده دليل ، والإجمال والتفصيل فى قوله « ما جاءك من العلم » إذ لو قال : ما جاءك العلم لكفى ، وجعل الجائى نفس العلم ، ووضع الظاهر موضع المضمر ، إذ لم يقل لمنهم ، أى اليهود والنصارى ، إن أريد العهد . ------------------------------------------------------- الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) { الْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ } الحق المعهود الذى أنت عليه أو الذى كتموه ، أو الحق كله ، أو حقيقة الحق ، بحيث لا يشتد عنه شىء من ربك ، وأما ما جاء من غير الله فليس بحق كالذى يفتريه اليهود والنصارى فى أمر القبلة وغيرها ، كما زعمت النصارى أن عيسى فوضهم فى القبلة والتحليل والتحريم ومن ربك حال ، أو خير ثان ، أو نعت عند مجيزه بالظروف فى المعارف ، أى هو الحق الثابت من ربك ، وعلى كل وجه الجملة مستأنفة. { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } الشاكين فى أن ما أنت عليه من النبوة والقبلة وسائر الدين حق من ربك ، أو فى أن أهل الكتاب عرفوه من الكتاب وكتموه ، والنهى إلهاب على الإيقان ، وتلويح بأنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، أو له وللأمة وحدها ، ففيه تلوين الخطاب ، اللهم ضمت النون الأولى ، وإما أ ، يكون للأمة وحدها ، ففيه تلوين الخطاب ، الله إلا أن يجعل كاف ربك لها أيضاً ، وذكرت لأنها بمعنى العموم ، أو الجمع ، وفيه بُعد ، ثم إن الشك ليس كسبيّاً فكيف ينهى عنه ، وإنما ساغ النهى عنه ، لأن المراد به تحقيق أن ما كان من الله لا يشك فيه ، أو اكتساب النبى ، أو هو والأمة المعارف . وليس المراد ظاهر النهى ، وقد يكون الشك كسبيّاً باعتبار مبادئه ، أى لا تباشر شيئاً يؤدى إلى الشك ، فيجوز حمل الآية على هذا ، كما أن الإيمان مأمرو به ، باعتبار مبادئه وأياض الشك مقدور الإزالة ، فمن كان فيه ، أو فرض فيه نهى عن البقاء عليه . والمراد بالممترين الجنس ، فيشمل من شك من جهلاء أهل الكتاب والعرب ، لا من عرف فإنه لا يشك ، لقوله تعالى { وهم يعلمون } وقوله { ليعلمون أنه الحق } وقوله { يعرفون أبناءهم } وقد مر أن النهى عن الكون من أهل كذا أبلغ عن أن يكون كذا ، ألا لا تفعل فذلك أبلغ من لا تكون ممتريا ، ومن لا تمتر ، وهكذا فى سائر القرآن ، ولو لم أكرره . -------------------------------------------------------- وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) { وَلِكُلٍّ } من الأمم { وِجْهَةٌ } جهة ، أو لكل أهل ملة ، أو لكل جماعة من المسلمين واليهود والنصارى ، أو لكل قوم من المسلمين جهة من الكعبة ، جنوبية ، أو شمالية ، أو شرقية ، أو غربية ، يتوجه إليها بالاستقبال فى الصلاة ونحوها ، أو لكل من الأمم ، توجه مصدر شاذ ، إذ هو فلعة بكسر الفاء ، ثبتت فاؤه واو ، أو وجهة ملة تقصد . { هُوَ } أى للكل ، أو الله { مُوَلِّيهَا } وجهة ، فالمفعول الثانى محذوف ، أى يجعل وجهه تاليا لها ، أو يوليها ملتها ، والمعنى ، أنهم لا يتركون قبلتهم ، ولا ملتهم ، فذلك كالفذلكة لقوله : ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم ، وما بعضهم بتابع قبلة بعض ، وليس المراد أن الله أباح لهم ذلك ، بل الله يعاقب كل أمة خالفت نبيها ، فيعاقب الله اليهود والنصارى وغيرهم الذين أدركتهم بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفوه فى القبلة وغيرها ، إلا من لم يبلغه الخبر فيعذر ، إن كان على دين غير منسوخ ، أو لم يبلغه نسخه. { فَاسْتَبِقُواْ } أيها المؤمنون ، أو أيها المكلفون ، وهو من الافتعال بمعنى التفاعل ، أى ليعالج كل منكم أن يسبق الآخر لرضى الله وثوابه ، كالصلاة فى أول الوقت ، واستقبال عني القبلة لا عناداً للآخر ، أو حسداً أو كبر ، وهو متعد ولازم ، فتقدر إلى { الْخَيْرَتِ } الأمور الحسنة ، اعتقاداً وقولا وفعلاً من أمر القبلة وغيرها ، أو الخيرات الكعبة ، جمعا لجمعها كل خير ، أو للتعظيم ، أو الجهات الفاضلة لكونها على سمت الكعبة ، فيكون الخطاب للمؤمنين ، أو للمكلفين من أهل الآفاق لتعذر مقابلة الكعبة جزما ، والخيرات جمع خير ، أو خيرة بشد الياء ، أو بالتخفيف ، تقول ، أمر خير ، وخصلة خيرة ، أو جمع خير اسم تفضيل خارجاً عن بابه ، أو باقياً لأن الأفقى يجيز فى استقبال وجهين أو أكثر ، فيختار أقواها عنده ، ولأن المخطىء يدعى أن ما هو عليه حسن ، وعلى دعواه هذا الذى عليه محمداً حسن . { أَيْنَ مَا تَكُونُواْ } فى موضع خفى أو ظاهر ، فى بر أو بحر { يَأْتِ بِكُمُ اللهُ } بصيركم الله آتين { جَمِيعاً } يوم القيامة للجزاء بأعمالكم ، وذلك حث على الاستباق ، كقوله تعالى : { يَا بُنَىَّ إِنها إن تك مثقالَ حبة من خردل فتك فى صخرة أو فى السموات أو فى الأرض يأت بها الله } أو يمتكم ، كقوله تعالى : { أينما تكونوا يدرككم الموت } أو يأتى بكم إماتة وحشرا ، أو يجمع صلواتكم فى الآفاق من جهات الكعبة ، كصلاة واحدة إلى جهة فى القبول ، كأنها إلى عين القبلة ، أو فى المسجد الحرام ، فيأت بكم مجاز عن جعل الصلاة متحدة الجهة { إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ } من الإماتة والإحايء والحشر وغير ذلك { قَدِيرٌ } . --------------------------------------------------------- وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } متعلق بولّ بعده ، ومن للابتداء ، أو بعض فى ، كأنه قيل { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } من حيث خرجت للسفر إلى أن ترجع ، وفى موضع خروجك للسفر ، فيقهم منه أن حكم ما بعد الموضع من مواضع السفر كذلك ، أو خرجت بمعنى سافرت ، أى ولّ وجهك فى مواضع سفرك ، ولا يعترض على ذلك بأنه يلزم اتصال الواو بالفاه ، إذا علقناه بول ، لأن الفاء صلة للتأكيد ، أساغها شبه حيث بالشرطية المتصلة بما فى العموم ، كما أجاز الفراء كونها شرطية ولو بدون ما ، ولأنه لا يكون الثقل فى التقدير مثل الثقل اللفظى كما فى أنواع كثيرة ، بل يسوغ فى التقدير ، وكرره لبيان أنك تستقبل القبلة فى السفر كالحضر { وَإِنَّهُ } أى التولى المطاوع للتولية المذكورة ، أو شطر المسجد الحرام ، أى استقباله ، أو أن التولية ، فذكر للتذكير الخبر ، أو أن الصرف أو الاستقابل { لَلْحَقُّ مِنْ رَّبِّكَ ، وَمَا اللهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } . ------------------------------------------------------- وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الشطر فى الأصل ما انفصل عن الشىء ، إما حسا ، كدار شطور أى منفصلة عن الدور ، أو معنى ، كقولنا الإقرار شطر التوحيد ، واستعماله فى الجزء شائع ، واستعمل لجانب الشىء ولو لم ينفصل ، وبمعنى الجهة فى الآية . { وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } والعطفان على لكل وجهة ، أو على قد نرى تقلب وجهك فى السماء ، ذكر ذلك ثلاث مرات ، كل لعلة غير علة الأخرى ، ذكره المرة الأولى ليريه أنه قد أجاب له فيما يشتاق إليه ورحم تضرعه ، وأنه أهل لأن يجاب لعظم شأنه عند الله عز وجل ، كما قال الله عز وجل { قد ترى تقلُّب وجهك } وذكره المرة الثانية ليبين أنه جعل لكل أمة قبلة تمتاز بها ، إذ قال { ولكلٍّ وجهة } أى لكل أمة ، وذكره المرة الثالثة ليدفع حجة اليهود ، إذ يجتمعون بأنه لو كان النبى الموعود به لتحول إلى الكعبة كما فى التوراة ، وأنه لو كان لم يتبع قبلنا مع أنه ينكر ديننا ، ولدفع حجة مشركى العرب ، إذ يتحتجون بأنه لو كان نبيّاً لم يخالف قبلة إبراهيم مع أنه يدعيها ، كما قال بعد قوله { لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ } اليهود ومشركى العرب . { عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ولأتم نعمتى ، أن عطف على لئلا . . . الخ ، وأما قوله عز وجل { وما جعلنا القبلة التى كنت عليها } أى الكعبة التى كنت عليها ، فبان أن الجعل معلل بالعلمن لا بقيد كونه تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم ولا بغيره ، وناسب التكرار أن الكعبة لها شأن ، والنسخ من مظان الطعن ، والمخالفة فى النسخ بدعوى إلزام البداء ، وهو غير جائز ، وهى مخالفة باطلة ، لأن النسخ إزالة حكم قضى فى الأزل أنه يزال ، لا ظهور لما خفى ، تعالى الله ، وقيل : الأولى على أن الإنسان فى المسجد الحرام ، والثانية على أن يخرج من المسجد الحرام ويكون فى البلد ، والثالثة على أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، وفيه أن الخطاب أولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المدينة ، فكيف تكون الأولى لمن فى المسجد الحرام. { إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ } بالعناد { مِنْهُمْ } من الناس المعهودين ، أى إلا المعاندين من اليهود ، إذ قالوا : تحول للكعبة ميلاً لدين قومه وحبّاً لبلده ، ومشركى العرب إذ قالوا : رجع لقبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ، وأنه فى حيرة من أمر القبلة ، ومن لم يعاند قال : يدعى ملة إبراهيم ويوافق قبلته ، والحجة ما يستدل به صحيحاً فى نفسه أو فى زعم المستدل ، ولا حجة صحيحة لمن خالف كلام الله ، لكن تسمى حجة ، كأنها صحيحة ، لشبهها بها فى إحضارها لإثبات المقصود ، أو المراد التحاج أى الخصام ، أو الاستثناء منقطع ، أى لكن الذين ظلموا ، من تأكيد الشىء بضده ، أى إن كانت لكم حجة هى فهى الظلم ، والظلم لا يكون حجة ، فحجتهم غير ممكنة ، كقوله : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فأخذ منه بعض قوله : وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن نَزِيلَهُمْ ... يُلاَمُ بِنِسْيَانِ الأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ فالمعنى المبالغة بأنه إن كانت الحجة فى نفى الحق فهى كلام المعاندي ، وكلامهم غير حجة ، فلا حجة فى نفى الحق ، وهو هنا استقبال الكعبة { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أى الظالمين ، وقيل : الناس عموما ، والأول أولى ، لاثخافرهم فى الجدال فى التولى إلى الكعبة فإنه يضمحل ، وضرره عائد عليهم ، وسمى خوفهم خشية مع أنه إن خوفهم المؤمنون لا إجلال فيها ، مشاكلة لقوله تعالى { وَاخْشُونِى } أى خافونى مع إجلال. { وَلأُتِمَّ } لئلا يكون ولأتم { نِعْمَتِى عَلَيْكُمء } وفى ذلك عدم المناسبة إلا بتكليف ، وأيضاً إرادة الاهتداء علة تصلح للأمر بالتولية ، لا الفعل المأمور به ، والأولى أن يقدر ، وأمرتكم بالتولية للكعبة لأتم نعمتى ، لأنها نعمة عظيمة تورث فوزاً عظيما ، ونعيما مقيما ، أو اخشونى لأحفظكم من شرهم فى الدنيا ، ولأتم نعمتى عليكم فى الدنيا والآخرة بكونكم على الحق وبإدخال الجنة . وروى البخارى والترمذى أن تمام النعمة دخول الجنة ، وعن علىّ : الموت على الإسلام ، قلت : أو الهدى إلى معالم الدين والإقامة عليها إلى الموت ، والنعمة فى كل وقت ، وتمامها بما يليق به ، فلا يعارض بما جاء بعد من قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } قد مر ، ومن معانيه : ولتهتدوا . -------------------------------------------------------- كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ } معشر العرب ، شرفاً لكم ، إذ لم يكن من غيركم ، ولا تقدرون أن تأخذوا الأحكام والوحتى عن الملَك ، يعنى محمداً صلى الله عليه وسلم ، ولأتم نعمتى عليكم إتماماً شبيهاً بإرساله فى الإتمام به للنعمة ، ويجوز أن يعود إلى قوله { فاذكرونى } أى اذكرونى ذكراً مثل ذكرى لكم بالإرسال ، أو اذكرونى بدل إرسالنا فيكم رسولا ، فالكاف للمقابلة ، وذكر الإرسال وإرادة الإتمام من إقامة السبب مقام المسبب { يَتْلُوْا عَلَيْكُمْ ءَايَتِنَا } أى القرآن الذى هو معجزة دائماً لا يمل { وَيُزَكِّيكُمْ } يطهركم من الشرك والمعاصى ، أو يعلمكم ما تكونون به أزكياء { وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ } أى القرآن ، ذكره أولا بلفظ الآيات باعتبار معانيه التى هى مدلولها ، وثانياً بالكتاب باعتبار ألفاظه. { وَالْحِكْمَةَ } ما فيه من الأحكام ، تخصيص بعد تعميم ، أو السنة { وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } من أخبار الأمم وأنبيائهم والحوادث ، ولم يقل ويعلمكم الكتاب والحكمة وما لم تكونوا تعلمون بلا إعادة ذكر يعلمكم ليدل على أن هذا التعليم نوع آخر ، ولو قلنا ما لم تكونوا تعلمون هو الكتاب والحكمة وعطف ، لأن تغاير الصفة كتغاير الذات ، فإن مفهوم ما لم تكونوا تعلمون غير مفهوم الكتاب والحكمة ، ولو اتحدت ما صدقاً ، وقدم التزكية لأنها تخلية عن التعليم لأنه تحلية ، ولأنها غاية التعليم متقدمة فى القصد ، كما قالوا فى الغاية المقصودة من الفعل هى أول الفكر وآخر العمل ، كالماء غاية يقصد بالحفر ويحصل بعده وقد قصد قبل الحفر ، وقدم التعليم فى دعاء إبراهيم : ربنا وابعث فيهم . . . الخ باعتبار أن التزكية تحصل بعد العلم ، وهو بعد التعليم . وقيل : التزكية عبارة عن تكميل النفس بالقوة العملية ، وتهذيبها المتفرع عن تكميلها بالقوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة ، ووسطت بين التلاوة والتعليم إيذاناً بأن كلا من الأمور المترتبة نعمة على حدة توجب الشكر ، ولو روعى ترتيب الوجود كما فى دعوة إبراهيم لتوهم أن كلا نعمة واحدة . ------------------------------------------------------- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) { فَاذْكُرُونِى } بالطاغة باللسان ، وبالتفكر فى الدلائل والوحدانية ، وبالجوارح فى أنواع العبادات ، ولكون الصلاة جامعة لذلك سماها ذكراً فى قوله عز وجل { فاسعوا إلى ذكر الله } وحقيقة ذكر الله أن ينسى كل شىء سواه { أَذْكُرْكُمْ } بالثواب أو بالثناء عند ملأ خير من لأ ذكرتمونى عنده ، وهم الملائكة ، كما فى الحديث ، عطف إنشاء على إخبار ، أو مهما يك من شىء فاذكرونى أذكركم ، أو إن لم تذكرونى بالطاعة لنعمتى عموماً فاذكرونى لنعمة الإرسال ، أحوج ما أنتم إليه فى وقت الفترة ، وهذا أنسب لفظاً والذى قبله أبلغ ، وأساغها حضور النعم فى الحسن خارجا ، وفى لفظ الآى ، ويجوز أن يراد فاذكرونى أثبكم ، وسمى الإثابة ذكراً للجوار . { وَاشْكُرُوا لِى } نعمتى بعبادة قلوبكم ، ومع ألسنتكم وجوارحكم ، وذكر النعم جلب للعبادة ، ونقع خلق الله بها وقد الذكر لأنه اشتغال بالذات ، والشكر اشتغال بالنعمة { وَلاَ تَكْفُرُونَ } لا تستروا شأنى بترك الكشر كأنى لم أنعم عليكم ، وبالمعصية والاشتغال بحظوظ النفس وما لا يعنى . ------------------------------------------------------ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُواْ } على الشكر والذكر وسائر العبادات وترك المبالاة بعناد المعاندين ، أو على نيل درجات الآخرة ، والنقص من هول الموت ، وما بعده من القبر والحشر وهول الدنيا { بِالصَّبْرِ } على البلاء ومشقة العبادة ، وعن المعاصى وحظوظ النفس { وَالصَّلَوةِ } خصها من سائر الطاعات لعظم شأنها ، لأنها أفضل العبادات بعد التوحيد ، وأمها ، ومعراج المؤمنين ، ومناجاة الرب ، ولتكررها ، وهى الأصل الموجب لكمال التقرب . { إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّبِرِينَ } بالعون والنصر ، وذلك تعليل جملى ، متعلق بالاستعانة بالصبر ، لأنه المحتاج للتعليل ، وأما الصلاة فحيث كانت أجل المطالب لم يفتقر الأمر بالاستعانة بها إلى العليل ، كذا قيل مستأنسا له بوقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت قرة عينى فى الصلاة ، ويجوز أن يكون تعليلا للاستعانة بهما على الحذف ، أى أن الله مع الصابرين والمصلين ، قيل : أو للاستعانة بالصلاة فهما ، وبالصبر تصريحا ، فإنه إذا كان مع الصابرين فأولى أن يكون مع المصلين ، لاشتمالها على الصبر ، وفيه ، أن الصبر أشد ، وشامل للصبر على الصلاة وغيرها . ------------------------------------------------------- وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154) { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ } أى فى شأن من يقتل { فِى سَبِيلِ اللهِ } فى الجهاد { أَمْوَاتٌ } أى هم أموات ألبتة كالجماد { بَلْ أَحْيَاءٌ } وهذا قطع عن القول ورد له ، ولكن لا مانع من الوصل به ، إلا أن المراد بالذات للرد له ، وتقديره ، بل قولوا ، هم أحياء ، وأرواحهم فى حواصل طير خضر ، تسرح فى الجنة حيث شاءت . وأما السعداء غير الشهداء فيجاء لأرواحهم بنعيم الجينة إلى باب الجنة . وقيل ينعم غير الشهيد فى قبره بروائح وغيرها مما ليس طعاما ولا شرابا ، كما أن الشقى يصل روحه فى قبره ، أو فى النار ، عذاب ، وتارة يرجع الروح للجسد فيحيا الجسد ، مسلماً أو كافرا ، وذلك كما تعرض النار على أرواح آل فرعون ، قال صلى الله عليه وسلم : « أرواح الشهداء فى أجواف طير خضر ترى أنهار الجنة وتأكل من ثمارها ، وتأوى إلى قناديل ، أى صور قناديل معلقة تحت العرش » . وعن ابن عباس : أرواح آل فرعون فى أجواف طير سود ، وتعرض على النار بكرة وعشيا إلى يوم القيامة ، فنقول : الأرواح أجسام لطيفة ، وأجساد تلك الطير على صور الموتى ، لو رآهم أحد لقال : رأيت فلانا ، وقيل : أجساد أخر على صور الطير ، ويدل له رواية عن النبى صلى الله عليه وسلم فى صور الطير ، ولا ينافى ذلك رواية فى أجواف طير ، ورواية ، فى حواصل طير { وَلَكِن لاَ تَشْعُرُونَ } ما هم فيه ، من أنه تنعم أرواحهم فى أجوافق طير خضر على حد ما مر ، تكون الطير لها كالهوادج ، وأرواح أهل النار تعذب فى أجواف طير سود ، تكون لها كالتابوت فى النار ، وقد يحيى أجسام هؤلاء وهؤلاء . ونزلت الآية لما قيل فى شهداء بدر ، وهم ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار ، أو سبعة عشر ، أو ستة عشر ، بينت أسماءهم فى شرح نونية المديح ، أنهم ماتوا وذهبت عنهم النعم واللذات ، ولقول المشركين والمنافقين ، قتلوا فى مرضاة محمد بلا فائدة . ------------------------------------------------------- وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } عطف على استعينوا ، أو على ما عطف عليه استعينوا ، والمعنى ، لنُصِيبَنَّكُمْ إصابة كإصابة من تختبر حاله ، لنعلم أيصبر ويثبت على الطاعة أو لا ، والله لا يخفى عليه شىء ، فذلك استعارة تمثيلية ، والخطاب للمؤمنين عموما ، وقيل للصحابة ، وقيل لأهل مكة { بِشَىءٍ } قليل ، كما يفيده التنكير مع التبعيضية مع العرف فى لفظ شىء ، فإن كل ما أصابهم قليل بالنسبة إلى المصائب العظام ، وهم عالمون بأن ما لم يصبهم أعظم ، فيعلمون أن رحمة الله لم تفارقهم ، إذ هم معافون من المصائب التى فوق ذلك ، وأيضا يفرج الله عنهم أو يعوضهم ، وبالنسبة إلى ما يصيب الكفار فى الآخرة ، وذلك داع إلى الشكر ، ومن نعمته أنه أخبرهم بما يصيبهم قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم مع معرفتهم أن لهم عليه أجرا ، فيخف بما بعد ذلك ، ولو أصيبوا بمثله قبل الإخبار. { مِّنَ الْخَوْفِ } خوف العدو ، وقيل ، خوف الله ، وفيه ، أن خوف الله لا يسميه الله بلاء واختباراً ، وهو أمر محمود ، لا يسعى باسم ينفِّر ويثقل ، وأما أن يعترض أنه للحال فلا ، لأن المضارع مع لام القسم للاستقبال ، وإن صح الحال فالمراد يستقبل من ذلك { وَالجُوعِ } القط والغلاء والفقر ، وفسره بعض القحط ، إقامة للمسبب ، وقيل للصوم ، وفيه ما مر من خوف الله ، بل دونه ، لأنه يقال ، يبتليكم الله بما يشق عليكم فتفعلونه ، لكن التفسير بغير الظاهر بلا داع بدعة لا تجوز { وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ } بالهلاك للحيوان والشجر والنبات ، أو بالسرقة والكساد ، وقيل ، بالإنفاق نفلا ، أو زكاة ، وفيه ما مر ، من خوف الله ، وأيضاً فى تسميتها نقصاً من الأموال تنفير ولو صح أن ما يعطى من المال نقص من عدده . وقد قال صلى الله عليه وسلم : « ما نقص مال من صدقة » ، أى لها ، أى يخلفه الله عدداً ، أو كمالا بالبركة ، فيقوم الباقى مقام نفسه ومقام ما خرج وأكثر ، مع ثواب الآخرة { وَالْأَنْفُسِ } أنفس الأحبة ومن يعز على الرجل هلاكه ، وذلك بالقتل والموت والأمراض ، وذهاب منافع البدن بذهاب قواه ، كالصمم والعمى والعرج ، فذلك نقص من صحة الأنفس . { وَالثَّمَرَتِ } من الشجر والنبات والحرث بالحوائج من رحي وحر وبرد ، ونقص ماء ونحو ذلكن وخصت مع أنها من الأموال لأنها قد لا تملك كثمار الأرض التى لا يملكها أحد ، وقيل ، الأولاد لأنهم ثمرة آبائهم وأمهاتهم ، بأن يموتوا أو يصابوا فى أبدانهم ، ومن الثمرات بمعنى الأولاد الحديث ، إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة ، أقبضتم ولد عبدى؟ فيقولون ، نعمن فيقول : أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون ، نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدى؟ فيقولون ، حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى ، ابنوا لعبدى بيتاً فى الجنة ، وسموه بيت الحمد ، أى لأنه سببه الحمد ، لكن ليس كل ما جاء فى الحديث يفسر القرآن به. { وَبَشِّرِ } بالصلوات من الله والرحمة والخلف والثواب العظيم ، ولا حاجة إلى تقدير بعضهم ، أنذر الجازعين ، لأنه معلوم بلا تقدير ، ولا داعى إلى تقديره { الصَّبِرِينَ } من المؤمنين ، لأن صبر الكافرين لا ينفعهم فى الآخرة ، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ، أو لكل من يصلح للتبشير ، وهكذا فى مثل الآية ، بحسب الإمكان ولو لم أذكره . -------------------------------------------------------- الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) { الَّذِينَ إِذَآ أَصَبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ } ما ، فى بدن أو عرض أو مال أو أهل ، أو من يعز عليه ولو شوكة ، أو بعوضة أو ذبابة . طفىء مصباح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقيل ، أمصيبة هى؟ قال : نعم ، كل شىء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة { قَالُواْ } إذعاناً واستسلاماً ورضى وتفويضا بالقلب واللسان أو بالقلب لا باللسان وحده { إِنَّ لِلَّهِ } خلقا وعبودية وملكا ، يفعل بنا ما يشاءن إذ لا نملك شيئاً من أنفسنا مع الله ، كيف نملك ذلك وقد أوجدنا من العدم ، ولا نملك فى العدم شيئاً { وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ } فى الآخرة ، فيثيبنا ، ولا نملك وجوداً ولا عدماً ، وما أخذ فعارية مردودة لمالكها ، وما أبقى أكثر . قال صلى الله عليه وسلم « من استرجع عند المصيبة آجره الله فيها وأخلف عليه خيرا » ، وقد يسترجع الإنسان بلسان فقط إلا أنه غير ساخط فوالله إن شاء الله لا يخلو من خير ، ألا تراه رجع إلى ذكر الله ، لا غلى قول سوء ، بل لا يكون ذلك إلا وفى قبله حضور ما ، ولو لم يعلم به . وفى الحديث : ما أعطى الاسترجاعَ أحد قبل أمتى ، ألا ترى إلى قول يعقوب : يا أسفى على يوسف ، ويسنّ أن يقال بعد المصيبة : اللهم آجرني فى مصيبتى وأخلفنى خيراً منها ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا يقول أحدكم ذلك إلا آجره فيها ، وأخلفه خيراً منها » ، قالته أم سلمة لما مات أبو سلمة زوجها ، فأخلفها الله رسول الله صلى الله عليه وسلم . ---------------------------------------------------------- أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) { أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَتٌ } مغفرة أو تزكية أو ثناء أو تعظيم ، وقيل : الجمع مناف لأن يراد بالصلوات الثناء أو التعظيم ، إلا أن يقال بمعنى ثناء بعد ثناء ، وتعظيم بعد تعظيم ، ولم يقل صلاة لكثرة المغفرة والتزكية والثناء وأنواعهن ، أو أراد صلاة بعد صلاة ، لكن المعروف بالتكرير المفردات ، نحو : زيد يأكل مرة مرة ، والتثنية كقوله مرتين ، وقولنا لبيك { مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } نعمة عظيمة أفراداً وأنواعاً ، يقال : نعم العِدلان للصابرين ، الصلوات والرحمة . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } إلى الصواب والحق ، إذا استرجعوا رضًى بقضاء الله عز وجل . قال صلى الله عليه وسلم : « من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » ، وذلك أولى من تقدير المهتدون إلى الفوز بالمطالب .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#12 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 158 ـ 176 )
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ } علمان بالغلبة على جبلين بمكة ، فإن الصفا جمع صفاة فى الأصل ، وهى الصخرة الصلبة الملساء ، أو الحجر الذى لا يخالطه طين أو تراب متحجر ، أو ضعف ، مأخوذ من الصفوة ، وهى الخلوص . والمروة فى الأصل الحجر اللين ، أو الأبيض البراق ، أو الأسود البراق ، أو المحددة الأطراف ، أو الصلبة ، قيل : سمى الصفا لوقوف صفّى الله آدم عليه السلام عليه ، وذكر لذلك ، وسميت المروة لوقوف المراة عليه ، وهى حواء ، وأنث لذلك ، ولا يقال فيه ، إن مادة المروة غير مادة المرأة ، لأن المراد بتأنيثه أنه قرن بالتاء ، كما أن المراد بتذكير الصفا أنه لم يقرن بها { مِنْ شَعَائِرِ اللهِ } أى علاماته ، أى علامات دينه ، أو المواضع التى يقام فيها دينه ، وهى مواضع الحج كالمطاف وعرفة والمزدلفة ومنى ، أو من علاماته التى تعبَّد خلقه بها ، فهما يسعى بينهما . { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ } قصده ليقف بعرفة ، ويبيت بالمزدلفة ، ويرمى ويحلق ويطوف ويسعى { أَوِ اعْتَمَرَ } زار البيت ليطوف ويسعى ، وأصل الحج القصد مطلقا ، أو إلى معظَّم ، والعمرة الزيارة أخذاً من العمارة ، والزائر يعمر المكان بزيارته { فَلاَ جُنَاحَ } لا إثم ، وأصله الميل مطلقا ، سمى به الذنب لأنه ميل عن الحق { عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ } فى أن يتطوف { بِهِمَا } بينهما ، كما زعم المسلمون قبل نزول الآية ، أنه لا يجوز السعى بينهما ، لأنه كان فوق كل منهما صنم ، يمسهما المشركون بأيديهم ، ويمسحون بهما وجوههم ، ويعظمونهما ، فكرهوا أن يشبه سعيهم ، ولو كانوا لا يمسحونهما لا يعظمونهما سعى المشركين المعظمين لهما الماسحين ، أحدهما إساف بكسر الهمزة ، والآخر نائلة ، صنمين من أول ، ورجح هذا ، وقيل ، كانا رجلا وامرأة زنيا فى الكعبة فمسخهما الله وجعلهما الناس على الجبلين ، ليعتبر بهما ، فطالت المدة ، فعبدا من دون الله ، ونسب هذا القول لأهل الكتاب . وقيل : واضعهما على الجبلين عمرو بن لحى ، وهو أول من سن عبادة الأصنام من عرب مكة ، والباء للإلصاق المجازى ، والطواف بهما واجب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « إن الله كتب عليكم السعى ، فاسعوا » وأما قول عائشة رضى الله عنها ، لعمرى ، ما أتم الله تعالى حجد من لم يسع ، فمعناه حج ناقص لا باطل ، فالطواف بهما واجب ، لا يبطل الحج والعمرة بتركه ، كما روى ، أن عروة بن مضرس أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة ، فقال ، يا رسول الله ، جئت من جبل طيء ما تركت جبلا إلا وقفت عليه فهل لى من حج؟ فقال : من صلى معنا هذه الصلاة ، ووقف معنا هذا الموقف وقد أدرك عرفة قبل ذلك ، ليلا أو نهاراً ، فقد أتم حجة وقضى تفثه ، فأخبره صل الله عليه وسلم بإدراك الحج بلا ذكر للسعى بيهما ، ولو كان واجباً يبطل الحج بتركه لبينه له ، لأنه سائل جاهل ، ولا حجة فيه لمن قال بأنه غير واجب لأحاديث الوجوب ، وهذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة ، وإن لم يسع لزمته شاة ، وقيل ، بدنة ، وقال مالك والشافعى ، يبطل الحج بتركه للحديث ، وقال أحمد ، سنة غير واجبة ، ويرده الحديث ، وأجيب بأنه يجوز كون كتب بمعنى استحب كقوله تعالى : كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين . . . قلت ، الوصية للوالدين كانت واجبة . ثم نسخت بالميراث ، وكذا القرابة الوارثون فلا يصح تأويل كتب باستحب ولا حجة أيضاً فى قراءة ابن مسعود ، ألا يطوف لأنها شاذة مخالفة للجمهور ، لفظا وعملا ، بل لم نر من عمل بها ، فيقرب تأويلها بزيادة لا ، ولنا الحديث دليل للوجوب ، ولا دليل للشافعى ومالك على أنه ركن يبطل الحج بتركه ، ولا يقال ، تم الكلام فى جناح واستنأنف أن عليه التطوف ، لأنه لا يتوهم أحد أن فى الحج والعمرة جناحا إلا أن يقال إنهم توهموا الجناح فى الحج والعمرة ، لأن فيهما الطواف بين محلى الصنمين . { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } عالج الطاعة بفعل فرض أو سنة ، أو نفل من حج أو عمرة أو طواف ، أو صلاة ، أو غير ذلك ، وذلك أصل التطوع فى اللغة ، وأما تخصيصه بالنفل فهو فى عرف الاصطلاح ، قيل ، والشرع ، وكأنه قيل ، ومن فعل خيراً ، أو زاد خيراً أو تطوع بخير ، وليس المراد من تطوع بالطواف بينهما ، كما قيل لأحاديث وجوبه { فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ } أى يثيبه ثواباً عظيماً ، أو مثن عليه عند الملائكة ، لأن الله شاكر ، أو هذه علة وبرهان عظيم ، أو من تطوع خيراً فإن الله شاكره ، أى مثيبه أو مثن عليه فى ملأ خير من ملئه وفى التعبير بشكره تعالى له من الإثابة أو الإثناء مبالغة { عَلِيمٌ } بتطوعه وبكل شىء ، أو بكل شىء ، فيكون برهانا للعلم بتطوعه . -------------------------------------------------------- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ } من اليهود والنصارى بالمحو ، أو بتبديل غيره به ، أو بتفسيره بغير معناه ، أو إخفاء لفظه ، أو محله عن الناس ، والكتم ترك إظهار الشىء قصداً مع مسيس الحاجة إليه ، وذلك بمجرد إخفائه أو بإزالته ، ووضع لشىء آخر موضعه ، واليهود لعنهم الله مرتكبون للأمرين . { مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْهُدَى } الآيات الدالات على الرجم ، ونعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سماهن آيات ، لأنهن دلائل هدى ، وسماهن ، لأنه يوصل بهن إلى المقصود ، وقيل الهدى الدلائل العقلية كقوله تعالى { قدر فهدى } ولا يأباه الإنزال والكتم ، لأن العطف حينئذ عل مالا على البينات ، ولا مانع من أن يظهر الحجة العقلية لإنسان ويكتمها ، إلا أنه خلاف المتبادر . { مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّهُ لِلنَّاسِ } الكاتمين وغيرهم { فِى الْكِتَبِ } التوراة والإنجيل ، وقيل التوراة وغيرها ملحق بها ، وهو أولى ، لأن سبب النزول اليهود ، وقيل القرآن ، وعليه فالناس أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وبيناه أوضحناه فيه ، بحيث يكون متبينا لكل من رآه أو سمعه ، والمشهورون بالكتمان اليهود ، وهم سبب النزول . سأل معاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ ، وخارجة بن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما فى التوراة ، فكتموا ، فنزلت ، وقيل : نزلت فى الكاتمين من اليهود والنصارى ، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم ، فالآية تعم من كتم من أهل التوحيد ما لا يجوز له كتمة من أمر الدين . قال أبو هريرة لولا هذه الآية ما حدثت أحدا بشىء ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار » وذلك شامل للنساء لا يحل لهن الكتم ولا يعذر المسئول بل يكفر إلا إن علم أنه إن لم يجب سئل غيره وأجاب { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ } يبعدهم عن رحمته ، ويذيقهم العذاب ، مقتضى الظاهر أولئك نلعنهم ويلعنهم اللاعنون بالنون ، إلا أنه بالياء ، ولفظ الجلالة تفخيما للحكم ، يبعدهم الله عن رحمته أو يذمهم للملائكة ، وفى اللوح المحفوظ . { وَيَلْعَنُهُمُ اللَّعِنُونَ } أى يتلفظون بلعنهم ، كل وكلامه ، حتى الجمادات ، وقد علم الله تسبيحها ، أو يدعون بإبعادهم عن الرحمة ، وتلعنهم أجسامهم وأجسام غيرهم من الكفرة والمسلمين ، وقيل الملائكة والثقلان ، وقال ابن عباس : غير الثقلين ، وقال عطاء : الثقلان ، وقال مجاهد : البهائم حتى العقارب والخنافس إذا أقحطت بذنوب بنى آدم ، فجمع السلامة للمذكر تنزيل لها منزلة ما قل إذا دعت ، أو تعد من العقلاء إذ ذاك . -------------------------------------------------------- إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ } عن الكتمان { وَأَصْلَحُواْ } أنفسهم ، بالإيمان والعمل الصالح ، وكتب ما محوا ، وإزالة ما زادوا أو بدلوا ، وإرشاد من أضلوا وضمان ما أفسدوا من الأموال بذلك أو أكلوه بلا حل ، { وَبَيَّنُواْ } ما لعنوا بكتمانه ، وهكذا التوبة ، إصلاح ما فسد بالمعصية ومضادتها ، وبينوا توبتهم لمن علم بكتمانهم ، ليقتدى بهم فى الإعلام والتوبة ، ويعلموا بتوبتهم ، وهكذا كل من عصى الله ، أعلم بتوبته من علم بمعصيته ، إقامة لشعار الإسلام وحوطة عن جانبه { فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } من ذلك . -------------------------------------------------------- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ } بالكتم أو غيره { وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } المؤمنين ، أو الناس مطلقا ، فإن أجسَاد الكفرة تلعنهم وتلعن أصحابها . -------------------------------------------------------- خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) { خَلِدِينَ فِيهَا } أى فى اللعنة ، فهم خالدون فى مقتضاها ، وهو النار ، أو خالدون فى النار المدلول عليها باللعنة ، ذكر اللعنة أولا للكاتمين ، وثانيا لمطلق الكافرين ، أو ذكرها أولا بمعنى حصولها بالفعل لهم ، وثانيا بمعنى أنهم مستحقون لها ، أو بمعنى أنهم يلعن بعضهم بعضاً فى الآخرة أو بمعنى دوامه من حيث أنه بالجملة الاسمية ، وثبوت اللعن فى الآخرة فرع على ثبوته فى الدنيا ، أو لعنهم أولا على الكتم ، واستثنى من تاب ، ولعن ثانيا من لم يتب ، تصريحا بما يفهمه الاستثناء ، وما ذكرته أولى ، وفيه إشارة إلى أن الكتم كفر . { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } طرفة عين بالانقطاع ولا بالنقص منه ، مع الاستمرار ، والجملة خبر ثان ، أو حال من ضمير خالدين ، أو هاء عليهم ، أو مستأنفة { وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ } لا يمهلون عن العذاب كما أمهلوا فى الدنيا من الإنظار ، أو لا يؤخرون ليعتذروا ، من النظر بمعنى الانتظار ، أو لا يرحمون كقوله تعالى { ولا ينظر إليهم يوم القيامة } بمعنى الرؤية ، ففى الأساس أنه بمعنى الرحمة بإلى وبنفسه . -------------------------------------------------------- وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) { وَإِلَهُكُمْ } معشر الخلق ، الأجسام والأعراض ، العقلاء وغيرهم ، الحيوان والجماد ، بتغليل العقلاء ، ويختص بهم ما يناسبهم بعد ويتجدد لهم معرفته أنه لغيرهم أيضاً ، وقيل الخطاب للعقلاء ، وقيل لقريش القائلين : صف لنا ربك يا محمد ، ويلحق بهم غيرهم ، وزعم بعض أنه للكاتمين { إِلَهٌ وَحِدٌ } أى أن الذى يستحق العبادة عنكم إله واحد ، فى ذاته ، لا يتجزأُ فى صفاته وأقواله وأفعاله ، وفى أولوهيته ، وقيل : الوحدة هنا عدم التجزؤ ، والأولى أن المعنى لا نظير له ، فيدخل ما ذكر وعدم التجزؤ . سألت اليهود وقريش رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربهم فنزلت سورة الإخلاص ، وقوله تعالى { وَإِلَهُكم إِلَهُ وَاحد لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } الجملة خبر ثان ، أو نعت ثان لاإله ، والنفى الآلهة الحقة ، أى لم يوجد إله بحق إلاّ الله ، أو الآلهة الباطلة ، أى ليست موجودة من حيث الألوهية ، ولو ادعاها عابدوها ، والرحمن الرحيم خبران لإلهكم ، وقيل الرحمن بدل من هو ، والرحيم نعت لرحمن ، وقيل بدلان من هو ، وقيل خبر لمحذوف . وروى أنه كان حول الكعبة ثلثمائة وستين صنما ، ولما نزل « وإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ » قالوا متعجبين : إيت بآية على ذلك ، فنزل « إن فى خلق السمواتِ . . . » الخ ، وهم غير القائلين لا شريك لك ، إلا إلها تملكه ، وما ملكت هو الخالق ، وما سواه منعم عليه ، ونعمه مشكورة أو مكفورة بالعصيان والشرك ، وطلبوا آية على ذلك فنزل قوله تعالى . { إِنَّ فِى خَلْقِ } إيجاد { السَّمَوَاتِ } السبع ، من حيث ارتفاعها بلا عمد ولا علاقة ونيرانها { وَالأَرْضِ } أى جنسها ، فصدق بسبع فى قوله تعالى : { ومن الأرض مثلهن } ، وفى قوله صلى الله عليه وسلم : « من اقتطع قيد شبر من أرض جاره طوقه من سبع أرضين » ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « اللهم رب السموات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ، من حيث مدها ، وكونها على الماء ، ومن حيث شجرها ، وجبالها ، وبحارها ، ومعادنها ، وجواهرها ، وعيونها ، وثمارها ، وحيواناتها » ، وأفردها لأنها متفقة بالحقيقة : وهى التراب بخلاف السموات . فالأولى : من زبد الماء متجمداً . والثانية : من رخام أبيض . والثالثة : من حديد . والرابعة : من نحاس . والخامسة : من فضة . والسادسة : من ذهب . والسابعة : من ياقوت أحمر . وقيل : الأولى : زبد جامد . والثانية : من نحاس . والثالثة : من فضة . والرابعة : من ذهب . والخامسة : من ياقوت . والسادسة : من زمرد والسابعة : من نور العرش وبين كل سماء وأخرى ، وأرض وأخرى ، والأرض والسماء خمسمائة عام كغلظ كل . { وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ } من الافتعال ، بمعنى التفاعل يتخالفان طولا وقصراً إلا وقت الاعتدال ، وزيادة ونقصاً ، وذهاباً ومجيئاً ، وظلمة ونوراً ، وسكوناً للجوارح والإبصار ، وراحة وانتشاراً لها ، واختلافاً للأَوقات ، فكل ساعة مغرب فى موضع ، وعشاء فى آخر ، وثلث ليل فى آخر ونصفه فى آخر ، وسدس فى آخر ، وسحر فى آخر ، وتوسط فى آخر ، وزوال فى آخر ، ووسط الوقتين فى آخر ، وعصر فى آخر ، واصفرار فى آخر ، وغروب فى آخر ، وما بين ذلك كله أيضاً متخالف ، ولا تزول ولو لحظة ، تغرب عن موضع ، وتطلع فى آخر من خلفها وقدامها ، وأينما كانت الشمس عند غروبها فى موضع ، وطلوعها فى آخر يكون وراءها مثل الفجر الكاذب ، شفقاً أبيض ، وقدامها مثله ، وكل بلذ يكون عرضة للشمال أكثر من طوله ، يكون أيام صيفه أقصر من أيام شتائه ، والظلمة سابقة على الضوء فقدم الليل لذلك ، فالنهار لليلة قبله ، وهو الصحيح ، وقيل بالعكس ، واستثنى بعضهم يوم عرفة على الأول ، وجعله لليلة بعده ، ولا يصح ذلك ، وإنما نتبع الحكم الشرعى ، وليس رجوعا لتقدم اليوم والليلة . { وَالْفُلْكِ } جماعة بدليل قوله : { الَّتِى تَجْرِى فِى الْبَحْرِ } فدل على الجماعة بضم الفاء وإسكان اللام مع الحروف ، بخلاف الفلك المفرد فإنه لا دلالة لضمه وسكونه على معنى أو سكنت اللام عن ضم الجميع تخفيفا ، والمعنى أن فى خلق السموات والأرض الخ ، وفى الفلك ، فالعطف على خلق ، أو أن فى خلق السموات الخ وفى خلق الفلك ، فالعطف على السموات ، وقد يجوز عطفه على الليل ، أى واختلاف الفلك ذهابا ورجوعا ، وعلى حال إن فى ذاتها وإيجادها من حيث إنها لا تنزل إلى أسفل الماء مجردة أو محمولا فيها ما خف أو ما ثقل ، وجريانها على وجه الماء بالريح مقبلة ومدبرة مع قوة الماء وهيجانه . { بِمَا } أى بالذى { يَنْفَعُ النَّاسَ } من التجارة وسائر ما يحمل فيها ، قيل برد الضمير لما على أنها موصولة اسمية ، أو بنفعه الناس على أن ما مصدرية برد الضمير للجرى أو للبحر ، والرد للجرى أولى لأن النفع بالجرى بالذات ، بخلاف البحر فبواسطة الجرى ، ولو كان الجرى بواسطة البحر ، وقيل يجوز تذكير الفلك وتأنيثه ، مجردا أو جماعة ، فيجوز رد الضمير للفلك ، وقد قيل إنه مفرد أنث بتأويل السفينة أولا ، وذكر ثانيا على أصله ، وفى البحر أيضا عجائب ، حيتان ، ولؤلؤ ، ومرجان ، وياقوت ، والسفينة آلة الخوض فيها والاطلاع على ذلك ، ولكن لا تحمل الآية على لإشارة لذلك لما فيه من التكلف ، ولو كانت الفلك سببا . { وَمَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَّآءٍ } أى وفى خلق ما أنزله من السحاب ، أو فى ما أنزله من السحاب ، سماه سماء ، أو من السماء إحدى السبع ، يصل بسرعة ، أو أريد بالسماء جهة العلو ، فيشمل الوجهين ، والماء تارة من السماء ، أو من الجنة ، ينزل فى أقرب مدة ، كسرعة الملك فى النزول ، وتارة من البحر والعيون بخارا ، وهذا الأكثر ، وتارة يتقلب أجزاء الهواء الصغار الهبائية ماء بسبب ، وأخره ، مع أنه أفضل ، قيل لفضله الزائد ، أو لحمعه العلو والسفل ، إذ منه ما من السماء وما من البحر ، كما أن اختلاف الليل والنهار فيه ذلك ، لأن الضوء والظلمة فى الأرض والجو والفلك بالماء والريح . { فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ } بالنبات ، أظهر بهجتها وزيادة منها ، إظهاراً شبيهاً بإحياء ما مات ، وبإدخال الروح فيما ليس حيا قط ، بجامع الحسن والزيادة ، وهى قبل النبات جماد ، وكميت بعد حياة ، كما قال { بَعْدَ مَوْتِهَا } أى عدم النبات فيها أو زواله عنها ، وذلك أن الماء سبب للحياة فى الحيوانات ، وسبب للنبات والثمار ، وينزل عند الحاجة ، وبالدعاء والاستقساء ، وفى مكان دون مكان ، وهو لكل سنة مقدار مخصوص ، ويكون فى بعض الماء دون بعض { وَبَثَّ } به ، أى فرق ، أى بما أنزل من السماء من ماء ، وفيه حذف رابط الصلة المجرور بدون جر الموصول بمثله ، ودون تعلقه بما تعلق به جاز الموصول على الصلة ، أو عَلَى ما عطف عليها ، ولا يضر فصله لأنه سببى ، وكأنه صلة ، وهذا أولى من أن يقال بثه أى بث به . { فِيهَا } دواب { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ } أى من كل نوع من الدواب ، توجد بالماء خلقا وينمو الموجود منها بالتوالد ، مع اختلافهما ، خرسا ونطقا ، وصوتا ، ولونا ، ووحشا ، وإنسا ، ونقعا وضرا وطبعا ، وغير ذلك كطول حياة وقصرها ، وطول ذات وقصرها ، ورقة وغلظة ، وفى السماء دواب أيضا { وَتَصْرِيفِ الرِّيَحِ } تقليبها جنوبا وشمالا ، وقبولا ودبورا ، حارة وباردة ، ولينة وعاصفة ، وعقيما ، ولا قحا للمطر والشجر . وكان صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح قال : « اللَّهُم اجعلها رياحا لا ريحا » ، لأن مفردها فى القرآن سوء ، كقوله تعالى : { وَفِى عَادٍ . . . } الخ ، وجعلها فى خبر ، كقوله تعالى : { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات } ويقال سميت ريحا لأنها تريح النفوس ، وياؤه عن واو ، ويقال ما هبت إلا لشفاء سقيم ، أو سقم صحيح ، ويقال البشارة فى الصَّبا ، والشمال والجنوب ، وأما الدبور فعقيم لا بشارة فيها ، وسميت الصبا قبولا ، لاستقبالها وجه الكعبة ، وهى حارة يابسة ، ويسميها أهل مصر الشرقية ، لأنها تهب من الشرق ، ويقال ، المبشرات ، والناشرات ، والذاريات ، والمرسلات ، والرُّخا للرحمة ، والعقيم والصرصر والعاصف والقاصف فى البحر للعذاب ، والصبا من مطلع الشمس فى الاعتدال ، والدبور تقابلها ، والشمال من جانب القطب ، والجنوب تقابلهما ، وطبع الدبور البرد والرطوبة ، يسميها أهل مصر الغربية ، لأن مهبتها الغرب ، وتأتى من دبر الكعبة ، وطبع الشمال البرد واليبس ، وتسمى البحرية لأنه يسار بها فى البحر على كل حال ، وقلما تهب ليلا ، وطبع الجنوب الحرارة ، وتسمى القبلية لأن مهها من مقابل القطب وهى عن يمين مستقبل المشرق ، ويقال إذا هبت على أهل مصر سبع ليال استعدوا للأكفان ، ولو أمسكت الريح طرفة عين لمات كل ذى روح وأنتن على ما على الأرض . { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ } المذلل { بَيْنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ } بلا عمد ، ولا علاقة ، مع ما فيه من المياه الثقيلة العظيمة التى تملأ منها الأودية ، والأراضى ، سميت لانسحابها وانجرارها ويسير بواسطة الرياح ، وبين متعلق بمسخر ، أو حال من المستتر فيه { لأَيَتٍ } دلائل على وجود الله ، وقدرته ، وكونه لا كالأشياء { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم ، فيدركون بها الحق ولا يهملونها . روى ابن أبى الدنيا وابن مردويه عن عائشة رضى الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها . وتلك الأمور من الجائز ، قابلة لعكس ما هى عليه كله ، من حركة أو سكون ، وبسط وكورية وغير ذلك ، ومثلها لا يفعلها ولا تفعل نفسها ، فالفاعل هو غيرها ، وغير مثلها ، والفعل لا يكون من فاعلين ، والمصطلحان عاجزان ، وإن كان فى حدهما فغير الفاعل ليس إلها . -------------------------------------------------------- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذْ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَاداً } أمثالا لله مقاومة له فى زعمهم ، وهى الأصنام أو أصناماً أمثالا ، بعضها يماثل بعضا ، أو رؤسا من الناس يتبعونهم ، وهو ضعيف ، لأن المقام للاستدلال على انتقاء ألوهية الأصنام الدائرة بالكعبة وغير الدائرة بها ، ولأنه لم يعهد تعظيم رؤسائهم حبا وطاعة ، وأما ضمير العقلاء فى قوله { يُحِبُّونَهُمْ } وهو هم ، فلتنزيلهم الأصنام منزلة العقلاء فى السمع ، والفهم ، والنفع ، والضر ، ولأن رؤساءهم يتخذون الأنداد ، فهم ممن خوطب باتخاذ الأنداد ، أو ما يعم الأصنام والرؤساء وغيرهم من كل ما يشغل عن الله عز وجل . { كَحُبِّ اللهِ } كحبهم الله ، أو كحب الناس مطلقاً الله خضوعاً وتعظيماً ولو تفاوت الحبان ، لأنهم عقلاء ، يعلمون أن الخالق للسموات والأرض غيرهن الله ، وقد قال : { وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا اللهَ } الخ ، وأن الأصنام وسائل ولا تعبد تسويتهم ، لفرط حمقهم . قال الله عز وجل : { ولئن سألتهم من خلق . . . الخ ، وإذا ركبوا فى الفلك } الخ . { وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } من المشركين لأندادهم ، فإنهم لا يعدلون بالله شيئاً فى الرخاء والشدة ، والمشركون يعدلون عن الأنداد إلى الله فى الشدة ، كما مر آنفاً ، ويرفضون صنما إلى غيره ، ويأكلونه ، كما أكلت باهلة ، وهى قبيلة من قيس غيلان إلهها من حيس تمر يخلط بسمن وأقط ، وكما عبد عمر بن الخطاب رضى الله عنه قبل إسلامه عجينة ، فأكلها ، وللمشركين حب شديد للأنداد ، لأن الله جل وعلا أخبرنا أن شدة حب المؤمنين الله سبحانه وتعالى فوق شدة حب المشركين الأنداد لأن محبة المؤمنين الله تزداد بازدياد إدراكهم الكمال ، وهى ميلهم إليه توقيراً بامتثال وازدجار لنعمه ، وخوف عقابه ، فالحب متعلق بتطاعته وتعظيمه ، وزعم بعض أنه يجوز تعلقه بذاته تعالى ، من حيث إنه الكامل الملطلق ، وحبهم الله أرسخ لا يميلون عنه ، والمشرك المانع فى عبادة صنم يميل عنه لشدة تناله ، ولو اشتد فى نفس العبادة أكثر من المؤمن ، والحب بالضم من الحبة بالفتح ، كالثمرة ، والعنبة ، استعير لحبة القلب ، وهى دَمه الأسود ، يتعلق به الروح الحيوانى بعد تعلقه بالبخار اللطيف الذى يحدث ويتصاعد من ثم بواسطتها ، ويسرى إلى سائر البدن ، فسويداء القلب فى كونها منشأ للحياة والآثار كالحب فى كونه مبدأ للنماء والإثمار ، والله عز وجل يحب عبده المؤمن بمعنى أنه أراد له الخير وأنه يوفقه . { وَلَوْ يَرَى } من يصلح للرؤية { الَّذِينَ ظَلَمُواْ } باتخاذ الأنداد أو مطلق الظالمين بالكفر { إِذْ } أى إذا ، بدليل المضارع بعدها ، لأنه للاستقبال أو للحال المستقبلة وهو متعلق بيرى { يَرَوْنَ } يشاهدون . { الْعَذَابَ } على ظلمهم لرأيت أمراً فظيعاً خارجاً عن الوصف ، ويجوز إبقاء يرى على الاستقبال تحقيقا ، وإذ للماضى تأويلا بتحقيق الوقوع ، أى ولو يرى يوم القيامة عذابهم لرأى أمراً فظيعاً ، لكن لا يراهم لأنهم فى النار أو لو يرى الآن لرأى الخ ، لكن لا يرى العذاب فى قبورهم فى برزخ موتهم ، وعلل قوله بقوله { أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً } بفتح الهمزة ، أى لأن القوة ، أو يقدر ، لعلم أن القوة الخ أى لازدياد علمه ، أو المصدر من خبر إن يدل اشتمال من العذاب لأن ثبوت القوة كلها الله عز وجل تشمل قوته فى العذاب فيقدر على هذا ليرى بعد قوله { وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } أى لرأى أى علم أو يعلم ثبوت القوة كلها أو شدة العذاب لله ، والمراد ازدياد العلم أو علم المشاهد . -------------------------------------------------------- إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) { إِذْ } بدل من إذ باعتبار مدخوليها أو متعلق بشديد أو مفعول لا ذكر { تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ } ادعى الرؤساء المتبوعون براءة ذمتهم { مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ } من ذنوب التابعين ، لهم بأن قولوا ما أضللناكم أو ما قهرناكم على الضلال ، بل اخترتموه ، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون { وَرَأَوُاُ } عطف على تبرأ أو حال ، أو والحال أنهم قد رأوا { الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ } زالت كما يقال تمزقت بهم الطرق أى فرقتهم . { الأَسْبَابُ } الأمور التى يتوصلون بها إلى مرادهم ، من دين الباطل وسائر الأغراض ، كما يتوصل بالحبال من القرابة والمودة والجوار والأموال ، فليسوا ينجون بها يوم القيامة ، ولو نفعتهم فى الدنيا ، والسبب الحبل مطلقا ، أو الذى يتوصل به إلى الماء ، أو الذى تعلق بالسقف أو الذى ترتقى به النخلة ، فهو استغارة أصلية تحقيقية تصريحية والقرينة حالية . -------------------------------------------------------- وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) { وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ } هؤلاء الرؤساء { لَوْ } ثبت { أَنَّ لَنَا } معشر التابعين والمتبوعين { كَرَّةً } أى رجعة إلى الدنيا « فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ » فى الدنيا إذا رجعنا إليها نحن وهم ، فلا نتابعهم على الكفر إذا دعونا إليه . فعدم المتابعة بعد الرجوع هو تبرؤهم منهم ، أو نتبرأ من دينهم إذا رجعنا إلى الآخرة مسلمين بعد الرجوع إلى الدنيا ، ورجعوا إليها كافرين ، أو لو أن لنا رجعة إلى الدنيا فنسلم ونرجع إلى الآخرة وهم باقون فيها لم يرجعوا ، فنتبرأ من دينهم ، ولو للتمنى ، ونصب نتبرأ فى جوابه ، ولا يلزم من التشبيه أن يكون تبرؤ التابعين من جنس تبرؤ المتبوعين ، فقد تخالفا؛ إذ تبرؤ المتبوعين بقولهم لم نقهركم على الضلال ، وتبرؤ التابعين بقولهم لسنا على دينكم لو رجعوا إلى الدنيا وأصحلوا ، أو يجوز أن يكون المتبوعون الأصنام إذ عظموهم وجعلوهم كالعقلاء فى الآخرة ، ما كنتم إيانا تعبدون ، تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون . « كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنّا » كما تبرأ هؤلاء الرؤساء المتبوعون منا معشر التابعين ، بأن قالوا : إنا بريئون من ذنوبكم ، ما أضللناكم أو ما قهرناكم على الضلال ، بل اخترتموه ، وذلك مجازاة لهم ، إذ غاظهم تبرؤ الرؤساء المتبوعين ، فأرادوا أن يغيظوهم بالتبرؤ ، بأن يرجعوا إلى الدنيا ويسلموا ، فيقولوا لسنا على دينكم ، ويبقى الرؤساء المتبوعين على الكفر ، وذلك إغاظة فى الدنيا أو يوم القيامة ، إذا رجعوا إلى الآخرة من الدنيا التى رجعوا إليها . { كَذَلِكَ } أى مثل ما ذكر من رؤية العذاب ومن تبرؤ المتبوعين من التابعين ، وذلك أنه يجوز أن يقال قمت كما قعدت ، أى فعلت القيام كما فعلت القعود ، فلا يضر أن التبرؤ لم تسلط عليه الرؤية بل لا مانع من أن يقال المراد مثل إرادة العذاب وشدته ، وتبرؤهم لأن ذلك كله يرونه . ولو لم يذكر رؤية كل ذلك فى الآية ، فكيون التذكير بتأويل ما ذكر أو يشار إلى الإرءاء بهمزتين بينهما ألف ، وهى عين الكلمة منلزة حرف العلة ، فيكون من باب إقامة ، لكن ، لأنا قدرناه مضافا ، فهو مذكر كقوله تعالى : { وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } والمعنى على كل حال كما أراهم ذلك . { يُرِيهمُ اللهُ } يعلمهم أو يجعلهم رائين بأبصارهم باعتبار الأثر { أَعْمَلَهُمْ حَسَرَاتٍ } وجبات ندمات فى حزن وتلهف ، فالحسرة أخص من الندم مترادفان { عَلَيْهِمْ } متعلق بحسرات ، أو نعته ، لأن المعنى مضرات عليهم ، أو المراد حسرات على خبثهم إفراطاً وتفريطا . { وَمَا هُمْ بِمُخْرَجِينَ مِنَ النَّارِ } ولو وجدوا لخرجوا بأنفسهم ولو بلا إخراج ، بخلاف أهل الجنة فإنهم لا يخرجون منها إلا بإخراج مخرج لو كان ، لكن لا خروج ولا إخراج ، والجملة الاسمية ، والباء للمبالغة فى الخلود ، وليس فى ذلك حصر ، وإذا قيل به فى مثل ذلك فمن دليل عدم خلودهم ، وليس فى ذلك صيغة حصر ، وأيضا ليس المقام مقام حصر الخلود فى المشرك ، حصر قلب أو تعيين ، أو إفراد ، والمراد نفى أصل الخروج ، مثل قوله تعالى : { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } -------------------------------------------------------- يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) { يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِى الأَرْضِ حَلَلاً } غير محرم كمغصوب ، ومسروق ، وخمر ، وميتة ، وما أخذ فى قمار . أو زنا ، أو كهانة أو فى معصية ونحو ذلك من المحرمات { طَيِّباً } نعت مؤكد ، لأن الحلال ، مستلذا أو غير مستلذ . فالآية نزلت ردا على من حرم البحيرة والسائبة ، والوصيلة والحامى ، من المشركين ، وعلى قوم من ثقيف ، ومن بنى عامر بن صعصعة وخزاعة ، وبنى مدلج ، إذ حرموا على أنفسهم التمر والأقط ، ويضعف لقوله تعالى : { وأن تقولوا } الخ أن يكون ذلك ردا على من عزم من المسلمين ، على أن لا يأكل لذيذا ، أو لا يلبس لباسا رفيعا ، وعلى عبدالله بن سلام وأضرابه حين أراد تحريم لحم البعير كما فى دين اليهود قبل أن يسلم ، وإن كان بعد الإسلام فنزلت تاب منها ، كما استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى ليلا النفل بالتوراة ، فزجره فازدجر . ونزل أيضاً فى تحريم اللذائذ قوله تعالى ، { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } { والطيبات من الرزق } ، وسمى الحلال حلالا لانحلال عقدة الحظر عنه ، والأمر للإباحة ، أى أبحث لكم السائبة ونحوها واللذائذ ، ولم أحرمها عليكم قط ، ولن أحرمها أبداً ، أو للوجوب على معنى اعتقدوا حل أكل ما لم يحرمه الله ، ويجب الأكل لقوام الجسد ، ويستحب ولو فوق الشبع إذا كان مؤانسة للضيف ، أو لعقا للقصعة ، أو للأَصابع ، أو أكلا لما يسقط من الطعام ، وكذا الشرب من زمزم فوق الرى مستحب ، وقد استدل بعض بالآية على تحريم الأكل فوق الشبع ، لأنه ليس طيبا فى الشهوة المستقيمة . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيَطَنِ } طرقه من تحريم السائبة واللذيذ ونحوهما ، لما كان يأمر بها ، جعلت كأنها طرق يمشى فيها ، ولما كانت الطرق محلا للخطو سميت باسم الخطوات . أو لما كان الأمر بتلك المحرمات أمراً بالكون عليها ، الشبيه باخلطو ، أطلق على الذى يأمر به وهو الشيطان أنه يمشى فيها { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ظاهر العدواة لأهل البصائر وأما الغواة فهو وليهم يتبعونه ، ولو ظهرت لهم منه مضرة ، كقوله تعالى { أولياؤهم الطاغوت } وقيل أولياؤهم أعداء كما يقال تحيتهم ضرب وجيع وتحيتهم السيف ، والجملة تعليل فلا يليق جعله من أبان بمعنى أظهر . -------------------------------------------------------- إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ } الذنب الكبير والصغير { وَالْفَحْشَاءِ } الذنب الكبير المتجاوز الحد فى القبح ، فالفحشاء أخص من السوء ، ويجوز أن يكونا بمعنى واحد إلا أنه من حيث أنه يسوء فاعله وغيره سوء ، ومن حيث إنه قبيح فحشاء ، أو السوء ما لا حد فيه ، والفحشاء ما فيه الحد ، وقيل هما بمعنى واحد ، وهو ما أنكره العقل وحكم بأنه ليس فيه مصلحة وعاقبة حميدة ، واستقبحه الشرع ، وقوله تعالى : { قل إنما حرم ربى الفواحش } دليل على أن كل معصية ولو صغيرة تسمى فاحشة ، والأمر المذكور عن الشيطان حقيقة ، لأنه يقول ، افعلوا كذا على طريق الالتماس ، على أنه يسويهم بنفسه ، أو لأنه يدعى العلو عليهم ، ولو لم يكن عنده أو اعتقد أنه أعلى ، ولا حاجة إلى أن تقول شبه الوسوسة فى المعاصى بالأمر بها ، ولا إلى أن نقول شبه تزيين المعاصى بالأمر بها ، عَلَى أن ذلك استعارة ، ولا يلزم من الأمر ولو كان من عال تسلط قهر ، فلا مناداة بين الآية وقوله تعالى : { ليس لك عليهم سلطان } . { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أى وبأن تقولوا كاذبين على الله ، أو ضمَّن تقولوا معنى الكذب ، أو عن الله ما لا علم لكم به ، من تحريم السائبة ونحوها ، وتحليل الميتة ونحوها ، واتخاذ الأنداد ، وليس قول المجتهد قولا بما لا يعلم ، لأنه يقول استدلالا بما يستنبط من القرآن والسنة والإجماع ، قصداً للحق لا اتباعاً للهوى ، وقد أباح الله له ذلك ، وإن اختلف المجتهدون فالحق عند الله مع واحد فقط ، وغيره مأجور ، ويجوز العمل بما قال ، وقد يكون الحق عند الله غير ما قالوا ، مع أن ما قالوا لا يعد ضلالا عليهم ، وقالت المعتزلة : الحق متعدد بحسب أقوال المجتهدين ، ودو ضعيف ، وإما أن يقال كل واحد مأجور يجوز العمل بما قال ، وأن كل واحد العمل به حق فى حق المقلد فلا بأس . -------------------------------------------------------- وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) { وَإِذَاْ قِيلَ لَهُمْ } للناس وهم كفار { اتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللهُ } فى القرآن ، وفى العقول من الحجج العقلية من التوحيد وتحليل السائبة ونحوها { قَالُواْ } لا نتبع ما تزعمون أنه من الله { بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا } وجدنا . { عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا } من عبادة الأصنام وتحريم السوائب ، ويبعد أن يكون الضمير لليهود الذين دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ، وأن ما أنزل الله هو التوراة والإنجيل والقرآن ، لأن العلاثة تدعو إلى الإسلام ، ولو روى أنها نزلت فى طائفة منهم دعاهمن فقالوا نتبع ما عليه آباؤنا ، لأنهم أعلم منا ، وإنما قلت يبعد ذلك لأن الآيات والضمائر قبل ذلك فى غيرهم ، وعلى هذه الرواية لو صحت يكون المراد بما ألفينا عليه آباءنا ، وجدوا عليه أسلافهم من اليهود ، مما يخالف الحق ألبتة ، أو كان حقاً ، ونسخه القرآن ، وقي الضمير عائد إلى من يتخذ ، أو إلى ما يفهم من أن الذين يكتمون أو إلى المشركين ، ولا يلزم من النزويل فى قوم رد الضمير إليهم ، والغيبة بعد الخطاب وتلويح بأنهم ليسوا من أهل الخطاب ، فصرف عنهم إلى أهله بإخبار أهله عنهم . { أَوَ لَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ } زيادة فى كلامهم على طريق الاستفهام التوبيخى ، والهمزة ، مما بعد الواو ، أو مستأنف توبيخ ، أى أيتبعون آباهم ولو كان آباؤهم { لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً } من أمور الدين التى خالفوها وأمروا باتباعها { وَلاَ يَهْتَدُونَ } إلى الحق . -------------------------------------------------------- وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ } من اليهود والنصارى وغيرهم ومشركى العرب والذين يدعونهم إلى الإيمان النبى والمؤمنين ، أى مثل الكافرين مع المؤمنين كمثل الغنم مع راعيها ، كما قال { كَمَثَل الَّذِى يَنْعِقُ } يصوت من رعاة الغنم عليها { بِمَا لاَ يَسْمَعُ } أى على ما لا يسمع ، وهو الغنم . { إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَاءً } صوتا بلا فهم لمعناه ، لما صاح بها لتمشى أو تقف ، ولو فهمت منه على الاعتياد أنها تقف أو تمشى ، وأيضاً هذا الفهم ليس فهما لوضع الصوت لمعناه ، بل فهما لتوسط ضربها أولا بالحجر لتقف أو تمشى ، وإنما قدرت مع الذين يدعونهم إلى الإيمان بلفظ مع لا بالواو ليناسب قوله كمثل الذى الخ ، من المتقدم فيه الراعى ، كذلك فإن مع أصلها أن تدخل على الراجح المصحوب ، فالراجح المصحوت هو النبى والمؤمنون ، أو يقدر ، ومثل داعى الذين كفروا للإيمان كمثل الذى ينعق ، أو يقدر مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذى ينعق . وعلى كل حال فالنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يدعون الكفار إلى الإيمان ولا يعرفون المقصود ، لانهما كهم فى التقليد وكونهم أميين ، وإعراضهم تجاهلا ، كما يصيح الراعى على غنمه ، ولا تفهم حكمة موضوع الصوت ، ولو وقفت به أو مشت فهم أضل منهما إذ تمتثل ولا يمتثلون ، أو المعنى مثل الذين كفروا فى دعاء الأصنام كمثل الناعق فى غنمه ، بل الناعق فوقهم ، لأن الغنم تسمع وتحس بحلاف الأصنام ، والدعاء والنداء مترادفان فيما قيل ، فلعله كرر تأكيداً كأنه قيل أصواتاً كثيرة ، أو الدعاء ما يدل على معنى امشى ، أو قفى ، أو اشربى أو كلى ، أو نحو ذلك ، من فعل ، أو اسم فعل أو اسم ، صوت ، والنداء ما يزاد على ذلك ، كها ، وياء مما يتلفظ به فى البهائم ، ويبعد ما قيل إن الدعاء للقريب والنداء للبعيد ، كقول الأعرابى : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ، لأن النداء يكون أيضاً للقريب ، كما ينادى بالهمزة وأى للقريب ، وقيل الدعاء ما يسمع ، والنداء قد يسمع وقد لا يسمع . { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } هم صم ، بكم ، عمى ، أى لا يسمعون الحق ولا ينطقون به ولا يرونه { فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } الموعظة والأحكام الشرعية ، أى لا يدركونها ، وليس المراد نفى عقل التكليف على سبيل تنزيل وجوده منزلة العدم ، ولفقد ثمرته ، لأنه لا يصح ترتبه بالفاء ، كذا قيل ، وفيه أنه لا مانع من أن يقال هم صم بكم عمى لا يدركون ، فهم لذلك كمن لا عقل له كالمجنون . -------------------------------------------------------- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ } لذائذ { مَا رَزَقْنَكُمْ } لا تحرموها على أنفسكم ولو اعتقدتم حلها . نزلت فيمن عزم من الصحابة على أن يمنع نفسه منها ، والطيبات الحلال مطلقا فيدخل فيها اللذائذ . { وَاشْكُرُواْ اللهَ } على حل أكلها ، والأمر بالأكل للإباحة العامة فى الطيبات ، أو فى اللذائذ ، إباحة تأكيد لتقدمها فى آى أخر ولعهدها فى الأذهان ، وخارجا وعملا ، كرر ذلك تشخيصاً للمؤمنين ، وتخصيصا بأنهم الأهل لها ، وتشريفا لهم ، وليرتب عليه ذكر الشكر وتحريم الميتة وما بعدها . { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } إذ عبادته لاتتم إلا بالشكر ، أى إن كنتم تريدون عبادته عبادة تامة ، والمراد الشكر باللسان ، أو أن يستشعر فى العبادة أنه يعبده لأجل نعمه ، وأما الشكر بمعنى استعمال القلب واللسان والجارحة فلا تفسر به الآية؛ لأن المعنى يكون بذلك واشكروا لله إن كنتم إياه تشكرون ، وهو لا يصح ، وتقديم إياه للاهتمام ، والفاصلة ، وإن جعلناه للقصد كان المعنى : واشكروا لله إن كنتم خصصتموه بالعبادة ، فالقيد حصر العبادة له ، لا نفس العبادة ، فمن لم يشكر له ، بل شكر غيره لم يخصه بالعبادة. قال صلى الله عليه وسلم : « الحمد رأس الشكر ، وما شكر الله من لم يحمده » ، والمراد بالحمد فى الحديث الحمد اللفظى ، قال الطبرانى ، والديلمى ، والبيهقى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يقول الله تبارك وتعالى : إنى والإنس والجن فى نبأ عظيم ، أَحلق ويُعبد غيرى ، وأرزق ويُشكر غيرى » . -------------------------------------------------------- إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ } الحصر إضافى فيه إلى السائبة وما معها ، لا حقيقى ، لأنه قد حرم أيضاً الغصوب والمسروق وأجرة الزنا وأجرة الكهانة والربا وغير ذلك ، وأما الموقوذة والمتردية النطيحة وما أكل السبفع فداخلة فى الميتة إن لم تدرك ذكاتها قبل الموت ، وإن أدركت فمن الحلال ، والحصر حصر القلب بالنسبة إلى من أحل الميتة وما معها ، وحرم السائبة وما معها ، وحصر أفراد بالنسبة إلى ما حرمه بعض المؤمنين من اللذات ، بأن شدد عليهم فقد منعهم أنفسهم منها تحريماً ، فنهاهم بهذا الحصر ، ففى كل من التحريم والمنع تحجيز ، فيكون من عموم المجاز ، ثم الحكم وشراءهن ورهنهن والإجارة بهن ، وإصداقهن ، والغسل بهن ، والاستصباح وهو حى . قال أبو داود ، والترمذى ، وحسنه عن أبى واقد الليثى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ، وهم يجبون الأسنمة ويقطعون أليات الغنم ، ما قطع ، أى وهو حى ، من البهيمة وهى حية فهو ميتة ، واستثنى الحديث السمك والجراد إذ قال : أحلت لكم ميتتان ، وزعم بعض أن ما مات من الحوت والجراد حرام ، وعموم الحديث يرده ، واستثنى الحديث أيضا الجلد ، فإنه أزيل ودكه بدباغ أو غيره حل ظاهرا وباطنا ، واستثنى من الدم الكبد والطحال ، وخص ذكر لحم الخنزير بالذكر لأنه معظم ما يؤكل ، ولأنهم يستعظمون تحريمه ، وغيره تبع له ، وكله حرام حتى عظامه وجلده وشعره ، وقيل بحل شعره ، وحل خنزير البحر على الصحيح ، ومعنى أهلَّ به رفع الصوت به ، وذلك أن يذكر الصنم أو غيره عند ذكاته وحده ، أو مع الله ، فيحرم ما ذكر عليه المسيح ، وقيل حل لأن الله عز وجل أباح ذبائح أهل الكتاب ، وقد علم أنهم يخلطون ، ويحرم ما ذكى للجن اتقاء بهم لمريض ، أو عند حفر بئر ، أو بناء دار ، بأن يذبح فى الموضع الذى يحفر نفسه ، أو فى الدار نفسها ، أو فى موضع مجاور لهما لذلك ، والرفع ذكر للواقع فى الجاهلية ، فما ذبح لغير الله حرام ، ولو أسر ذكر غير الله أو ذكره فى قلبه ، والإهلال مأخوذ من الهلال ، إذ يرفع الصوت به إذا رئى ، ثم أطلق على رفع كل صوت ، وكل ما نهى عن قتله فى الحديث من نحو الصرد والهدهد فذبحه للأكل أو المنفعة حلال ، والآية تشمله . { فَمِنِ اضْطُرَّ } افتعل من الضر ، وهو متعد لواحد كأصله ، ألا تراه مبنيا للمفعول مع أن نائب الفاعل غير ظرف ولا مصدر ، وطاؤه عن تاء ، لتوافق الضاد فى الجهر ، الافتعال هنا للمبالغة ، كأنه قيل من ضره الله ضرا عظيماً بالجوع حتى خاف به الموت أو العمى أو الصمم أو البكم أو الشلل أو نحو ذلك مما لا يحتمل . { غَيْرَ بَاغٍ } بالسفر فى معصية أو منع حق ، أو نشوز عن زوج أو سيد ، أو خروج عن المسلمين ، أو منع مضطر آخر عن أن يشاركه { وَلاَ عَادٍ } معلّ ، كغاز وقاض ، من المداوة ، أو العدوان ، وهو تجاوز الحد ، ومرجعهما واحد ، وذلك بقطع الطريق عن المسلمين أو أهل الذمة ، أو بأكل فوق ما يمسك الرمق . { فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ } فى الأكل من ذلك بقدر ما يوصله أو يحيا به ، ولا يأخذ معه من ذلك ، والمذهب تحريم الزيادة على ما يمسك الرمق وكذا روى عن أبى حنيفة والشافعى ، وقال عبدالله بن الحسن البصرى : يأكل قدر ما يدفع الجوع ، وقال مالك يأكل حتى يشبع ويتزود ، فإذا وجد الحلال طرحه ، وإن تاب الباغى أو العادى حل له تناول من ذلكن وكذا لا يحل لهما التيمم إن فقد الماء ، ويصليان به ويقضيان إذا وجدا ماء ، وإن تابا لم يقضيا ما صليا بالتيمم بعد التوبة . { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ } لأوليائه لأنهم يتوبون { رَحِيمٌ } بأهل طاعته حيث وسع للمضطر ، وليس ذلك مختصا بالموحدين ، بل يحل لمشرك غير باغ ولا عاد أيضا أن يتناول منها للاضطرار ، لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة كأصلها . -------------------------------------------------------- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَبِ } هم علماء النصارى واليهود ورؤساؤهم ، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل ، ويرجون أن النبى المبعوث آخرا منهم ، فلما كان من العرب فاخوا من ذهاب ما يُعطَون فكتموا صفاته التى فى التوراة والإنجيل ، واهتم أهل الكتاب بأن لا يعلِّموها من يتعلمها ، وبأن يخطوا عليها ، ويكتبوا كتابا ، ولا يكتبوها فيه . وبأن يبدلوها بعكسها ، وبأن يبدلوها فى التعليم وبكل ما أمكنهم ، وهكذا كلما ذكر كتمهم فى القرآن . { وَيَشْتَرُونَ بِهِ } بسبب الكتاب أو ما أنزل إذ كتموه أو بكتمانه { ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } كلها بملئها ، ولا فى بعض البطن ، لشهرة أنه أكل فى بعض بطنه إذا أكل قليلا ، أو أكل فى بطنه إلا ملأه { إِلاَّ النَّارَ } ما يأكلون فى الدنيا بكتمانهم إلا سبب النار أو موجب النار ، فحذف المضاف ، ولا يصح أن يكون مجازاً بعلاقة التسبب أو المآل ، أى إلا ما سيصير ناراً ، أو أن النار مستعمل فى ذلك المأكول ، لأنه لو قيل ما يأكلون فى بطونهم إلا ذلك المأكول بالكتمان أو الصيرورة لم يصح ، فإن شرط المجاز أن تصلح موضعه الحقيقة ، أو المعنى ما يأكلون يوم القيامة إلا النار ، جزاء على ذلك الأكل على الكتمان ، فالمضارع للاستقبال على هذا الوجه ، وللحال على الوجه الأول ، فأكل النار حقيقة ، ولا ينافى الحصر أنهم يأكلون الزقوم أيضا لأنه إضافى ، أى ما يأكلون لهذا الكتمان والأكل عليه إلا النار ، فآكل الزقوم على غيره ، أو على الإطلاق ، أو أكل النار مجاز عن إحراق باطنهم ، أو عد الزقوم أيضاً ناراً ، أو الكلام تمثيل ، شبه هيئة الراشى والمرتشى والرشوة بهيئة الأكل والنار وآكلها . { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ } كناية عن غضبه عليهم ، أو تعريض بحرمانهم ، لكنهم من الكرامة التى يؤتيها المؤمنين ، لعدم كتمانهم ، ومن جملتها الكلام الموحى إليهم من الله بالبشرى والرضى ، أو المراد لا يكلمهم بخير كما يكلم المؤمنين ، وذلك بالوحى ، وإلا فمطلق الكلام ، واقع لقوله تعالى : { فوربك لنسألنهم أجمعين } وقوله : { فلنسألن الذين أرسل إليهم } ، ويسال كل مكلف { وَلاَ يُزَكِّيهِمْ } يطهرهم من الذنوب ، أو لا يمدحهم { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فى الدنيا كالآخرة . -------------------------------------------------------- أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَواْ الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى } فى الدنيا { وَالْعَذَابَ } فى الآخرة أو الدنيا ، أو فيهما ، وذكر الآخرة فى قوله : فما أصبرهم على النار { بِالْمَغْفِرَةِ } المعدة لهم ، ولو آمنوا ولم يكتموا وعملوا الصالحات واتقوا . { فَمَا } تعجيبية أو استفهامية توبيخية { أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } الأصل أن تكون المعصية شاقة على المعاصى ، لعظمة حق الله وشدة العقاب ، حتى إن الصبر عليها كالصبر على النار ، فجات الآية على ذلك ، تقول لمن تعرض لغضب السلطان ، ما أصبرك على القيد والسجن ، تقبح رأيه ، بأنه لا يتعرض لغضبه إلا من له طاقة على القيد والسجن وأنت لا طاقة لك ، وكانت رابعة العدوية ترى المعصية ناراً ، شبه مداومتهم على المعصية باعتبار مشقتها بحسب الأصل ، ولو لم تشق عليهم ، وباعتبار الصديقين بالصبر على النار ، أو يقال كذلك ، ما أصبرهم على موجبات النار ، أو الصبر مطلق حبس النفس على الشىء ولو لم يشق عليها ، أى ما أدومهم على موجبات النار ، هى الكتم والكفر والاشتراء . -------------------------------------------------------- ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) { ذَلِكَ } أى أكل العار فى بطونهم ، وعدم تكليم الله إياهم ، وعدم تزكيته لهم ، وثبوت العذاب الأليم والنار ، أو ذلك العذاب المسبب على الكتم والاشتراء { بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَبَ } التوراة والإنجيل والقرآن { بِالْحَقِّ } فخالفوه ، وآمنوا ببعض الكتب وكفروا ببعض ، والذى آمنوا به كفروا ببعضه ، أنكر اليهود والنصارى القرآن ، واليهود والإنجيل ، وبعض التوراة ، والنصارى التوراة وبعض الإنجيل . { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ } مشركو العرب { فِى الْكِتَبِ } القرآن ، قال بعض هو شعر وبعض كهانة ، وبعض سحر ، وبعض كذب ، وبعض علمه بشر ، وبعض أساطير الأولين ، وبعض كلام حنون ، أو هو الكتاب الأول العام ، والمختلفون والمشركون واليهود والنصارى ، فإن المشركين أيضا كذبوا القرآن وآمنوا ببعضه ، وكذبوا التوراة والإنجيل ، وقد يؤمن بعضهم بهما أو ببعضهما ، فاختلفوا بمعنى تخالفوا أو تخلفوا عن الحق { لَفِى شِقَاقٍ } خلاف { بَعِيدٍ } عن الحق وكل فى جانب بعيد عن جانب الآخر .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm آخر تعديل بواسطة الفجر القادم ، 12-17-2008 الساعة 07:30 PM |
|
|
|
|
|
#13 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 177 ـ 188 )
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) { لَيْسَ الْبِرَّ } الطاعة والإحسان { أَنْ تُوَلُّواْ } فقط للصلاة وتصلوا ، بل مع ذلك الإيمان بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، وإيتاء المال على حبه ، والإتيان بالصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد ، والصبر فى البأساء والضراء وحين البأس ، { وُجُوهَكُمْ } أيها المؤمنون ، والتعريف للحصر ، وأل للجنس أو للعهد ، بمعنى ليس البر العظيم الذى أكثرتم الخوض فيه ، وقيل الخطاب لهم ولأهل الكتاب . { قِبَلَ الْمَشْرِقِ } كما إذا كنتم غرب مكة { وَالْمَغْرِبِ } كما إذا كتم شرقها ، وكما كنتم تصلون إلى المغرب قبل تحويل القبلة إلى الكعبة ، فإن بيت المقدس غرب المدينة ، فإن الشمس تغرب إليه فى أطول الصيف ، وما يلى أطواله فذلك المغرب ، وليس كما قيل إنه شمال المدينة ، ولم يذكر الجهات الأخرى اكتفاء بذكر المشرق والمغرب على طريق التمثيل لا التقييد ، لأن من اهل الجهات من يستقبل ما بينهما ، وقدم المشرق مع أنه قبلة المتأخرين ، وهم النصارى ، لتقدم شروق الشمس على غروبها . { وَلَكِنَّ الْبِرَّ } الإحسان الكامل ، من آمن بالله ، مبالغة كقولك زيد عدل ، فهو خبر ، ومن مبتدأ ، أو بالعكس ، وهو أشد مبالغة كمن قال : الصوم هو زيد ، وأل للجنس أو العهد ، أو لكن البار ، والأصل البارر ، نقلت كسرة الراء للياء ، وحذفت الألف قصداً لكون الراء بسلب حركتها ، وأدغمت فى الراء ، ولا حذف مضارف فى ذلك ، ولا تأويلا بالوصف ، لكن فيه تكلف ، أو هو مصدر بمعنى اسم الفاعل ، أو يبقى على مصدريته ويقدر مضاف فيه ، أى ولكن والبر أو فى قوله { مَنْ ءَامَنَ } أى بر من آمن { بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَبِ } أى من الكتب كلها ، كما قال صلى الله عليه وسلم « أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله » ، أو القرآن ، لأنه الذى أنكره أهل الكتاب ، وأنه المقصود بالدعوة ، وأنه أكمل الكتب ، والإيمان به يستلزم الإيمان بجميع الكتب ، لأنه مصدق لما بين يديه ، وقيل التوراة ولا قرينة له ، وهى لا توجب الإيمان إلا بتوسط اشمالها على القرآن المستلزم لذلك . { وَالنَّبِيِّينَ } وهذا كله موجود فى المؤمنين قبل نزول الآية ، فمحط الكلام قوله { وَءَاتَى الْمَالَ } الخ وما كان فيهم من بعض صفة فقد أمروا بتجويدها . أو الخطاب فى تولوا وجوهكم لليهود والنصارى ، رد على اليهود إذ قالوا البر استقبال المقدس ، وعلى النصارى إذ قالوا البر استقبال مطلع الشمس ، وأل فى البر للجنس ، ولا حصر فى الآية . { عَلَى حُبِّهِ } مع حب صاحب المال ، فالهاء لمن ، والمفعول محذوف أى مع حبه المال ، أو مع حب المال ، فالهاء للمال ، وَالفاعل محذوف ، ومحبه مؤتيه أو الناس ، وحبه لجودته أو لقلته ، أوَ على حبه على حب الله ، فالهاء للمال ، أو لصاحبه المؤتى ، أو لله سبحانه ، أو للإيتاء المفهوم من آتى ، وَالتقييد بقوله على حبه للتكميل ، وَقال صلى الله عليه وسلم : « أفضل الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح »، تأمل البقاء وتخشى الفقر ، وَلا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا وَلفلان كذا ، ألا وقد كان لفلان كذا ، فصدقة التفقير والبخيل أفضل من صدقة الغنى والكريم ، إلا أن يكونا أحب للمال منهما ، أو يتصدقا بما هو أعز عندهما ، قال صلى الله عليه وسلم ، « أفضل الأعمال أحَمزه » . { ذَوِى الْقُرْبَى } القرابة بالنسب مع الحاجة ، أو دونها ، وهو مفعول ثان ، والمال مفعول أول ، لأنه الفاعل فى المعنى ، أى صيره آتيا ذوى القربى ، فافهم ، ولا تهم ، فالمال يأتى ذوى القربى لا مفعولا أول إلا بتكليف التفسير بتناول ونحوه ، مما يكون ذوى القربى به فاعلا فى المعنى . { وَالْيَتَمَى } مع الحاجة أو دونها بوساطة القائم بهم من ولى وغيره لأنه لا قبض لغير البالغ ، ولا يتم بعد بلوغ ، ولكن يجوز إطعام يتيم ولو بلا قائم ولو حقا واجبا ، كزكاة لمن هو فى يده ويتفقده ، وما أوتى قائم يتيم فقد أوتى يتيما ، لأن قائمه كرسول إليه ، فهو معطوف على ذوى ولا حاجة إلى عطفه على القربى ، قصدا إلى معنى إعطاء ذوى اليتامى . { وَالْمَسَكِينِ } أسكنتهم الحاجة فقلت حركتهم ، أو أسكنتهم إلى الناس بالميل إليهم ، وعن أبى حنيفة ، هو من لا يملك شيئاً ، والفقير من يملك أقبل من نصاب ، والشافعى من يملك شيئاً ، والفقير من لا يملك شيئاً ، أما السفينة فكانت لمساكين ، فللمسكين شىء ، لكن ليس فى الآية أن الفقير لا شىء له . { وَابْنَ السَّبِيلِ } المسافر مع حاجة فى حاله ولو غنيّاً فى أهله ، سمى لأنه يلقيه الطريق كما تلد الأم ولدها ، ولأنه يصاحب الطريق كالولد مع أبيه ، ولأنه مبنى السبيل كالولد مبنى أبيه ، كأنه ولده السبيل ، أو لانفراده عن من مع قبل ، وقيل : ابن السبيل : الضعيف لأنه يقدم به إلى بيت المضيف . { وَالسَّآئِلِينَ } ألجأتهم الحاجة إلى السؤال ، عطف عام على خاص ، لأن ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يكونون وغير سائلين ، ويكون السائل أيضاً غيرهم دعاء داع إلى السؤال ، ولو كان غنيا لتحمله ديناً لإصلاح بين الناس ، وكاشتهائه شيئاً ليس عنده ، كحامل ومتوحم وحالف على موجوده لا ينتفع به فى محله ، وككل سائل ولو غنيا ، إذ لا يدرى هل هو غنى ، بل ولو غنيا ، قال صلى الله عليه وسلم : « للسائل حق ولو جاء على فرس » ، رواه أحمد وذلك سد لذريعة الرد واحتياط للناس . { وَفِى الرِّقَابِ } وصرفه فى الرقاب ، أى على طريق صرفه فيها ، بوزن المصدر ، أى لفك الأسرى ، واعتاق العبيد ، وإعانة المكاتب ، وشراء العبيد ليكونوا فى الإسلام ، عوناً له فى الجهاد وغيره ، وتنجية المضطر ، وشراء العبيد المسلمين الذين تملكهم المشركون بالتقويم . { وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَءَاتَى الزَّكَوةَ } أهلها ، فما قيل هذا فى غير الزكاة ترغيباً فى النفل لا إيجاباً ، إذ لا واجب فى المال بعد الزكاة إلا إن خيف موت أحد ، أو نفقة العيال والضعيف ، إلا أنواع الكفارات ، وعن الشعبى أن فى المال حقا سوى الزكاة ، وتلا هذه الآية ، وسئل الشعبى : هل فى المال حق بعد الزكاة؟ قال نعم ، يصل قرابة ويعطى السائل وتلا هذه الآية وعنه صلى الله عليه وسلم :« لا يؤمن بالله واليوم الآخر من بات شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه » ، وفى الحديث : « فى المال حقوق سوى الزكاة » واجتمعت الأمة إلا من شذ ، أنه يجب دفع حاجة المضطر ودفع الكفارات ، وذلك ثابت ، ولو مع قوله صلى الله عليه وسلم من حديث على ، نسخ الأضحى كل ذبح ، ورمضان كل صوم ، وغسل الجنابة كل غسل ، والزكاة كل صدقة ، وهو غريب أخرجه ابن شاهين ، وليس فى سنده قوة وأخرجه الدارقطنى والبيهقى ، ويجوز أن يكون آتى الزكاة ذكراً للخاص لمزيته بعد العام وهو آتى المال . { وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ } ربهم فى طاعة ، أو مخلوقاً فيها ، أو فى مباح فيه نفع لغيرهم أو انتظار من غيرهم لهم ، لا فى معصية أو مكروه ، أو مباح لأنفسهم ، فلا ذم فى خلاف الثلاثة ، والعطف على من ، ومقتضى الظاهر ولكن إنه من آمن بالله الخ. وأوفى بعهده إذا عاهد ، ولكن غير الأسلوب ، لأن ما تقدم بإيجاب الله ، وهذا بإيجاب المكلف على نفسه ، كما قال إذا عاهدوا ، أى لا يتأخر إيفاؤهم عن وقت عهد إليه ، وذلك حكمة التقييد بإذا ، فليس ذلك فيما أوجبه الله عليه بلا إيجاب منه ، كما قيل به ، وبأن إذا عاهدوا تأكيد ، ومما يكون من إيجابهم بر اليمين والنذر ، ورد الأمانة ، لأن عقدهن عهد بالوفاء ، أو غير الأسلوب إشارة إلى وجوب استقرار الوفاء ، أو إلى أنه أمر مقصود بالذات ، أو لأن هذا من حقوق الله وما مرّ من حقوق الناس ، والعهود ما يجرى فى الناس مما لا يحل حراماً ولا يحرم حلالا ، والظاهر أن المراد حقوق الله وحقوق العباد ، لأن الوفاء بها من حقوق الله أيضاً . { وَالصَّبِرِينَ } لا تنس الصابرين فى مقام الخير والثناء ، أ . اذكر الصابرين ، أو خص الصابرين ، ومعنى كون ذلك نصباً على المدح أنهم فى مقام رفيع ، يعرف به المحذوف ولو لم يذكر ، قال أبو على الفارسى إذا غير إعراب صفة المدح أو الذم فذلك تفنن ، ويسعى قطعا ، وذلك أن التغيير المألوف يدل على مزيد الاهتمام بشأن المغير ، فإنه لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ ، وإلا فسدت وأدت إلى مضرة . { فِى الْبَأْسَاءِ } شدة الفقر وفساد المال ولو بلا فقر ، كفساد نوع دون آخر ، أو فساد فيه كله مع بقاء تقع فيه بلا فقر { وَالضَّرَّاءِ } المضرة فى البدن بمرض أو غيره ، كعرج وصمم وعنة ، وذكر فى لأن المدح على البأساء والضراء إنما يكون إذا عظنا ، وكان المصاب كالمظروف لهما ، وأما الصبر على ما قل منه نفى أكثر الناس . { وَحِينَ الْبَأْسِ } القتال ، والمراد القتال فى سبيل الله ، ذكر حين لأن القتال لا يستمر { أُوْلَئِكَ } الموصوفون بالإيمان ، وإيتاء المال وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والموصوفون بالإيقاء بالعهد ، والموصوفون بالصبر . { الَّذِينَ صَدَقُواْ } فى دين الله مع الله ، وفى دعواهم أنهم مؤمنون ، وفى طلب البر ، وذكر الثلاث على الترقى ، فالصبر على المرض أشد منه على الفقر ، والقتال أشد من المرض . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } عن الكفر وسائر الرذائل ، قال بعضهم : هذه الصفات خاصة بالأنبياء استجماعاً ، وغيرهم لا يستعجمها ، والصحيح أنها عامة فى جميع المؤمنين كما قال صلى الله عليه وسلم دعاءً إلى العمل بها : « من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان » . -------------------------------------------------------- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ } أى فرض ، وأصله خط ، ولما كان الخط لإنفاذ ما خط كان بمعنى فرض مجازاً ثم صار حقيقة عرفية فى معنى الإلزام ، وتقرى ذلك بعلى فى قوله { عَلَيْكُمُ } أيها المؤمنون والقاتلون وولاة الأمر ، فالخطاب بالكاف للذين آمنوا والقاتلين وولاة الأمر كقوله تعالى : « يأيها النبى إذا طلقتم النساء » فالخطاب للنبى وسائر المطلقين ، يقال لرئيس القوم يا فلان إذا جئتم أكرمتكم . { الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلَى } المماثلة فيهم أى فى قتل القتلى ، أى فى شأنه أو بسببه ، ومنه المقص لتساوى أطرافه ، والقصة لأنها تساوى المحكى ، والقاص لأنه يذكر بلا تغيير ، وإلا عد محرفا ، وذلك بأن يقتل القاتل فقط ، كما قتل القاتل إنساناً فقط ويقتل العبد إذا قتل عبداً كما قتل العبد ، ولا يقتل به الحر وهكذا ، ومعنى كتب عليكم القصاص أنه حق واجب على القاتل لمن له لدم ، ووجوبه لا ينافى أنه يجوز العفو مطلقاً والعفو عن القتل مع أخذ الدية ، كما تقول يجب على المدين أن يقضى الغريم ، فإنه لو ترك الغريم الدين جاز ، فلا عطاء على المدين . نزلت الآية فى الأوس والخزرج ، كان لأحدهما ، ولعلهم الأوس ، على الآخرين قرة وشرف ، وكانوا ينكحون نساءهم بلا مهر ، وأقسموا لنقتلن الحر منهم بالعبد منا ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، بلا ؤد لنصف دية الرسل ، وبالرجل الرجلين ، وجعلوا جراحاتهم ضعف جراحات أولئك ، فرفعوا أمرهم إلى النبى صلى الله عليه وسم فأمرهم الله بالمساواة ، فرضوا وسلموا ، ويقال ذلك بين قريظة والنضير من اليهود ، ويقولون لنبى قريظة : إذ قتلتم عبداً قتلنا منكم حراً ، وإذا قتلتم منا حرّاً قتلنا منكم حرين ، ونقتل رجلكم بأنثانا ، قيل ويرده قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } وهؤلاء كفرة ، ويجاب بأنه وقع ذلك بين الأوس والخزرج ، ووقع أيضاً بين قريظة والنضير ، كما مر ، أنهم تحالفوا ، إحداهما مع الأوس ، والأخرى مع الخزرج ، فغلب المؤمنون وهم الأوس والخزرج ، وبأن المؤمنين هم الحكام على قاتل من اليهود ومن المسلمين . { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } يقتل الحر الواحد بالحر ، لا بالعبد ، ولا حران بحر واحد ، أو الحر يقتل بالحر وكذا ما بعده { وَالْعَبْدُ } الواد لا اثنان ولا الحر { بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى } لا الأنثيان ولا الذكر بلا رد لنصف دية الذكر { بِالأُنْثَى } والخنثى بالخنثى ، لا الذكر به بلا رد زائد ، ولا الخنثى بالمرأة بلا رد . وقيل بينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى بلا رد ، وأنه تعتبر المماثلة فى الدين ، وأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، فلا يقتل مسلم ولو عبداً بكافر ولو حرّاً ، ويقتل كافر بمسلم ، وعن على : مضت السنة أن لا يقتل مسلم بذى عهد ، ولا حر بعبد ، والمشرك غير ذى العهد أولى بأن لا يقتل به مؤمن . وكان أبو بكر وعمر كلما قتل عبداً لا يقتلانه به ، سواء أكان له أم لغيره ، وعما عمدة بين الصحابة ولم يخالفهما أحد ، وقتل رجل عبده فجلده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفاه سنة ، ولم يصح عن مالك والشافعى أنه لا يقتل الذكر بالأنثى ، وقيل عن أبى حنيفة أنه يقتل الحر فى العبد المؤمن ، لقوله صلى الله عليه وسلم المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ورد بأنه استثنى منه العبد ، إذ قال لا يقتل حر بعبد ، وعن مالك والحنفية أنه ليس للولى إلا القتل ، إلا إن رضى القاتل بالدية ، ويرده تخييره صلى الله عليه وسلم الولى بين القتل والدية وتركهما . { فَمَنْ عُفِىَ } سومح { لَهُ } فالقاتل الذى ترك له { مِنْ أَخِيهِ } المقتول أى من دم أخيه والتارك ورثة المقتول ، وقيل الأخ ولى الدم ، والمراد الأخوة فى التوحيد ، وفيه رد على الصفرية القائلين بأن فاعل الكبيرة والمعصية مشرك ، وبعد التأويل بالأحوة فى الآدمية ، وذكره بلفظ أخيه ليرق له والقتل لا يقطع الأخوة ،{ شَىْءٌ } من القتل ولو جزءا من ألف جزء ، أو شيئاً من الدية تركه الورثة كلهم أو بعضهم. { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَنٍ } أى فالواجب ، أو فعلى المعفو له ، أو فالأمر أن يتبعه العافى وسائر الورثة بالدية أو ببعضها إن ترك البعض منها ، بلا عنف وبلا ملازمة إن أعسر ، وأن يؤدى القاتل الدية ، أو ما بقى منها بلا مطل ولا بخس ، وإن ترك القتل والدية فلا اتباع ، والواجب القتل ، والدية بدله ، فلو قال عفوت عنه لم يكن له قتل ، لأنه الأصل وقد عفا ، ولا دية لأنها بدله وقد سقط فلا دية ، وقيل الواجب أحدهما على الإيهام ، فلو عفا لم يحمل عليه بل لتبقى له ، بأن يحمل العفو على العفو عن القتل ، فيعطى الدية وإن صرح بما عفا فيه عمل به . { ذَلِكَ } التخيير لولى الدم بين القتل وأخذ الدية والعفو { تَخْفِيفٌ مِن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } إذ لم يحتم القتل كاليهود ، ولا الدية كالنصارى ، وفى تحتيم أحدهما تضييق على الوارث والقاتل { فَمَنِ اعْتَدَى } بالقتل { بَعْدَ ذَلِكَ } أى بعد تركه ، أو بعد أخذ الدية أو بعد العفو الكلى . { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فى الدنيا بالقتل ، فإنه لا يعفى عنه ولو عفا عنه ولى القاتل ، كما جاء به الحديث ، وفى الآخرة بالنار إلا إن تاب فلا عذاب فى الآخرة عليه فى ذلك ، وعليه القتل ولو تاب ، وروى عنه صلى الله عليه وسلم :« لا أعفى أحداً بعد أخذ الدية » . -------------------------------------------------------- وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) { وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوةٌ } نوع من الحياة ، عظيم فى شأنه ، كثير بأفراده ، لأنه إذا علم مريد القتل ظلماً أنه يُقتل إذا قَتل كف عن القتل ، فلا يقتله الولى ، وإن قتله قتل وحده فذلك القصاص ، وقبل ذلك كانوا يقتلون جماعة فيهم القاتل ، ويقتلون غير القاتل واحداً أو جماعة ، وذلك غير قصاص ، فينتشر القتل فى ذلك ، وفى الآية القتل سبباً للحياة ، وكالقتل الجروح وأنواع الجنايات فى البدن ، فقد يجنى على غير الجانى من واحد أو متعدد أو عليه وعلى غيره ، وتنتشر الفتنة ، فقد يفضى ذلك إلى الموت بقتل أو جرح فقد تحتمله الآية أيضا مع القتل ، وإذا اقتص من الجانى أو أخذ الأرض توقفت الفتنة ، والآية زجر عن القتل الأول ، وعن القتل الثانى ، بزيادة قتل غير القاتل أو بقتل غيره ، وإن جعلنا الحياة أخروية فالآية إغراء إلى الإذعان للقصاص ، لأنه إذا أذعن إليه القاتل كانت له الحياة الطيبة الأبدية . { يَأُوْلِى الأَلْبَبِ } العقول الخالصة عن الكدورات وكل المكلفين يجب عليهم تعاطى خلوص العقل . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أن تتلوا غيركم ، أو تزيدوا على القاتل ، أو تقتلوا غيره ، وتتقون الله بالمحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له ، وتتقون القتل خوف أن تقتلوا ، وختم آية القصاص هذه وآية الصوم بعدها بالتقوى ، لأن القصاص والصوم من أشق التكاليف . -------------------------------------------------------- كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) { كُتِبَ } نائب فاعله الوصية ، وذكر للفصل ، ولمعنى لإيصاء ، كما قال السعد : الأصل التأنيث ، ولو كان غير حقيقى ، ويختار إلا لداع ، كالفصل فى غير الحقيقى هنا ، قال الرضى ، زاعماً أن ذلك لإظهار فضل الحقيقى على غيره ، وهو تعليل لا يرضى ، كيف يقال اختار الله عز وجل التذكير ليعلمنا بفضل الحقيقى على المجازى . { عَليْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أى أسبابه بحسب الظن ، وإلا فلا يدرى أحد أنه يموت فى ذلك الوقت ولو اشتد ضره . { إِنْ تَرَكَ خَيْراً } مالا قليلاً أو كثيراً ، بأن يكون له ربع دينا زيادة على ديون الخالق ، والمخلوق ، والأنسب أنه إن قل ماله عن ذلك أوصى ولو بأقل من ربع دينا ، وذكره بلفظ خير تلويحا بأن الوصية من طيب المال حلالا وجودة ، ويجزى ما دون الجيد إلا أنه لا يحسن ، وقد استعمل الخير فى المال مطلقا ، كقوله تعالى : { وَإِنه لحب الخير لشديد } وفى المال الحلال كقوله تعالى : { وَمَا تُنْفِقُوا مِن خير } . وقالت عائشة وعلى : الخير المال الكثير ، والكثرة والقلة بالنسبة إلى الموصى وحاله ، رجلاً أو امرأة ، ككثرة حاجاته ، وكثرة الوارثين ، أراد رجل أن يوصى فسألته كم مالك؟ فقال ثلاثة آلاف درهم؟ فقالت : كم عيالك؟ فقال أربعة فقالت إنما قال الله إن ترك خيراً ، وأن هذا يسير فأتركه لعيالك ، ولا شك أنه كثير فى نفسه ، لكن قلته بالنسبة لعياله ، وكذا سأل عليا مولى له الوصية عند احتضاره ، وله سبعمائة درهم ، قيل أو ستمائه فمنعه لكونه ذا عيال ، وقال إن الله تعالى قال ، إن ترك خيراً ، والخير هو المال الكثير ، ولا شك أن سبعمائة درهم كثير فى ذاتها إلا أنها قليل بالنسبة . وعن ابن عباس من لم يترك ستمائة دينار لم يترك خيراً ، أو الخير فى العرف العام المال الكثير ، كما لا يقال ذو مال إلا إن كان كثيراً ، وإن أوصى من قبل وعند حضور الموت نقص عما تجب الوصية معه فله إسقاط ما أوصى به للأقرب ، والتقييد بالقلة والكثرة إنما هو بالنظر إلى وصية الأقرب الباقية بلا نسخ . { الْوَصِيَّةُ لِلْوَلِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ } كالإخوة والأخوات ، والأعمام ، والأجداد والجدات ، والأخوال ثم نسخ بآية الإرث ، وحديث لا وصية لوارث ، إلا أن يشاء الورثة ، قال فى حجة الوداع إذ خطب فيها ، إن الله تعال قد أعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث ، وروى أنه خطب على راحلته وقال : إن الله تعالى قد قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث ، فلا تجوز لوارث وصية ، ولا عبرة بإجازة الورثة إذا كان ما أوصى به لوارث لا يرجع إليهم إن ردوه كالوصية لوارث بالكفارة أو بشاة الأعضاء أو نحو ذلك ، وإن كان فيه عمل كالحج والقراءة فى موضع فقد يجوز ، ومن وقف مع الحديث عموما منعه ، وإن أوصى لوارث بحق له عليه جاز إجماعا مع انتفاء الريبة ، مثل أن يوصى بأرش ضربة ضربه إياها ، أو بمال له أكله منه بلا رضى ، وخرج من الكل على أنه متواتر ، وإلا فالناسخ آيات الإرث ، والحديث مبين للنسخ بهن ، وبقيت الوصية للأقارب الذين لا يرثون من جهة الأب ومن جهة الأم على ترتيب فذكره فى الفقه . قيل المراد بالأقارب ما يشتمل المشركين ، تأليفا للناس ورعاية لحق القرابة أول الإسلام ، ولما كثير الإسلام شرع الإرث ونسخ الوصية للوارث ، وثبت أن الكافر لا يرث الموحد أو هذه الآية هى الميراث بحسب ما يريد الموصى ، ثم نسخ رد التفصيل إليه بالتفصيل فى آيات الإرث . { بِالْمَعْرُوفِ } بأن ينوى إنقاذ حكم الله والتقرب إلى الله ، لا الحمية ، أو الفخر أو الرياء ، أو غرضا من أغرضا الدنيا ، وبأن يكون من الثلث ، ولا يفضل الغنى لغناه ، وله تفضيل الفقير ، وأن لا يكون فوق الثلث ، هذا الأخير ، على أن هذه الآية لم تنسخ بالإرث ، بل بينتها آية الإرث ، وبقيت وصية الأقرب غير الوارث ، وأن يكون جزاء على معصية { حَقّاً } حق ذلك حقا ، ولا شك أن ما كتبه الله على العباد حق ، فهو مصدر مؤكد للجملة { عَلَى المُتَّقِينَ } . -------------------------------------------------------- فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) { فَمَنْ بَدَّلَهُ } بدل الإيصاء ، أو بدل الوصية ، فذكر الضمير لأنها بمعنى الإيصاء ، أو بدل المعروف ، فالمبدل إما حكم الله ، وتبديله تغييره بعدم الحكم به ، أو كتمه فينفذ غيره ، أو تأويله بباطل ، أو ترك الإيصاء المأمور به ، وأما شأن الوصية بأن لا ينفذ الورثة أو الوصى الوصية أو ينقصوا منها أو يغيروا صفتها مثل أن يوصى بثوب جديد فينفقوا خلقا ، أو بعتق عبدين فيعتقوا واحدا أو بغير ما شهد به ، أو يدخل الحاكم فيه بجوار ، أو ينكر الورثة الوصية . { بَعْدَ مَا سَمِعَهُ } من كتاب الله أو من الموصى أو الشهود { فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ } إثم التبديل { عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } لا على الموصى ، أو على من بدل حكم الله لا على غيره ، فإنه لا تزل وازرة وزر أخرى ، والذين هم من بدله بعد ما سمعه ، فمقتضى الظاهر الإضمار ، هكذا فإنما إثمه عليه ، والهاء عائدة إلى ما عادت إليه هاء بدله ، ويجوز كونها مفعولا مطلقا عائدة إلى ما عادت إليه هاء إثمه ، وعليه فالمفعول محذوف ، هو ضمير عائد إلى ما عادت إليه هاء بدله ، كقولك الإكرام الشديد أكرمه الله زيدا . { إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ } بالأقوال والأصوات أى عليم بها كلها { عَلِيمٌ } بالأفعال والأوصاف والاعتقادات وكل شىء ، ومن ذلك علمه بقول الموصى وغيره وفعل الموصى وغيره ، فيجازى على ذلك ، وأنت خبير بأن وصية الأقرب واجبة ، فمن لم يوص بها وقد ترك خيراً هلك ، كما قال على : ختم عمله بالمعصية ، وقيل : نسخ الوجوب نهى مستحبة ، وقيل : نسخ فى حق من ترث وتجب لمن لا يرث ولو كافراً . -------------------------------------------------------- فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) { فَمَنْ خَافَ } كإمام وقاض ووصى وغيرهم { مِن مُّوصٍ } علم منه بعد موته كقوله تعالى : « إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله » إلا أن يعلما ، وذلك أن الخوف من الشىء سبب وملزوم للبحث عنه هل كان ، وللبحث عن أحواله كقرب وبُعد ، وشدة وضعف ، فيحصل العلم ، وأيضاُ لا يخاف منه حتى يعلم أنه مما يخاف منه ، أو الخوف بمعنى التوقع الجارى بمعنى الظن ، فيقهم حكم العلم اليقينى بطريق الأولى ، وأصل الخوف توقع مكروه بسبب أمارة مظنونة أو معلومة ، ولما لم يكن للخوف من الميل والإثم بعد الإيصاء معنى حملناه على العلم أو الظن ، للتسبب واللزوم البيانى ، ويجوز إبقاء الخوف على أصله ، بأن لتهم الموصى فى إيصائه . { جَنَفاً } ميلا عن الحق خطأ بنسيان أو غلط { أَوْ إِثْماً } بأن تعمد خلاف الحق ، كالزيادة على الثلث ، والوصية للوارث لأجل حق له على الموصى بأكثر من حقه ، مثل أن يقول : أوصيت لزوجى بكذا ، لأجل أنى ضربتها أو لم أوف حقها فى الفراش أو لأنى أكلت مالها بلا رضاء منها ، أو أكلته على أن أرده لها مع أن حقها أو أرشها أو ما أكل من مالها أقل ولم يوجد السبيل إلى تعيين كمية ذلك ، وكذا فى الوصية للولد وغيره . { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } بين الموصى له والورثة المعلومين من القمام ، أو بين الوالدين والأقربين الموصى لهم الذين تقدم ذكرهم آنفا ، وهذا أولى ، وإن جعلنا الخوف من موص حال الإيصاء أو بعده فى حياته فالإصلاح بينه وبين الورثة ، لأن المآل إليهم وبين الموصى له ، بأن يقال له : زد كذا أو انقص كذا بمقتضى العدل ، ومن ذلك أن يوصى لفسق أو مكروه ، قيل : أو يفضل غنيا . { فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ } فى الإصلاح ، بل له الثواب ، وذكر نفى الإثم إشارة إلى عظم ذنب التبديل حتى إنه ليخاف على المصلح الإثم لما عساه أن يكون فى إصلاحه من الخطأ ، وكذا ذكر لذلك قوله { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعد للمصلح بالمغفرة والرحمة لإقامته بأمر الحق وإرشاد الضال ، وأمر بمعروف ونهى عن منكر ، ولا يقال المراد إن الله غفور رحيم للموصى ، بواسطة إصلاح الإمام أو القاضى أو المفتى أو الوصى أو غيرهم ، لأنه مات على غير صواب ، غير تائب ، هذا ما نقول ، وعند الله ما ليس عندنا ، ولا يكون كمن لا يوقع إصلاحا فى شأن وصيته ، لأن ظلمه لم يصل غيره ، إذا أزيل بالصلح الجنف كله ، ودون ذلك أمر الخطأ فى الخطر ، إذ لم يتعمد إلا أنك خبير بأن الجهل عمد . -------------------------------------------------------- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا } حال من الكتب المحذوف المنصوب على المفعولية المطلقة ، أى كتب عليكم الصيام ، الكتْب ثابتا كما ، أو نعت لمصدر محذوف أى كتب كتباً كما ، أو صوما مماثلا للصوم الذى كتب ، أو حال من الصيام ، أو نعت له ، لأن أل فيه للجنس ، فهو كالنكرة ، أو يقدر المتعلق معرفة ، أى الثابت كما ، وما اسم فى ذلك إلا فى الأولين فمصدرية . { كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم } من الأنبياء ، وأممهم ، ولو تفاوت قدراً وزماناً ، وقيل : لم يتفاوت من آدم إلى عهدكم ، كما قال علىّ : ما أخلى الله أمة من فرض الصوم فارغبوا فيه وطيبوا نقساً به واستسهلوه ، والمشقة إذا عمت طابت . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصى وما لا يعنى فيه لأنه بكسر النفس ، فتغتنوا فيه وتصفو قلوبكم به ، لما بعد . قال صلى الله عليه وسلم : « يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وِجاء » ، أو تتقون التقصير فيه وإفساده أو تركه ، يشير إلى أن قمه وعمومه من موجبات المحافظة عليه فلا تكونوا بتركها أنقص من غيركم وأنتم أفضل الأمم ، وبينكم أفضل الأنبياء . ويقال كان على النصارى صوم رمضان فربما وقع فى حر ، وربما وقع فى برد فحولوه للربيع ، وزادوا عشرين يوما كفارة لتحويله ، والمراد أن غالبه فى الربيع ، وأما أقله ففى فبراير ، فإن أول صومهم فى ثامن فبراير بسبعة أيصام قبل الربيع ، ويقال ترك اليهود رمضان وصاموا يوما فى السنة ، قالوا إنه يوم غرق فرعون ، وزاد فيه النصارى يوما قبله ويوما بعده احتياطا ، حتى بلغوا خمسين ، فشق عليهم للحر والبرد فنقلوه إلى زمان حلول الشمس فى برج الحمل ، فالمماثلة فى قوله تعالى ، كما كتب ، مماثلة فى الوجود والمقدار والزمان وهو عين رمضان ، وقيل فى أصل الوجوب ، وقيل زادوا عشرة كفارة للتحويل ، ثم مرض ملكهم بأكل لحم فشفاه الله ، فزاد خمسة ، وقال آخر ، أتموه خمسين ، وقيل زادوا عشرين لموت أصاب مواشيهم ، وقيل لموت أصاب أنفسهم . -------------------------------------------------------- أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ } متعلق بالصيام أى كتب عليكم الصيام فى أيام معدودات ، أى كتب عليكم أن تصوموا فى أيام معدودات ، ولا بأس بالفصل لقلته وظهور المعنى ، وهو أولى من الحذف ومن كل ما هو خلاف الأصل ، أو يقدر صوموا أياماً معدودات لدليل الصيام ، وفيه السلامة من الفصل بلعلكم تتقون ، وبأجنبى ، وهو كما كتب ، إلا أنهم يتوسعون فى الفصل بالظروف ومنها كما كتب سواء جعلناها مصدرية أو كافة ، ووصفها معدودات تقليلا لها أى هى دون أربعين ، على ما قيل من أن المعتاد إذا ذكر لفظ العدد فالمراد المعنى أياما مضبوطة بالعد ، لا مجازفا بها. وكل من أيام أو معدودات جمع قلة ، فول شاء لقال أياما معدودة ، وفى ذلك تسهيل ، أو لعلكم تتقون المكاره والمعاصى والكسل فى أيام معدودات ، أو يتعلق بضمير كتب الثانى لعوده للصيام عند الكوفيين ، أى كما كتب على الذين من قبلكم أن يصوموا أياماً معدودات أو يكتب الأول أو الثانى لتضمنه معنى صوموا ، أو المعنى كتب عليكم الصيامة كتابة شبيهة بكتابته على من قبلكم فى كونه فى أيام معدودات . وقيل الأيام المعدودات يوما عاشوراء ، وثلاثة من كل شهر ، ثم وجب رمضان دونهن ، وقيل لم يفرض قبله صوم ، وقيل فرض قبله عاشوراء ، وقيل أيام البيض ، ولا يقال لو أريد بهن رمضان لكان ذكر المريض والمسافر تكراراً ، لأنا نقول وجب الصوم على التغيير بينه وبين الفدية ، ثم وجب بلا تخيير فيه ، على أن رخصة السفر والمرض باقية ، وأيضاً المسافر والمريض ممن شهد الشهر . { فَمَن كَانَ مِنْكُمْ } معشر البالغين العقلاء الداخل عليهم رمضان { مَرِيضاً } مرضاً يشق معه الصوم بعض مشقة ، أو يضره أو يتأخر معه يرؤه ، أو يزيد به المرض ، وذلك بالتجربة أو بإخبار الطبيب المسلم الحاذق ، لقوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فإذا كان الصوم يعسر مع مرض حل الإفطار ، لا كما قيل عن ابن سيرين إنه أفطر لوجع أصبعه ، ولا كما قال الشافعى لا يفطر حتى يجهده الجهد الذى لا يحتمل . وروى عن مالك أنه يفطر صاحب الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه إن شاء ، واحتج من أباح الإفطار بالمرض ولو لم يعسر ولم تكن فيه مشقة بإطلاق الآية ، وهو رواية عن الشافعى ، وهو قول ابن سيرين ، والحسن البصرى ، وبأن السفر قد يخلو عن مشقة ، وحل الإفطار فيه ولو بلا مشقة ، لأنه سبب لهما ، ويجاب بأن الرخصة لم تتعلق بنفس المرض ، لتنوعه إلى ما يزاد بالصوم ، وإلى ما يخفف به ، لا يكون مرخصاً ألبتة ، فجعل ما يزاد به مرخصاً بخلاف السفر ، لأنه لا يعرى عن المشقة ، فجعل نفسه عذارً . { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } ثابتاً أو راكباً على سفر ولو قصيراً ، بعد مجاوزة الفرسخين مما استوطنه ولو لم يجاوز الحوزة على التحقيق ، إن جاوزهما ليلا فبيت الإفطار من الليل ، أو جاوزهما نهاراً ، فإذا جاء الليل بيت الإفطار أو صام يوماً فى السفر ، فإذا جاء الليل بيت الإفطار ، وإن أفطر نهاراً قبل المجاوزة أو بعدها نهاراً . أو لو بلا تبيت فلا كفارة عليه ، لشبهة السفر ، ولشبهة أقوال العلماء فيه ، حتى إن منهم من أجاز أن يفطر من بيته ، وأما المريض فيبيت الإفطار من الليل ، وإن أفطر بلا تبيت وخاف على نفسه ، أو عضوه ، أفطر بقدر ما يصل به الليل ، وقيل أو بما شاء فيبيت نية الإفطار فى الليل المستقبل . وزعم بعض قومنا أن يفطر المريض بلا تبيت إفطار بخلاف المسافر ، لقوله تعالى : « أو على سفر » وليس بشىء لقوله تعالى : { ولا تبطلوا أعمالكم } فليتم المريض يومه إن قدر على إتمامه كالمسافر ، والمسافر متمكن على السفر فى أثناء اليوم كما تمكن عليه وقت طلوع الفجر ، وإن كان السفر لمعصية لم يجز له الإفطار على الصحيح ، وعليه الأكثر ، ويجب الإفطار إن كان الصوم يضر المريض والمسافر ، ولا مشقة ، فالصوم أفضل عند بعض ، والإفطار أفضل عند بعض ، وأوجتبه الإمامية وأخطأوا . { فَعِدَّةٌ } قدر ما أفطر بمعنى معدودجة كالطحن بمعنى المطحون { مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فعليه صوم عدة إن أفطر ، أو يقدر فأفطر عقب قوله أو على سفر ، وكذلك عليه عدة الشهر إن أفطره كله إن كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط ، ولو بدأ القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون فلا تهم ، فإنما عليه قضاء شهر رمضان الذى خوطب به ، فإذا كان من تسعة وعشرين لم يزدد ، والآية حجة لى ، وذكر بعض أصحابنا وشهروه ، وبعض قومنا أنه إن بدأ من أول الشهر أتمه زاد على رمضان أو نقص ، وبضع إن نقص أتمه ، ومن للبيان أو للتبعيض ، أى عدة من جملة أيام مثل أَن يخص أَياماً من شهر كأوله ووسطه وآخره . { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } إن أَفطروا فى غير سفر أَو يقدر هذا بعد قوله : { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } أى فدية ، هى طعام مساكين ، والجمع باعتبار الجمع فى إفطاره ، بأن أفطر ثلاية أيام فصاعداً ، ولو أفطر يوماً لكان فدية طعام مسكين بالإفراد ، أو يومين لكان طعام مسكينين ، يكال لكل مسكين مدان من بر ، أو أربعة من غيره عند العراقيين ، ومدا من بر عند الحجازيين ، ويجوز ذلك من غالب قوت البلد ، وأجيز مدان من شعير ، ويجوز أن يأكل فى بطنه حتى يشبع ، غداء ، وعشاء ، وأجيز أكلة واحدة حتى يشبع ، وإن لم يفطروا فلا فدية عليهم ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ، أو بقوله : شهر رمضان الذى أنزل الخ ، أو بقوله : وأن تصوموا خير لكم ، وذلك تدريج لهم لمشقته إذ لم يتعودوه ليتدبروا ، والنسخ بعد العمل هنا ، ولو كان الصحيح أنه يجوز قبل العمل أيضاً ، وحكمته قبل العمل قبول المنسوخ والإذعان له قبل نسخه ، فيثاب على ذلك وغيره مما قررته فى أصول الفقه ، وعن ابن عباس كانوا يفطرون ويطعمون ولو أصبحوا على الصوم . { فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً } عالج الطاعة بصوم أكثر من العدة التى أفطر فيها ، أو بإطعام أكثر مما لزمه { فَهُوَ } أى الخير وهو صوم الزائد على العدة ، أو على الطعام الواجب أو الضمير للتطوع ،{ خَيْرٌ لَّهُ } أَفضل ثواباً أو فهو نفع له أخروى . { وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ } من الإطعام والإفطار ، ولو مع زيادة على القدر الواجب فى الإطعام ، أَو خير لكم من الإفطار والإطعام والزيادة فيه ، وإن قدرنا لا يطيقونه لنحو كبر من العلل اللازمة ، أو الذين كانوا يطيقونه ثم عجزوا لكبر ونحوه من العلل اللازمة مع ما فيها من التكلف فلا نسخ ، وقدر بعضهم لا يطيقونه أو كانوا يطيقونه شاملا لكبر ونحوه ، وحمل ورضاع ، إلا أن الحامل أو المرضع تقضيان . لو أطعمتا ، ولا إطعام على مريض يرجى برؤه ، وأما قوله عز وجل يطيقونه على إبقائه بكانوا ولا بلا فغير شامل للحامل والمرضع ، لأنهما ولو تطيقان لكن خافتا على الحمل ولرضيع متفطران وجوبا وتطعمان وتقضيان بخلاف الصحيح المطيق فإن إفطاره على التخيير بينه وبين الصوم ولا قضاء عليه ، وذلك قبل النسخ ، ومن عجز بعده عن الصوم لكبر أو علة لازمة أفطر وأطعم ، وقيل لا إطعام عليه . قال بعض : على الحامل والمرضع القضاء والإطعام إن خافتا على الولد ، وإن خافتا عليهما فقط أو عليهما وعلى الولد فالقضاء فقط ، وقال أبو حنيفة لا إطعام على الحامل والمرضع لأنهما تقضيان بخلاف الكبير ، وعن الحسن : أى مرض أشد من الحمل تفرط الحامل وتقضى ولا تطعم ، خافت على نفسها أو ولدها أو عليهما ، ويقال الصوم خير لمن تطوع به وهو مريض أو مسافر مع عدم شدة المشقة ، وأما معهما فالإفطار خير ، والمطبق بحسب الأصل اسم للقادر على الشىء مع شدة ، فتشمل الآية الكبير بلا تقدير لا ولا تقدير كانوا . { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يظهر لكم أنه خير ، إن كنتم من أهل العلم ، أو إن كنتم تعلمون ثوابه وحسن براءة الذمة اخترتموه ، أو ما فعلوه . -------------------------------------------------------- شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) { شَهْرُ رَمَضَانَ } إضافة عام لخاص كشجر أراك ، وهى للبيان ، أى شهر هو رمضان ، فيجوز ذكر رمضان بلا شهر ، وليس اسما لله كما ادعى من زعم أنه مروى ، والمعنى كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان . { الَّذِى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ } أو تلكم الأيام المعدودات شهر رمضان الذى أنزل الخ ، أو شهر رمضان الشهر الذى أنزل فيه القرآن بمرة كله إلى السماء الدنيا والشهر من شهرت الشىء أظهرته ، لأن الشهور تعين للعبادة أو للمعاملة ، ورمضان من الرمض بإسكان الميم ، وهو مطر بأتى قبل الخريف يزيل الغبار عن وجه الأرض ، فكذلك صومه يزيل الذنوب . وقيل سمى لارتماضهم فيه عاما بالجوع والعطش ، أو لوقوعه أيام رمض ، أى شدة حر ، فيسمى بعد ، ولو لم يكن جوع أو عطش أو حر ، أو لاحتراق الذنوب ، إلا أن هذا يناسب النزول ، لا ما قبله ، ولا بأس ، بل هو المروى عنه صلى الله عليه وسلم ، أو لرمض الفصال ، قيل نقتل أسماء الشهور عن أسمائها الأولى دفعة ، ولما تمت اتفق أنهم سموها كتحريم القتال فى المحرم ، وخلو مكة عن أهلها فى صفر للحرب ، وارتباع الناس فى الربيعين ، وجمود الماء فى الجمادين وشوال أذناب اللقاح فى شوال ، ورجب النسا شحرهم بالعمد لعظم حملها وتعظيمهم ولو فى الجاهلية رجبا حتى إنهم يحجون فيها كما فى ذى الحجة والرجب التعظيم وقعودهم عن الحرب فى ذى القعدة وحجهم من قبل الإسلام فى ذى الحجة أصالة وتشعب القبائل فى شعبان . { هُدُى لّلنَّاسِ } حال كونه هاديا ، وإسناد الهداية إليه مجاز عقلى ولولا قوله { وَبَيِّنَتٍ } لكان مفعولا من أجله ، أى وآيات واضحات والهدى أعم لأنه يكون بواضح وخفى { مِّنَ الْهُدَى } مما يهدى إلى الحق . { وَالْفُرْقَانِ } ومن الفرقان ما يفرق بين الحق والباطل ، الهدى الأول هداية حاصلة بإعجازه ، الهدى الثانى هو الهدىلحاصل باشتماله على الحق ، والتفريق بينه وبين الباطل لما فيه من أنواع الحكمة وأمور الدين ، ومن واجب ، وحرام ، ومستحب ، أو لأولى الآداب والديانات الاعتقادية ، والثانى أمور الدين ، أو الأولى الاعتقاديات والثانية باقى ما ذكر فلا تكرير . { فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ } المذكرو أى حضره ، بالغاً عاقلا صحيحاً ، قادراً ، غير مسافر ، رأى الهلال هو أو غيره أو استكمل العدة لشعبان ، وليس الشهر مراداً به الهلال ، فسمى أول الشهر باسم كله أو يقدر مضاف . قال ابن عباس وعلى وابن عمر : من شهد أول الشهر فليصمه جميعه ولا يفطر ولو سافر ، ولذلك قال الله جل وعلا . { فَلْيَصُمْهُ } ولم يقل فليصم فيه ، والصحيح أن لمن شهد أوله أن يسافر ويفطر ، والآية لا تمنع ذلك ، بل توجب الصوم على حاضره ما لم يكن مريضاً أو مسافراً ، ولو جن فى باقيه حتى انسلخ فإنه يقضى ، أو جن قبله وأفاق فيه فإنه يقضى ما مضى ، وقيل لا يقضيان بناء على أن كل يوم فرض ، وان جن قبله وأفاق بعده فلا قضاء عليه لأنه لم يشهده . { وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر } كرره لئلا يتوهم أنهما داخلان فيمن شهد ، المعبر به هنا دون ما مضى ، ولئلا يتوهم نسخ قوله أولا ، فمن كان منكم مريضاً الخ بقوله هنا ، فمن شهد منكم الشهر فليصمه بأنه يجب الصوم على المريض والمسافر مع أنه ليس كذلك ، كما نسخ وعلى الذين يطيقونه . { يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } فى دينه أى يشرعه ، وهو مراد أبى حيان ، إذ فسر لإرادة بالطلب ، قال ذلك خروجا عن تبديل الإرادة فإن إرادة الله لا تتبدل ، وذلك منه خروج عن مذهب الاعتزال ، إذ زعمت المعزلة أن إرادته تعالى قد يخالفها العبد وتبطل . { وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } ومن ذلك أنه أباح لإفطار فى المرض والسفر دائما ، وخير بين الصوم والإطعام ، أولا تسهيلا وتأنيثا ثم نسخ لما تدربتم فتوافر الأجر . { وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ } اللام ليست للأمر بإكمال ما أفطرتم فيه أو بإكمال عدة رمضان ثلاثين أو تسعة وعشرين بل لتعليل عطفا على المعنى ، كعطف التوهم فى غير القرآن ، لأن قوله يريد فى معنى العلة للأمر بالصوم وكذا قوله { وَلِتُكَبِّرُواْ اللهَ } ولا تكون لام الأمر لأن أمر المخاطب باللام يختص بالضروة أو شذًّا ، أو لغيّة { عَلَى مَا هَدَيكُمْ } أى ولتثنوا عليه لأجل هدايتكم إياكم لدينه ، أو تثنوا عليه حامدين عليها والتنكير للتعظيم والثناء وقيل تكبير العبد من المغرب إلى صلاة العيد وقيل تكبير رؤية الهلال . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على التيسير والترخيص ويجوز أن يكون المعنى عدة أيام أخر لتكملوا العدة التى لم يصم المريض والمسافر فى مثل تلك العدة ، وهداكم كيفية القضاء متتابعا كما دل له لفظ عدة ، كأنه قيل مجموعة بنية من الليل نية واحدة له لتكبروا الله على إرشادكم إلى الحق ولا سيما القضاء المطلق . ورخص فى لإفطار للمسافر والمريض وحامل ومرضع لكى تشكروا ، أو العطف على محذوف ، أى ليسهل ولتكملوا ، أو لتعلموا ما تعملون ولتكملوا ، ولا يخفى أن أمر الله ونهيه متخلفان بأمر المكلف ولا يمتثل وينهاه ولا ينتهى ، وإرادته لا تتخلف ، كما قال أو حيان ردًّا منه على المعتزلة ، فلا يجوز العطف على اليسر بزيادة اللام ، هكذا يريد الله بكم اليسر ، وتكميل العدة فقد لا يكملها ولا يكبر الله ، وقد قصى الله بالتكميل والكبير ، هذا باطل لا يصح إلا أن يتكلف بتأويل الإرادة هنا بالأمر ، وصائم رمضان يثاب على ثلاثين يوما ولو نقص الشهر لأنه نوى إن تم صامه تاما . -------------------------------------------------------- وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) قالت جماعة من العرب ، أو أعرابى ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه ، أى ندعوه سرا ، أم يعيد فنناديه ، أى تجهر له ، فنزل قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عَبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ } بعلمى بهم وبأحوالهم ، ونفعى لهم وإجابة دعائهم ، والله قريب ، سأل العباد عنه أم لم يسألوا . ولكن المعنى ، وإذا سألك عبادى عنى فقل لهم عنى إنى قريب ، سألوه عن القرب والبعد الحسيبن ، لأنهم حديثو عهد بالإسلام ، ولا سيما إذا قلنا إن السائل أعرابى ، فإن البدوى كثير الجهل ، وأجابهم بأنه قريب قرباً معنوياً ، ويحتمل أنهم مشركون سألوه عن القرب والبعد حسا ، فأجابهم بالقرب المعنوى ، ولا يبعده قوله تعالى : « وإذا سألك عبادى عنى » لأنه يحبب الإسلام إلى المشركين بهذا , وبما هو أعظم فليس كما قيل إن قوله عبادى وقولهم فنناجيه يبعد كون السائلين مشركين . وقيل سألوه عن القرب والبعد المعنويين ، وهم مسلمون ، ورجحه بعض ، وهما قرب الإجابة وبعدها . وإذا قلنا السائل واحد فالجمع لكون الحكم يعم السائل وغيره ، والسؤال لا يختص به ، وربما سأل غيره ولذا قال إذا ، مع أنه قد وقع السؤال من واحد أو جماعة ، ويجوز أن تكون إذا لتنزيل حال النزول منزلة ما تقدم عن السؤال . { أُجِيبٌ } بإعطاء المطلوب { دَعْوَة الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } تفسير للقرب المذكور فى الآية خصوصاً . وإن أريد به عموم أنه عالم ، فهذا تقرير له ، وعلى الوجهين هو وعد بالإجابة ولا يشكل تخلفها لحكمة فقد تتخلف مطلقا ، وقد تتخلف إلى بدل ، قال صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تبارك وتعالى إحدى ثلاث ، إما أن يعجل دعوته ، وإما أن يدخر له ، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها . { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى } بالطاعة كما أجيب دعاءكم أو ليطلبوا إجابتى { وَلْيُؤْمِنُواْ بِى } إن كانوا مشركين ليدوموا على الإيمان إن كانوا موحدين { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } يهتدون إلى مصالحهم الدينية والدنيوية . -------------------------------------------------------- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ } حقيقة ليالى الصوم ، وأضيفت للصوم مع أنه لا صوم فى الليل بل النهار ، لاتصالها بنهارها بعدها ، ولأن نية الصوم فى الليل ، أو باعتبار ما قبل نزول هذه الآية من وجوب صوم ما بقى من الليل بعد صلاة العشاء ، أو النوم وهو متعلق بقوله . { الرَّفَثُ } ولو كان منحلا إلى حرف المصدر والفعل للتوسع فى الظروف ، لا بأحل ، لأن نزول الإحلال ليس فى ليلة رفث مخصوصة ولا كل ليلة رفث إلا بتأويل به أثبت لكم كل ليلة الرفث ، أى يوقع ثبوته فى كل ليلة وهو بمعنى الجماع وعدى بإلى كما قال { إِلَى نِسَآئِكُمْ } لتضمنه معنى الإفضاء المستعمل مع النساء غالبا ، بمعنى الجماع ، وهو جمع نسوة ، أو لا مفرد له ، يقال أفضى إلى امرأته أى جامعها ، قال وقد أفضى بعضهم إلى بعض . { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } يمنع كل من الزوجين الآخر من الزنا بالفرج والعين والقلب واللسان واليد والرجل ، والإمناء باليد ، وبكونه فيه كفاية للآخر كما يمنع الثوب انكشاف العورة وبقية من حر جهنم وبردها كما يمنع الثوب الحر والبرد عن البدن ، ويحتاج كل للآخر ، كما يحتاج للثوب ، ويخالط كل الآخر بالالتصاق كالثوب مع البدن ، قال صلى الله عليه وسلم : « من تزوج فقد أحرز ثلثى دينه » . وقدم كونهن لباساً لأنهم أشد احتياجاً إليهن ، لأنهم أقل صبراً عن الجماع منهن ، وهن أشد حباً للجماع إلا أنهن أكثر صبراً وأشد حياء ، قال صلى الله عليه وسلم : « لا خير فى النساء ولا صبر عنهن يغلبن كريماً ، ويغلبهن لئيم ، وأحب أن أكون كريماً مغلوباً ولا أحب أن أكون لئيماً غالباً » . { عَلِمَ اللهُ أَنَكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَّ } أوكد من تخونون ، لأن من معانى افتعل العلاج والمبالغة ولكثرة الحروف ، والمعنى تعرضون للعقاب وحرمان الثواب . { أَنْفُسَكُمْ } بالجماع بعد النوم ، أو بعد صلاة العشاء ، وقد حرم ذلك ليلة الصوم ، والمعنى تختانون أنفسكم فى الجملة طبعا لا فى خصوص الجماع وقت تحريمه ، بل هذا داخل فى الجملة ، ولهذا قال ، كنتم ، ويحتمل أن يريد خصوص ذلك لجماع ، أخبر الله بعد وقوعه أنه عالم به حين كان ، وذلك أن عمر وكعب بن مالك وغيرهما جامعوا وقت لا يجوز وهو ما بعد أن ينام ، فإذا نام حرم عليه الجماع والأكل والشرب إلى الليلة التى بعد ، وقد سمر عمر عنده صلى الله عليه وسلم ووجد رائحة طيبرة عند زوجه ، وقالت قد نمت ، وقال ما نمت ، واعتذروا للنبى صلى الله عليه وسلم فنزل ، أحل لكم ليلة الصيام الآية . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } تبتم من هذه الكبيرة ، أو تبتم فتاب عليكم ، أى قبل توبتكم ، قال عمر : يا رسول الله أعتذر إلى لاله وإليك من هذه الخطيئة أنى رحت إلى أهلى بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعتها ، وهذه توبة ، وكلهم تابوا . { وَعَفَا عَنْكُمْ } أزال غفر لكم ما فعلتم { فَالْئَنَ } اسم الإشارة ظرف زمان مبنى موضوع على أل ، وقيل أل للحضور وهى الفيدة له ، ويقال أصله أن فعلا ماضيا بمعنى حضرتم جعل اسما ، وهو ظرف بمعنى الزمان الحاضر إلى قيام الساعة ، أى باشروهن فى الزمان كله متى شئتم بعد ما أبحت لكم فصح أن يعلق بقوله { بَشِرُوهُنَّ } فليس اسما لوقت النزول فقط لأن وقت النزول انقطع ، والأمر لما بعد ، أو يقال معنى باشروهن أبحنا لكم مباشرتهن بعد الحظر ، فيكون الآن لوقت النزول على هذا الوجه ، وعبرهما بالمباشرة عن الجماع وهنالك بالرفث ، لأنه هنا حلال بخلافه هنالك ، فإنه فعل محرم قبيح ، وسمى مباشرة لأن فيه إلصاق البشرة أى الجلدة بالجلدة غالبا ، بل لو لم يكن إلا فرج فى فرج ففيه مس جلد الفرج بجلد الفرج . { وَابْتَغُواْ } اطلبوا { مَا كَتَبَ } فى اللوح المحفوظ أو قدره { اللهُ لَكُمْ } معشر المسلمين من الولد إجمالا ، إذ ليس لكل فرد ولد ، بل الولد لبعض دون بعض ، فتعبهم بأن يطلب كل واحد ولدا ، ويرجو أن يكون ممن قدر لها ولد فيثاب على الدعاء ، وعلى أنه كان والدا ، ويرجو أن يكون ممن قدر له فيثاب على الدعاء ، وعلى أنه كان له ولد مطيع لله نافع له بعد موته مثلا لنيته ، أو المعنى دونكم وما أباح لكم من الجماع ، وخذوا منه ما شئتم ، أو ذلك كله ، وهكذا يكون الجماع بقصد تحصين النفس عن الزنا وبقصد طلب ولد مسلم ، لا اللذة وحدها كالبهيمة ، فتضمنت الآية النهى عن الجماع فى الدبر ، إذ لا ولد منه ، والنهى عن العزل ، وهو صب الماء خارجا هرقا عن الولد ، ولا يعزل عن الحرة إلا بإذنها خلافا لمن أجازه ، ولا سيما من أجازه عند فساد الزمان ، وجاز عن الأمة المتزوجة بإذن مالكها وقيل بإذنها ، وعن السرية بلا إذن ، ولفظ ما لعموم الجماع والولد ، وإن كان للولد فلأن النطفة وما قبل نفخ الروح غير عاقل . { وَكُلُوا وَاشْرَبُواْ } الليل كله متى شئتم لا قبل صلاة العشاء أو النوم فقط ، والأكل واجب ، كما إذا خيف الموت بالجوع أو مضرة فى بدنه ، أو للحمل ، وجائز إذا جاع دون ذلك ، وحرام كأكل الحرام والميتة والأكل على الشبع إلا لعق الأصابع والصفحة فإنه جائز على الشبع ، وإلا ماء زمزم ، ومكروه كريبة فى طعام من جهة المعاملة ، وفى نفسه كالحيوان المكروه ، ومستحب كأكل الحلو عند الإفطار فى المغرب ، والإفطار فى المغرب ، والإفطار صبح عيد الفطر ، والإفطار ضحى بزيادة الكبد . { حَتَّى } غاية للأكل والشرب لا لهما وللجماع لقوله صلى الله عليه وسلم ، من أصبح جنبا أصبح مقطراً ، فيجب الكف عنه إذا لم يبق ما يتطهر فيه . { يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ } الضياء التشبيه بالخيط الأبيض { مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ } من بقية الليل ، السواد الشبيه بالخيط الأسود متعلق بيتبين . { مِنَ الْفَجْرِ } حال من الخيط ، ومن للبيان ، كأنه قيل والخيط الأبيض هو الفجر ، أو للتبعيض ، اعتباراً ، لكون الفجر اسما للكل والبعض ، فإن أريد به الكل فتبعيضه ، وإن أريد به الجزء فبيانية ، كما إذا قلنا إنه اسم لكله فإنها بيانية بتقدير مضاف ، أى وهو بعض الفجر ، ولم يبين الخيط الأسود بقوله من بقية الليل ، أو قوله من الغبش اكتفاء ببيان الخيط الأسود لأن بيانه بيان له ، ولم يعكس لأن غالب أحكام الصوم من حرمة المباشرة والأكل والشرب مرتبطة بالفجر لا بالليل ، وبيان الشىء بيان لضده ، والمراد بالخيط الأسود طرف ظلمته المتصل بالفجر ، فلا يشكل اتساع الظلمة حتى لا يكون كخيط ، أو سماها كلها خيطا لمشاكلة ما هو كخيط وهو الفجر ، ومعلوم أن الله لا يأمر الناس يأكل التراب وغير المغذى إلا ما كان دواء ، وأكل التراب حرام فيلتحق به ما أشبهه ، فليس الله يقول لنا كلوا التراب وغيره حتى يتبين لكم إلخ؛ فليس ما لا يغذى مفطرا للصيام لأنه لم يدخل فى الآية ، هذا قلته من جانب من يقول لا يفطر إلا المغذى ، ولم أر من ذكر مثله ، ومشهور المذهب خلافه . { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ } من الفجر { إِلَى الَّيْلِ } والأمر للوجوب ولو فى صوم النفل لوجوب الوفاء وتجريم إبطال العمل إلا ما أجازه الشرع ، كما إذا استثنى من الليل أو اعترض له أخوه فى الله بالإفطار فيما يقال ، وفى الآية نفى الوصال . نزلت الآية فى صرمة بن قيس ، صنعت له زوجه طعاما فأخذه النوم من شدة تعبه نهارا ، فأيقظته فامتنع من الأكل بعد النوم ، ففى نصف النهار من بعد الليل غشى عليه ، ولما أفاق أتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فنزلت . وكان رجال يربطون فى أرجلهم الخيط الأبيض والخيط الأسود ويأكلون حتى يمتاز ، أو ذلك قبل أن ينزل من الفجر ، وكذا جعل عدى رضى الله عنه عقالا أبيض وعقالا أسود فى وسادته ، وجعل ينظر ولا يتبين له الأمر ، فعذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره ، فقال صلى الله عليه وسلم « إن وسادك لعريض أو إنك لعريض القفا » ، ذلك سواد الليل وبياض النهار ، ثم نزل من الفجر ، كما فهمه صلى الله عليه وسلم ، أو نزلت قبل إخباره ، ولا تلبس الآية بالفجر الكاذب لأنه يعقبه سواد ولأن معه خيطين أسودين لا واحد ، وليس فى الآية تأخير البيان عن وقت الحاجة ، لأن الآية موكولة إلى الفهم ، فيفهم من الفجر قبل نزوله ولو لم يفهمه بعض . وقيل نزل ذلك قبل رمضان ، ففيه تأخير البيان عن وقت الخطاب ، لا عن وقت الحاجة ، وهو جائز ، ولكن نزولهما قبل رمضان لم يصح ، ولا يقال الآية خطاب بظاهرها من نحو العقالين ، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله من الفجر ، لأن قوله من الفجر نزل مع ما قبله بمرة ، ولأن الخطاب على لمجاز ، وهو واجب ولو لم يتفطن له نحو عدى . { وَلاَ تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ } أى مقيمون فيما إذا اعتكفتم فيها ، فلا جماع ليلا أيضا ، كما لا جماع نهاراً ، لا فى بيوتكم ولا فى المساجد ، سواء اعتكفتم بالصوم ، وهو واجب فى الاعتكاف ولو فى غير رمضان ، وهو مذهبنا ، أم بغير صوم فى غير رمضان ، ويجوز الاعتكاف فى كل مسجد لهذه الآية ، أفضلها ما فيه الجماعة والجمعة والأذان ، وخصه بعض ما فيه ذلك ، وبعض بالمسجد الحرام ومسجد المدينة وبعض بالمسجد الحرام ، ولا يصح اعتكاف دون ثلاثة أيام ، ولا اعتكاف بلا صوم وأجيز يوم ولو صوم ، لما روى عنه صلى الله عليه وسلم ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه ، ويفسد بالجماع . { تِلْكَ } الأحكام من المباشرة فى الاعتكاف والوطء بلا ابتغاء ، بل لقصد اللذة أو الأكل وللشرب بعد الفجر { حُدُودَ اللهِ } حدها لعباده ليقفوا عندها . { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } لا تفعلوها { كَذَلِكَ } أى كما يبين لكم تلك الأحكام { يُبَيِّنُ اللهُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ } المراد مطلقا ، أو الآيات الدالة على الأحكام ، كما يدل له قوله تعالى { لَعَلَّكُمْ يَتَّقُونَ } المحرمات من ترك المفروضات وفعل الممنوعات . -------------------------------------------------------- وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) { وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ } أى لا يأكل بعضكم مال بعض ، لقوله أموالكم ، إذ لا ينهى الإنسان عن أكل ماله : ولقوله { بَيْنَكُمْ } ثابتة بينكم معتبرة ، بأخذك منه وبأخذه منك . { بِالْبَطِلِ } الوجه الباطل ، وهذا الطريق الى يبطل ، أى لا يجيز العقل الصحيح استعماله ولا الشرع ، أو يجيزه ، ولا يجيزه الشرع ، كالرشوة والربا وما يؤخذ على الزنى والكهانة كالسرقة والقمار الغصب التطفيف وأجرة الغناء وثمن الخمر والملاهى وشهادة الزور والخيانة فى الأمانة ، والمراد بالأكل الأخذ ولو بلا إتلاف لأن حبس المال عن مالكه بلا حق حرام ، فيدخل الإتلاف بالأكل فى البطن وإعطائها وإفسادها بالأولى ، وإذا أكل بعضهم مال الآخر ولم يأكل الآخر ماله فقد دخل فى الآية ، لأن كل واحد نهى عن أن يأكل مال الآخر ، وهذا معنى الآية ، وإن قلنا معناها جمع الأكلين أن تأكل ماله وأن يأكل مالك ، فأكل أحدهما مال الآخر دون أن يأكل الآخر ماله مستفاد من النص . { وَتُدْلُواْ بِهَآ } تلقوها ، والباء صلة للتأكيد أو للسببية أى تتوصلو بها إلى الحكام أو الآلة والعطف على تأكلوا ، أى ولا تدلوا ، أو الفعل منصوب والواو للمعية ، والأول أولى لأنه صريح فى النهى عن كل من الأكل والإدلاء . { إِلَى الْحُكَّامِ } أى ولا تدلوا بحكومتها بظاهر الأمر أو بحكم الجور ، فحذف المضاف ويدل لذلك قوله إلى الحكام ، إذ لا معنى لإلقائها إليهم ، وإنما المراد الترافع بها إليهم بخصام الفجور ليأخذها أو بعضها أو يثقل الخصام على صاحبها فيتركها ، أو لا تلقوها رشوة إليهم ، وأصل الإدلاء إرسال الدلو فى البئر ، ثم استعمل لمطلق التوصل إلى الشىء . { لِتَأْكُلُوا } لتأخذوا { فَرِيقاً } طائفة ، هى كل ما خاصم فيه أو بعضه ، وعلى كل حال هى من أموال الناس كما قال { مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ } بسبب الإثم ، فيتعلق بتأكلوا أو معه ، فيتعلق بمحذوف حال من الواو ، والإثم هو نفس شهادة الزور واليمين الكاذبة فإن شهادة الزور إثم لشاهدها ، ولا يحل للمشهود له الأكل بها . { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه لا حق لكم فى ذلك ودعوا كم باطلة ، وارتكاب الشىء مع عدم العلم بأنه معصية قبيح ، ومع العلم أقبح ، وفى الآية أن حكم الحاكم لا يحل باطلا . وقد قال صلى الله عليه وسلم : « إنما أنا بشر مثلكم تختصمون إلىَّ ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع منه . فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من نار » ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من حكمت له بحق صاحبه فإنما أجذو له جذوة من نار » نزلت الآية فى شأن أرض فى يد امرىء القيس الكندى من كندة من ثور ، قبيلة من اليمن يدعيها عبدان الحضرمى ، وفى رواية ربيعة بن عبدان الحضرمى ، لا بينة له فحكم صلى الله عليه وسلم على امرىء القيس باليمين ، فأراد أن يحلف ، فقرأ صلى الله عليه وسلم ، إن الذين يشترون بعهد ا لله الآية فترك اليمن ، فسلم الأرض إلى عبدان ، وأرضا أخرى مكان ما أكل من غلتها ، وذلك هو الحق . وعن أبى حنيفة حكم الحاكم نافذ ظاهراً وباطناً ، فهو كعقد عقده ، ولعله لا يصح عنده ذلك إلا حيث لا يصل المحكوم له إلى إدراك ذلك ، وإلا كان ذلك منه تحنفاً عن الحق إلى الضلال ، وأما ما روى عن علىّ أن رجلا خطب امرأة هو دونها فأبت ، فأقام شاهدين فقال : قد زوجك الشاهدان ، فمعناه إنك زوجه فى الحكم لشهادة الشاهدين ، والغيب لله سبحانه .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#14 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 189 ـ 202 )
جمعة, 06/04/2007 - 10:41pm يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) { يَسْئَلُونَكَ } يا محمد { عَنِ الأَهِلَّةِ } السائل معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم ، فالجمع لأن أقل الجمع اثنان ، أو لأنهما فى قوم رضوا هذا السؤال ، أو حكم على المجموع ، قالا يا رسول الله يطلع دقيقا ، ثم ينمو حق يكمل ، ثم ينقص حتى يكون على حال طلوعه أولا ، ويذهب لِمَ لم يكن كالشمس بحال واحدة ، وسمى هلالا ، لأنه يرفع الصوت عند طلوعه أولا ، ورفع الصوت إهلال ، وهو هلال فى الأولى ، أو فى الثانية أيضاً ، أو فى الثالثة معهما أو هو هلال حتى يحجر بخط دقيق كما قال الأصمعى ، أو حتى يبهر ضوؤه سواد الليل وعنى بعضهم ذلك بسبع ليال ، قيل وكذا فى آخره هو هلال ، ولا يصح ، وبين ذلك قمر ، والمراد هنا مطلق هذا الكوكب كما رأيت فى السؤال يسمى قمراً مطلقاً مجازاً ، أو اشتراكاً ، وأما جمع الهلال مع أنه واحد فباعتبار ليالى طلوعه ، والسؤال لم يختص بهلال دون آخر ، والمضارع لإمكان تكرير السؤال أو لتنزيل الماضى منزلة الحاضر ، أو الماضى منزلة المستقبل ، أو تنزيل حالة النزول منزلة ما قبل السؤال ، وقيل إن السؤال من اليهود للصحابة يعتبر أن سؤال الصحابة سؤال للنبى صلى الله عليه وسلم لأنهم مستفيدون منه وسائلون له فى كل ما أرادوا . { قُلْ } لهم { هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ } لأمورهم الدنيوية والدينية كأجل الدين والإجارة والعدة والحيض والصوم والحج وقد ذكره الله ، وليس من ذلك المزارع لأنها يسير الشمس وشهورها ، وهذا جواب على مقتضى الظاهر ، سألوا عن الحكمة فى اختلاف تشكل القمر ، فقال حكمته أنه مواقيت للناس ، إذ لو بقى على شكل واحد لم تتعدد الأشهر ، وإن كان سؤالهم عن السبب فى ذاته كان الجواب على خلاف مقتضى الظاهر ، إرشاداً لهم بأن الأليق أن يسألوا عن الحكمة ، والنبى صلى الله عليه وسلم لم يبعثه الله لدقائق علم الهيئة بل للشرعيات ، ولو أجابهم بالسبب لقال ذلك لقربه من الشمس وبعده ، ولا بأس به لظهوره ولا تأباه الشريعة إلا أن تقول الشريعة : لا تجزوا بذلك بل قولوه على الظن ، بأن الله جعله سبباً لتولد ما يتولد ، والله هو الخالق كما يخلق النبات بالماء ، لكن لا دليل على هذا وإنما ظهر بعضه فى الشمس ، والميقات آلة الحد قياساً ، وذلك آلة ما يعرف به الوقت أو مكانه شذوذاً . { وَالْحَجِّ } عطف على الناس باعتبار مضاف ، أى لأغراض الناس وللحد ، فذكر الحج بعد تعميم لمزيته فى التوقيت إذ الوقت أشد لزوما له ، إذ لا يقضى إلا فى وقت أدائه من قابل أو بعده ، وسائر العبادات تقضى فى كل وقت حتى سائر الأوقات تقضى إذا فات وقتها بحسب الإمكان واللياقة ولا يلزم إبقاؤها إلى وقتها من قابل ، واستدل بعض بالآية على جواز الإحرام بالحج فى كل السنة ، وفيه بعد ، ومخالفة للسنة ، بل هى دليل على أنه مخصوص بأشهر يحتاج إلى تمييزها وإلا لم يتحتج الكلام إلى ذكر الهلال مع الحج ، ولما ذكر علمنا أنه احتاج إلى جنس الشهر فبينته السنة . { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تُأْتُواْ الْبُبُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا } بعد إحرامكم بحج أو عمرة بأن تنقبوا البناء ونحوه أو ترفعوا خلفا مخالفة لحالكم قبل ، أو تدخلوا بسلم لئلا يستركم شىء عن السماء وإذا دخلتم بذلك لحاجة وقفتم لا يظلمكم شىء عن السماء وترجعوا من ذلك ، ذكلم بدعة مخالفة للشرع ، والنقب إسراف . { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى } مر مثله ، وهو قوله ولكن البر من آمن ، أى من اتقى عقاب الله بترك مخالفته وبترك هذه البدعة لما بعد ، وسائر المعاصى ، وذكر ذلك لأنهم سألوه أيضا عن إتيان البيوت ولم يذكره فى السؤال استغناء بالجواب ، مع أنه مما لا ينبغى السؤال عنه لظهور بطلانه ، وإن لم يسألوا عنه فإنه ذكر لذكر الحج ، أو شبه سؤالهم عما لا يهم وهو الأهلة وترك السؤال عما يهم من الأحكام بحال من ترك الدخول من الباب وعالجه من غيره . { وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَاْ } بعد الإحرام كما قبله أو باشروا الأمور بوجوهها { وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفوزون بالهداية إلى كل بر وبغية ، وإلى علم أن فى كل أفعاله حكمة بالغة ، وعن جابر بن عبدالله : كانت قريش تدعى الحمس ، وكانوا يدخلون من الأبواب فى الإحرام ، وكانت العرب والأنصار لا يدخلون من باب فى الإحرام ، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصارى وفى رواية رفاعة بن تالوت ، فقالوا يا رسول الله إن قطبة بن عامر وَرفاعة بن تالوت رجل فاجر وأنه خرج معك من الباب ، فقال له : ما حملك على ما فعلت؟ قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت ، قال إنى رجل أحمس أى متصلب فى الدين ، قال فإن دينى دينك فنزلت ، وليس البر بأن تأتوا الآية ، وعن البراء كانت الأنصار إذا قدموا من سفر لم يدخل الرجل من الباب فنزلت الآية ، والمراد اتقوا الله فى شرع ما لم يشرعه وَفى تغيير أحكامه . -------------------------------------------------------- وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) { وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ } رد المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية من الحديبية ، وهى موضع فيه ماء وشجر أقاموا فيه ثلاثين يوما وصالحوه على أن يرجع من قابل ، وكانوا معتمرين فى ذى القعدة ومعهم الهدى ، فلما كان العام القابل تجهزوا بعمرة القضاء فى ذى القعدة ، وخافوا أن لا يفى المشركون بذلك وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم ، وكرهوا القتال فى الشهر الحرام ، فنزلت الآية ، ودخلوا مكة معتمرين فأقاموا بها ثلاث ليال ، وقد فخروا حين ردوه فأقصه الله منهم فأدخله مكة فى الشهر الذى ردوه فيه. سميت عمرة القضاء لأنهم وعدوه بها فوفوا له بها ، وذلك فى العام السابع وعدوه بها فى العام السادس يوم الحديبية ، وفيها وقع قتال خفيف بحجارة وسهام ، والمسلمون ألف وأربعمائة ، وقدم فى سبيل الله ترغيباً فى الإخلاص لإعلاء الدين ، والآية تدل على أنه لا يجوز لهم قتال من لم يقاتلهم ، وهذا المفهوم منسوخ بما نزل بعده ، وهو قوله تعالى { اقتلوا المشركين } وقوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } فتكون الآيتان على ما زعموا ناسخة سبعين آية نهى فيها عن القتال ، وأما قوله تعالى { أذن للذين يقاتلون } فأول آية نزلت فى الإذن بالقتال نزلت قبل هذه ، وهى مثلها فى أنه ، يقاتلون من يقاتلهم ونسخ المفهوم بناء على أنه حكم شرعى ، ومعنى يقاتلونكم تتوقعون منهم القتال ، بأن أخذوا فى أهبته . { وَلاَ تَعْتَدُواْ } تجاوزوا ما حد لكم بابتداء القتال ، أو بقتل من لا يقاتل كالنساء والصبيان والرهبان والشيوخ والمعاهد وكل من كف يده ، وبالقتال بلا دعوة والمثلة { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } عموما وهو لعموم السلب والمعنى لا أحد منهم يحب الله له الخير . -------------------------------------------------------- وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَقِفْتُمُوهُمْ } أخذتموهم وظفرتم بهم ، أو أدركتموهم قادرين عليهم ، ولو لم يبتدئوكم بالقتال ، لا عند المسجد الحرام فحتى يبدأوكم ، كره المسلمون القتال فى الشهر الحرام والبلد الحرام فأباحه الله لهم به . { وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } موضع الإخراج ، وهو مكة ، وسمى التسبب فى الإِخراج إخراجا لأن أهل مكة ضيقوا على المسلمين بالضرب والحبس ، وإرادة ذلك وإرادة التقل والمنع عن دين الله فخرجوا لذلك ، وكذا فى قوله « من قريتك التى أخرجتك » أى أخرجك أهلها ، على حذف مضاف ، أو أسند الإخراج إليها لحلولهم فيها ، ثم إن الإخراج منهم أيضاً مجاز ، وقد أخرجهم المسلمون يوم الفتح ، وقتلوا من قتلوا ، أحلت ساعة من نهار ، وكان فيها قتل لبعضهم ، وبعد الساعة أمروا بالإخراج ، أمرهم الله بقتل من أمكن وإخراج من لم يقتل بحسب الإمكان . { وَالْفِتْنَة } الامتحان بالبلية أو نفس البلية ، إذ من شأنها أن يمتحن بها أو أن يعامل معاملة الامتحان بها ، وذلك كالإخراج من الوطن : لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعاً ... عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ والحمل على الشرك ولا سيما فى الحرم ، فإن الإشراك فتنة للباقى عليه ولغيره ، وكالصد عن دين الله ، وعن المسجد الحرام ، وكنفس الإشراك ، فإنه يؤدى إلى الظلم والفساد وإشراك الإنسان أشد علي مضرة فى الدنيا والآخرة من القتل ، ولا تتركوا قتلهم للبلد الحرام والشهر الحرام فإن شركهم فيها أقبح ، إن ظهر لكم أن القتل فيها قبيح كما قال . { أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } لاستمرار ضرر الإخراج ونحوه من المضار كمداومة الضرب والشتم ، ولا يخفى أن شركهم أعظم من القتل لهم فى الحرم والإحرام ، أو القتل لهم فيه الذى استعظموه من المسلمين وأعظم من قلتهم المسلمين مطلقا . { وَلاَ تُقَتِلُوهُمْ } أى لا تقاتلوا المشركين ابتداء وصيغة التفاعل لكون البد يتتبع قتالا ، والمعنى لا تقتلوهم { عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أى فى الحرم { حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ } يبتدئوكم بالقتال { فِيهِ } أى فى المسجد الحرام ، أى فى الحرم ، وذلك أن عند لموضع الحضور وسائر الحرم حاضر للكعبة منه ، ولكم قتالهم فى غير الحرم ولو لم يبدأوكم . { فَإِنْ قَتَلُوكُمْ } فيه بدأوكم بهيئة القتل وقع القتال أم لم يقع { فَاقْتُلُوهُمْ } فيه ، وفى غير اقصدوا قتلهم وعالجوه ، ولو أبى عليهم كلهم ، ولم يقل فقاتلوهم كما هو مقتضى الظاهر مبالغة ووعداً لهم بالنصر ، ونسخ تحريم القتال إلا إن بدأوا به بقوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } وبقوله تعالى « واقتلوهم حيث ثقفتموهم » على قول بتأخير نزولة عن قوله تعالى « ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام » وبقوله تعالى { واقتلوا المشركين كافة } أى لا يقيد القتال فى الحرم بدءاً ، أى الآى نزلت أولا ، فهى الناسخة وما بعدها تقرير لها ، والكل مناف لحكم المنسوخ . { كَذَلِكَ } الذى تفعلون بهم من الإخراج لهم من حيث أخرجوكم وقتلهم حيث ثقفتموهم { جَزَآءُ الْكَفِرِينَ } المذكورين فالظاهر فى موضع المضمر للتصريح بموجب الجزاء ، وهو الكفر والجنس فيدخلون أولا وبالذات . -------------------------------------------------------- فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) { فَإِنِ انْتَهُواْ } عن الشرك والقتال والصد يغفر لهم ما قد سلف ، أو فاقبلوا عنهم ، أو فانتهوا عن قتالهم ونحو ذلك مما يصلح جواباً ، وناب عن الجواب علته كما قال { فَإِنَّ اللهَ } أى لأن الله . { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لكل تائب ، وإن قدرنا فإن الله غفور رحيم لهم فهو الجواب لا علة له ، وهذا الانتهاء المذكور عنهم مسبب عن قتال المسلمين لهم بدليل الفاء ويجوز أن تكون ترتيباً بلا تسبب ، إلا أنه قليل ، وقاتل العمد تقبل توبته ولو موحداً ، ولا دليل لهذا فى الآية لأنها فى المشركين . -------------------------------------------------------- وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) { وَقَتِلُوهُمْ } عند المسجد الحرام وغيره ، بدأوكم أو لم يبدأوكم { حَتَّى } إلى أو كى { لاَ تَكُونَ } تثبت { فِتْنَةٌ } ى شرك وصد وقتل منهم ، ولا تقبل جزية ، لأن الكلام فى شرك العرب فى الحرمين ، وما يليهما ، وليسوا أهل كتاب ولا مجوسا . { وَيَكُونَ الدِّينُ } كله كما فى الأنفال ولم يذكره هنا لأن الكلام هنا فى أهل مكة والدين العبادة والتوحيد والاعتقادات والأمور التى هى صواب وحق يحكم بها ويؤمر بها وتتخذ دينا { لِلَّهِ } لا يعبد سواه ولا يعتبر شرع غيره من الأديان الباطلة ولا تعتقد الألوهية لغيره . { فَإِنِ انْتَهَوُاْ } عن الشرك والقتال والصد فانتهوا عن قتالهم ، أو فلا عدوان عليهم كما قال { فَلاَ عُدْوَنَ } أى لأنه لا عدوان { إِلاَّ عَلَى الظَّلِمِينَ } بالشرك والحرب والصد غير المنتهين عن ذاك . والمنتهى ليس ظالما ، والعدوان البغض والقصد بسوء كالقتل والسبى والغنم ، ولا يقال العدوان الظلم ، والاعتداء معبراً به عن الجزاء عليهما للمشاكلة لأنا نقول غير الظالم لا تسمى الإساءة إليه جزاء أيضا ، وفى قولنا المعنى لا تفعلوا ما هو فى صورة الظلم مجازاة بمثله إلا على الظالمين تكلف ، وعلل قولة واقتلوهم حيث ثقفتموهم تعليلا جميليا بقوله :{ الشَّهْرُ الْحَرَامُ } ذو القعدة من السنة عند عمرة القضاء قال الله لا تكرهوا قتالهم فى الشهر الحرام فإنه مقابل قتالهم وصدهم لكم عام الحديبية ، فإن منعوكم فى عمرة القضاء فقاتلوهم هتكا لحرمتهم كما هتكوها لكم فى الحديبية . { بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } ذى القعدة من السنة السادسة فى الحديبية ، قاتلهم المشركون فيها ببعض سهام وحجارة كما روى عن ابن عباس ، وما فى البخارى من أنه لم يقع قتال فى الحديبية ، معناه لم يقع قتال كبير ، وعن ابن عباس ، رمى المسلمون المشركين فى عمرة الفضاء حتى أدخلوهم ديارهم ، وقيل لم يقع القتال فى ذى القعدة وإنما هو ما يراد عند الثانى. { وَالْحُرُمَتُ } جمع حرمة ما يجب احترامه وحفظه ، وهذا احتجاج لجواز هتك حرمة الشهر بهتكهم إياه فى الحديبية ولله أن يهتك ما شاء . { قِصَاصٌ } أى شأن الحرمات قصاص ، أو الحرمات ذوات قصاص ، كأنه قيل الشهر الحرام من الحرمة والحرمة يجرى فيها القصاص فى الجملة ، نفساً أو عرضاً أو مالا ، والشهر الحرام مما أراد الله فيه القصاص بالقتال ، وأما ما يقال الشهر الحرام من الحرمة ، وكل حرمة يجرى فيها القصاص فالشهر الحرام فيه القصاص فلا ، لأنه لا يثبت أن كل حرمة فيها قصاص . { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فى عمره القضاء بالمنع عنها أو بالقتال فى الحرام أو الإحرام أو الشهر الحرام { فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ } جازوه عن اعتدائه ، سمى فعلهم باسم الفعل الأول للشبه ولعلاقة الجوار وباسم الملزوم وباسم السبب ، وكذا فى سائر اعتبار المشاكلة . { بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } بالدخول فى مكة ، ولو كرهوا كما منعوكم منها فى العام الأول ، وقاتلوهم على المنع ، ولو لم يقاتلوا فيه ، بل اقتصروا على المنع ، كا تقاتلوهم إن قاتلا ، ولا تزيدوا بأن تقاتلوهم ولم يقاتلوكم ولم يمنعوكم ، أو بأن تقاتلوا من لم يقاتل ، عمم الشافعى القتل بمثل ما قتل به محتجّاً بالآية كقتل بمحدد وخنق وحرق وتجويع وتغريق حتى لو أغرقه فى عذب لم يغرق فى ملح . { وَاتَّقُواْ اللهَ } احذروا عقابه على المبالغة فى الانتقام وعلى الاعتداء الحقيقى الذى هو فعل ما لا يجوز ، أو اتقوا الله فى الانتصار لأنفسكم بما لا يجوز وترك الاعتذار بما لا يجوز { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } بالعون فى أمر الدين والدنيا وبالنصر وإصلاح الشأن والحفظ ، والاتقاء اتقاء المعاصى إجلالا لله ، واتقاؤها خوفاً من عقابها واتقاء الله أيضاً إجلاله . -------------------------------------------------------- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) { وَأَنْفِقُواْ } أموالكم على أنفسكم ، أكلا ولباسا لتقووا على الجهاد ، وفى شراء الخيل ونفقتها ، وآلتها للجهاد وشراء السلاح ، وللزاد ، وتجهيز الغزاء بقدر ما تطيقون ، وفى صلة الرحم والمحتاج والحج والعمرة . وأهل الحاجة والعيال وجميع المصالح الدينية وكل ذلك فى سبيل الله كما قال . { فِى سَبِيلِ اللهِ } ولو كان يتبادر هذا اللفظ فى الجهاد فيراد الكل ولو كان المراد بالذات فى المقام الجهاد ، والآية أمر بالجهاد بالمال بعد الأمر به بالجسد . { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ } لا تطرحوا أيديكم أو تفضوا بأيديكم ، وسمى الطرح إلقاء لأنه تصيير الشىء ، يلقى أى يصادف ، والأيدى الأجساد لأنها بعضها الذى تدفع به وتجلب غالباً ، وأقوى ، أو لا تلقوا أيديكم منتهية أو منتهين . { إِلَى التَّهْلكةِ } أى الهلاك أى المضرة الدنيوية وهى القتل ، والأخروية وهى عذاب النار ، ولا مصدر على هذا الوزن إلا تضره ولا تسره بمعنى الضرر والسرور فهن ثلاثة ، وقيل الضم بدل من الكسر ولا داعى إلى إبدال الثقيل بالأثقل ، وأما الجوار بالضم فلغة فى الجوار بالكسر لاتقل مع أن الضم أنسب بالواو ، وأيضاً الفعلة بالكسر مقيس فى معلّ اللام ، سماع فى الصحيح ، كتجربة وتكملة . وقيل الهلاك ما يمكن التخلص منه والتهلكة ما لا يمكن التخلص منه ، وزيادة الباء فى المفعول به قليلة ، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إلى التهلكة ، أى باختياركم فتأخذ التهلكة بها وتقبضها ، فذكر الأيدى إشعار بالاختيار ، وحذف المفعول ، أو لا تجعلوا التهلكة آخذة بأيديكم ، كما يقال فى العاجز ألقى بيده إلى عدوه ، فإنك إذا تركتم الجهاد أو الإنفاق فيه أهلككم العدو بالقتل والتغلب ، إذا تركوا الإنفاق فى الجهاد ضعف الجهاد فيئول إلى تركه وإلى غلبة العدو عليهم وقتلهم . قال أبو أيوب خالد بن زيد الأنصارى لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهلنا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت الآية ، فيتحتمل أن سببها ما ذكره فتشمل بعموم اللفظ الإمساك عن الإنفاق ، ولحب المال وذلك هلاك أخروى ، وقد سمى البخل هلاكا لأنه سبب الهلاك ، ويشمل الإسراف حتى يبقى بتكفف ، ففى الإنفاق طرفان مذمومان ، إفراط وهو الإسراف ، وتفريط وهو الإمساك ، نهى عنهما بقوله ، وقاتلوهم . وفى رواية قالت الأنصار فيما بينهم : إن الله قد أعز دينه وكثر ناصره فلو قلنا له صلى الله عليه وسلم نقيم لإصلاح ما لنا وتدارك ما ضاع منها فنزلت الآية ، واستدل بالآية على تحريم الإقدام إلى ما فيه الهلاك ، وعلى جواز مصالحة الكفار والبغاة إذا خاف الإمام على نفسه أو على المسلمين ، وفسر بعض التهلكة بالدخول فى وسط العدو ، وفسر بالبخل ونحو ذلك مما مر ، والعبره بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو اشتغال الأنصار بأموالهم كما مر ومن مثل لها بمسلم دخل فى صف الروم وحده بعده صلى الله عليه وسلم لم يخطأ إلا إن قصرها على مثله . { وَأَحْسِنُواْ } بالإنفاق ، لا تتركوه ولا تسرفوا ولا تجعلوه فى المعصية ، بل على أهلكم وقرابتكم وأهل الحاجة ، وفى الجهاد فى سبيل الله وبأعمالكم وأحلاقكم { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } أى يثيبهم على إحسانهم أو يعطيهم الخير ، لأن من لازم الحب فى الشاهد فعل الخير . -------------------------------------------------------- وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وائتوا بها تامين بشروطهما وأركانهما لا تقطعوهما ولا تكدروهما بشىء ، والأمر للوجوب ، فهما واجبان ذاتا وتماما . وإن قرىء برفع العمرة فالمعنى والعمرة لله على وجه الوجوب ، والعمرة واجبة لله وبدل للوجوب أيضاً ، وأتموا الحج والعمرة لله ، والقائل بعدم وجوبها يقول الآية أمر بإتمامها بعد الدخول فيها ، وكل نفل يحب إتمامه بعد الدخول فيه صحيحاً ، فالحج واجب لقوله تعالى : { ولله على الناس حج البيت } ، كالصيام وجب بقوله تعالى ، كتب عليكم الصيام ، وأتموا الصيام إلى الليل ، أمر بإتمامه ، والعمرة نفل لما روى أنه صلى الله عليه وسلم قيل له : العمرة واجبة يا رسول الله؟ قال : لا ولكن أن تعتمر خير لك ، كما روى عنه صلى الله عليه وسلم ، « الحج جهاد والعمرة تطوع » فالحديث بيان للآية لا نسخ ، فضلا عن أن يقال الحديث لا ينسخ القرآن ، فأقول نسخ هذا الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم : « العمرة داخلة فى الحج إلى يوم القيامة » ، ولا يضرنا احتمال أن وجوبها تبع لوجوب الحج ، أو يصح بها الحج ولو نفلا . وقد قيل لعمر : وجدت الحج والعمرة مكتوبين علىَّ فأهللت بهما جميعاً ، بالفاء فقال : هديت لسنة نبيك ، فلم يقل له عمر لم تفرض العمرة ، ولا يحتمل مع الفاء أن يقال وجبت عليه بالشروع ، ورواية إسقاط الفاء تبينها رواية الفاء وعنه صلى الله عليه وسلم : « الحج والعمرة واجبان لا يضرك بأيهما بدأت » ، فيجمع بين الروايات بأنها غير واجبة استقلالا كما وجب الحج ، وواجبة على مريد الحد أن يعتمر معه قبله أو بعده ولو كان الحج نفلا ، ومن أحرم لحج نفل أو عمرة وأفسده أو أفسدها أتمه أو أتمها وأعاده أو أعادها ، والحق أن الصحابى حجة ، خلافا للشافعى ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « اقتدوا بأصحابى » ، ولا يختص هذا بما رووه صريحا عنه صلى الله عليه وسلم ويقال ، إتمام الحج أن تحرم به من دارك إن دخل شوال ، وإتمام العمرة أن تحرم بها من دارك مطلقا ، وإن دخل شوال جاز قرنهما ، ويقال إتمامهما أن تفرد لكل منهما سفرا ، ويقال أن لا تشوبهما بغرض دنيوى كتجر ونكاح ، ويقال أن لا تكون النفقة حراما ولا شبهة. { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } أى حصرتم ، فهو موافق للثلاثى ، اى منعتم عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة ، فيقدر فى قوله ، فإذا أمنتم ، عن الإتمام بعدو أو مرض أو غيرهما كضياع نفقة ، فيقدر فى قوله ، فإذا أمنتم ، أو شفيتم أو زال المانع ، أو يؤول أمنتم بزوال المانع مطلقا بل الأمن يكون من المرض كقوله صلى الله عليه وسلم:« الزكام أمان من الجذام » ، ونزولها فى الحديبية لا ينافى عموم الحكم ، فإن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم ، لعموم اللفظ ، وإلا فالآية فى العدو فقط لقوله { فإذا أمنتم } فيقاس عليه غيره ، هذا مذهبنا ومذهب أبى حنيفة ، ويدل له قوله صلى الله عليه وسلم لا إحصار إلا من فرض أو عدو أو أمر حابس ، وهو عموم ، قال عروة : كل شىء حبس المحرم فهو إحصار . وروى عن بعض الصحابة من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض بجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدى ، وأهلَّ عمر بن سعيد بعمرة فلسع ، فقال ابن مسعود : ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمارة ، فإذا كان ذلك فليحل ، وخص مالك والشافعى الحكم بحصر العدو لقوله « فإذا أمنتم » . وقول ابن عباس ، لا حصر إلا حصر العدو ، ويعترض بالحديث المرفوع قبل هذا ، وليس ضعيفا ، قيل لأنه روى من طرق مختلفة ، وإن شرط الحاج محلى حيث حبست ، فلا هدى عليه إن حبس بعدو أو غيره ، لقوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب ، حجى واشترطى وقولى محلى حيث حبستنى يا ألله ، والأصل أنه لا يختص هذا بها بل هو لها ، ولغيرها عند أحمد ، وأحد قولى الشافعى ، والحديث حجة لنا ولأبى حنيفة أن غير العدو كالعدو فى الآية ، والعمرة كالحج . { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ } فالواجب ما استيسر أو فعليكم ما استيسر ، أى تيسر من شاة ثنية أو بقرة أو بعير ، قال ابن عباس ، وما عظم فهو أفضل ، وعن ابن عمر الهدى بقرة أو جزور ، ولا تكفى الشاة ، والهدى بمعنى الهدى ، وهو ما يسوق الحاج أو المعتمر هدية لأهل الحرم بموجب كما ن أو بلا موجب . { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ } للنحل كمالا تحلقون لغيره إلا الضرر { حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ } المستيسر المذكور { مَحِلُّهُ } هو موضع حلوله المعهود ، وهو منى ، أيام منى ، أو الحرم مطلقا ولو قبل أيام منى ، عندنا وعند أبى حنيفة ، وبوقت لذبحه ، فإذا كان الوقت الذى حد لرسوله احتاط وحلق . وعن ابن مسعود ، لدغ رجل محرم بعمرة فأحصر ، فقال : ابعثوا بالهدى واجعلوا بينكم وبينه يوم إمار ، أى إمارة . وعن أبى حنيفة إن كان حاجا فبالحرم متى شاء ، ويجعل يوم إمار ، وعند أبى يوسف ومحمد فى أيام النحو وإن كان معتمرا فبالحرم فى كل وقت عنده وعندهما ، وقال الشافعى ينحر حيث أحصر ، ولو فى الحل ، فمحله عنده موضع حلول المحصر ، وبتقوى مذهبنا بقوله حتى يبلغ ، وعلى المحصر الحج أو العمرة أو كلاهما من قابل ، كما تقضى الصلاة والصوم ، وكما اعتمر صلى الله عليه وسلم من قابل . وهكذا شأن النفل إذا دخل فيه صحيحاً وقطع أعيد كما يوفى بالنذر والوعد بل زاد بالدخول ، واحتج الشافعى فى عدم وجوب القضاء بأَن الله لم يذكر القضاء ، قلت : يلزم عليه أن لا يلزم قضاء ما وجب من حج أو عمرة إذا أحرم به وأحصر عنه ولا قابلا بذلك ، وإنما لم يذكر لأن المقام لشأن الإحصار لا لبيان كل ما يجب عليه ، ووجه اللزوم أن الآية فى الإحصار مطلقا لا فى الإحصار عن النفل ، خاصة ، واحتج الشافعى فى أن النحر حيث حل بالحبس أن النبى صلى الله عليه وسلم نحر حين حبس فى الحديبية ، وهى من الحل ، كما قال مالك ، فأجيب بأنها من الحرم ، كما قال الزهرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحديبية من الحرم ، فقال لذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحرم ، وبه قال أبو حنيفة وصحح أرباب الحديث أنها من الحل ، ويجمع بأنها فى طرف الحرم كما قال الواقدى على تسعة أميال من مكة . { فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضاً } مرضا يحوجه إلى الحلق ، وأما المرض الذى لا يحوجه إلى الحلق فكلا مرض بالنسبة إلى الحلق ولو اشتد ، ومعنى الفاء التفريع على ما قبلها ، فإنه يلزم مه منع الحلق حتى يبلغ الهدى أنه لا بده من كفارة على الحالق ولو لعذر . { أَوْ بِهِ أَذًى } جملة معطوفة على مريضا ، وساغ لأن مريضا خبر كان ، أو يقدر أو ثابتاً به أذى ، عطفا لثابتا على مريضا ، فأذى فاعل ثابتاً أو فاعل به ، وأما أن تعطف الاسمية على كان الخ فلا إلا إن جعلنا من موصولة جعلت فى خبرها الفاء لعمومها كالشرطية لا شرطية لأن الأداة الشرطية لا تليها الاسمية ، خلافا للأخفش والكوفيين ، ودعوى أنه يغتفر فى الثنوانى ، كالعطف هنا ، ما لا يغتفر فى الأوائل لا تتم لأنه أتاه الوجه منه ، وذلك لجراحة وقمل . { فَفِدْيَةٌ } فعليه فدية ، وهذا التقدير مطرد ، وإنما جاز أن يقدر ، فالواجب فدية ، لأن النهى عن الحلق بشير إلى واجب على الحالق ، فبينه بقوله الواجب فدية . { مِّنْ صِيَامٍ } أى هى صيام ثلاثة أيام { أَوْ صَدَقَةٍ } اثنى عشر مدًّا من غالب قوت مكة على ستة مساكين من أهلها . { أَوْ نُسُكٍ } يفرقه لأهل مكة الفقراء ، ذبح شاة ثنية فإن شاء فبقرة أو بعير كذلك إن حلق ، أو يقدر ، فمن كان منكم مريضاً وحلق ، وكل فعل مناف للإحرام ففيه ذلك إذا فعل لأذى كلبس المخيط والتطيب ، وإن فعل لغير أذى فشاة ، وقال الشافعى كحكم الآية ، والحلق كناية عن التحلل ، فإن معنى لا تحلقوا رءوسكم ، لا تحللوا ، والآية على التخيير. قال عبدالله بن مغفل قعدت إلى كعب بن عجرة فى هذا المسجد ، يعنى مسجد الكوفة ، فسألته عن قوله تعالى : { ففدية من صيام } الآية فقال : حملت إلى النبى صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهى ، فقال : ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا ، أما تجد شاة؟ قلت : لا ، قال عليه السلام : فصم ثلاثة أيام ، أو اطعم ستة مساكين واحلق رأسك ، فنزلت فىَّ خاصة ولكم عامة ، وتقديم الشاة بوجدانها استحباب منه صلى الله عليه وسلم لا ترتيب ، وأجاز بعضهم الإطعام فى غير مكة ، وأما الذبح ففى مكة خاصة ، وفى رواية احلق وصم ثلاثة أيام ، أو تصدق بفرق أو انسك بشاة والفرق اثنا عشر مدًّا ، ثلاثة أصوع ، والصاع ثمانية أرطال بالعراقى؛ وقال أبو يوسف خمسة أرطال وثلث ، وهو قول الشافعى ، لقوله صلى الله عليه وسلم صاعنا أصغر الصيعان وعنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد رطلين؛ ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال وكذا كان صاع عمر رضى الله عنه؛ وهو أصغر من الهاشمى ، وكانوا يستعملون الهاشمى. { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } الخ عطف على قوله أحصرتم الخ ، أى إذا أمنتم من العدو وبأن ذهب هذا العدو وظننتم أنه كان وأمنتم من المرض ونحوه ولا إحصار فى ذلك ولا حكم إحصار أى أمنتم الإحصار وسائر الموانع أو كنتم فى الأمن من ذلك . { فَمَنْ تَمَتَّعَ } انتفع { بِالْعُمْرَةِ } بسبب الاقتصاد على العمرة والتحلل منها بالطيب ولبس المخيط وتغطية الرأس والجماع وصيد الحل وقطع التفث والزينة والطواف بالبيت كلما شاء ، سواء أحرم بها وحده أو مع الحج ، ثم فسخه ، أو بالحج ، ثم فسخه إلى العمرة وذلك كله فى أشهر الحج ، وقيل بإتمامها فى أشهره مع أنه لم يعد إلى الميقات للإحرام بالحج ، ولا إلى أهله أو مثل أهله فى العبد ولم يكن من أهل الحرم ، وأنه حج من عابه وبالتقرب إلى الله بعقد الحد فى عامه فى ذلك العام . { إِلَى الْحَجِّ } مستمراً بتمتعه إلى الحج ومنتهياً تمتعه أو تحلله إلى أن أحرم بالحد ولو بلحظة وذلك أن الدم يلزم بالحل منها { فَمَا اسْتَيْسَرَ } فالواجب أو فعليه ما استيسر { مِنَ الْهَدْىِ } شاة ثنية أو بقرة أو بعير كذلك يتصدق به فى الحرم مطلقا بعد الإحرام بالعمرة والإحلال منها لا قبل الإحلال ، وقيل بعده وبعد الإحرام بالحج ، والأولى أن يكون يوم النحر أو أيام التشريق . { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } هديا أو ثمنه أو كليهما { فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِى الْحَجِّ } فى حال الإحرام بالحج ، فيجب أن يحرم قبل السابع من ذى الحجة لكراهة صوم يوم عرفة ، لئلا يضعف عن القيام والدعاء ، وإن كان لا يضعف لم يكره ، ولا تؤخر هى أو بعضها لما بعد يوم النحر ، ولا يجوز صوم يوم النحر وأجيز صومها فى عشرة ذى الحجة ولو قبل الإحرام بالحج فتؤخر رجاء وجودى الهدى إلى أن تبقى ثلاثة قبل يوم النحر ، والواضح أنه لا يصومها إلا وهو محرم بالحج فى العشرة أو قبلها والراجح فى العشرة . وعند الشافعى ، كل حق ما لى تعلق بسببين يجوز تقدمه على ثانيهما فجاز ، ولو عندهم تقديم الذبح للمتمتع على الإحرام بالحج ، ورجحوا إيقاعه بعد الإحرام ، والسببان العمرة فى أشهر الحج والإحرام بالحج بعد التحلل منها بخلال صوم التمتع فلا يجوز عندهم تقديمه على الإحرام بالحج ؛ لأنه عبادة بدنية لا مالية ، فلا يجوز تقديمها على ثانى سببها ، وزعموا عن الشافعى أنه يجوز صومها أيضا فى أيام التشريق فى قوله له ضعيف عنه ، إذ ربما تم حجه قبل كمال ثلاثة أيام التشريق ، والله يقول فى الحج . وعن ابن عمر أنه رخص صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذ لم يجد هديا ولم يصم حتى فاته أيام العشر أن يصوم أيام التشريق مكانها ، وعن الزهرى أنه صلى الله عليه وسلم بعث عبدالله بن حذافة فنادى فى أيام التشريق ، إن هذه أيام أكل وشرب ، وذكر الله عز وجل إلا من كان عليه صوم من هدى ، وعن عائشة أنه لم يرخص صلى الله عليه وسلم فى أيام التشريق أن يضمن إلا لمتمتع لم يجد هديا. وقال الحنفية : إذا جاء يوم النحر لم يجز إلا الذبح ، ومذهبنا ترجيح تأخير ذبح هدى المتعة إلى يوم النحر ، والمشهور عند أبى حنيفة أنه بين الإحلال من العمرة والإحرام بالحج ، وأجازه بعد الإحرام به ، وقال الشافعى يذبح بعد الإحرام بالحج ، وعن أبى حنيفة أنه يذبح يوم النحر فقط ويذبح فى الحرم فقط ، وأنه نسك يأكل منه هو والغنى والفقير ، لأنه وجب لشكر الجمع بين النسكين ، فكان كالأضحية فى التقرب بها إلى الله ، وكذا قال كثير من أصحابنا يأكل منه . وقال الشافعى ، دم جبر خلل إحرامه بالعمرة فى أشهر الحج إذ لم يحرم به ولا بهما معا فهو جار مجرى الجنايات فلا يأكل منه ، واعترض بأنه كيف يكون جبر الخلل مع أن الله أباح التمتع ، فيجاب بأن الله أفهمنا من الكفارة أنه خلاف الأصل وأنه خلل . { وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعْتُمْ } فرغتم من أعمال الحج ، رمى الجمار ، وطواف الزيارة ، والسعى ، ويكره صوم أيام التشريق ، سمى الفراغ رجوعا للأهل أو لغيره لأنه سبب ، أو سمى القصد إلى غير الحج رجوعا ، فإنه كان فى غيره من الإحلال ، أو من كونه غير محرم أصلا ، فقد رجع إلى حال كان فيها قبل ، وهى كونه غير محرم ولا ملتبس بأَفعال الحج ، وذلك مذهبنا ومذهب أبى حنيفة فى مكة إلا أنا نجيز صومها أيضا فى الطريق راجعا ولو وصل أهله قبل تمامها ، وقال الشافعى : إذا وصلتم أهلكم ، وله قول كقولنا وقول أبى حنيفة ، وعن ابن عباس ، إذا بلغتم أمصاركم ، وحكم ناوى الإقامة بمكة حكم واصل أهله ، واستظهر بعض أن الرجوع ظاهر فى هذا المعنى . وقال مالك : يجوز صيامها فى أيام التشريق ، يزعم أن فيه حديثا ، وقيل معنى الآية صومها فى الطريق حال الرجوع ، وفيه أن الله عز وجل لم يوجب صوم رمضان فى السفر فكيف هذه الأيام . { تِلْكَ } الثلاثة والسبعة أى تلك الجملة { عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } هذه فذلكة ، وهو إجمال الحساب بعد تفرقه ، كقولك بعد تفرقه ، فذلك كذا وكذا سواء قلت بعد تفرقة ، ذلك كذا أو تلك كذا أو هؤلاء كذا وهذه كذا أم ذكرت المفرق مثل أن يجتمع عندك ألف وخمسمائة وستمائة تذكرها ، ثم تقول فالجملة ألفان ومائة وهى مركبة من فاء التفريع وذا الإشارية مع حذف ألفها وإسكان ذالها ، ولام البعد ، وفتحها ، وكاف الخطاب ، وتاء التأنيث . وفى هذه الفذلكة فوائد ، دفع ما ربما يتوهم من أن الواو بمعنى أو ، فصرحت الفذلكة بعدم ذلك ، فإنها قد ترد بمعنى أو ، نحو جالس الحسن وابن سيرين بالواو وتريد جالس هذا أو هذا ، بأو وأنت تريد بأو أيضا جواز الجمع ، ووجه الواو أنه لا يمنع عندك أحدهما لا أنه لا بد منهما جميعا. قال السيرافى فى شرح سيبويه ، والصواب أن الواو كاف فى الإباحة ، لأن الإباحة إنما استفيدت من الأمر ، والواو جمعت بين الشيئين فى الإباحة ، ومن ذلك قوله تعالى : مثنى وثلاث ورباع ، فالواو بمعنى أو فى بعض التأويل . الثانية الإعلام بأن المراد بالسبعة حقيقتها لا كثرة العدد ، فإنها قد تطلق للكثرة كما تطلق السبعون ، والفائدتان احتراص . الثالثة الإعلام بالعدد إجمالا كما أعلم به تفصيلا ، كما يقول العرب ، علمان خير من علم ، وهذه الفائدة تتميم ، فإن أكثر العرب لا تحسن الحساب ، قال رجل لانبه فى سفر : يا بنى استبحث لنا عن الطريق فقال إنى عالم ، فقال يا بنى علمان خير من علم . الرابعة أن المعتاد أن يكون البدل أضعف حالا من المبدل منه ، فأخبرنا الله عز وجل أن هذا ليس كذلك فتطمئن نفس الصائم عن الهدى ، فإن معنى كاملة أنها كاملة فى البدلية عن الهدى قائمة مقامه ، وأنها كاملة فى أن ثوابها كثواب الهدى وكاملة فى المتمتع الصائم لها كالحج بلا تمنع ، وأيضا كاملة صفة تفيد المبالغة فى محافظة الصائمين على العدد ، كأنه قيل فصوموها غير ناقصة ، وتفيد أن العشرة عدد كامل بمعنى انتهاء الأعداد إليه ، وكل عدد بعده مركب منه ومما قبله . وإذا عددنا التوكيد فائدة فهو خامسة كقوله تعالى ولا طائر يطير بجناحيه وتعد ما مر من أن العرب ليسوا أهل حساب فذلك لهم ، فهذه فائدة سادسة ، السابعة دفع توهم وجود مخصوص يخص عموم الثلاثة ، والثامنة دفع تصحيف سبعة بتسعة فى الكتابة التاسعة ما قيل دفع توهم أنه تتم السبعة بالثلاثة السابقة ، ثلاثة فى الحج وأربعة إذا رجع . العاشرة أن الجملة الاسمية توجب بالتكميل كما قال ، وأتموا الحج والعمرة ، أى أجبروه إجبارا تاما ، وذلك توكيد للأمر كأنه امتثل فهو بخير عنه الحادية عشرة أن الصوم طاعة كاملة كما قال الله الصوم لى ، والعشرة عدد كمل فيه خواص الأعداد ، فإن الواحد مبدأ العدد ولا عدد فيه إذ لا تكرير فيه ، والاثنان أول العدد فإنه أول تكرير ، والثلاثة أول عدد فرد ، والأربعة أول مجذور ، والخمسة أول عدد دائر ، فلا يمكن تدوير المجلس قبله ، والستة أول عدد تام أى تستفر عنه أجزاؤه ، والسبعة عدد أول تام فيه أنواع العدد كما يأتى إن شاء الله تعالى ، والثمانية أول عدد زوج الزوج والتسعة أول عدد لثلاثة ثلاث يستفرغه ، والعشرة ينتهى إليها العدد ولكل عدد بعدها مركب منها ومما قبلها ، ويقال أيضا السبعة عدد تام لاشتماله على أنواع العدد ، وهى أن العدد إما زوج وإما فرد ، وإما مركب من زوج ، وإما مركب من فرد وإما مركب من زوج وفرد ، فالاثنان مركب من فردين ، والواحد فرد والثلاثة من زوج وفرد ، والأربعة من زوجين ، والستة من فردين ، وهما ثلاثة وثلاثة أو من زوجين أربعة واثنين . { ذَلِكَ } الحكم من لزوم الهدى أو بدله وهذا الصيام أو ذلك التمتع ، ويضعفه أنه قال { لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ } كناية عن السكنى ، ولو لم يكن له أهل . { حَاضِرَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ولم يقل على من لم يكن ، وتأويل اللام بعلى خلاف الأصل ، وحاضرو المسجد الحرام عندنا من سكن فى الحرام ولو لم يستوطنه ، ومن فى داخل الميقات عند أبى حنيفة ، ومن فى مكة عند مالك ، ومن بينه وبين الحرام أقل من مسافة القصر عند الشافعى على مذهبه فى مسافة القصر ، والقارن لزمه ما لزم المتمتع ، قرن من أول ، أو أدخل الحج على العمرة ، أو العمرة على الحج ، ووجه ذلك فى العمرة أو فى إدخال الحج عليها ، أن الأفقى يجب عليه أن يحرم عن الحج من الميقات لا عن العمرة ثم أحرم عن الحج لا من الميقات فحصل التحلل فجبر بالدم ، والحرمى مثلا يجب إحرامه من الميقات فلا خلل فى تمتعه هدى ولا صوم عليه ، لأن إحرامه من محله حق . { وَاتَّقُواْ اللهَ } بالمحافظة على أوامر الحج والعمرة بالامتثال ونواهيها بالاجتناب وعلى سائر الأوامر والنواهى { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } فى ترك واجب حج أو عمرة أو غيرهما ، وفى فعل محرم فيهما أو غيرهما ، والعلم بذلك يمنعكم عن المقارنة ، وأظهر لفظ الجلالة لتربية المهابة . -------------------------------------------------------- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ } عن الناس ، وقت الحج أشهر ، أو الحج ذو أشهر ، شوال ، وذو القعدة وعشرة من ذى الحجة ، ولا يشكل علينا الجمع ، لأن المعنى أن الحج يوقع فى ثلاثة أشهر ، والأمر كذلك فإنه يوقع فى التسعة الأولى وفى ليلة النحر للمراهق ، فذو الحجة بذلك محل للحج ، بل يوقع باقى أعلمه أيضا بعد ذلك ، ولا يلزم من كون شهر محلا لكذا أن يكون فى كل يوم منه ، تقول فعلت كذا سنة كذا ، وإنما فعلته فى ساعة منها أو عشرون من ذى الحجة أو ثلاثون ، ووقت العمرة السنة كلها . وقيل نزل بعض الشهر منزلة الشهر فى قوله أشهرن إذ لم يقل شهران وعشرة أيام أو شهران وعشرون يوما ، وزعم بعض أن الجمع المركب من آحاد بعضها حقيقة . وبعضها مجاز ، ليس جمعا بين الحقيقة والمجاز ، وليس كذلك عندى ، وأجاز الشافعية الجمع بينهما ، وزعم بعض أن الآية على أن أقل الجمع اثنان مجازا حقيقة ، وأما من قال ثلاثون يوما فقد أتم ثلاثة أشهر ، ومذهبنا الأول ، فلا يفوت طواف الزيارة والسعى ما دام غير ناقض لإحرامه ، ولو عاما أو أكثر ، وفاته بالعشرين على الثانى وبالثلاثين على الثالث فيقضى الحج مستأنفاً على القولين ، ونسب الثالث لمالك فى رواية عنه ، وابن عمر ، والزهرى ، وروى عن الشافعى شاذًّا ، وأما الإحرام به فلا يجوز بعد عرفة وأجازه الشافعى ليلة النحر شاذًّا مردوداً ، وعن إملاء الشافعى يجوز الإحرام به فى جيمع ذى الحجة وهو أشذ وأبعد ، وأما الوقوف فلا يصح إلا فى يوم عرفة فى عرقة ، إلا المراهق فله الوقوف فيها ليلة النحر ، وعن أبى حنيفة شهران وعشرة لأن الطواف ركن ويوقع فيه لا قبله ، والخلاف لفظى ، فإن ما قبل طلوع فجر النحر وقت الإحرام ، والركن الأعظم ، وهو الوقوف ، وما بعد ذلك وقت للركن العظيم ، وما ليس ركنا . وزعم أبو حنيفة فيما قيل عنه ، أنه يجوز الإحرام قبل شوال بالحج على كراهة ، والتحقيق أنه أجازه قبله ، لأنه عنده شرط كالوضوء للصلاة . { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } على نفسه بالإحرام به مع النية ولو بلا لفظ ، ومع التلبية به مع اللفظ والقصر للدخول فيه ، كالدخول فى الصلاة ، هذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة بالتلبية مع النية أو سوق الهدى معها أيضا ، لأن الإحرام فى الحج عقد على الأداء ، فلا بد معه من ذكر ، وهو التلبية أو ما قام مقامه وهو السوق كالإحرام فى الصلاة ، وقال الشافعى تجزى النية بلا لفظ ولا تلبية ، لأن الإحرام التزام الكف عن المحظ رات فيصير شارعا بالنية كالصوم ، ومن أفسد حجا أو عمرة ولو نفلا لزمه قضاؤها ، ولو عند من لا يوجب قضاء نفل العبادة منا ، وكذا قال الشافعى وأبو حينفة ، وقوله فيهن ، دليل على أنه لا يصح الإحرام بالحج فى غير أشهره ، قيبطل ، وقيل يصير عمرة ، وأجيب بأن المراد بفيهن الكمال ونفى الكرامة ، وليس كذلك ، فإن قوله أشهر معلومات نص فى تخصيص أشهر ، وقوله صلى الله عليه وسلم:« لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهره » ، أراد به التحريم ، بدليل الأحاديث الفاصلة على أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره . { فَلاَ رَفَثَ } فى الحج ولا جماع كما تعورف شرعا ، أو فلا فحش كلام فى أمر الجماع ومقدماته ، وهو المعنى الحقيقى للرفث ، وعليه فبالأولى أن لاجماع . { وَلاَ فُسُوقَ } فى الحج ولا غيره ، ومنها السب والنبز باللقب ، فمن فعل كبيرة بعد الإحرام لزمه دم. { وَلاَ جِدَالَ فِى الْحَجِّ } فى أيامه بعد الإحرام به ، ولو مع المكارى أو الخادم أو الرفقة ، ومن جادل حتى أغضب أو غضب لزمه دم ، ولو فى الحق والمباح. وقيل المراد لا جدال فى أيام الحج ولو قبل الإحرام ، واللفظ إخبار ، والمعنى إنشائى أى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ، أو إخبار لفظا ومعنى ، أى لا يثبت ذلك فى دين الله ، وإن كان فمن دين الجاهلية والشيطان ، والفسوق محرم على الحاج وغيره وذكر هنا لمزيد التغليظ ، كالنهى عن لبس الحرير فى حق الرجل حال الصلاة ، مع أنه محرم فى غيرها أيضا ، أو الفسوق بمعنى الخروج ، أى لا تخرجوا عن حد الشرع إلى المعصية ولو صغيرة ، وإلى ما لا يجوز فى الإحرام كلبس المخيط والتطيب والصيد ، وزعم بعض أن الجدل بالحق غير منهى عنه ، ويرده مخالفة ظاهر الآية ، وأنه يقضى إلى شر ،وقد قال عز وجل { فلا تمار فيهم } الأمر لظاهر . وقال صلى الله عليه وسلم : « من ترك المراء وهو محق بنى له بيت فى أعلى الجنة » ، ومن تركه وهو مبطل بنى له فى ربضها ، وغير ذلك وعدم ذكره فى قوله صلى الله عليه وسلم « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » لا يدل على عدم النهى عنه لأن عدم ذكر الشىء لا يدل على انتقائه. ويروى أن معنى لا جدال فى الحج ، اتركوا الخلاف فى الحج إذ كانت قريش تقف بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ، وكانوا يقدمون الحج عاما ويؤخرونه عاما ، فأنزل الله ذلك فنقول أيضاً لا جدال فى ذلك ولا في غيره ولم يضمر للحج لتأكيد شأنه. { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } كالكلام الحسن مكان الرفث والبر ، والتحصن مكان الفسوق ، والوفاق بالأخلاق الحميدة مكان الجدال فى الحج وغيره كالصدقة والصوم والنفل وسائر العبادة . { يَعْلَمْه اللهُ } فيجازيكم به ، وكذلك يعلم الشر لكن لم يذكره لأن المقام مقابلة الشر بالخير ، أو أراد بالعلم الجزاء { وَتَزَوَّدُواْ } لآخرتكم الأعمال الصالحة وترك ما ينهى عنه ، وترك الطمع والسؤال مع وجود الغنى عنه ، فمن لم يتزود لها هلك بالنار كما يموت مسافر بلا زاد . { فَإِنَّ } لأن { خَيْرَ الزَّادِ } لأن الزاد شمل زاد الدنيا وزاد الآخرة { التَّقْوَى } الحذر عن ترك الفرض وفعل المحرم ، ومنه الإلحاح فى السؤال بل مطلق السؤال بلا حاجة إليه مضطرة ، والخروج إلى الحج بلا زاد ، فيكون عيالا على الناس وثقلا عليهم ، فالتحرز عن ذلك من حملة التقوى. ويروى أن حجاج اليمن كانوا يفعلون ذلك ، ويزعمون أن ذلك توكل على الله ، فأوحى الله ، أن تزودوا ما يبلغكم ويرجعكم ، كما رواه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن عباس رضى الله عنهما حتى فسروا الزاد بطعام المسافر وشرابه ، طبق ما يفعل اليمانيون ويقولون نحن حجاج بيت ربنا ووفد إليه ، أفلا يطعمنا ، وربما أفضى بهم ذلك إلى النهب والغضب ، وما ذكرته أولا هو الراجح لأنه ظاهر الآية ، وعلى الأخير يكون المعنى اصنعوا الزاد لسفر الحج لأن خير الأزواد تقوى ، ومن لا يصنعه يخرج عن التقوى بالطمع والسؤال . { وَاتَّقُونِ يَأُولِى الأَلْبَبِ } فقد وضعت فيكم من العقل ما يميل بكم عن المخالفة . -------------------------------------------------------- لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } أيها المسلمون على الإطلاق { جُنَاحٌ } إثم { أَنْ تَبْتَغُواْ } فى أن تطلبوا { فَضْلاً } رزقاً . { مِّن رَّبِّكُمْ } التجارة فى الحد ، وهذا ترخيص ونهى لهم عن تحريم الجر بعد الإحرام ، فإنه لا ينقص ثواباً ولا يحبطه ، والترك أولى ، وهو الموافق لقوله تعالى : { وأتموا الحج } وإن كانت التجارة تنقض فرضاً حرمت ، أو متسحبّاً كرهت ، وإذا شوركت العبادة بغيرها قال ابن عبد السلام فلا أجر لها أو أخرويا فبقدره وإن تساويا سقطا ، وعندى أنه يثاب بقدره ولو أقل قليل ، وبه قال ابن حجر ، وكانوا يكرهون التجر أو يحرمونه فى الحج فنزلت الآية مبيحة بلا جدال ولا فسوق فى أسواقكم عكاظ ومجنة وذى المجاز وغيرها ، أسواق تقام فى مواسم الحج . وعكاظ من التعاكظ وهو التفاخر ، يتفاخرون وتناشدون بين نخلة والطائف عشرين يوماً من أول ذى الحجة ، ومجنة على أميال من مكة ، وذو المجاز على فرسخ من عرفة ، ومنع أبو مسلم التجر فى الحج ، وحمل الآية على ما بعد الفراغ من الحج ، كقوله « فإذا قضيت الصلاة » الخ ، ويرده أن الحمل على إباحة ما توهم حرمته أو كراهته أولى من الحمل على ما علم إباحته ، وهو التجر بعد الفراغ من الحج ، وأما الصلاة فأعمالها متصلة لا يقاس عليها الحج ، لأن أعماله متفرقة ، وكان ابن عباس يقرأ قراءة تفسير ، أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج وكذا ابن مسعود . قال أبو أمامة لابن عمر نكرى الحجاج ، ويقول الناس لا حج لنا ونحن نفعل أفعال الحج كلهم ، فقال سئل صلى الله عليه وسلم عما سألت فنزلت الآية ، فقال أنتم الحجاج أنتم الحجاج ، وتدل على ذلك الفاء فى قوله : { فَإِذَا أَفَضْتُمْ } أفضتم أنفسكم أى دفعتموها دفعا شبيها بإفاضة الإنسان الماء فى الكثرة والسرعة وذلك هو الأصل ، ولو يرد أن غير الكثير وغير المسموع لا يتم ، بل يتم ، أو لا يذكر الله عند المشعر الحرام بل يذكره فيه . { مِّنْ عَرَفَتٍ } منون تنوين مقابلة لأنه بصيغة جمع المؤنث السالم ، أو جمع مؤنث السالم سمى به والمفرد عرفة ، وعرفة جمع عارف تسمية للمحل باسم الحال ، وذلك أنه تعارف آدم وحواء فيهما ويتعارف الناس فيها ، وعرفها جبريل لآدم وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم عليهم ، ولقول جبريل فيها اعترف بذنبك ، فاعرف المناسك ، أو لعلوها كما قيل لعرف الديك ، أو عرفة اسم مفرد ، وضع للبقعة كعرفات بصيغة الجمع فهما اسمان ويرجحه أن الأصل عدم الانتقال من الحج إلى جمع آخر ، ولكون تنوينه للمقابلة ثبت مع العلمية والتأنيث كحمزات ، وهو تأنيث البقعة ، وصيغ ة جمع المؤنث السالم صيغة تأنيث فيراعى التأنيث فى المنع ، ولو مما يرد إليه الضمير مذكرا كهندات علما لرجل ، وسكون ما قبل تائه لا يبطل تأنيثه ، ولو لم يكن فى ينة التحريك كرغبوت ، وأيضا هى عوض عن تاء المفرد فى الجملة ، ولزم من الإفاضة أنهم فيها ، كأنه قيل قفوا فى عرفات ، وأفيضوا منها ، فإذا أفضتم منها فاذكروا الله الخ . والإفاضة من عرفات واجبة لأن الأمر المجرد للوجوب ، وهو لا يتم إلا بالكون فى عرفات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وَهو بلا تكلف عندى إلا أن الكون فيها لا يستلزم اللبث فيتقوى وجوب الوقوف بالإجماع والحيث ، بل يدل على ذلك لفظ الإفاضة لأنها بعد لبث الماء فى شأن الماء فكذا فى شأن اللبث . { فَاذْكُرُواْ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } ولزم من الذكر عنده أنهم أفاضوا إلى المزدلفة ولبثوا فيها ، وكأنه قيل أفيضوا منها إلى المزدلفة ثم إلى المشعر الحرام ، فاذكروا الله فيه ، أى بعد المبيت فيها بالتلبية والتهليل والدعاء . والمشعر الحرام ، جبل فى أخر المزدلفة يسمى قزح كعمر ، اسم لملك موكل بالسحاب ، أو لملك من الملوك ، أو شيطان فى الأصل ، روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعوه حتى أسفر جدا ، وسمى المشعر لأنه علامة من علامات الحج معظمة لأنه من الحرم ، ومحل العبادة . وقيل المشعر الحرام ما بين مأزمى عرفة ووادى محسر ، ويروى ما بين وادى مزدلفة ووادى محسر ليس من الموقف ، ووادى محسر خمسمائة ذراع طولا وخمس وأربعون عرضا . وفى مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر أى فى المزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام ، فدعا وكبر وهلل ، فدل الحديث على القول الأول ، إلا أن يؤول المشعر الحرام فى الحديث بالجبل أو بتسمية الجزاء باسم الكل ، والمعنى واذكروا الله لذاته إعظاما وإجلالا واستحقاقا عند المشعر الحرام. { وَاذْكُرُوهُ } أيضا { كَمَا هَدَيكُمْ } أى لهدايته إياكم عن الضلالة إلى المناسك وغيرها من دينه عز وجل ، أو اذكروه ذكرا شبيها بهدايته إياكم إلى ذلك فى الحسن ، أو اذكروه على نحو ما علمك لا تغيروه { وَإِنْ } الشأن ، أو أنكم خففت وأهملت ، وليست نافية بدليل اللام فى قوله { كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ } أى من قبل الهدى المعلوم من قوله كما هداكم . { لَمِنَ الضَّالِّينَ } الجاهلين للتوحيد والعبادة وهداكم الله عز وجل إليهما أحوج ما أنتم للفترة . -------------------------------------------------------- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) { ثُمَّ أَفِيضُواْ } منها يا قريش ومن يكون معهم ، والمفعلو به محذوف أى أنفسكم { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } سائر العرب والعجم أنفسهم ، أو أفاض فى الموضعين موافق فاض ، فهو لازم . والمراد الإفاضة من عرفات ، والخطاب لقريش ، والحكم عام ، لأن خصوص السبب لا ينافى عموم الحكم ، وقيل الضمير للعموم لا لقريش خاصة ، فيدخلون بالأولى ، قيل وهو أوضح ، لأن الضمائر قبل وبعد للعموم ، قلت يناسب خصوص قريش عموم إفاضة الناس وأنهم الذين لا يفيضون كما يفيض غيرهم . وقيل الناس إبراهيم ، لأنه أبوهم والمعروف بالمناسك ، وكرر الإفاضة من عرفات للتأكيد وليبين لهم أنهم ليسوا أولى من غيرهم ، بل هم وغيرهم سواء ، وإنما الشرف بالتقوى لا بالنسب والمكان ، وكانوا يقولون نحن من ولد إبراهيم ، إنا سكان الحرم وأهل الله فلا نخرج منه فيقفون بالمزدلفة منه وسائر الناس يقفون بعرفات خارجة عنه ، أو أل للكمال أى أفاض الناس الكاملون فى شأن الوقوف ، وهم الذين يقفون فى عرفات ، فذلك ذم لقريش ومن ينجو نحوهم ، ترفعوا فجازاهم الله بأنهم دون غيرهم لأنهم خالفوا موقف إبراهيم عليه السلام وغيرهم وافقه ، وثم للترتيب فى الرتبة لا فى الزمان ، يعنى أن الإفاضة من عرفات هى العالية لا الإفاضة من المزدلفة للواقف فيها دون عرفات ، وقيل الإفاضة الثانية من المزدلفة إلى منى بعد الوقوف فى عرفات ، وهو قول جماعة ، وعليه الضحاك ، ورجحه الطبرى ، فيكون الخطاب للناس كلهم وقريش وغيرهم ، أو لهم وفى حكمهم غيرهم ، فالترتيب فى الزمان على أصله ، أى من حيث أفاض الناس ، الأوائل فيكم من لدن آدمن ومن لدن إبراهيم عليهما السلام لا تغيروه كما غيرته جاهليتكم إذ كنتم من قبل الهدى ضالين . { وَاسْتَغْفِرُواْ اللهَ } من ضلالكم وتغييركم المناسك ، وفيه دليل أن الكفار مخاطبون بالفروع وأنهم مؤاخذون على الذنوب { إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن آمن واستغفر . -------------------------------------------------------- فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَسِكَكُمْ } عباداتكم الحجية ، من وقوف بعرفات ، والمزدلفة ، والذكر فيهما ، ورمى العتبة ، والحلق ، وطواف الزيارة ، والسعى ، وإستقررتم بمنى ، ويجوز تأخير الطواف والسعى عن أيام منى . { فَاذْكُرُوا اللهَ } بالتكبير والثناء ، وبالغوا فى الذكر بالكيفية ولو أمروا بالإكثار أيضاً ، { كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ } كما تبالغون فى كيفية ذكر آبائكم عند المفاخرة فى منى ، بين الجبل والمسجد ، كانوا يعتادون ذلك فى جميع يومهم ، ويذكرون محاسن حروبهم ، رواه ابن جرير وغيره ، والآية تلويح إلى جعل ذكر الله مكان ذكر الآباء والحروب وإلى ترك ذكرها . { أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً } أو كونوا أشد ذكراً لله منكم لآبائكم ، أو عطف على الكاف ، أو على ثابتاً ، أى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكر آبائكم ، أو ذكراً كذكر آبائكم ، فيكون ذكرهم ذاكراً ، كقولهم شعر شاعر بتنوين شعر ، وصومه صائم من المجاز العقلى ، والفتح نصب ، ويجوز عطفه على ذكر ، فالفتح جر ، وإذا جعلنا ذكراً مصدراً من المبنى للمفعول لم يكن من المجاز العقلى ، أو معطوف ، وأشد حال منه بخلاف أشد ، فإنه على كل حال من فعل مبنى للفاعل ولا تهم ، ويجوز تقدير أو كذكر قوم أشد ذكراً منكم ، واختار أبو حيان ، أن أشد حال من ذكرا بعده ، ووجهه أن قوله اذكروا الله كذكركم آباءكم ، أو ذكرا أشد منه أبلغ من قوله اذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم أو أشد وليس فى إعراف أبى حيان طلب حالية الذكر ، بل فيه طلب الذكر بقيد أن يكون أشد . { فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ } تفريع على قوله ، فاذكروا الله ، وهذا تفصيل بالجملة بعد الفاء لا بالفاء ، فقد تكون الفاء تعليلا ، لقوله ، فاذكرو الله ، أى لأن الناس بين مقل ومكثير ، ومصيب فى ذكره ومخطىء فى منى ، فكونوا من المكثرين المصيبين فيها ، لأن من الذاكرين من يقلل ويخطىء ، وهو من يقتصر على الدنيا فى دعائه { رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا } مالا وولداً وجاها ونحو ذلك أو بعض ذلك ، ومتاع الدنيا كله قليل ولا يدعو لآخرته فقد يؤتى ما يدعو به وقد لا يؤتاه . { وَمَا لَهُ فِى الآخِرَةِ } بعد الموت من الجنة { مِنْ خَلَقٍ } نصيب لأنه لم يتعرض له فى الدنيا ، ولا يطلق خلاق إلا على نصيب الخير ، وسمى خلاقا لأنه خلق له ، كما سمى نصيبا لأنه نصب له ، أو ما له فى ذكره ودعائه نصيب يدعو به لآخرته ، أى وما له فى شأن آخرته نصيب من دعائه . -------------------------------------------------------- وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً } أشياء حسنة كالإيمان والاعتقاد الحق والعمل الصالح والتقوى والعلم والتوفيق والنصر والولد الصالح والزوجة الصالحة والرزق الحلال وصحة البدن وصحة الصالحين . { وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً } أشياء حسنة كالمغفرة والجنة وتخفيف الحساب والسلامة من هو الموقف ، وإيتاء الكتاب بالأيمان ، والشرب من الحوض ، والحور والأزواج ، والولدان والقصور ، وعن على : الحسنة الزوج الصالحة ، وكأنه أراد الآدمية لأنه ليس للرجل منهن إلا واحدة ، وهو قول مشهور ، وإلا فالأزواج الحور للرجل كثيرة وهمنى ذلك حتى اطلعت أنه يكون للرجل الواحدة من الآدميات واثنتان وأكثر . { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } فى الآخرة بأن لا ندخلها ، بأن توفقنا فى الدنيا للهدى والتوبة من الذنوب ، وعن على : النار المرأة السوأى ، دعوا الله أن يمنعهم عنها فى الدنيا وهو تمثيل لجميع الأسواء . -------------------------------------------------------- أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) { أُوْلَئِكَ } القائلون ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار { لَهُمْ نَصِيبٌ } عظيم فى الآخرة ثبت لهم. { مِّمَّا كَسَبُواْ } فى الدنيا من الإيمان والأعمال الصالحة ، والتقوى ، أى تولد ، ونتج من كسبهم ، أو نصيب عظيم فى الآخرة هو ما عملوه فى الدنيا ، أى ثوابه ، فكأنه هو ، لأنه عوضه أو نصيب مما دعوا به دنيا وأخرى ، والباقى ، نكفر به سيئاتهم أو نعطيهم فيه ما هو خير منه أو نكفى عنهم المصائب ، أو أولئك القائلون ربنا آتنا فى الدنيا حسنة والقائلون آتنا فى الدنيا حسنة ، وفى الآخرة حسنة ، ونصيب الفريق الأول ما له من متاع الدنيا وما له فى الآخرة من العذاب ، لأن النصيب يطلق على الخير وعلى الشر . وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال لرجل كالفرخ المنتوف : هل كنت تدعو بشىء؟ فقال : كنت أقول اللهم عجل عقابى فى الدنيا ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا تطيق ذلك قل ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » ، فقال فشفى . { وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } جاء الحديث ، يحاسب الله الخلق فى قدر نصف نهار من أيام الدنيا ، وهو تمثيل للقلة ، كما روى أنه يحاسبهم فى قدر حلب شاة أو ناقة فهو قادر أن يحاسبهم فى أقل من لمحة ، يخلق فى قلوبهم معرفة أعمالهم وجزاءها ، وسرعة الحساب قرب يوم الحساب ، أو المجازاة كما قيل فى قوله تعالى ، فحاسبناها حساباً شديداً ، فباردوا لطلب الآخرة وأعرضوا عن الدنيا .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#15 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 203 ـ 218 )
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) { وَاذْكُرُوا اللهَ } بالتكبير وغيره ، إدبار الصلوات ، وعند ذبح القرابين ، ورمى الجمار وغير ذلك ، قال مسلم عن نبيشة الهذلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام التشريق أيام أكل وشرب ، وذكر الله تعالى ، وقال البخارى عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه ، وفى فسطاطة وفى مجلسه وفى ممشاه فى تلك الأيام جميعاً ، يعنى يوم النحر وثلاثة الأيام بعده ، المرادة عندنا فى قوله تعالى { فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودَةٍ } جمع يوم ، معدود مع أنه مذكر لأن لفظ معدود أكثر من ثلاثة أحرف لغير عاقل فجاز جمعه بألف وتاء ، وذلك التكبير وسائر الذكر فى تلك الأيام مستحبان عندنا وعند أبى حنيفة إلا عند ذبح القرابين ، فعنده وجب التكبير ، وعندنا يستحب ، ويحتاج إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز فى الأمر أو عموم المجاز ، والمراد بالأيام ما يشمل الليالى . وعن أبن أبى ليلى الأيام يوم النحر ويومان بعده قيل وهو وهم ، ونسب لعمر وعلى ، والمشهور عنهما ، وهو قول ابن عباس ، أن الأيام يوم وثلاثة بعده ، وعن ابن عباس وابن عمر والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة الثلاثة بعد النحر ، قلت لا يلزم الوهم ، ولعله خص مزيد التأكيد فى ذلك بالحج ، والواجب عند القائلين به فى الحج ، وهم الظاهرية ، والواجب ما عدا اليوم الرابع بالعيد ، ولا يخفى استحباب الذكر فى الأيام الثلاثة ويوم النحر قبلها فى الحج وغير الحج . { فَمَن تَعَجَّلَ } النفر أو بالنفر أو عن منى { فِى يَوْمَيْنِ } يوم القَر واليوم بعده ، والقر والقرار هو عدم النفر ، ولا بد منه فى اليوم بعد العيد ، فأضيف للقر ، وأما النفر بفاء سكانة فهو الذهاب ، يضاف إليه اليوم الثانى والثالث ، فنقول يوم النفر الأول ويوم النفر الثانى لجواز أن ينفر فى اليوم الثانى أو فى الثالث ، ولا قر بعد الثالث ويسمى اليوم بعد العبد يوم الرءوس لأنه تؤكل فيه رءوس الضحايا . ونسب التعجل لليومين مع أنه فى الثانى فقط تنزيلا لهما بمنزلة اليوم الواحد ، لأنه لا بد منهما وهو حكم على المجموع ، أو يقدر مضاف ، أى تعجل فى ثانى يومين ، والتعجل فيهما صالح للتعجل قبل تمام اليوم الثانى وهو المراد . والظرفية لا تصلح لهما فى ليلة الثالث ، فمن دخلت عليه ليلة الثالث لزمه البقاء إلى الزوال ، فيرمى قبله أو بعده ، وذلك أنه من نفر فى ليلة الثالث لا يصدق عيه أنه نفر فى اليومين ، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعى وقال أبو حنيفة له النفر ، ما لم يطلع فجر الثالث ومذهب الشافعية ، وقال أبو حنيفة له النفر ، ما لم يطلع فجر الثالث وإن طلع فيه لزمه اللبث إلى الزوال فيرمى ، وعن أبى حنيفة له الرمى قبل الزوال فيه وفى اليومين قبله ، وعنه لا يجوز إلا بعد الزوال ، وكذا عن الشافعى ، وقيل من لم ينفر قبل زوال اليوم الثانى لزمه اللبث إلى الثالث فيرمى . { فَلآ إِثْمَ عَلَيْهِ } كما يزعم بعض الجاهلية ، ويجوز الوجهان بلا إثم والثانى أعظم أجراً لزيادة الرمى والذكر { لِمَنِ اتَّقَى } أى ذلك لمن اتقى الله فى حجه ، وهو الذى ينتفع بحجه ولو كان أيضاً لغيره ، أو ذلك لأجل المتقى ليصان عن ترك الواجب لو وجب الثلاثة . { وَاتَّقُواْ اللهَ } فى الحج وغيره { وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ } لا إلى غيره ، ولو كان إلى غيره لأمكنكم الإنكار والإخفاء ونفعكم { تُحْشَرُونَ } للجزاء على مثاقيل الذر . -------------------------------------------------------- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبْكَ قَوْلُهُ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا } أى يعجبك ما ينطق به فى شأن أمور الدنيا من حرب ، وصلح ، وكسب ، وعفو ، أو لأجل الدنيا ، بأن يظهر الإيمان والحب ليتوصل إلى ما يحب من لذات الدنيا ، أو يعجبك فى الدنيا كلامه حلاوة وفصاحة ، وأما فى الآخرة فلا كلام له ألبتة تارة ، ولا يؤذن لهم ، فيعتذرون وإذا تكلموا تارة فكلام دهشة لا فصاحة ، ولا يعجبك فى الآخرة لأنه لا نفع له به ، والخطاب له صلى الله عليه وسلم ، أو لمن يصلح له مطلقا ، ومثل ذلك قوله تعالى عز وجل { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } ويعجبك الخ . يحدث قوله فى قلبك عجبا ، والعجب حيرة تعرض بسبب الجهل بما تعجب منه وقد يستعمل العجب فى حيرة تعرض مع العلم بالسبب ، والعجب هنا عبارة عما يلزم من عظمة الإنسان فى قلب غيره ، وفى متعلق بيعجبك أو بقوله على ما رأيت من التفسير . { وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِى قَلْبِهِ } يستشهده أو يجعله شاهداً على أن قلبه مواطىء لقوله فى الإيمان وهو كاذب فى دعواه . { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } شديد الخصومة وهو صفة مشبهة فيما قيل ، وشهر ، واحتج له بورود مؤنثه على فعلاء كحمراء إن صح ، والراجح أنه اسم تفضيل باق أو خارج عنه ، لأن الصفة المشبهة التى على وزن أفعل تختص بالألوان والعيوب ونحوها ، ولا يصح أن يقال فى أعلم وأفضل إنهما صفتان مشبهتان ، وهو قول الخليل والزجاج ، وإضافة اسم التفضيل لفاعله معنى جائزة ، ويجوز تقدير ، وهو ألد ذوى الخصام ، أو خصامه ألد الخصام ، أو الضمير للخصام ، وهو ضعيف ، أو الخصام جمع خصام كصعب وصعاب ، أى أشد من كل من يخاصم ، وهو يخاصم المسلمين خصاماً شديداً أعظم من يخاصمهم فى الخصام ، والشديد الخصام أو صاحبه ، فيقدر فى ، أى ألد الخصام . والآية فى المنافقين كقوله تعالى : « وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم » وكانوا حسنى المنظر ، والكلام فى الإسلام والتحبب إلى أهله ، فذكر الله حسن كلامهم وحسن أجسادهم هنالك ، والإفراد للجنس ، ولفظ من ، والمشهور الأخنس بن شريق وكان منهم كذلك ، وزعم بعضهم أنه أسلم عام الفتح وحسن إسلامه ، ويعارضه قوله فحسبه جهنم ، واسمه أُبىّ ، ولقب الأخنس ، لأنه خنس بقومه أى تأخر عنه صلى الله عليه وسلم بثلاثمائة رجل بعد خروجهم لبدر ، وقال إن كان غالبا فهو ابن أختكم وأنتم أسعد به ، وإن غلب كفيتموه ، وكان يحلف بالله أنه مؤمن محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المدينة وأظهر له الإسلام ، وأعجب النبى صلى الله عليه وسلم ذلك منه ، وقال إنما جئت أريد الإسلام والله تعالى يعلم أنى لصادق ، فكان صلى الله عليه وسلم يدينه إليه فى المجلس فكذبه الله وفضحه . -------------------------------------------------------- وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) { وَإِذَا تَوَلَّى } ذهب عنكم وعن المسلمين أو صار والياً ، والأول أولى لأن الحال الواقعة ، وتتكرر ايضا هى ذهابهم أو ذهابه لا الولاية { سَعَى فِى الأَرْضِ } أسرع أو ذهب مجتهداً بقلبه . { لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } ذلك فى الأخنس واضح ، وأما فى المنافقين عموما فلإرادة الجنس بمن ، وعراعاة لفظها ، ولأنه منهم والإفساد فى الأرض على العموم كقوله تعالى { وإذا قيل لهم لا تفسدوا فى الأرض } فهو بالكذب والنميمة والغيبة والسرقة والصد عن دين الهل ، والإهلاك خصه هنا بالحرث والنسل ، تخصيصا بعد تعميم ، وهذا أولى من جعل الإفساد فى الأرض إهلاكهما مع تفسير الإفساد بالإهلاك المذكور وذلك كما روى أن الأخنس مر بحرث ثقيف ومواشيهم ليلا وهم مسلمون ، فأحرق زرعهم وعقر مواشيهم فى أرجلها ، ويقال إنها الحمر ، والنسل الحيوان ولو كبير السن ، وأصحاب الحرث والنسل مسلمون . وكا يفعل ولاة السوء من إهلاك الحرث والنسل وكما تظلم الولاة فيمنع الله المطر فيهلك الحرث والنسل بالقحط ، أو يرسل مطراً مفسداً لهما ، أو طاعوناً فى النسل وضرراً فى الحرث . لشؤم الظلم ، قال صلى الله عليه وسلم ، أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم قال أبو الدرداء ، كفى بك إثما أن لا تزال مماريا ، وكفى بك ظالما أن لا تزال مخاصماً ، وكفى بك كاذباً أن لا تزال محدثاً إلا حديثاً فى ذات الله عز وجل { وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ } أى لا يقبله فهو يعاقب عليه . -------------------------------------------------------- وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) { وَإِذَا قِيلَ اتَّقِ اللهَ } بترك الإفساد والمضار { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ } احترت عليه العظمة التى فى قلبه لنفسه والأنفة حتى صار كالمأخوذ وذلك مجاز لأن أصل العزة خلاف الذل . { بِالإِثْمِ } بمواقعة ما هو ذنب وأغرته عليه؛ فيفعله لخصام من يأمره بتقوى الله عز وجل؛ أو مع الإثم أو بسبب الإثم ، أو أخذت بمعنى أسرت ، كما يقال للأسير أخيذ أى جعلته حمية الجاهلية أسيراً بحبل هو الإثم ، وفى الآية ذم لمن يغضب إذا قيل له اتق الله ، قال بعضه : ولا يعزر الفاضى من قال له ، ويعزر من قال له اعدل ، وعن ابن مسعود : من أكبر الذنب أن يقول الرجل لمن قال له اتق الله تعالى ، عليك بنفسك ، عليك بنفسك . { فَحَسْبُهُ } كافيته اسم فاعل لا اسم فعل ، بمعنى كفته لوقوعه اسماً ، لأن فى قوله عز وجل فإن حسبك الله { جَهَنَّمُ } نارها وزمهريرها ، والكفاية هنا تهكم ، لأنها صرف السوء أو الشىء أو فى الخير ، أو بمعنى الكفالة بجزائه ، ووزنه فعنلل بزيادة النون إلحافاً للرباعى الأصول بخماسيها ، من قوله « بئر جهنام » أى بعيدة القمر ، وذلك من الجهم ، وهو الكراهة ، وقيل وزنه فعنل كدونك لموضع ، وخفنك للضعيف ، وقيل النون أصل فهو خماسى حروفه أصول وزنه فعلل بشدة الللام الأولى كعرندس ، وقيل جهنم فارسى أصله كهنام فعرب . { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } جهنم ، والمهاد بمعنى الفراش ، أو ما يمهد للنوم تهكم . -------------------------------------------------------- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى } يبيع { نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ } طلب رضى { اللهِ } بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حتى يصاب بضرر أو يقتل ، فالشراء لنفسه ، بدلها الله ، سلمت أو تلفت أو أصابه ضر إلا أن المناسب لسائر الآيات المفسرة بالقتل كقوله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين } أن يراد هنا أنه قتل شهيداً . وقد قيل نزلت فى صهيب بن سنان الرومى عذبه المشركون ليرتد فقال : إنى شيخ كبير ، لا أنفعكم ولا أضركم ، خذوا مالى وخلونى ، ففعلوا ، وهو من العرب ، ونسب للروم لأن الروم أسرته صغيراً ونشأ فيهم ، وذلك شراء لنفسه من جهنم بماله ، لأنه أبدله ليبقى إسلامه ، لا يرتد ولا ينقص ولا حاجة لهذا على إبقاء الشراء على ظاهره ، ولما حلوه هاجر للمدينة ، وروى أنه هاجر فتبعته جماعة من المشركين ، فنزل عن راحلته فنثر ما فى كنانته ، وأخذ قوسه ، فقال : يا معشر قريش لقد علمتم أنى من أرماكم ، والله لا تصلون إلىّ حتى أرمى بما فى كنانتى وأضرب بسيفى ما بقى منه شىء ، ثم افعلوا ما شئتم ، وإن شئتم دللتكم على حالى بمكة ، فرفضوا ، فدلهم ، وقيل لما قال لهم ذلك رغبوا عن قتاله ، فقالوا له ، دلنا على مالك وبيتك فعاهدوه ، فدهلم فخلوه ، ونزلت الآية ، وأخبرهم النبى صلى الله عليه وسلم قبل قدومه واستقبله عمر رضى الله عنه وقال يا صهيب ، ربح البيع ، وتلا عليه الآية . ولا تضعف هذه الرواية لانتقاء المقابلة لأنا نقول لم تنتف لأن صهيبا اشترى نفسه طالباً لمرضاة الله ، يقبل الحق ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ولا تأخذه العزة ، ولا ينهى عن المعروف ولا يأمر بالمنكر وهاجر إلى ذلك ، فذلك مقابلة تامة ، ثم إن المقابلة ليست لازمة ، وقيل نزلت فى الزبير والمقداد إذ خرجا إلى تنزيل خبيب من الخشبة التى صلبه عليها أهل مكة . { وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } إذا أرشدهم إلى مثل هذا الشراء المورث للثواب الوافر وجعل النعيم الكثير جزء لعلم قليل منقطع ، ولم يكلف مالا يطالق أو ما فيه عسر ، وأنه يغفر التائب ولو عبد الصنم ألف عام ، ومات عقب توبته ، وأن المال والنفس له ويشترى ملكة بملكه . -------------------------------------------------------- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) { يَآيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ادْخُلُواْ } كلكم لا بعضكم { فِى السِّلْمِ } فى الانقياد { كَآفَةً } أى كلكم ، وأصله اسم فاعل من كفه ، فغلبت عليه الاسمية ، وتاؤه للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، أو للتأنيث ، أو للمبالغة ، أقوال ، وهو حال من واو ادخلوا ، إشارة إلى الكف عن التفرق أو الحذف بمعنى كله ، لا تتركوا بعضه كعدم تعظيم السبت وعدم تحريم لحم الإبل وشحمها ولبنها وصلاة الليل بالتوراة نفلا كما يفعله بعض من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، إذ طلب أن يقوم الليل بالتوراة ، ولا تتركوا الإيمان ببعض كتب الله وأنبيائه ولا تتركوا شيئاً من الدين . وآمنوا بقلوبكم لا بألسنتكم فقط ، كما فعل ، المنافقون ودخلوا فى لفظ الذين آمنوا لظاهر حالهم . وقيل الخطاب للمنافقين لأنه يقال فيهم إنهم آمنوا ، وقيل لكفار أهل الكتاب إذ زعموا أنهم آمنوا بالتوراة والإنجيل على أن السلم جميع الشرائع ، وقيل للمؤمنين الخلص . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَنِ } أثر خطواته ، أى أثر أقدامه ، والمراد أنواع تزيينه بالتفرق ، بعض لا يسلم وبعض يسلم ، والشيطان لا يريد إيمان هذا البعض ، وبالإيمان بالبعض دون البعض وبالبقاء على بعض أمر الجاهلية ، أو بعض الكتب السابقة مما لا يجوز البقاء عليه ، كتحريم لبن البعير ولحمه وتعظيم السبت ، والصلاة بغير القرآن . { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة أو مظهرها لكم ، لكن اغتررتم بما ناسب هواكم وجعلتموه حليفاً لكم . -------------------------------------------------------- فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) { فَإِنْ زَلَلْتُمْ } ملتم عن دخولكم كلكم ، أو فى أمر الإسلام كله { مِّنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ الْبَيِّنَتُ } الحجج الظاهرة فى أن الدين هو الحق ، انتقم الله منكم ودل على هذا الجواب بقوله { فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ } لا تفوتونه { حَكِيمٌ } ومن الحكمة ألا يهل العاصى عن الجزاء بما يستحقه لا زائد ولا ناقص . -------------------------------------------------------- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) { هَلْ يَنْظُرُونَ } ينتظر من لم يدخل فى السلم { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ } أى أمره أو بأسه كقوله ، أو يأتى أمر ربك ، فجاءهم بأسنا أو يأتيهم الله ببأسه أى يحضر بأسه . { فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ } والواحد ظلة ، ومن شأن الغمام أن يكون ماء ، فإذا جاء فيه العذاب كان أشد عليهم ، إذ جاءهم الشر من حيث يظنون الخير ، ولا سيما غمام مظلم موهم لقوة مائه أو أبيض ، مظنة الرحمة . { وَالْمَلَئِكَةُ } لجريان العذاب على أيديهم ، أخر ذلكم تتميما للإيهام ، أو تفسيراً لإتيان الله بأن الآتى بالعذاب ملائكته. { وَقُضِىَ الأَمْرُ } ببقائهم على ترك الدخول فى السلم ، ويقضى الأمر إلا أنه متحقق الوقوع لو كان موعوداً به ، حى كأنه واقع ، فأخبر به على صيغة الماضى فهو داخل فى حيز الانتظار ، من قوله هل ينظرون ، أو المراد أن الله قد فرغ من أمرهم وقضاه ، أى حكم كان فهو غير داخل فى حيزه { وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } فيجازى على الأعمال فى الآخرة وهى بعض الأمور . -------------------------------------------------------- سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) { سَلْ } يا محمد ، أو من يصلح للسؤال ، سؤال توبيخ وتقرير وتقريع ، وتحقيق التقريع إنما هو على إنكار الحق المتقرر وإفحام لا استفهام حقيقى ، لأنه عالم بالآيات التى أنزلت علهيم كلها . { بَنِى إِسْرَاءِيلَ كَمْ } قيل لا يجوز أن تكون للتكثير لتقدم السؤال ، قلت ، لا بأس بأنها للتكثير مع السؤال لأن السؤال غير حقيقى بل تقرير وتقريع ، وهى مفعول به أو مقدم لآتى بعده ، إلا على معنى ناولناهم فيكون مفعولا ثانيا . { ءَاتَيْنَهُمْ مِّنْ ءَايَةٍ بَيِّنَةٍ } معجزرة ظاهرة فى صدق أنبيائهم ، على أيدى أنبيائهم ، كفلق البحر والعصا ، فمنهم من لم يؤمن ، ومنهم من آمن ، ولم يستقم ، أو آيات التوراة والإنجيل وغيرهما ولم يعلموا بها ، دالات على الأحكام الشرعية وعلى رسالتك وحقيقة دين الإسلام ، وذلك كله نعمة ، بدلوها بالإنكار وعدم العمل بمقتضاها ، ومن للبيان متعلق بمحذوف ، حال من كم ، أو زائدة فى التمييز ، ولو لم يتقدم نفى إلا على تقريعهم بأنهم كأنه لم تأتهم آية ، ويضعف جعل كم مفعولا لا مطلقا ، أى كم إيتاء آتيناهم ، فتكون من للابتداء أو للتبعية على أن آية بمعنى آيات . { وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ } آيات التلاوة والمعجزات بالإنكار أو المحو أو التأويل { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ } كفرا كقوله تعالى ، ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً ، لا بعد مجرد الوصف فقط ، بل بعد حضورها عنده وفهمه إياه ، إذ لا يصدق أنها نعمة إن لم تفهم ، وربما يوجد التبديل من غير خبرة بالمبدل أو عن جهل به فيتوهم عذر فاعله ، سمى الله دينه نعمة ، وهو أفضل من نعم الصحة والمال والجاه . { فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } جواب الشرط أى شديد العقاب له ، فإن لم تقدر له كان تعليلا للجواب ، أى عاقبه الله عقابا شديدا ، لأن الله شديد العقاب جزاء وفاقا إذ بدل أشد النعم ، وكان سببا لزيادة كفره ، وهو الاعتداء المعبر عنه بالآيات المعبر عنها بالنعمة وهن سبب الهدى وملزومه . -------------------------------------------------------- زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) { زُيِّنَ } أى زين الله ، لأنه الموجد للزينة وخالقها وخالق تأثير وسوسة الشيطان ، إذ لا مؤثر سوى الله ، أو زين الشيطان أى عالج حصول الزينة وخالفها الله بالخذلان . { لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا } بالزخرفة فأحبوها { وَيَسْخَرُونَ } يهزأون { مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } لقلة حرمة الدنيا عندهم وقلة مالها عندهم ، كبلال وعمار ، وصهيب ، والذين للحقيقة أو للاستغراق ، لأن من المسلمين ذوى جاه وأموال ، والمراد يسخرون بالذين آمنوا أو لما جعلوا محلا للسخرية ، ومبديا لها كانت مبدأة منهم . { وَالَّذِينَ اتَّقَوْا } ما حرم من شرك ومعاص ، وهم الذين آمنوا المذكورون ، ذكرهم باسم التقوى أيضا أو المراد المذكورون وغيرهم عموما لهم بالأولى ، والمراد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومنها ترك المعاصى بدليل قوله { فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ } فى جنات عاليات ، وكرامة ومكانة ، وهؤلاء فى النار سافلين ، ودخل فى الكرامة وعلو الشأن كون مساكنهم فى لاجنات ، فالفرقية حسية وعقلية ، ومن ذلك أن يسخر بهم بالمؤمنون. { وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ } رزق الدنيا والآخرة ، فيملك الذين آمنوا أموال المشركين ومنازلهم وأزواجهم فى الجنة وفى الدنيا ، ويرزق الكفار فى الدنيا استدراجا { بِغَيْرِ حِسَابٍ } أى كثير لا يطيق الخلق حسابه ، وأما الله فكل شىء عنده بحساب . -------------------------------------------------------- كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً } على دين الله فى عهد آدم عليه السلام ، إلى أن قتل قابيل هابيل ، فكفر قابيل ، وعلم أولاده الكفر ، وهذا أولى ما يقال ، لأن ذلك فى أول الناس ، ويليه أن يقال المراد من بعد الطوفان ، ممن فى السفينة ومن لم يكن فيها ، ولم يغرق ، ولا سلامة ، لأنهم تمحضوا للإسلام إلى أن كفر من كفر بعد ، وهو حسن ، وليسوا قليلا مع من لم يغرق ، مه أنه القلة لا تضر ، وأزواج حام وسام ويافث مسلمات . وقال ابن عمر : كان الناس متفقين على الكفر حتى بعث الله إبراهيم ولوطاً ومن بعدهما ولم يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه مما لا يعلم بالرأى ، فلا يقال إن الاتفاق على الكفر فى زمان غير معلوم ولا اتفاق على الإسلام ولا على الكفر بين آدم وإدريس ، ولا بين آدم ونوح ، ولا يظهر أن بين نوح ومن قبله أكثرهم مؤمنون ، بل يظهر أن أكثرهم كفار ، فقد يقال بالاتفاق على الكفر ، ولم يعتبر قليل الإسلام ، ويناسب قول ابن عمر قوله تعالى { فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشَِّرِينَ } للمؤمنين بالجنة { وَمُنذِرِينَ } للكافرين بالنار ، فإن الاتفاق على الكفر أو اتفاق الأكثر مع إلغاء الأقل أدعى إلى بعث الرسل أكثر مما يدعو إليه الاختلاف ، ولو جاز أن يراد اختلفوا كفرا وإيمانا بعد الاتفاق على الإيمان ، بدليل قوله عز وجل ، « فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين » . { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ } أى أَرْسَلَ معهم متعلق بمحذوف ، حال مقدرة ، أى مصاحبة لهم أو مقارنة أو مع بمعنى إلى ، أو على متعلق بأنزل . { الْكِتَبَ بِالْحَقِّ } ناطقاً بالحق ، حتى لا يبقى اختلاف ، والمراد جنس الكتب ، فمن الأنبياء من معه كتاب خص به ، ومنهم من معه كتاب من قبله أو فى زمانه ، والمراد ما يشمل الصحف ، عشر صحف على آدم ، وثلاثين على شيث ، وخمسين على إدريس ، وعشرا على موسى ، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن ، وذلك مائة كتاب وأربعة ، والرسل ثلثمائة ، وثلاثة عشر ، والأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا . { لِيَحْكُمَ } الله ، كما قرىء ، لتحكم ، أو جنس النبى المبعوث ، وأفرد لأن الحاكم كل واحد أو أسند الحكم للكتاب على طريق المجاز العقلى . { بَيْنَ النَّاسِ } مطلق الناس ، لا خصوص الذين كانوا أمة واحدة ، لأن الإنزال بعد الاختلاف ، فلذلك لم يضمر { فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه } من الحق وغيره ، أو فى الكتاب على التوزيع ، يختلفون فينزل الكتاب الأول ويقع الاختلاف بعد ذلك إنزال كل كتاب على حدة ، والمراد بالإنزال معهم الإنزال مع بعضهم ، والمراد المجموع فإن أكثرهم لم ينزل عليه كتاب ، بل يتبع كتاب من قبله ، أو كتاب من معه ، وأل فى الكتاب للجنس ، فيشمل كتبا كثيرة ، والمذكور من الأنبياء فى القرآن ثمانية وعشرون على اختلاف فى يوسف غافر ، أهو غير ابن يعقوب ، وعزير وذى القرنين ولقمان وتبع مريم وأم موسى . { وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ } أى فى الحق والكتاب ، بأن صرفوه أو أولوه بما لا يجوز { إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ } أى الكتاب ، والأمة أوتيت كتابا كما أوتيه نبيها ، لأنه أنزل عليه له ولهم . { مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ } الدلائل الشاهدة على حقيقة دين الله من الآيات المعبر عنها بالكتاب ، ومن الشواهد العقلية ، والمنزل كتاب من حيث إنه جمع حروفا وكلمات وآيات ، من حيث إنه علامة وبينات من حيث الوضوح . { بَغْياً } ظلما أو حسدا للحرص على الدنيا ، ومنشأ الاختلاف فى الأكثر الحسد ، والحسد سبب للظلم ، وهو تعليل الاختلاف ، والتفريغ والإبدال جائزان فى الاستثناء ، ولو باعتبار متعدد ، نحو ما جاء إلا زيد راكبا ، أى ما جاء أحد راكبا إلا زيد راكبا ، وما جاء رجل راكب إلا زيد الراكب ، والمانع ، وهو الجمهور ، يقدر عاملا أى اختلفوا بغيا ، وأجازه بعض فى الإبدال ، ولا خلاف فى جوازه بالعطف مطلقا{ بَيْنَهُمْ } نعتا لبغيا . { فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } أهو الحق ، فمعنى آمنوا شارفوا الإيمان لأن هداية من آمن إلى الإيمان تحصيل الحاصل ، أو آمنوا بالكتاب والهداية لما سواه من الحق ، أو آمنوا ، والهداية الإثبات على الإيمان أو آمنوا ، والهداية زيادة ما منحوه من الحق ، اختلف كل أمة ، وهدى الله من كل واحدة بعضها إلى الحق ، أو الذين آمنوا هذه الأمة ، والمختلفون غيرهم ، أخذ اليهود السبت ، والنصارى الأحد ، وهدانا الله تعالى للجمعة ، واستقبلت النصارى واليهود بيت المقدس ، وهدانا الله تعالى للكعبة ، ومنهم من يركع ومنهم من يسجد ، ومنهم من لا يركع ولا يسجد ، ومنهم من يصلى ما شيا ، ومنهم من يصلى ويتكلم ، وهدانا الله لما علمت من الركوع والسجود وترك الكلام ولا يمشى إلا لضرورة ألجأته إلى المشى ، ومنهم من يصوم الليل والنهار ، ومن يصوم عن بعض الطعام ، وهدانا الله إلى ترك الوصال بعد وقوعه ، وترك كل طعامن وقال بعض ، إبراهيم يهودى ، وبعض نصرانى ، وهدانا الله تعالى إلى أنه مسلم ، وبعض إلى أن عيسى ولد زنا ، وبعض أنه إله ، وهدانا الله تعالى إلى أنه رسول الله وروح منه. { وَللَّهِ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ } أفعال أو اعتقادات لا عوج فيها ، توصل إلى الجنة لا تقصر دونها ولا تميل ، وأكدها بتكرير لفظ الجلالة فى موضع الإضمار ومضارع الاستمرار والاسمية . -------------------------------------------------------- أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ } بمجرد الإيمان دون لقاء شد كشدة حفر الخندق ولغزوة الأحزاب والجوع فيها والخوف والبرد ، وشدة حرب أحد قبلها ، وشدة مفارقة الأهل والمال الوطن عند الهجرة والحاجة ، نزلت فى غزوة الخندق ، وكأنه أشير لهم بأنها آخر شدة تقصدون وتضطرون إليها ، وإن نزلت حين الهجرة فالآية إشارة إلى أنهم يسيصابون ، ثم أصيبوا مع شدقا لهجرة بأحد والخندق ، وترك أموالهم بمكة وديارهم ، وإظهار اليهود العدواة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإسرار قوم النفاق . والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، أولهم ، وعلى الأول عد ضيق صدره الشريف بمنزلة حسبان دخول الجنة بدون مكاره ، بل قبل الهجرة ، يأتونه صلى الله عليه وسلم ما بين مضروب ومشجوج ويقولون ألا تدعو لنا فيقول اصبروا ، فإنى لم أومر بالقتال ، وقد ينشر الرجل ممن كان قبلكم من رأسه إلى ما بين فخذيه ويمشط بأمشاط الحديد ما رد عظمه ، ولا يرده ذلك عن الإِيمان كما قال { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوُاْ مِن قَبْلِكُم } والحال أنه لم يأتكم صفة من قبلكم ، أى صفة كصفتهم مما يكره ، وقال والله ليتمن هذا الأمر حتى يصبر الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ، وأم بمعنى بل ، وهمزة إنكار لياقة الحسبان ، وفى لما ترقب وقوع ذلك والتصيير لما فى حالهم منه ، وهى كالمثل المضروب فى الغرابة وذكرها بقوله { مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ } الفقر الشديد { وَالْضَّرَّاءُ } المرض والقتل . { وَزُلْزِلُواْ } أزعجوا بالشدائد { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ } جنس الرسول ، فيشمل رسلا كثيرة ، كأنكم فى حال قول الرسل بتقدمكم إليهم أو تأخرهم ، ولو اعتبر تأخرهم عن زمان النزول لنصب ، وزعم بعض أن المراد اليسع وبعض أشيعاء وبعض شيعاء فالقائلون متى نصر الله أقوام هؤلاء الأنبياء. { وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ } هم الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ، أو الذين آمنوا ، أولو التقدم فى أمر الدين . { مَتَى نَصْرُ اللهِ } استفهام استبطاء ولا شك ، لما وعدهم الله من النصر ، فأجابهم بطريق الإسعاف فى التعجيل بقوله { أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } فاصبروا يوافكم مأجورين ، أى قلنا ، أو قال ، أو قيل لهم ، وعلى الأوجه الثلاثة القائل الله ، كقوله تعالى : { وإن الله على نصرهم لقدير } لا كما قيل إن هذا من قول الرسول والذين آمنوا وما قبله من قول العامة ، ولا من قول الذين آمنوا ، ومتى نصر الله من قول الرسول ، ولا من قول الذين آمنوا وإلى أن نصر الله قريب من كلام الرسول كما قيل . -------------------------------------------------------- يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) { يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } أى وعلى من ينفقون ، بدليل قوله : فللوالدين الخ ، السائل عمرو بن الجموح الأنصارى ، وهو شيخ هرم ذو مال عظيم وكان بصيغة الجمع ، لأنه قال فى سؤاله ماذا ننفق ولرضى غيره بسؤاله وإعجابهم به ، أو سألوا معه كما قال ابن جريج. { قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ } ما أردتم إنفاقه { مِّنْ خَيْرٍ } جواب عن نفس ما ينفق فى ضمن الشرط ، يتضمن أن الإِنفاق يتصور بكل ما أمكن من الحلال ، وهو الخير ، أو الخير المال ، والحلال يعرف من المقام لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصية ومن خارج . { فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } بيان للمنفق عليه تصريحا ، لأنه الأهم ، وأجاب عن نفس ما ينفق بعرض التصريح ، لأن الأولى بهم أن يسألوا عن المنفق عليه ، والصحيح أن الآية ليست فى الزكاة كما هو ظاهر ، وتجوز الزكاة للوالدين والولد بشرط الفقر والإسلام ، وعدم قرنها بمنفعة ترجع إلى المعطى ، وتجوز من زوج لزوجها ومنه لها ، كذلك لدين عليها لا تجد خلاصه لا لتتزين بها ، وإنما جازت لها منه لأنه ليس عليه قضاء ما عليها من الدين ، وقدم الوالدين لعظم شأنهما وحقهما وفعلهما مع الولد ، وأنهما أصله ، وحتى إنه هما نفسهما ، وإنما هو لا قرابة فقط ، وذكر الأقرب بعدهما لأنه كبعض الوالدين فهو أولى ، إذ لا طاقة على الناس كلهم . وذكر اليتامى لأنهم لا يقوون على الكسب ، وهم أحق ، وسيما إن كان فيهم أيضا قرابة ، وأخر ابن السبيل إذ كان قويا حتى كان ابن السبيل ، ولم يذكر السائلين والرقاب لدخولهم فى المساكين . وقيل نزلت فى رجل قال : يا رسول الله لى دينار ، قال أنفقه على نفسك ، فقال اثنان ، فقال : على أهلك ، فقال : ثلاثة ، فقال : على خادمك ، فقال أربعة ، فقال : على والديك ، فقال : خمسة ، فقال : على قرابتك . { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } إنفاق أو غيره كصلاة وصوم { فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } كناية عن المجازاة ، إن كان من حلال وفى إخلاص ولو حلالا عند المنفق لا عند الله مما لا يدرك بالعلم ، والجملة جواب الشرط ، لأن المعنى تثابوا عليه أو دليل الجواب أى تثابوا عليه لأن الله به عليم ، والإثابة على الإنفاق مستمرة بعد فرض الزكاة وقبله ، فلا وجه لدعوى نسخه بالزَكاة ، ولا سيما أن هذا شامل للزكاة وغيرها ، وتعميم بعد تخصيص ، وليس أمراً بل إخبار فلا يقبل النسخ . -------------------------------------------------------- كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } قتال الكفار { وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ } مصدر بمعنى مكروه ، أو وصف بمعنى مكروه لكم فى طبع النفس ، أو ذو كره أو نفس الكره مبالغة ، لصرف المال والتعب والجراح والموت ومفارقة الأهل والولد ، قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء ، وهو أعلم به ، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ، فمنهم من يخرج كالذه بالإبريز فذلك تجاه الله من السيئات ، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود ، فذلك الذى قد افتتن . { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً } مما كلفتم به { وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } دنيا كنتم ظفر ، وأخرى كثواب وشهادة { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئاً } مما نهيتك عنه لليقاته بالطبع . { وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } دنيا كجلد ورجم وقطع وحبس ، وأخرى كعذاب القبر والبعث والنار والذل والفقر وفرت الأجر ، وذلك كالزنا وترك الجهاد ، ففى تركه ضعفكم وسبى ذراريكم ونهب أموالكم ، وحرمان ثواب الآخرة ، وعسى تليبن فى الزجر والجلب ، والنفس إذا ارتاضت أحبت مكروهها وكرهت محبوبها ، وأمر الله تعالى ونهيه كلها مصلحة للعبد . { وَاللهُ يَعْلَمُ } كل شىء ، فهو عالم بما يصلح لكم { وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } إلا ما علمكم ، فبادروا إلى ما أمرتم به وإلى ترك ما نهيتم عنه ، فليس ينهاكم عما هو خير لكم ، ولا يأمركم بما هو شر لكم ، وكل ما نهيتم عنه شر لكم ، وكل ما أمرتم به خير لكم . -------------------------------------------------------- يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ } بدل اشتمال { فِيهِ } عن قتال فى الشهر الحرام رجب أمر سرية فى جمادى الأخيرة قبل بدر شهرين ليرصدوا عيراً لقريش فى بطن نخلة ، فيها عمرو بن عبدالله بن عباد الحضرمى ، وهو أول قتيل من المشركين قتله المسلمون ، وكذا الأسر والغنمن وهم ثلاثة فقتلوه وأسروا اثنين عثمان بن عبدالله ، والحكم بن كيسان ، وهرب واحد نوفل بن عبدالله ، واستاقوا العير وفيها تجارة الطائف ، وفيها زبيب وأدم لأهل الطائف ، وغير ذلك لقريش ، وعلى السرية ابن عمته صلى الله عليه وسلم عبدالله بن جحش ، وقد كتب له كتاباً وقال له ، لا تنظر فيه إلا بعد سير يومين فنظر بعدهما ، وفيه لا تكره أصحابك على السير ، وهم ثمانية رجال ، منهم وافد بن عبدالله أشرف على أصحاب العير ، وقد حلق رأسه ، فقال بعض لبعض : هم عمار لا بأس منهم ، فقالت كفار قريش : استحل محمد الشهر الحرام ، شهراً يتفرق فيه النسا لمعايشهم ويأمنون فيه ، فشق ذلك على عبدالله ابن جحش ومن معه من السرية ، وقالوا لا نبرح حتى تنزل توبتنا ورد صلى الله عليه وسلم العير بأحمالها والأسيرين بالغوا لأنهم أبرار ، وعدوا الخطأ كذنب ، أو قبل أن يعرفوا أن الخطأ والنسيان معفو عنهما ظنوا أنهم فى آخر جمادى ، وهم فى أول رجب . وعن ابن عباس أخذ الغنيمة والأسيرين ولم يردهم ، وأنهم أول غنيمة ، ويجمع بأنه ردها بمعنى أوقفها ولم يقبلها الوحى ، ولا ضعف فى هذا ، والسائلون أصحاب السرية سؤال تحرج وتوبة لعلمهم بحرمة القتال فى الشهر الحرام كما قالوا حتى تنزل توبتنا ، وقيل السائلون المشركون سؤال جدال ، وعيروا من فى مكة من المسلمين ونسبوا لك للنبى صلى الله عليه وسلم ولم يحضر لأنهم قومه ومتبعوه . { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أى القتال فيه هو أمر كبير إذا فعل عمدا ، والسرية لم تقاتل عمدا ، وهو حرام من لدن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، والمذهب أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا ، والذى عندى أنه شرع لنا ، وأنه يقدم على الاجتهاد ما لم ينافه القرآن أو الحديث ، أو الإِجماع بدليل راجح ، ولا خلاف فى أنه ليس شرعا لنا إذا صرح فى ذلك بخلافه ولا يصح أن شيئاً شرع لمن قبلنا إلا إن ذكر عنهم فى القرآن أو الحديث أو الإجماع ، أو رواه ثقة أسلم منهم كعبدالله بن سلام . وقد قيل إن تحريم القتال فى الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى ، فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، ولو كان عمومه فى المكان لما قيل إن عموم الأمكنة قرينة عمومه الأزمنة ، ولأن الإيجاب المطلق يرفع التحريم المقيد والنسخ مذهب الأكثر . وقد قيل إن الأشهر الحرم فى تلك السنة لا فى السنين بعدها ، وقال عطاء : لا نسخ فى ذلك لكن إن قاتلك فقاتله ، وقيل نسخت هذه الآية ، ولو كان قتال نكرة فى الإثبات كقوله تعالى { علمت نفس ما أحضرت } ولا سيما أنها قيدت بما تعم به قوله فيه ، على أن نعتها أو متعلق بها فلما عمت صح نسخها بقوله تعالى ، اقتلوا المشركين الخ . { وَصَدٌّ } مبتدأ خبره مع ما بعده أكبر أى منع { عَن سَبِيلِ اللهِ } دينه { وَكُفْرٌ بِهِ } أى بالله أى إشراك بالله لورود الضمير للمضاف إليه فى القرآن بلا شرط كون المضاف كلا ، وإن رد للسبيل كان كالتكرير ، لأن الصد عن السبيل كفر به منهم لإشراكهم ، وأما الفاسق فقد يمنع من الشىء مع إيمانه به ، وجاز رده إليه لأن فيه تصريحا بأن الصد عنه كفر به . { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } عطف على سبيل ، أى عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، وجاز عطف كفر على المصدر قبله ، عطف المسجد على معموله ، وهو سبيل ، لأن الصد عن سبيل الله فرد من أفراد الكفر به ، فإنه ليس بأجنبى محض وعطف المسجد على الهاء بلا إعادة جار لجواز نسبة الكفر إلى الأعيان باعتبار الحكم المتعلق بها وهو منع الناس عن المسجد الحرام ، نحو ومن يكفر بالطاغوت أى بألوهيته . { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } النبى والمؤمنين ، سماهم أهله ، لأنهم القائمون بحقوقه أو لأنهم يصيرون أهله بعد الفتح { مِنْهُ } من المسجد الحرام { أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ } من القتل والأسر والغنم الواقعات من السرية أو مطلقا فى الشهر الحرام . { وَالْفِتْنَةُ } الشرك وإخراج النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من مكة { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } من قتل الحضرمى فى الشهر الحرام ، لأنهم قتلوه فيه ظنا منهم فى جمادى ، وهو حلال الدم لأنه مشرك محارب . { وَلاَ يَزَالُونَ يُقَتِلُونَكُمْ حَتَّى } إلى أن ، أو كى { يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } إلى الكفر فى ظنهم واعتقادهم ، وخيب الله ظنهم واعتقادهم ففشلوا ، وما توا قبل أن يردوا المسلمين عن دينهم وأسلم الكثير . { إِنِ اسْتَطَعُواْ } متعلق بيردوكم أو بلا يزالون ، على معنى يدومون على القتال إن استطاعوا الدوام عليه ، وما فى هذا من الابتذال يزول بالتلويح إلا أنهم لا يستطيعون ذلك الدوام بل يفشلون . { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ } بقتل أو بلا قتل { وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ } بطلت ، قيل كما تحبط الدابة تفسد بأكل نبات اسمه الحباط ، أو أكثرت الأكل فى مرعاها فتفسد أو تموت . { أَعْمَلُهُمْ } الصالحة وعوقبوا عن أعمالهم السيئة { فِى الدُّنْيَا } لا تعتبر لهم فيها ، بل تلغى لا يعصم بها ماله الذى فى بلد الإسلام ولا دمه ، فإنه يقتل ولو امرأة ، ولا يرث ولو يورث ولا يمدح ، وتبين زوجته ، وتؤخذ أولاده عنه { وَالْآخِرَةِ } لا يثابون عليها فى الآخرة . { وَأُوْلَئِكَ } المرتدون { أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } وإن تاب قبل موته قضى ما فعل قبل ردته عندنا وعند أبى حنيفة وقيل يرجع له كله ، وقيل إلا الحج فإنه يعيده ، ولا ترجع له الصحبة إن لم يدركها بعد توبته من الردة ، وقيل ترجع له ولو مات قبل توبته ، ومذهب الشافعى أنه إن تاب قبل الموت رجع إليه علمه ، وصح له . ولم يعده ، لأن الله عز وجل قيد الإحباط بالموت على الردة ، وعلى هذا القيد يحمل إطلاق قوله تعالى : « ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله » ومذهبنا كمذهب الشافعى فى حمل المطلق على المقيد . إلا أنا نقول : قيد الموت على الردة إنما هو لاعتبار الإحباط فى الآخرة ، واستحقاق النار ، وعند أبى حنيفة ، المطلق لا يحمل على المقيد إلا إذا اتحدت الحادثة والسبب ، ودخل المطلق والمقيد على الحكم ، بخلاف هذه الآية ، لأن الحكم والسب وإن اتحد لكن المطلق والمقيد دخلا على السبب ، فيجوز أن يكون المطلق سبباً كالمقيد . لإمكان الجمع ، فيحتج بقوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، على أن الحسنات تحبط بنفس الردة والموت عليها ليس بشرط ، بناء على أصله ، من أن المطلق يحمل على إطلاقه ، كما أن المفيد يحمل على تقييده . -------------------------------------------------------- إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ } أوطانهم ، أى فيه ، أى فى سبيل الله { وَجَهَدُواْ } لمغوا جهدهم فى قتال أهل الشرك . { فِى سَبِيلِ } أى لسبيل ، أى لإعلاء سبيل { اللهِ } أى دينه ، هم السرية ، والأولى العموم ، فيدخلون به ، وكل من الإيمان والمهاجرة والجهاد فى سبيل الله صفات لهم ، ولكن أعاد لفظ الذين إعظاماً لشان الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان برجاء رحمة الله لهم ظنوا هم أو غيرهم أنهم آثمون فى القتل والأسر والغنم ، وأنهم إن لم يأثتمو فلا أجر لهجرتهم وجهادهم ، فأخبرهم الله أنهم أهل للرجاء للرحمة ، وأهل للرحمة والغفران ، تفضلا من الله حل وعلا ، كما قال { أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ رَبِّهِمْ } إنعامه { وَاللهُ غَفَورٌ رَّحِيمٌ } لكل أحد إلا من هرب بالإصرار .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#16 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 219 ـ 232 ) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } نزل فى مكة ، ومن ثمرات النخيل . الخ ، وكان المسلمون يشربون الخمر حلالا ، وقال فى المدينة عمر ومعاذ وجماعة من الأنصار : يا رسول الله ، أفتنا فى الخمر والميسر ، يذهبان العقل والمال ، فنزل : يسئلونك عن الخمر والميسر ، فتركهما قوم لقوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ } وبقى عليهما قوم لقوله تعالى { وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ } ثم أطعم عبدالرحمن بن عوف ناساً من أصحابه صلى الله عليه وسلم ، وسقاهم الخمر ، وصلى أحدهم بهم المغرب ، وقرأ ، يأيها الكافرون أعبد ما تعبدون ، فنزل : لا تقربوا الصلاة ، الآية ، فكانوا يشربونها حين يصبحون قبل وقت الصلاة . وأطعم عثمان بن مالك رجالا ، فيهم سعد بن أبى وقاص أس بعير مشويا وسقاهم خمرا ، فافتخروا وأنشدوا وتسابوا ، وأنشأ أحدهم قصيدة فى مدح قومه وهجاء الأنصار ، فثج رجل من الأنصار رأس سعد بلحيى بعير موضحة ، فشكاه سعد إليه صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : انهينا يا ربنا ، وذلك بعد الأحزاب بأيام ، والتدريج ليركوا ما ألفوا ، والحمر ما اشتد من عصير العنب لعة ، وألحق بحكمه كل ما أسكر ، وما أسكر كثيره فقليله حرام ، وما أسكر الفرق منه فملء الكاف منه حرام . وتسميته خمراً فى حقيقة اللغة أو مجاز ، وسميت خمراً لأنها تخمر العقل ، أى تغطيه ، كخمار المرأة ، لما يستر وجهها أو رأسها ، وكالخامر ، وهو كاتم الشهادة ، أو لأن أصلها يغطى حتى يشتد ، أو لأنها تخالط العقل ، يقال : خامره داء أى خالطه ، أو لأن أصلها يترك حتى يدرك ، كما يقال : اختمر العجين ، أى بلغ إدراكه ، أو لتغير ريحها ، واللفظ فى الأصل مصدر ، وليس بمعنى اسم الفاعل ، ولا بمعنى اسم مفعول ، ولا باقيا على المعنى المصدرى ، بل هو اسم لذلك المائع المسكر . كما روى البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وكل مسكر خمر ، ورووا أن الخمر ما خامر العقل ، وهى ما اشتد ثم سكن ، وقيل : ما اشتد فهو خمر ولو أخذ قبل السكون؛ وقيل : إن سكن بنجو ماء صب فيه فهو حلال ، وكل مفتر حرام ، وعن ابن عمر ، لو أدخلت أصبعى فيها لم تتبعنى ، يعنى يقطعها ، وعن على ، لو وقعت قطرة من خمر فى بئر فبنيت فى مكانها منا ة لم أؤذن عليها . ولو وقعت فى بحر ثم جف ، فنيت فيه الكلأ لم أرعه دابتى . والميسر أنواع : المخاطرة ، كاللعب بالكعب والجوز والنرد والشطرنج وإلقاء السهام على أنه من خرج سهمه نحر حزوراً أو غيرها فتؤكل أو يحضر كذا طعاما ما يؤكل ، سمى لأنه أخذ مال بيسير من الثلاثى ، أو هو من أيسر صار ذا يسر بمال غيره ، أو من أيسر بمعنى سلب اليسار عن من أخذ ماله فبنى بحذف الزائد ، أو من أيسروا الشىء إذا اقتسموه ، أو من يسر بمعنى وجب ، بسبب القد تجعل الأزلام والأقلام الفذ والترأم ، والرقيب والحالس والنافس والمسبل ، والمعلى والمنيح ، والسفيح ، والوغد فى خريطة تكون بيد عدل يجلجلها ، ثم يدخل يده فيخرج قدحا فيه اسم رجل ، وكل من خرج اسمه فله نصيب من جزور مقسومة على ثمانية وعشرين ، ومن خرج له قدح لا تصيب له لم يأخذ شيئاً ، وغرم ثمن الجزور ، ولا يأكل من أنصبائهم ، بل كل الجزور للفقراء واللاتى لا نصيب لهن المنيح والسفيح والوغد . { وَإِثْمُهُمَآ } من تضييع المال ووقوع الفتنة والشتم وقول الفحش والضرب والزنا وترك الصلاة والصوم { أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } وهو تصفية اللون وزوال الهم وهضم الطعام ، وتقوية الجماع والفرح والحمل على الشجاعة ، والكرم إلا أنه يعقب الضعف ويثقب العظم . { وَيَسْئَلُونَكَ } سأله معاذ بن جبل وثعلبة وغيرهما ، وقيل عمرو بن الجموح سأله فيما مضى ، عن نوع ما ينفق وعلى من ينفق ، وسأله ، هناكم ينفق ، وكان الرجل ينفق ماله كله حتى لا يجد ما يأكل هو وعياله { مَاذَا يُنْفِقُونَ } أى أقليلا أو كثيراً بدليل قوله { قُلِ الْعَفْوَ } أى ما تيسر بلا مشقة ، كالفاضل من الحاجة من نفقة العيال . روى البزار أن رجلا أتى النبى صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الحمامة من ذهب ، أى بمثل بيضة من ذهب ، أصابها فى بعض المغازى ، وفى رواية أبى داود وابن حبان ورواية للبزار ، فى المغانم ، وعلى كلن أعرض عنه صلى الله عليه وسلم حتى كرر مراراً ، من يمينه ثم من يساره ، ثم من خلفه ، فقال هاتها مغضبا ، فأخذها فحذفها حذفا ، لو أصابه لشجه ، أو لعقرته ، أو لأوجعته ، ثم قال : يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر غنى ، علم صلى الله عليه وسلم أنه ليس له إلا ذلك ، وعلم أنه لا يصبر عن السؤال بكفه ، أو أرشد إلى الأصلح ، فحصل الجمع بينه وبين قوله : خير الصدقة جهد المقل ، أى إذا كان يصبر ولا يتكفف ، كما قيل عن أبى بكر فى أحيان جميع ما ملك غير بيته وما يستره . وعنه صلى الله عليه وسلم : « خير الصدقة ما أبقت غنى ، واليد العليا خير من السفى وابدأ بمن تعول » تقول المرأة ، أنفق على أو طلقنى ، ويقول مملوكك ، أنفق على أو بعنى ، ويقول ولدك ، إلى من تكلنى . { كَذَلِكَ } أى كما بين لكم أن الأصلح صدقة العفو ، أو مع ما مر من الأحكام من قوله : « يسئلونك ماذا ينفقون ، قل ما أنفقتم من خير » إلى هنا . { يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْأَيَتِ } سائر الآيات التى تنزل بعد ، أو مطلقاً ، أى من شأنه التبيين ، والمراد يأتى بها بينة أو الأمر ، والكاف الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لمن يصلح مطلقاً ، وفى هذا الوجه الجمع ما صدقا ، والثانية للمؤمنين ، كما يقول الأمير لنائبه ، أقول لك ، افعلوا كذا ، أى قل لهم افعلوا ، أو أراد بالأولى الفريق { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } . -------------------------------------------------------- فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) { فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ } فى أمورها ، فتأخذون ما يصلح لكم ولا يضركم ، أو فى أيهما أحق فتجدونه الآخرة ويجوز أن يتعلق بيبين ويتفكر فى قوله فى الدنيا ، والتكرار بالتنازع لا ركة فيه . { وَيَسْئَلُونَكَ } نزل ، إن الذين يأكلون أموال اليتامى . . . الآية ، ولا تقربوا مال اليتم . . . إلخ ، فتركوا تعهد أموالهم ومؤاكلتهم حتى إنهم ليصنعون طعاماً لليتيم م ماله ، وإن فضلت فضلة لم يأكلوها ولم يبيعوها ، إذ لا تشترى أيضاً لذلك ، ولأنها لا تصلح للبيع ، ويجبسونها ليأكلها حتى تفسد ، فيريقوها ، ويجعلون لطعامه قدراً وحطباً وغير ذلك على حدة ، وتضرر بذلك اليتامى ، وشق على قوامهم ، فنزل قوله تعالى ويسئلونك { عَنِ الْيَتَمَى } إلخ ، أى عن خلطة أموالهم ، رواه أبو داود والنسائى والحاكم ، وصححه من حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما . { قُلْ إِصْلاَحٌ } مبتدأ خبره خير { لَّهُمْ } متعلق بإصلاح ، أو نعته ، أى إصلاح أموالهم { خَيْرٌ } لكم ثوابا ولهم نفعا ، أو أفضل من تركها ، وفى تركها ، تحرجا ، ثواب على نيتكم ، أو الإصلاح لهم أن يوسعوا فى أموال أنفسهم لليتامى ، أو أن يخالطوهم فى الطعام والخدمة والسكنى ، بأموالكم وأموالهم ، وخدمكم ودوابكم ، فتصيبوا من أموالهم ، أو تصلحوا أموالهم بلا أجرة ولا عوض . قال الزجاج : كانوا يتزوجون من اليتامى الموسرات ويأكلون أموالهن ، فشدد عليهم فى أمر اليتامى تشديداً ، خافوا معه التزوج باليتامى ومخالطتهم ، فأعلمهم الله أن الإصلاح خير الأشياء ، وأن مخالطتهم بالتزوج مع تحرى الإصلاح جائزة . { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ } بالمال والمصاهرة فهذا خير لكم فى الدارين ، أو ، فلكم ذلك { فَإِخْوَنُكُمْ } فهم إخوانكم ، أى لأنهم إخوانكم فى الدين ، ومن حق الأخ مراعاة الأصلح له والصبر . { وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ } لأموالهم ، بالأكل والتضييع ولغيرها ، وفى شأن غيرهم ، ولا يخفى عليه من أراد الخطلة للخيانة ، ومن الخيانة أن يتسلفها تنمية لمال نفسه ، واتجاراً بها لنفسه بلا حاجة ، بل يتجر بها لليتيم بالمضاربة وغيرها بنفسه أو بعيره ، وإن ضاعت بلا تقصير فى تجره لم تلزمه ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتجر بها . { مِنَ الْمُصْلِحِ } لأموالهم ، وفى شأن غيرهم ، وذلك وعيد للمفسد ووعد للمصلح { وَلَوْ شَآءَ اللهُ } إعناتكم { لأَعْنَتَكُمْ } ألقاكم فى العنت ، أى المشقة ، بتحريم المخالطة ، ولو مانعة ، فالله لم يعنتنا ، فيجز لنا مراعاه صلاحهم ، حتى إنه ليجوز لنا فداء أموالهم ببعضها ، ولو بنصف أو أكثر من جائر أو أمر متلف ، وإجبارهم على كسب لائق بهم ، ولهم غلته ، وشراء عقار لهم إن لم يخف عيه جائراً أو خراباً أو خراجاً لا تبقى معه لهم فائدة ، وإطعامهم الرقائق ، وإلباسهم بحسب أموالهم وخلط أموال يتامى بحفظ وإصلاح { إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لا يكون مغلوبا ولا غير متقن للأمر . -------------------------------------------------------- وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) { وَلاَ تَنْكِحُواْ } لا تتزوجوا أيها المؤمنون { الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ولو كتابيات ذميات ، جروا على تحريم الكتابيات الذميات كغيرهن ، ثم نزل نسخ تحريمهن بقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب } وبقيت الكتابيات المحاربات وسائر المشركات على التحريم ولو اقترنت الآيتان لقلت ، إن ذلك تخصيص للعموم ، كما شهر فى المذهب وعند الشافعية ، من أن ذلك من تخصيص العام ، ومن جواز تأخير دليل الخصوص فى العموم ، ولو كانت مقارنة بين العام والخاص ، ولك أن تقول ، لا نسخ ولا تخصيص ، بل المشركات فى الآية غير الكتابيات ، لأنه كثر فى القرآن مقابلة المشركات بالكتابيات ، كقوله تعالى : { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } ، ولو كان أهل الكتاب أيضاً مشركين لقوله سبحانه عما يشركون ، وأجاز بعض قومنا نكاح الحربيات الكتابيات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ، وليس بشىء ، ونص ابن عباس على المنع ، وهو الصحيح . { وَلأَمَةُ } وزنه فعة بحذف اللام ، وأصله أهو بفتح الميم وإسكانها ، قولان ، احتار الأكثرون الفتح ، وتجمع على إماء بوزن فعال ، بكسر الفاء وهو الأكثر ، وعلى ءام بوزن أفح بفتح الهمزة وإسكان الفاء وكسر العين ، وأصله أفعل بفتح الهمزة وإسكان الفاء وضم العين ، وهكذا أ امو بفتح الهمزة الأولى وإسكان الثانية وضم الميم ، قلبت الثانية ألفاء وضمة الميم كسرة والواو ياء ، حذفت للتنوين بعدها ، وقلبت الواو ياء ، لئلا يختم اسم عربى معرب بواو ساكنة قبلها ضمة لازمة ، فيقال ءام ، جرا ورفعا وءاميا نصبا . { مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ } حرة { وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } لجمالها ومالها وعزتها ونسبها ، فكيف الحرة المؤمنة ، ولا خير فى المشركة ، إلا أن المشاركة باعتبار الاعتقاد لا الوجود ، واسم التفضيل لا يخرج عن التفضيل مع وجود من ، والمشاركة هنا موجودة ، ففى كل من الأمة المسلمة والمشركة الحرة تمتع بالأنوثة ، وفى المشركة الحرية ، وفى الأمة الإيمان ، وكل ذلك حسن ، ففضل الله حسن الإيمان على حسن الحرية ، وخيرية الحرة المؤمنة على المشركة الحرة معلوم بالأولى ، ولا حاجة إلى أن الأمة مملوكة الله الشاملة للحرة ، ولا تعسف فى ذلك ، بل التعسف فى دعوى أن الأمة بمعنى مملوكة الله ، لأن هذا ولو كثر استعماله حقيقة أو مجازا ، ولكن فى مقام الوعظ ونحوه ، لا فى مقام الأحكام كما هنا . روى عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مرثدا الغنوى إلى مكة ، ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا ، وكان يهوى امرأة فى الجاهلية ، اسمها عناق ، فأَتته ، فقالت له : ألا تخلو؟ فقال ، ويحك ، إن الإسلام حال بينى وبينك وحرم الزنا ، فقالت : هل لك أن تتزوج بى؟ فقال : نعم ، ولكن أرجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأستأمره ، فقالت : أبى تتبرم ، فصرخت عليه ، فعذبوه ، ثم خلوه ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل . ولا تنكحوا المشركات : كذا قيل . والصحيح عندهم أن قصته هذه نزل فيها : { الزانى لا ينكح إلا زانية } كما أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى من حديث ابن عمر ، ولا مانع من نزول الآيتين فى القصة . ونزله قوله تعالى : ولأمة مؤمنة . الخ فى تزوج حذيفة بن اليمانى ، أو عبدالله ابن رواحة أمة بعد عتقها وعاب عليه بعض المؤمنين ، كانت لحذيفة وليدة اسمها خنساء ، فقال : يا خنساء ، ذكرت فى الملأ الأعلى على سوادك ودمامتك ، ثم أعتقها وتزوجها . وروى أنه غضب عبدالله بن رواحة على أمة سوداء ، فلطمها ، فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فقال : وما هى يا عبدالله؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، وتصوم رمضان ، وتحسن الوضوء ، وتصلى ، فقال : هذه مؤمنة . قال عبدالله : فوالذى بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها ، ففعل ، فطعن عليه ناس من المسلمين ، وقالوا : تنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة ، فنزل قوله تعالى : « ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم » . قال صلى الله عليه وسلم : « لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطفيهن ، وانكحوهن على الدين ، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل » . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « تنكح المرأة لأربع ، لمالها ، ولحسبها ، ولجمالها ، ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك » . وقال الإمامية من الروافض وبعض من الزيدية ، إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى : { والمحصنات من الذين أوتو الكتاب حل لكم } والصحيح أنه تخصيص من هذه الآية العامة ، بل وقع كثيراً فى القرآن التعبير بلفظ الشرك فى مقابلة أهل الكتاب مع أنهم مشركون أيضا . { وَلاَ تُنْكِحُاْ الْمُشْرِكِينَ } لا تصيروهم ولو أهل كتاب أزواجا للمؤمنات { حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ } فكيف الحر المؤمن ، وهذا أولى من أن يقال أراد عبدالله حرًّا أو مملوكا كما مر ، والتنكير هنا وفى قوله ، ولأمة . . . الخ للعموم فى الإثبات ، كذا قيل ، قلت : لا إلا أن يراد العموم البدلى ، والتفضيل هنا على حد ما مر فى قوله تعالى ولأمة مؤمنة . . . الخ ، ولا يصح ما قيل فيهما أعظم في خيريتهما من المشرك والمشرك فى شريتهما . { خَيْرٌ مِّنْ مُّشْرِكٍ } حر ولو كتابيا { وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } لمرتبته فى المال والعز والنسب ونحو ذلك ، وعلل ذلك بقوله { أُوْلَئِكَ } إشارة إلى المشركات والمشركين ، لأن المراد بمشرك ومشركة العموم ، إما شموليا ، وإما بدليا ، والبدلى يجوز معه صيغ الجموع ، لأن ما صدقه العموم ، ولا تغليب فى أولئك ، لأنه وضع للذكور ، وللإناث ، ولهما معا . { يَدْعُونَ } الواو تغليل للذكور { إِلَى النَّارِ } إلى الشرك وما دونه مما يوجب النار أو يدعون إليها بدعائهم إلى ذلك فلا تتزوجوا نساءهم ، ولا تزوجوهم نساءكم ، لأنهم أهل لأن تقصوهم لا أن تنفعوهم ولئلا تكسبوا منهم سوءا . { وَاللهُ يَدْعُواْ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ } أى أولياءه من النبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والمؤمنات يدعون إلى الجنة والمغفرة بالدعاء إلى موجبهما ، أو يدعو إلى موجبهما ، وقدرنا أولياءه لتتم المقابلة ، لقوله تعالى ، أولئك ، مخلوق لمخلوق ولو لم يقدر لجاز ، . وفى ذكر لفظ الجلالة نيابة عن ذكرهم إعظام لهم إذ جعل دعوتهم دعوة لله ، كما جعل محاربتهم محاربة لله ، فى قوله تعالى : يحاربون الله ، ويدل لمراعاتهم قوله { بِإِذْنِدِ } إذ لا معنى لقولك ، الله يدعو بإذن الله ، وأيضا مراعاتهم أنسب بقوله أولئك يدعون إلى النار ، ويصح ، الله يدعو بإذن الله ، بمعنى بقضائه وإرادته وتوفيقه ، وقدم الجنة لمقابلة النار قبلها ابتداء ، ولأنها نفس المراد الذى يتنافس فيه ، ولو كان تحلية ، والمغفرة تخلية مقدمة بالزمان ، وقدمت على الجنسة فى قوله ، سارعوا. . الخ مراعاة لحق تقديم التخلية على التحلية ، ولحق تقدم زمانها . { وَيُبَيِّنُ ءَايَتِهِ لِلنَّاسِ } ينزلها بينة واضحة ، كقولك ، وسع فم البئر ، تريد ابتدعها واسعة الفم ، وأدر جيب القميص ، وذلك غالب ، وفى القرآن متشابه ومجمل ، وكل تفصيله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأردت بالإجمال مثل الصلاة والزكاة ، وقد يدخل فى البيان ، إذ لم يتشابه . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيعملون بمقتضى الآيات ، ويتعظون على المعاصى ، ويعرفون قبحها ، فينالون المغفرة والجنة ، والصحيح أن استعمال لعل فى ترجى المخاطب أو فى التعليل مجاز . -------------------------------------------------------- وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) { وَيَسْئَلُونَكَ } كانت الأسئلة الثلاثة بالعطف لوقوعهن فى وقت واحد فى العرف ، وهو وقت السؤال عن الخمر والميسر ، وغير الثلاثة بلا عطف ، لوقوع كل فى وقت غير الآخر ، فكل واحد منقطع عما قبله بالوقت مستأنف . { عَنِ الْمَحِيضِ } عن الحيض ، مصدر ميمى شذوذا ، والقياس محاض ، وقيل قياسا ، لوروده كالمجىء والمبيت ، أو زمان الحيض أو مكانه ، وهو الفرج ، قياساً ، أو نفس الدم ، وقيل ، إذا كان الفعل يائى العين كسر مفعل منه مكاناً أو زماناً ، وفتح مصدرا ، وقيل بجواز الفتح والكسر فى الثلاثة ، أو يسألونك عن ذوات المحيض ، أو عن الحائضات مجازا ، أو نفس ذلك الدم ، وما يفعلون معهن زمانه وفى الفرج . { قُلْ هُوَ } أى الحيض الذى ذكره بلفظ المحيض ، أو بتقدير ذوات ، أو الحيض المعلوم من لفظ المحيض بالمعانى الأخرى { أَذًى } أو الدم المعبر عنه بالمحيض ذو أذى ، وذلك مضر لمن يقربه ، أو هو نفس الضر مبالغة ، أو الأذى الخبث ، شبه بما يؤذى لجامع الكراهية. روى مسلم والترمذى عن أنس ، أن اليهود وبعض المسلمين كانوا إذا حاضت المرأة عندهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها فى البيوت ، أى لم يساكنوها ، فسأل الصحابة ، أى أبو الدحداح ومن معه ، النبى صلى الله عليه وسلم ، فنزلت فقال صلى الله عليه وسلم ، افعلوا كل شىء إلا النكاح ، وكذلك كانت الجاهلية والمجوس والمسلمون فى المدينة . قبل نزول الآية { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ } أى جماعهن فى زمان الحيض ، أو موضع الحيض ، وهو الفجر فقط ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما أمرتم بعزل الفروج ، ويجوز بين السرة والركبة ، ويكره ما يدعو للفرج ، فقوله صلى الله عليه وسلم : يحل من الحائض ما فوق الإزار ، وقوله جامع زوجتك فوق الإزار ، وقوله لسائله ، لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها ، تحذير وسد للذريعة ، بدليل قوله : إنما أمرتم بعزل الفروج وبدليل الآية فإن المراد فيها النهى عن الجماع المعتاد ، فغير المعتاد مما لم يرد تحريمه جائز ، وهو جماعها فى غير القبل وغير الدبر فجاز ، ولو فى فمها ، ومنع بعض جماعها فى فمها قياسا على الدبر ، وبعض منع الإمناء فيه ، والتحقيق الجواز لأنه فوق الإزار ، وحرم بعض ما بين السرة والركبة للأحاديث . وقد علمت أن المراد بها التحذير من مواقعة الفرج لا التحريم ، وجماع الحائض فى القبل يورث الجذام للولد ، كما فى الخبر . { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ } للجماع ، وهو مؤكد لما قبله ، قد يحمل الإنسان مشقة عن لذة يسيرة فأمروا بالاعتزال أولا ، ونهوا عن القرب ثانيا ، فجمع بين الأمر والنهى تأكيدا ، والنهى عن القرب إلى الفعل أقوى من النهى عن الفعل ، وما يؤدى إلى الجماع فى الفرج قرب ، غير أن الشرع أجاز الوطء فى غير الفم ، وقد بان لك ألا تقربوهن ليس نفس اعتزلوا .. الخ فى المعنى ، فلذلك صح عطفه ، ولا سيما أنه قيد بقوله { حَتَّى يَطْهُرْنَ } إن لم يجعل قيدا لاعتزلوا . أى يطهرن بالقَصة البيضاء ، أو ببلوغ أقصى الوقت والانتظار ، ويتطهرن بالماء أو بالتيمم إن لم يجدن الماء ، أو استعماله ، إلا تعد عندنا القصة البيضاء ، وعند مالك التيبس ، فالمبتدئة عندنا تتم أقصى الحيض ، وهو عشرة أيام ، إن لم ترها ، وتنتظر للدم يومين ، ولغيره يوما وليلة ، وهكذا إلى ثلاث حيضات ، وبعدهن تأخذ بالتيبس إن رأته فى العشرة ، ومن يجيئها التيبس ثم بعد ذلك القصة أخذت بها وألغته ، ومن كانت تراها ثم كانت لا ترها ثلاث حيضات أخذت بالتيبس ، وإن رجعت إليها القصة رجعت إليها . { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } بالماء أو بالتيمم بعد الطهر ، أو خرج وقت الصلاة ولم يتطهرن تضييعا ، ويجوز تفسير يطهرن بيتطهرن بالماء ، وإنما ذلك فى الوقت وما يلتحق به وهو ضعيف . { فَأْتُوهُنَّ } كناية عن الجماع ، واقل أبو حنيفة : يحل الجماع بانقطاع الدم لأكثر الحيض ، وإلا فلا بد من الاغتسال ، أو مضى وقت صلاة بعد الانقطاع ، والأمر هنا للإباسة . { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ } لا تأتوهن فى حال الحيض ، وهو القبل ، وفى الصوم والاعتكاف ، والإحرام منكم أو منهن ، وإن فعلت ذلك بغير إذن منه وفى غير واجب فله نقضه عنها بالجماع ، والأفضل اجتناب نقضه ، فإذا جاء فى القبل فأولى أن يجوز فى سائر الجسد غير الدبر ، وذلك أن الاعتزال عن الجماع كما بينه الحديث ، وبين جواز غير الفرج ، والمعروف الجائز قبل هو القبل بالتزويج أو بالتسرى ، فلا يجوز الدبر من المرأة ولا من الطفل إذ لا يكون زوجا لرجل أو لطفل آخر ، وجاء الحديث بتحريم الوطء فى الدبر والحيض واللواط . { إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ } من الذنوب ، أى يثيبهم ، أو يمدحهم ، أو ينعم عليهم ، أو لا يعذبهم ونحو ذلك من لوازم الحب . قال جابر بن عبدالله : جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أصبت امرأتى وهى حائض ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسمل أن يعتق نسمة ، وقيعة النسمة حينئذ دينار ، قلت : وتمسكوا بهذا فجعلوا على المجامع فى الحيض دينارا ، ثم إنه سموه دينار الفراش ، وقيل ، إنه أمر بالنسمة ، فإن وجدت بأقل أجزت ، أو بأكثر وجب الأكثر ، وقالوا فى الدم الأصفر نصف دينار . وقيل { وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } المتنزهين عن جماع الحائض والدبر ، وقدم التوبة لأنها تخلية ، وهى أحق ما تقدم ، وينبنى عليها التطهر وتستجلبه ، وتسلى التائب بأنه كالمتطهر لا لوم عليه ، ولئلا يقنط ، ولا يعجب من لم يذنب ، وكرر يحب تأكيدا ، إذ لو لم يتكرر لكفى الأول فى أن علة الحب التوبة والتطهر ، وصيغة الثواب والمتطهر إرشاد لتحصيل المبالغة فى التوبة والطهارة ، فلا ينافى أر التائب والطاهر محبوبان الله أيضا . -------------------------------------------------------- نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) { نِسَآؤُكُمْ } بالنكاح أو بالتسرى { حَرْثُ لَّكُمْ } موضع الحرث ، فالوطء للتوالد بقصد إقامة الدين وصون النفس عن الفحش بالذات ، ولقضاء الوطر بالعرض ، فيحرم نكاح الدبر إذ لا ولادة منه ، فمن جامع فى الدبر زوجه أو سريته عمدا كفر ، ولزمته خمسة دنانير ، وقيل ثلاثة للفقراء المتولين ، فإن فعل ذلك بدبر طفل ولو برضى منه ، أو بأمة ، أو بالغة راضية ، أو بحرة بالغة بقهر ، أو بمجنونة ولو برضى لزمه ذلك ، ولزمه أيضاً نصف عشر دية المرأة ، ولسيد الأمة نصف عشر قيمتها . { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } موضعه من نسائكم ، وهو القبل ، والكلام فى الموضعين هو على تقدير مضاف ، ويجوز أن يراد التجوز والتشبيه البليغ ، أى كمواضع الحرث ، وكونهن كتلك المواضع متفرع على كون النطف كالبذور ، ويجوز أن يكون ذلك استعارة تصريحية أو تمثيلية ، وإذا علمت أن المراد الموضع الشبيه بموضع الحرث علمت أن المراد القبل ، لأنه لا ولادة من الدبر . { أَنَّى } كلمة تتضمن معنى من والمكان ، أى من أين ، أو بمعنى كيف { شِئْتُمْ } من قيام أو قعود ، أو اضطجاع من قدام أو من خلف أو من جانب فى كل ذلك ، أو تكونون فوقهن ، أو يكن فوقكم ، وهو مكروه ، وقيل أيضا ، متى شئتم ، ومعنى قوله من أين شئتم من أى موضع ، لا فى أى موضع ، والآية نزلت ردّاً على اليهود ، قالوا : من جاء امرأته من خلفها جاء الولد أحول ، ولا ينافى سبب النزول هذا تفسير أنى بكيف ، ولا يخالف المقصود ، لأن ذلك كله كيفيات . { وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ } ما ينفعكم من العمل الصالح وترك المعاصى ، وطلب الولد والتسمية عند أول الوطء ، وفى حالة بالقلب والدعاء ، وقصد المرأة العفيفة ، فإن الطفل الميت فرط لأبيه ، والولد الصالح يحرى أجرى لأبيه ، بقصد أبيه لوجوده ، وبقصد الولد لأبيه بالعمل . وعنه صلى الله عليه وسلم : « من قال ، باسم الله عند الجماع فأتاه ولد فله حسنات بعدد أنفاس ذلك الولد وعدد عقبه إلى يوم القيامة » ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال : باسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان » . وعنه صلى الله عليه وسلم : « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث ، صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له » { وَاتَّقُواْ اللهَ } بترك المعاصى ، ومنها الجماع فى الدبر والحيض { واعْلَمُواْ أَنَّكُمْ مُّلَقُوهُ } بالبعث للجزاء على الطاعة والمعاصى فترغبوا جداً فى الطاعة وعن المعصية { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } المتقين له بالجنة ، وما لا يعلمه إلا الله فيها وقبلها . -------------------------------------------------------- وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللهَ } بالحلف به { عُرْضَةً } شيئاً معترضاً مانعاً ، فعرضة بمعنى فاعلا { لِأَيْمَنِكُمْ } للأمور المحلوف عليها ، سماها يميناً للتسبب ، متعلق بعرضة بمعنى الاعتراض أولى من أن تعلق تجعلوا . { أَن تَبَرُّواْ } بأن لا تبروا ، فحذف حرف الجر ولا النافية ، والباء متعلقة بعرضة ، بمعنى مانعا ، والبر الإمسان بالطاعة لا بالوفاء باليمين ، يحلفون ألا يفعلوا كذا من الخير لفلان أو لكذا فلا يجوز هذا الحلف ولو قليلا ، أو أن تبروا بيان للأيمان ، بمعنى تلك الأمور ، أو بدل للتقرير ، وأولى من ذلك أن يكون المعنى ، لا تجعلوا الله تقع عليه الأيمان الكثيرة ، فإن ذلك جرأة ، بأن يحلفوا صدقاً أو كذباً ، على حقير أو جليل ، كما تقع الرمية على الغرض المنصوب لها ، تعالى الله من شبه الخلق ، والمراد لفظ الجلالة ، أو أسماؤه ، والأيمان على ظاهره ، لا بمعنى المحلوف عليه . وعرضة بمعنى مفعول ، فالمراد إرادة أن تبروا ، أو لتبروا فى زعمكم بالوفاء باليمين على ألا تفعلوا الخير . { وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ } لا تمتعوا من فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس لحلفكم ألا تفعلوا ذلك ، بل افعلوه ، وكفروه أيمانكم . قال صلى الله عليه وسلم لابن سمرة : « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذى هو خير ، وكفر عن يمينك » ، نزلت الآية فى عبدالله بن رواحة : إذا حلف ألا يتكلم لزوج أخته بشير بن النعمان ، ولا يصلح بينهما ، ولا يدخل عليه ، فإذا قيل له افعل . قال ، قد حلفت ولا أنقض اليمين ، وفى الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة ، وكان فقيرا { وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لا يخفى عنه قول ولا حال ولا شىء ما . -------------------------------------------------------- لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ } لا يوجب عليكم كفارة الحنث ولا عذابا { بِالَّلغْوِ فِى أَيْمَنِكُمْ } هو ما يتعمد من ألفاظ اليمين بلا قصد بمين ، كقولك ، ولا والله ، وبلى والله ، وما يحلف به غلطا ، مثل أن يريد أن يقول ، قد قام زيد فغلظ وقال ، والله لقد قام زيد ، وما يحلف به لفظا ولا يدرى أنه قسم ، مثل أن يقول ، تالله لأقومن ، ولا يدرى أن معناه ، والله لأقومن ، وما يحلف به وقلبه غير حاضر ، بل ذاهل ، وما يحلف به غضبان أو نائما أو سكران ، لعله بحيث لا يعرف ما قال ، ومثله ، الحلف بالقلب دون اللسان ، كل ذلك لغو . روى البخارى وأبو داود عن عائشة ، موقوفا ، نزلت فى قول الرجل ، لا والله ، وبلى والله ، رواه أبو داود أيضا مرفوعا عنها ، أنه قول الرجل فى بيته كلا والله وبلى الله ، فأقول الحديث تمثيل وما ذكرته مثل لجامع عدم عزم القلب ، وبدل لذلك قوله عز وجل { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } وقوله ، بما عقدتم الإيمان ، أيى بعقدك الأيمان فى قلوبكم ، وكسب قلوبكم لها مع ألسنتكم . وعن أبى حنيفة ، اليمين على معتقده المخالف للواقع ، وعن أبى حنيفة أنه يوجب الكفارة فى اللغو ، وأن المؤاخذة المنفية عقاب الآخرة ، ولا يوجبها فى اليمين على ظنه ، وقيل اليمين على المعصية لا يؤخذ بالكفارة بل بالترك ، كما روى ضعيفا ، الكفارة تركها ، وزعم بعض أن يمن اللغو يمين المكره . وعن ابن عباس ، أن تحرم ما أحل عليك ، مثل مالى علىّ حرام ، وبه أخذ مالك إلا فى الزوجة ، ولا يصح ذلك ، وعن زيد ابن أسلم ، قول الرجل ، أعمى الله بصره إن لم يفعل ، أو هو مشرك إن لم يفعل ، ما لم يكن من قلبه . { وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } إذ لم يؤاخذكم باللغو ولا بالجد فى أيمانكم عاجلا ، بل جعل لكم كفارة الحنث ، وانتظركم للتوبة من اليمين على فعل المعصية أو ترك الطاعة . -------------------------------------------------------- لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) { لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ } يحلفون ، أحرارا أو عبيدا ولو خصيمين أو مجبوبين { مِن نِسَآئِهِمْ } على جماع نسائهم ، أو ضمن معنى يبعدون ، بل الا تدا لا يخلو عن فعد الفعل المبتدأ منه ، أو لهم فى نسائهم تربص أربعة أشهر ألا يجامعوهن مطلقا أو مدة تزيد على أربعة اشهر . { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } من إضافة الحدث إلى ظرفه ، أى تربص فى أربعة أشهر ، لا يحكم عليه فيها بجماع ، ولا يقع طلاق بذلك فإن لم يطيقوا الجماع لمرضهم أو مرضهن ، أو رتقهن أو صغر بحيث لا تطيق غيوب الحشفة ، أو حدث فى ذكر الرجل ، أو بعد المسافة ، أو منع جبار أو عدو أو غير ذلك من الموانع فإنهم يشهدون على الفىء ، وتلزمه كفارة مرسلة للحنث بعطيها بعد الفىء ، وهى ذمة بلا أجل محدود . { فَإِن فَآءُوا } رجعوا قبل تمامها إلى جماعهن ، فجامعوا إن قدروا ، أو أشهدوا على الفىء إن لم يقدروا كما مر { فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } لم يعاقبهم الله على ترك الجماع فى تلك المدة لأنه غفور رحيم ، أو لم يعاقبهم بوقوع الطلاق ، والأول أنسب الذكر الغفران والرحمة . -------------------------------------------------------- وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) { وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَقَ } بالتصميم على ترك الجماع حتى مضت الأربعة وقع الطلاق واحدا ، وتزوجن بلا عدة بعد ، بل الأربعة عدة سابقة ولا رجعة ، وسمى ترك المراجعة وهى الفىء تطليقا وعدّه الله عليه { فَإِنَّ اللهَ } أى لأن الله . { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لا يخفى عنه قولهم ولا عزمهم ، وذلك مذهب أصحابنا ومذهب أبى حنيفة ، وقال غيرهم من أصحاب المذاهب ، فاءوا للجماع ولو بعد الأربعة فهن باقيات بلا طلاق ، وإلا أجبرهم الإمام أو نحوه على الطلاق بعد الأربعة ، وهن أزواجهن ما لم يطلقوا وإن أبوا طلق عليهم الإمام أو نحوه . وقال الشافعى : لا إيلاء إلا بأكثر من أربعة أشهر وبعد تمام ما زاد على الأربعة يجبر على الفىء أو الطلاق ، وإن أبى طلق عليه نحو الإمام ، وإن حلف على أربعة فلا حكم إيلاء عليه ، ولكن إن فاء لزمته كفارة الحنث ، كما عندنا ، إن حلف على أقل من أربعة ، وإنما يلحق الإيلاء إذا كان غضبها على المرأة ، أو عقابا لها ، أو أراد ولده مثلا ذلك أو صديقه أو نحو ذلك ، أما إن آلى منها لئلا يلزمه غسل فى الشقاء ، أو لئلا يلحقه هزله أو ليتم رضاع ولده فعندى لا إيلاء فى ذلك ، فإن حنث فكفارة يمين ، ثم رأيت بعضه لعلى بن أبى طالب ، سأله رجل آلى من امرأته سنتين ، فقال : لزمك حكم الإيلاء ، فقال : إنما آليت لأنها ترضع ولدى ، فقال : لا ، إذن ، وعبارة بعض ، إنما الإيلاء لغضب ، أى ، أو لقصد إضرارها . -------------------------------------------------------- وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) { وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ } أطهار أو حيض ، إلا إن لم تمس فلا عدة عليها ، وإلا التى لم تبلغ والآيسة فثلاثة أشهر ، وإلا الأمة فحيضتان ، وإن أيست ، أو لم تبلغ خسمة وأربعين يوما ، وإلا الحامل فعدتها الوضع ، وذلك للقرآن؛ إلا الأمة فبالسنة ، والجملة إخبار لفظا ومعنى ، أى الشرع تربصهن . وأجاز بعض كون الاسمية بمعنى الأمر ، وبعض الإخبار عن المبتدأ بالطلب بل هو كثير ، فيتربصن أمر معنى ، أو مع المطلقات ، وفى كونها أمراً مبالغة ، بإخراجه مخرج الخبر ، حتى لا يخالف فيكو كالكذب ، وبكونه كأنه امتثل فأخبر به . وقال : يتربصن لأن نفوس النساء إلى الرجال مائلات أضعاف ما يميلون إليهن ، إلا أنهن يكتمن ، والواحد قرء بضم القاف أو فتحها وإسكان الرا ، وهو الحيض ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « دعى الصلاة أيام أقرائك » رواه أبو داود والنسائى عن عائشة ، رضى الله عنها أو الطهر ، لقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ، إذ لا يشرع الطلاق فى الحيض ، أى عند عدتهن فثلاثة قروء عبارة عن لقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ، فينتج أن القرء طهر . وأجيب أن المعنى طلقوهن مستقبلات لعدتهن وهى الحيض الثلاثة ، والقرينة حديث طلاق الأمة تطليقتين ، وعدتها حيضتنان ، وحديث ، دعى الصلاة أيام أقرائك ، وبأن مدار استبراء الرحم الحيض لا الطهر ، فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم ، وهو مظنة العلوق ، فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده ، وليست اللام لترقيت ، وبأن بعض الطهر ليس طهراً ، وإلا كفى من الطهر الثالث أيضا جزء فإن لم يحسب الطهر الذى طلق فيه لزم ثلاثة أطهار وبعض طهر ، وإن حسب فطهران وبعض طهر ، والشافعى يقول بطهرين وبعض الطهر الذى طلق فيه ، ولا يرد على غير مذهبه أن الحيضة التى وقع فيهما الطلاق إن اعتبرت حيضة كانت ثلاث حيض وبعض حيضة ، لأنا نقول بحب الحيضة الرابعة تامة ، لأن الحيضة الواحدة لا تقبل التجزؤ ، فلزم مضى البعض الذى وقع فيه الطلاق ضرورة لا باعتبار أنه مما وجب بالعدة ، والكلام فى العدة التى تعقب الطلاق ، لا فى التى وقع فيها الطلاق ، وحديث البخارى ومسلم فى قصة ابن عمر مرة فليراجعها . . . الخ الذى رجحوه فى الثانى لا فى الأول ، واختار القروء على الأقراء لكثرتهن بكثرة المطلقات . { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ } لتفويت الرحمة وإلحق الولد بغير الأب { مَا خَلَقَ اللهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ } من الحيض والولد ، ووجه كون الحيض فى الرحم ، أنه يجتمع فيها الدم ثم يخرج ، ولا يخفى أن المطلقات المذكورات ذوات قروء ، لقوله : ثلاثة قروء ، فكيف يكون الولد فى أرحامهن ؟ فنقول : إذا كتمن الحمل حكمنا بأنهن من ذوات القروء أو الضمائر للمطلقات مطلقا فى ضمن المقيد ، كالاستخدام البديعى ، وفى الوجهين بعد ، فإن قلنا ما فى أرحامهن من الحيض والحمل معا ، وتحريم الكتم عليهن إيجاب للعمل بما قلن إن لم يتبين كذبه ينظر الأمينات ، فهن مؤتمنات ، وإلا كان حرج عظيم ، فيتعلق بقولهن ما بعلق إلى حيض من تحريم وطء ، وما يحرم بالوطء وغير ذلك كعتق وعدم طلاق . وفى الأثر ، سئل عزان بن الصقر رحمه الله عن المطلقة إذا ادعت أنها حامل ، قال : تنظر إليها الأمينات نسوة ، فإن قلن إنها حامل فلها النفقة ولو كان الطلاق ثلاثا أو بائنا ، وإن لم يقلن إنها حامل فلا نفقة لها بعد العدة ، ولها النفقة فى عدة غير الثلاث والبائن ، وإن وضعته فى وقت يحكم عليه فيه بالولد وقد طلبت النفقة ولم يعط فعليه أز يعطيها نفقتا منذ طلقها ، وإن اشتبه على النساء فلم يقلن إنها حامل ولا غير حامل فطلبت هى النفقة وقالت إنى حامل فلها النفقة إلى سنتين ، فإن جاءت بولد فى السنتين فالولد له ولا ترد له النفقة وإن جاءت بالود بعد السنتين فالولد لها وترد عليه النفقة ، وإن لم تلده ، وقالت فسد فى بطنى فلا نفقة لها بعد السنتين ، ولا يرجع عليها بما أنفق عليها ، لأنه يمكن أن يكون كما قالت ، وليس كما قال بعض : إن الآية شاملة للبكورة الثيوبة وعيب الفرج فتصدق فى ذلك ، لأنا نقول : ذلك مما ينكشف للأمينات فينظرن ، أهى بكر أم ثيب ، ويمسسن ، وكذا ما أمكن . { إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } أو لم يؤمن ، لأن الكافر مخاطب بالفروع ، وإنما ذكر الإيمان إشارة إلى أن الكتم ينافيه ، وإلى أنه لا يجترىء عليه من آمن ، وإلا كان منافقا ، وأنه من اجترأ عليه فكأنه غير مؤمن . { وَبُعُولَتُهُنَّ } أزواجهن المطلقون ، جمع بعل ، شذوذاً ، أو مصدر ، أى أهل بعولتهن ، أى نكاحهن ، يقال ، باعلها : أى جامعها ، والأول أولى . { أَحَقُّ } أى أحقاء ، فهو خارج عن التفضيل ، إذ لا حق لها ولا لغيرها من الرجال فى الرجعة ، أو باق عليه ، أى أحق ما يمكن فعلهم الرحمن دون الفرقة ، أو هم أحق بالرجعة من المرأة فى طلب الفرقة . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم :« أبغض الحلال إلى الله الطلاق » { بِرَدِّهِنَّ } برجعتهن ، ولو أبين ، ويشهدون على الرجعة فيخبرهن الشهود ليمحن أنفسهن لهم ، وإن لم يعلمن بالطلاق راجعوهن بالشهود ولو بلا إخبار . { فِى ذَلِكَ } متعلق برد أو بأحق ، أى فى ذلك التربص أو زمانه ، وهو مقدار العدة ، وبعد ذلك يكون الأمر بأيديهن ، إن شئن تزوجنهم وإلا فلا { إِنْ أَرَادُواْ } أى الأزواج المطلقون. { إِصْلَحاً } بينهم وبينهن ولم يريدوا إضرارهن ، وذلك حث على الإصلاح بالرجعة ، ولو قصدوا الإضرار لصحت الرجعة أيضا ، ولو ظلموهن بقصد إطالة العدة ، ولا مفهوم مخالفة فى قوله إن أزادوا لتحقق الفائدة الأخرى ، وهى الحث . { وَلَهُنَّ } أى للنساء على أزواجهن من الحقوق مطلقاً بلا شرط طلاق ورجعة { مِثْلُ الَّذِى } لهم من الحقوق . { عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وفى ذلك احتباك ، إذ حذف من الأول لفظ عليهم لدلالة لفظ عليهن فى الثانى ، وحذف من الثانى لفظ لهم لدلالة لفظ لهن فى الأول ، كأنه قيل ، ولهن عليهم مثل الذى لهم عليهن بالمعروف شرعا ، يعاشروهن ويعاشرنهم بحسن العشرة وترك الضرار ويعطونهن حقوقهن من النفقة والكسوة والسكنى والجماع وغير ذلك ، ويعطينهم المطاوعة فى الفراش وعدم الخروج إلا بإذن ونحو ذلك ، والآية عامة لمن اتفق فيهم وفيهن ، ولما اختلف كما رأيت ، كأنه قيل ، لهن حقوق عليكم كما لكن حقوق عليهن . قال صلى الله عليه وسلم :« ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقاً ، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون ، ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن فى كسوتهن وطعامهن » ، رواه الترمذى وصححه ، والنسائى ، وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص . وعن ابن عباس رضى الله عنهما إنى لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لى ، لأن الله تعالى يقول : ولهن . . . الخ ، ومما لهن ألا تعجل القيام عنها إذا جامعها حتى تقضى حاجتها . { وَلِلرِّجَالِ } الأزواج ، ولفظ الرجال إشارة إلى أن للرجل فضلا على المرأة ولو لم يكن زوجاً لها ، ولذلك لم يقل لهم . { عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } مرتبة رفيعة فوق مرتبتهن وشرف ، لأن حقوقهم فى أبدانهن لا يجئن الخروج والتصرفات إلا بإذنهم ، وحقهم فى الجماع أعظم من حقهن عليهم فيه ، وهم قوام وحرس عليهن ، وكأنهن إماء لهم بالمهر ، حتى إن لهم منهن عن النفل ، وعليهن طاعتهم. { وَاللهُ عَزِيزٌ } لا يرده شىء عن الانتقام ممن خالف أحكام الزوجين أو غيرهما ، ولا يفعل إلا الحق { حَكِيمٌ } فعله ، كله عدل ، لأنه عالم بعواقب الأمور والمصالح . -------------------------------------------------------- الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) { الطَّلَقُ مَرَّتَانِ } واحدة بعد أخرى أو دفعة ، ولو خالف السنة فى الدفعة ، فالآية على أن الطلاق لا يكون أكثر من ثلاثة ، لا فى بيان الأفضل ، وإن كان فيه فمرتان ، من تثنية التكثير كلبيك وكرتين ، وعلمتك الكتاب باباً باباً ، فالمعنى مرة مرة بلا نهاية ، لكن لكل زوج اثنتان ، وتثلثة فقط ، والثالثة فى قوله { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } دون ضرر . { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنٍ } ومعلوم أن الإمساك بعد الطلاق إنما هو بالمراجعة ، فإذا راجعها بعد التطليقتين فعليه أن يمسكها بمعروف أو يطلقها الثالثة بإحسان ، فلا يراجعها بعد ، ولا يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ، كأن الرجل إذا طلق وراج قبل تمام المدة فله ذلك ولو آنفا ، مقصد رجل ذلك . إذا شارفت التمام راجع ، فقال : والله ، لا آويك ولا تخلين أبداً ، فأنزل الله تعالى ذلك . روى أبو داود وابن أبى حاتم والدارقطنى عن أنس ، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أين الثالثة؟ فقال : أو تسريح بإحسان ، قال الحسن بن على لزوجه : أنت طالق ثلاثاً ، وندم ، فقال : لولا أبى سمعت جدى ، أو حدثنى أبى عن جدى ، أيما رجل طلق امرأته ثلاثاً عند الإفراد أو ثلاثاً مبهمة يعنى بالإبهام أنها بلفظ واحد لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره لمراجعتها ، والثالثة بمرة واثنتان بمرة بدعة عندنا وعند أبى حنيفة خلافا للشافى ، مستدلا بحديث العجلانى الذى لاعن امرأته ، فطلقها ثلاثاً بمرة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكر عليه ، قلنا ، لا دليل على تأخره عن نزول الآية ، فلعلها ناسخة له ، وأيضا يضعفه أنه لا طلاق بعد لعان ، ولو كان هذا لا ينهض حجة . روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « أن طلاق السنة أن تستقبل الطهر استقبالا ، فتطلقها لكل قرء تطليقة » ، وإن طلق اثنتين بلفظين ، أو ثلاثة ألفاظ قبل الدخول عدت واحدة ، إذ لا عدة عليها ، تدركها أخرى فيها ، وإن قال تطليقتين طلقتك ، أو ثلاثا طلقتك ، أو طلقت تطليقتين زوجى ، أو فلانة ، أو طلقت ثلاثا زوجى أو فلانة وقع الاثنتان أو الثلاث ولو قيل الدخول ، وإن أخر تطليقتين أو ثلاثا عن فلانة أو عن زوجى ، وقدم الطلاق فواحدة . وعن أبى هريرة وابن عباس : اثنتان أو ثلاث ، كأنهما راعيا نيته حين تلفظ بلفظ الطلاق ، وله وجه ، والنية لها ، وقع فى الحكم ، طلق ركانة زوجه ألبتة ، وقال ، والله ما أردت إلا واحدة ، فقال صلى الله عليه وسلم : والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال : والله ما أردت إلا واحدة . قال : هو ما أردت ، فردها ، فدخل بالمعروف حسن العشرة وأداء حقوق الزوجية ، وبالإحسان كون الطلاق فى الطهر قبل المس ، وكونه واحداً أو اثنتين أو ثلاثا بتفريق وجبر قبلها بمال نفلا ، وإيصال الصداق وعدم ذكرها بسوء فيها ، وعدم تنفير الناس عنها ، بل يذكر ما فيها من خير بلا غش بما فيها من سوء . والتسريح عبارة عن أن يقول : طلقتك ، أو أنت طالق ، وشهر أن التسريح طلاق إذا قال سرحتك وأراد الطلاق ، فهو واقع ، وهو الصحيح . { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ } أيها الأزواج { أَنْ تَأْخُذُا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً } من الصداق بطلبكم الافتداء أو بدونه . { إِلاَّ أَنْ يَخَافَآ } أى إلا أن يخاف الزوجان منكمن معشر الأزواج ، أى ظنا ، أو على ظاهره ، والاستثناء مفرغ ، أى فى وقت ما إلا خوفهما ، أى إلا وقت خوفهما ، أو لسبب ما إلا لخوفهما ، أو متقطع ، أى لكن خوفهما .. . الخ معتبر . { أَلاَّ يُقِيمَا } أى خاف عدم الإقامة ، أو من عدمها بإمارة { حُدُودَ اللهِ } المتعلقة بالزوجية ، ولفظ الإقامة تحريض على تعديل مواجب الزوجية ، وعلى تشمير الساق فى مراعاتها ومحافظتها بلا إفراط ولا تفريط ، وقيل : الخطاب للحكام لقوله { فَإِنْ خِفْتُمْ } بأمارة . { أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ } فإن الخطاب فيه لهم لا للأزواج ، قلت : لا بأس بتلوين الخطاب ، كجعل الخطاب فى لا يحل لكم للأزواج ، قلت : لا بأس بتلوين الخطاب ، كجعل الخطاب فى لا يحل لكم للأزواج ، وفى إن خفتم للحكام ، فإنه شائع فى كلام الله بلا لبس ، وأما إسناد الأخذ والإيتاء للحكام فلجريانهما على أيديهم وبحكمهم عند الترافع ، إلا أن يضعف كون الخطاب للحكام ، بأن ا لإِيتاء ليس بأيديهم ، بل الزوج يعطى الصداق عند العقد أو بعده إلا أن يتكلف بأن الإيتاء إيتاء المرأة إلى زوجها أو إيتاء الزوج الصداق بالحكم حين الخصام فى الصداق ، وإنما هذا بحاكم آخر ، ويؤيد كون الخطاب لهم قراءة إلا أن تخافوا بالخطاب والجمع . { فَلآ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } على الزوج فى الأخذ ، وعلى المرأة فى الإعطاء ، أى فمروهما أيضا أيها الحكام بالفداء ، لأنه لا جناح عليهما ، وإن جعلنا الخطاب فى خفتم للأزواج لم يلزم هذا التقدير ، أى فإن خفتم أيها الأزواج على ألا يقيم الزوجان منكم الحدود فلا جناح عليهما ، وكل اثنين فى خفتم هما لا جناح عليهما . { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } من صداقها كله أو بعضه ، قال بعض أو بأكثر ، بناء على أن قوله صلى الله عليه وسلم ، أما الزيادة فلا ، بمعنى أنها لا تجب ، أما بالرضى منها وتخليص نفسها منه فلا بأس عليه وعليها ، إلا إن أساء حتى تفعل فعليه بأس ، وهو كذلك عندى ، لأن النهى عن الشىء لا يدل على فساده ، وتخليتها حق له ، فله فيه شرط ما شاء ، إلا أن يقال ، يكره طلب الزيادة . روى أن جميلة أخت عبدالله بن أبى بن سلول ، وفى بعض الطرق ، جميله بنت منهل ، وروى الدارقطنى : زينب أخت عبدالله بن أبى سلول ، ولعل لها اسمين ، أو جميلة لقب ، وتسميتها بجميلة أصح وأشهر ، أو ذلك قصتان ، وهو أظهر ، لصحة الحديثين ، وفى رواية جميلة بنت عبد الله . وفى رواية بنت أخت عبدالله ، وقال التفتازانى : اتفقوا أن الصواب بنت أخت عبدالله ، قيل يصح ثبوت بنت وعدمه ، لأن أباها عبدالله ، بن أبىّ راس المنافقين ، وأخوها صحابى جليل اسمه عبدالله بن عبدالله ، والمراد الأب الحقيقى ، والقول بأن أب الأب أب ضعيف هنا ، لذكر سلول ، وسلول اسم أمه أو جدته ، بفتح اللام للعلمية والتأنيث ، كانت ، أعنى جميلة ، تبغض زوجها ثابت بن قيس ، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسى ولا رأسه شىء ، والله ما أعيبه فى دين ولا خلق ، ولكنى أكره الكفر فى الإسلام ، وما أطيقه بغضا ، إنى رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل فى عدة ، فإذا هو أشدهم سوادا ، وأقصرهم قامة ، وأقبحهم وجها ، فنزلت الآية ، فاختلعت منه بحديقة أصدقها ، وهو أول خلق وقع فى الإسلام . ومعنى الكفر أن تقتله أو تضربه أو تسبه ، أولا تعطيه حقوقه { تِلْكَ } الأحكام من الطلاق والرجعة والفداء وما قبل ذلك من قوله : ولا تنكحوا المشركات إلى هنا . { حُدُودُ اللهِ } فقفوا عندها { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } بالمحافظة { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ } فى شأن الأزواج أو غيرهم كالمفاداة بلا ضرورة كهذه الكراهة الشديدة ، وكإساءته عشرتها ، وكعدم القيام بحقوقها وكنشوزها عنه ، وكريبتها ، وكرضاهما معا بطيب أنفسهما لداع . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّلِمُونَ } لأنفسهم وغيرهم . قال صلى الله عليه وسلم : « المختلعات من غير ما بأس من المنافقات » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « أيما امرأة سألت زوجها طلاقا فى غير بأس فحرام رائحة الجنة » ، وقال : « المختلعات من المنافقات » ، أى من غير بأس . -------------------------------------------------------- فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) { فَإِنْ طَلَّقَهَا } ومن الطلاق الفداء خلافا لجابر بن زيد « منا » رحمه الله ، وللشافعى فى أنه فسخ ، ومختار مذهبه أنه طلاق وهذه الآية متعلقة بقوله تعالى : الطلاق مرتان ، أى ، فإن طلقها بعد المرتين . { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ } بعد الثلاثة { حَتَّى تَنْكِحَ } تتزوج { زَوْجاً غَيْرَه } واشتراط الوطء بغيبوبة الحشفة من الحديث ، لقوله صلى الله عليه وسلم لتميمة بنت وهب ، أو عائشة بنت عبدالرحمن بن عتيك ، روايتان ، لعلهما فصتان ، أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ بكسر الراء ، ابن وهب بن عتيك ، يعنى زوجها الذى طلقها ثلاثا ، قالت : نعم . قال : لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك ، يعنى زوجها الثانى عبدالرحمن بن الزبير ، بفتح الزاى على الصحيح . وقيل بالتصغير ، وعابته بأنه ما معه إلا مثل هدبة الثوب ، فضحك صلى الله عليه وسلم . والعسيلة الجماع ، والعسل يكثر تأنيثه أو يغلب ، فردت التاء ، أو تصغير عسلة ، أى قطعة من عسل ، وإنما فسرت النكاح بالتزوج لأنه الوارد فى القرآن ، لكن لما جاء الحديث بشرط الوطء أمكن أن يراد بالنكاح فى الآية ، والحديث تقرير لها . قال صلى الله عليه وسلم : « ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له » ، يعنى بالمحلل له الزوج الأول والمرأة ، وإن لم تعلم بقصد التحليل فلا إثم عليها وعن عمر ، لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتها ، وذلك بالدخول ، فلو أقرت بأنها علمت أو شهد لها بذلك لرجمها ، بل دخلت فى محلل له ، وفرق عثمان بينهما وبين من يحللها ، وحرمت على المحلل ، ولا تحل للأول أبداً ، لأن ذلك منها زنا ، إن علمت بقصد التحليل ، ولو تزوجت بعد ذلك بلا قصد تحليل ، وقد يجوز له إن تزوجت بعد لأن ذلك شبهة ، أو صحت توبتها وتزوجت ، ولم يحرمها الحنفية على المحلل . { فَإِن طَلَّقَهَا } هذا الزوج الثانى { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فى { أَنْ يَتَرَاجَعَآ } ترجع إلى الأول ويرجع إليها بنكماح وصداق وبنية ، وزعم شاذ من قومنا ، أنها تحل للأول بعقد ثان ولو بلا وطء وإن نكحها الثانى بقصد الحل للأول لم تحل للأول ، ولو وطئها الثانى ، وقد لعن صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وحرمت إجماعاً على المحلل إن ذكر التحليل فى عقد النكاح ، وإن قصده ولم يذكر حرمت عند الجمهور ، وقال أبو حنيفة يكره ، واللعن أنسب بالتحريم ، لأن اللعن يقتضى القبح لعينه ، ومعنى المحلل قاصد الحل ، لا أن الحل واقع ، فهو رد على أبى حنيفة ، وهو كثير الوقاق بينه وبيننا معاشر الإباضية الوهبية فى المسائل ، وقوله هذا موجود أيضا فى المذهب . { إِن ظَنَّآ } أى رجحا وكفى ، بل لو قيل بمعنى علما وأريد قوة الرجحان لجاز ، ولا نسلم أنّ أن المصدرية للتوقع ، فضلا عن أن يقال ، ينافى العلم ، وأما أن يتكلف أنه قد يوقن بالمستقبل فتكلف . { أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ } فيما بينهما من الحقوق الزوجية والمقام لها ، ولو كان من الجائز أن تحمل الحدود على الحقوق الزوجية وغيرها { وَتِلكَ } الأحكام . { حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وغيرهم وخصهم بالذكر ، لأنهم المنتفعون بالتبيين ، والمراد يعلمون الحق إجمالا وإذعانا ، أو بعضه ، فيزدادون علما ، والمراد يتدبرون العواقب ، أو يتصرفون فى الدلائل أو يعلمون ، فذكر السبب عن المسبب ، أو أراد الراسخين ، لأن بعض الحدود لا يعقله إلا الراسخ ، أو أخرج به الطفل والمجنون ونحوهما . -------------------------------------------------------- وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ } مطلقا { فَبَلَغْنَ } سمى مقاربة الأجل بلوغا للجوار أو للمشارفة ، أو لتسبب المقاربة للوقوع ، وتبعد الاستعارة تشبيها للدانى بالواقع ، وكأنه قيل قاربن . { أَجَلَهُنَّ } الأجل مطلق اللحظة التى تلى المدة ، أو اللحظة الأخيرة من المدة ، أو نفس المدة ، والمراد هنا آخر العدة بقدر ما يراجع ، بدليل قوله { فَأَمْسِكُوهُنَّ } بالمراجعة . { بِمَعْرُوفٍ } من الحقوق بلا ضرر ، وذلك تسمية للجزاء باسم الكل ، أو يقد مضاف ، أى آخر الأجل ، وظاهر بعض أن الأجل بمعنى آخر المدة حقيقة أيضا ، والأولى أنه مجاز للمشارفة أو استعارة ، تشبيها لقريب الوقوع بالواقع . { أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } دعوهن بلا مراجعة فيخرجن عنهم ، ويتزوجنهم برضاهن أو غيرهم ، كأنه قيل ، ابقوهن على حكم التطليق الواقع حتى يفتن ، وإذا جازت المراجعة فى آخر المدة فأولى أن تجوز قبل الأخير فلم يذكر ذلك للعلم به ، ولأن الذى يفلعونه هو الرجعة آخر العدة ضرارا. { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ } بالمراجعة { ضِرَاراً } أى ضرا ، أو سمى فعلها الذى كان سببا لضره ضرا للمشاكلة على عموم المجاز ، فصحت المفاعلة فتدخل من لم تضره بالأولى . { لِّتَعْتَدُواْ } عليهن بإطالة الحبس ، أو بالإلجاء بذلك إلى الفداء ، كما فعل ذلك ثابت بن يسار ، كلما بقى يومان أو ثلاثة راجعها فطلقها حتى مضت لها تسعة أشهر ، ونزلت الأية فيه على ما روى عن السدى ، ولتعتدوا بدل من ضراراً ، أو علة للعلة والمعلول معا ، ويتعين هذا الوجه إذا جعلنا ضراراً بمعنى مضارين ، أو ذوى ضراء ، أو ضراراً عاقبة ولتعتدوا علة فيتعلقان معاً بلا تمسكوهن ، والمعنى لضرار ، وفى جمعها تأكيد كما فى الجمع بين قوله عز وجل ، فأمسكوهن ، ولا تمسكوهن ألا ترى أن الأمر بالشىء نهى عن ضده الذى لا ضد له إلا هو ، ولكن الأمر لا يعم الأوقات ، والنهى للتكرير ، وقيل : الضرار تطويل المدة ، والاعتداء الإلجاء . { وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ } الإمساك المؤدى للضرار { فَقَدْ ظَلَمَ نفْسَهُ } بتعريضها للعقاب المترتب عليه بالضرار ، كان الرجل يطلق زوجته حتى إذا شارفت انقضاء العدة راجعها ليطيل عدتها لأنها تعتد بالأخير . { وَلاَ تَتَّخِذُوآْ ءَايَتِ اللهِ هُزُواً } مهزوءاً بها ، أو ذات هزء بألا تعملوا بها ، وبأن تراجعوا بلا رغبة بل لإضرار ، وبأن ينكح ويطلق ويعتق ، ثم يقول ، أنا ألعب ، ونزلت الآية لذلك . وقال صلى الله عليه وسلم : « ثلاثة جدهن جد ، وهزلهن جد ، النكاح والعتاق والطلاق » ، ولفظ أبى الدرداء ثلاث ، اللاعب فيهن كالجاد ، النكاح والطلاق والعتاق ، ولفظ أبى هريرة : ثلاث هزلهن جد ، النكاح والطلاق والرجعة ، كل ذلك مرفوع ، وعن عمر عنه صلى الله عليه وسلم ، « أربع مغفلات ، النذر والطلاق والعتق والنكاح » بالشكر والقيام بحق النعمة { نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ } كالهداية ورسالة النبى صلى الله عليه وسلم { وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَبِ } القرآن . { وَالْحِكْمَةِ } عطف خاص على عام . والحكمة القرآن ، أى الجامع بين أنه قرآن وحكمة ، أو هى القرآن والسنة ، أو السنة ، كما قال الشافعى معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له ، كما قال ابن وهب عن مالك ، والفصل بين الحق والباطل ، كما قيل ، والإصابة فى القول والعمل كما قيل ، والموعظة كما قال مقاتل ، أعنى ، أن الآية لجميع ذلك ، وأصل الحكمة الرد وتلك المعانى ترد عن الجهل والخطأ . { يَعِظُكُمْ بِهِ } يوصيكم ترغيباً وترهيباً { وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ } فهو لا يأمر إلا بما هو حكمة ويجازيكم على الموافقة والمخالفة فيما مضى من الأحكام وغيرها كالعضل فى قوله تعالى . { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ } أى أيها الأزواج { النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } اللحظة بعد تمام العدة ، أى انقضت عدتهن { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ } لا تمنعوهن أيها الأولياء ، وفى الآية جواز تعدد المخاطب ، بأن يخاطب ببعض الكلام غير المخاطب ببعضه الآخر فالحق الجواز إذا بان المراد ، كما جاء فى غيره هذه الآية الخطاب بالكاف للنبى صلى الله عليه وسلم ، وبالكاف والميم للأمة . { أَن يَنْكِحْنَ } يتزوجن { أَزْوَجَهُنَّ } أى من كانوا أزواجاً لهن ، فذلك من مجاز الكون . طلق عاصم بن عدى زوجه جُمْل ، وقيل جميل بالتصغير ، وأراد تزوجها بعد انقضاء العدة ورضيت ورضى أخوها معقبل بن يسار فزوجه بها ثانياً ، ثم طلقها ثانياً ، وطلبها ابن عم له بعد العدة للتزوج ، ومنعها أخوها معقل بن يسار ، وهو ابن عم عاصم أيضاً ، وحلف ألا يزوجها أبداً لأحد ، فنزلت الآية فزوجها بابن عمه الآخر ، فكفر يمينه . وروى البخارى وأبو داود والنسائى والحاكم وابن ماجه والترمذى عن معقل بن يسار ، كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه ، فكانت ، عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهوتها وهويَتْه ، ثم خطبها مع الخطاب فقلت له : يالكع ، أكرمتك بها وزوجتكها ، وطلقت ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبداً ، وكان رجلاً لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، وعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه فأنزل هذه الآية ، قال : ففىَّ نزلت ، فكفرت عن يمينى ، وأنكحتها إياه ، وفى لفظ ، فلما سمعها معقل قال : سمعاً لربى وطاعة ، ثم دعاه ، فقال : أزوجها وأكرمها . وقيل : الخطاب فى تعضلوهن للأَزواج المطلقين لهن ، فيكون المراد بالأزواج فى قوله : أن ينكحن أزواجهن ، من أردن أن يكون بعد العدة زوجا غير الأول وسمى غير الزوج زوجا لأن حبهن لأن يكون زوجا لهن سبب لتزوجهن به فكأنه من مجاز الأول ، ومن لم يشترط فى مجاز الأول التحقق ولا الرجحان ، بل مطلق الإمكان فظاهر أنه منه ، وكان أهل الجاهلية يمنعون من طلقوهن أن يتزوجن غيرهم ، ترفعا أن يطأها غيره . وقيل : الخطاب فى تعضلوهن من للأَولياء والأزواج ، أى لا يمنعهن الأزواج المطلقون عن تزوج أزواج آخرين ، ولا الأولياء ، عن تزوج المطلقين لهن ، وقيل الخطاب للناس كلهم ، أى لا يكون فيكم عضل بمنع ولا برضاء به عن المطلقين ولا عن غيرهم ، فيكون عموم المجاز ، ويجوز كون الخطاب أيضا فى طلقتم للأَولياء والأزواج من عموم المجاز ، لأن الأولياء سبب لأنهم يعرضون لتخليص وليتهم من الأزواج إذًا . { تَرَضَوْا بَيْنَهُمْ } أى الأزواج والنساء ، رضى كل منهم الآخر ، وإذا عائد إلى ينكحن ، وإن جعلنا عائداً إلى تعضلوهن فلأن التراضى معتاد ، لا لتجويز العضل إذا لم يتراضوا . { بِالْمَعْرُوفِ } اللائق شرعا وعادة ومروة { ذَلِكَ } المذكور من أحكام الطلاق والإيلاء واليمين ، أو ما فى السورة ، أو النهى عن العضل ، وإفراد الخطاب للعموم البدلى ، أوله صلى الله عليه وسلم ، أو تأويل الفريق الأزواج أو الأولياء ، ولا يصح ما قيل إن الكاف لمجرد الخطاب ، إذ لا خطاب بلا مخاطب ، بفتح الطاء. { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } هذا بإعادة كاف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، كقوله تعالى :{ يا أيها النبى إذا طلقتم النساء } فى تشخيصه من عمومن لا أن نداءه وخطابه كندائهم وخطابهم ، وفى أن الكلام معه والحكم يعمهم ، ولأنه الأشد إتقاناً للأَمر المنزل من الله عز وجل ، وخص من يؤمن لأنه المتعظ ، والحكم يعم ، أو معنى يوعظ يجعل الوعظ مؤثراً فيه ، وقس على هذا فى كل ما أمكن ولو لم أذكره ، بأن تحمل الفعل على تأثيره مثل قوله تعالى : { إنما تنذر من اتبع الذكر } أى يؤثر إنذارك فى من اتبع الذكر . { ذَلِكُمْ } أى ترك العضل أو العمل بمقتضى الوعظ { أَزْكَى } أنفع ، فهو من نحو الخير وزيادته { لَكُمْ وَأَطْهَرُ } لكم من دنس الآثام والفتنة والخصام والريبة ، وهما من زكى طهر بتحقيقهما ، ولا داعى إلى جعلها من المشدد بحذف الزائد وأفعل خارج عن التفضيل ، أو يعتبر ما يتوهم فى غير ما وعظوا به من زكاة وطهر . { وَاللهُ يَعْلَمُ } مصالحكم الدنيوية والأخروية كلها { وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك إلا قليلا ، فاستزيدوا من الله العلم والعمل .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#17 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 233 ـ 242 ) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) { وَالْوَلِدَتُ } مسلمات ، أو كتابيات ، حرائر أو إماء ، باقيات أو مطلقات { يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ } فى الحكم الشرعى ، أو أرضعن يا والدات ، كما مر فى يتربصن ، والأمر للندب عند قدرة الأب ، أو سيد الزوج على الإجارة ، أو وجود غير الأم ، وقبول الولد لغيرها ، وللوجوب عند فقد ذلك ، فيكون من عموم المجاز ، خروجا من الجميع بين الحقيقة والمجاز ، وأضاف الولد لهن استعطافا ولأن الإرضاع من خصائص الولادة لا الزوجية ، وجاء الحديث ، أن الأم أحق بالولد ما لم تتزوج . وقيل : المراد المطلقات ، فيعلم حكم غيرهن من وجوب نفقة الزوج على زوجها ، ويدل له أن نفقة غيرهن للزوجية ، لا للإرضاع إلا أن قوله : وعلى المولود له ، يدل على أنها للولادة ، والولادة علة للإرضاع لمطلقها ، ولتتفرغ للتزوج لغيره ، وأن الباقية هى فى نفقة الزوج على العادة من قبل ، وقيل المراد الباقيات لأن المطلقة لا تستحق الكسرة بل الأجرة . { حَوْلَيْنِ } عامين ، سمى العام حولا لتحوله ، وعلى الاسمية لا توجبها ، فلا يرد عدم تسية لأيام والشهور حولا { كَامِلَيْنِ } لا ناقصين ، لأنه يقال حولان ولو مع نقص ، كما قال : الحج أشهر ، كما يقال ، عشرة ذى الحجة ، والمراد تسعة ، أو مع ليلة الأضحى ، وليس ذلك حدا واجبا ، إنما هو قطع للنزاع بين الزوجين ، فلو قطع الرضاع قبل الحولين عنه لقوته ومضرة الرضاع ، أو زيد عليها لجاز ، وقد قيل ذلك { لِمَنْ أَرَادَ } من الزوجين ، أو يرضعن لمن أراد ، وهو الأب . { أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } بلا نقص ولا زيادة ، ويجب النقص أو الزيادة لعارض ضر ، ولا عبرة للرضاع بعد الحولين فى تحريم النكاح ، وإباحة المصافحة ، قال النبى صلى الله عليه وسلم ، لا رضاع فصال ، أى لا حكم رضاع ، وعن أبى حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهراً ، وعن زفر ثلاث سنين . { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } وهو الأب { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } لأجل ولادته له ، كما أن الإرضاع علته ولادتهن له ، وتعليق الحكم بمعنى المشتق يؤذن بعلية معنى ما منه الاشتقاق ، وعبر بالمولود له ليتقوى أن المؤونة عليه لأنه ولد له ، ولذا لم يقل ، وعلى الوالد ، مع أنه أنسب بقوله ، والوالدات ، فعليه الرزق والكسورة ، ولو لم يطلقها إن أرادت الأجرة ، وهو زيادة على نفقة الزوجية . وقال أبو حنيفة ، ليس لها الأجرة ما بقيت غير مطلقة أو مطلقة لم تخرج من العدة ، ولكن أمروا بالمؤونة لئلا يتوهم أنه لا نفقة لهن لاشتغالهن عن الأزواج بالأولاد ، كما أن لها النفقة عليها إذا سافرت بإذنه فى حاجته ، والمعروف ما يراه الحاكم شرعا ومروءة بقد طاقة المولود له ، ونفقة ولد لأمة من حر على مالك لأمة ، لأنه عبده . { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ } لا تكلف زوجها ولا يكلفها ولا يكلفهما الله { إِلاَّ وُسْعَهَا } فى جميع أمورها ونفقة الزوجات والأولاد وغير ذلك ، وعلى الأب نفقة الولد من ماله ، وإن كان للولد مال فمن مال الولد ، ولا حد فى نفقة الزوجة والمطلقة والمرضعة سوى ما يليق بالنظر كما قال العاصمى : وكل راجع إلى افتراض ... موكل إلى اجتهاد القاضى بحسب الأوقات والأعيان ... والسمر والزمان والمكان وقد قال صلى الله عليه وسلم لهند ، ما يكفيك وولدك ، لكن لا بد من ذكر بعض الفروع ليرتاح إليها الطالب ، فاللزوجة السكن وجلباب وملحفة ومقنعة ووقاية وخف مما قدر له من مال ، وفى أثر ، على الغنى البساط والكساء والمنفعة والجلباب والكرزية فإن كان غنيا فليصبغ والكساء بالأرجوان والمقنع والجلباب باللك ، وإن كان أوسط صبغت القوة ، أو مفلساً فبالدباغ ، وهو تاكوت ، والأمر على ما يعتاد ، وقد لا يصبغ أهل بلد ، وقد يكفيها أكثر أو أقل ، وفى أثر ، لها قميص وملحفة ورداء وخمار ومربع ووقاية وخف وقرق وإن كان أوسط فقميص وحولية ومقنع ومربع ووقاية وقرق ، وإن كان فقيراً فعباءة ووقاية ولا تدرك ما تصلى به فوق ذلك ، وعليه غسل ما نجس من ثيابها أو اتسخ ، وعليه الماء لصلاتها ، والمشهور عند قومنا وعليه الأكثر ، أن نفقة الزوجة بحسب ما يصلح . وقال الشافعى ، على المعنى مدان من بر فى اليوم ، وعلى الوسد مد ونصف ، وعلى الفقير مد ، وهو قول لأصحابنا ولمالك ، وفى إدراكها الحناء قولان : وعليه فراش صيفاً وغطاء وفرش شتاء ، ولباس الصيف غير لباس الشتاء ، وكذا المرقد والسكنى ، ولها بعد الطلاق ما لها قبله ما لم تتم العدة ، وفى أثر على الغنى أربع ويبات يومية أمسين فى الشهر ، وعلى الأوسط ثلاث وعلى المعسر ويبتان ، وهى ضعف وبية ابناين ، وويبة ونص يويبة يفرن وذلك بالويبة القديمة ، وهى تسع الويبة المستعملة ، وهى أربعة عشر مدا ، فعلى الغنى عشرة أمداد وثلثا مد ، هذا ما يقتضيه كلام بعض ، ونصف قرن من زيت مع كل ويبة إذا رخص ، وإذا غلا فنصفه مع كل ويبتين ، وذلك تضييق ، والأولى ما قبل إن على الوس ربع صاع من الحب لكل يوم ، ومَنَّا تمر ، وفى وقت البر بر ووقت الذرة ذرة ، وإن كانت ممن يأكل البر على الاستمرار فلها و درهمان أو ثلاثة لكل شهر إذا ما ورد على ما يرى الحاكم . وويبة أمسين اثنا عشر مدّاً بمعيار بلدنا ، وهو مد النبى صلى الله عليه وسلم ، فهى المكيال المسمى فى عرفنا حثية ، وأما ويبة ابناين فثمانية أمداد ، وأما ويبة يفرن فتسعة أمداد وثلاثة أخماس المد ، والفرن نحو الجوة الصغيرة ، وهو المكيال المسمى فى عرفنا وعرف نفوسة نقاصة ، وفى الجرة الكبيرة أربع فقاصات ، وهن أربعة قرون ، وأما ويبة العرب فاربعة وعشرون مدًّا ، وقيل اثنان وعشرون ، والقفيز ست عشرة حيتة ، وهو اثنان وثمانون ثمنة ، والثمنة ستة أمداد . قال أبو عبدالله محمد بن عمرو بن أبى ستة : ومما وجد يخط عمنا أحمد أبى ستة رحمه الله ، وأسنده إلى من قبله من المشايخ ، إن الفقير يفرض عليه فى النفقة الكاملة صاعان ، يعنى بكيل جربة ، بين الشعير والقمح الثمن قمح أو ذرة والباقى شعير فى كل شهر ، مع نصف صاع زيتا مع ثلث درهم لحما أو سمكا ، وفى الرضاع لكل شهر درهمان ، يعنى على الرضيع ، وإذا خرج من حد الرضاع فله ثلث النفقة ، وإذا تمت أربع سنين يفرض له تصف النفقة ، فإذا بلغ خمس أو ست سنين يفرض له النفقة الكاملة . قال البيسانى رحمه الله : ونفقة الصغير إذا طلقت أمه ، ولو تزوجت ثلث نفقة إذا فصل عن الرضاع حتى يبلغ خمسة أشبار ، ثم نصف النفقة حتى يصل ستة أشبار ، ثم ثلث النفقة حتى يبلغ ، وقيل فى ذلك بنظر العدول ، وفى أثر ، للأُم نفقة الرضيع حتى يفطم زيادة على نفقتها إذا طلقت ، ونفقته على الفقير بعد الفطام ثلث النفقة الكاملة ، وهى صاعان بكيل جربة ، الثمن قمح وذرة والباقى شعير فى كل شهر مع نصف صاع زيتا ، وثلثى درهم لحما أو سمكا إلى أن تتم أربع سنين ، أو حتى يبلغ خمسة أشباب ، وقيل : أربعة أشبار ونصفا ، فيكون له نصف هذه النفقة الكاملة ، واعترض التحديد بالأشبار ، لأن من الصبيان الطويل القليل الأكل وضده ، وإذا بلغ خمسا أو ستا كملت ، وقيل إن كان فى سبعة فنصف نفقة أمه ، أو فى خمسة فثلثها ، أو فى عشرة إلى اثنتى عشرة فثلثاها ، وللرضيع أوقية فى الشهر ، وللحاضنة ثمن الأوقيه فى الشهر . وذكر أبو عبدالله محمد بن عمرو بن أبى ستة فى حاشيته على تفسير الشيخ هود ، رحمهما الله ، أنه إذا بلغ ست سنين فثلثا النفقة حتى يبلغ ، كقول بعض المشارقة إذا بلغ ستة أشبار فثلثها إلى البلوغ ، وقيل : إذا بلغ خمسة أشبار ونصفا فثلثاها إلى البلوغ ، وقيل : إذا بلغ ستة أشبار ولم يبلغ نقص من التامة قليلا ، وفى أثر ، للرصيع على الغنى ثلاثة دراهم وعلى المتوسط درهمان ونصف وعلى الفقير درهمان . { لاَ تُضَآرُّ وَلِدَةٌ } أى لا يضرها أبو الولد { بِوَلَدِهَا } إخبار عما فى الشرع ، أو نهى غائب بلا النافية أو الناهية ، أى لا ينزعه منها أبوه ، وقد أحبت إرضاعه ، وقيل : منها بلا النافية تلحقه منها ، ولا تكره على إرضاعه ، إذا أبت . { وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ } أى لا تضر أبا الولد { بِوَلَدِهِ } بأن تكلفه فوق طاقته فى الإنفاق ، أو بأن تلقيه إليه وقد ألفها ، والمفاعلة بمعنى الفعل أو على بابها ، بأن يكون فى كل منهما ضر للآخر ، يجازيه بشأن الولد ، أو الباء صلة على البناء للفاعل ، أى لا يضران ولدهما وإضافة الولد إليهما عطف لهما إليه ، ليتفقا على صلاحه . { وَعَلَى الْوَارِثِ } وارث الولد ، لأن أل كالعوض عن الضمير ، الضمير لأقرب مذكور ، أى من يكون وارثاً لذلك الولد لو مات ، من سائر قرابة الولد الصابين له ، كما قال عمر بن الخطاب وأبو زيد ، فإنه يمون مرضعته من ماله ، وإن كان للولد مال فمن مال الولد ، هذا مذهبنا ومذهب ابن أبى ليلى ، وقيل : كل من يرثه من القرابة . وقال أبو حنيفة : الوارث الذى لو كان ذكرا والولد أنثى ، أو بالعكس ، لم يتزوجا ، وبذلك قال حماد وابن مسعود إذ قرأ : وعلى الوارث ذى الرحم المحرم مثل ذلك ، وقيل : الوارث الولد ، إذ هو وارث الأب إن مات الأب ، وقيل : الأم إن مات الأب ، ومذهب الشافعى ، أنه لا نفقة على غير الفروع والأصول ، وعنه : الوارث وارث الأب ، وهو الصبى ، فإن مؤن الصبى من مال الصبى إن كان له مال ، وقد قيل : الوارث الباقى ، أى من بقى من أبويه ، وهو الأم بعد موت الأب . روى الترمذى عنه صلى الله عليه وسلم :« اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا ما أحييتنا ، واجعلها الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا » . { مِثْلُ ذَلِكَ } مثل ما وجب على الأب من الرزق والكسوة { فَإِنْ أَرَادَا } الأب والأم { فِصَالاً } فطاماً قبل الحولين لولدهما { عَنْ تَرَاضٍ } اتفاق متعلق بصادراً محذوفاً أو ثابتاً ، أى صادراً عن تراض ، أو ثابتاً عن تراض ، أو بأرادا . { مِّنْهُمَا } لا برضاء من أحدهما فقط ، لاحتمال أن تمل الأم من إرضاعه والقيام به ، أو يبخل الأب بالأجرة فيضر الولد ، واعتبرت الأم مع أن الولى الأب ، لأنها أشفق على الولد وأصبر له وأنظر لمصلحته . { وَتَشَاوُرٍ } استخراج رأيهما ، من شار العسل بشوره ، أى استخرجه ، وذلك لحلاوة النصح ، كالعسل ، والمراد التشاور بينهما لولاية الأب بالنفقة والأم بالشفقة ، ولو اتفقنا على فصل قبل الحولين مع مضرة الولد بذلك لم يجز . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } فى ذلك الفصال قب الحولين ، وكما يجوز الفصال قبل الحولين باتفاقهما مع عدم مضرة الولد يجوز اتفاقهما على الزيادة على الحولين ، بل قدر يجوز دخول هذا فى الآية ، لأن التنكير فى فصالا للإيذان بأنه فصال غير متعارف ، وكما يحصل عدم التعارف بالنقص يحصل بالزيادة . وقوله : « فإن أرادا فصالاً . . . » الخ مقابل لقوله : « يرضعن أولادهن حولين كاملين » ، وإن أرادت الزيادة بلا أجرة ، وكانت نفعاً للولد لم تمنع ، أو ضرّاً منعت . { وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَدَكُمْ } غير أمهاتكم ، فحذف المفعول الثانى ، أى تجعلوا أولادكم راضعين غير أمهاتهمن أى ماضين لهن ، أو حذف الأول ، أى تصيرونهن مرضعات ، أى مصيرات الأولاد ماضين ، وإنما يراد غير الأمهات لمضرة فيهن ، كبرص أو جذام ، أو لإرادتهن التزوج ، أو لطلبهن ما فوق أجرة المثل . قال بعض الشافعية : أو وجد الأب من يرضعهم بلا أجرة ، أو بأجرة أقل مما طلبت الأم ، وقد صلحت لهم غير أمهاتهم ، وقيل : إذا أرادتهم الأمهات بأجرة المثل فهن أولى ممن يرضعنهم بلا أجرة أو بأقل ، وحق الإرضاع للأب ، وواجب على إطلاقه عند الشافعى ، وأن له أن يمنع الأم من إرضاعه ، ومذهبنا ومذهب الحنفية ، أن الأم أحق بإرضاع ولدها ، وأنه ليس للأب منعها من الإرضاع إذا رضيت ، لقوله تعالى : « والوالدات يرضعن أولادهن » فحق الإرضاع للأم ، وإن كان مندوباً وليس بواجب عليها ، وإلا لم يكن للأمر كبير فائدة ، فإن الأب إن قدر أن يمنع الأم إذا رضيت بالإرضاع فكيف تمتثل الأمر ، فإطلاق ما هنا مقيد بما هنالك ، وكأنه قيل : وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ورضيت الأم . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فى استرضاع غير الأمهات { إِذَا سَلَّمْتُم } أعطيتم ، أى نويتم تسليما ، لا مكرا { مَّآ ءَاتَيْتُمْ } أثبتم بالعقد والوعد ، ولا يشترط النقد ، كأنه قيل : إذا أثبتم فى العقد للأجرة ما من شأنه أن يثبت ، سواء نقدا ، أو عاجلا أو آجلا ، وقيل : المراد فى الآية النقد ، إرشاداً للمصلحة ، وتطييباً لنفس المرضعة ، لا شرطاً ، لكن أخرج مخرج الشرط تأكيداً . { بِالْمَعْرُوفِ } فى الإعطاء ، وفيما يعطى ، وفى القول والمعاملة الحسنة { وَاتَّقُواْ اللهَ } فى كل شئونكم من شأن الأزواج والمراضع والأولاد { وَاعْلَمُوآ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا تخفى عليه تقواكم أو معصيتكم . -------------------------------------------------------- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) { وَالَّذِينَ يُتَوَفوْنَ } تقبض أرواحهم ، بلَّغاً أو أطفالاً ، أحراراً أو عبيداً ، عقلاء أو مجانين ، والذى يتوفاهم هو الله . قال رجل لأبى الأسود خلف جنازة : من المتوفى ، بكسر الفاء ، فقال : الله . والصواب أن يقول : من المتوفى ، بفتح الفاء ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يقال للميت متوف بكسر الفاء ، بمعنى مستوف لأجله ، كما قرأ يتوفون ، بفتح الياء ، ولم يخبر أبو الأسود على ذلك سائله ، لأن سائله لا معرفة له بذلك . { مِنْكُمْ } أيها المسلمون ، وأما المشركون فكذلك ، إلا ان المنتفع بالخطاب المسلمون ، فيفسربهم ، ولا مانع من أن المخاطبين المسلمون والمشركون . { وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً } مسلمات وكتابيات ، ذوات أقراء ، أو غيرهن ، صغارا أو كبارا ، مدخولا بهن أو غير مدخول بهن إلا الحامل ، فأقصى الأجلين ، أجل الوضع وأجل الوفاة ، وهو الأصح ، وهو قول على وابن عباس ، وإلا الأمة فنصف الحرة ، وقيل كالحر . وقالت الحنفية ، الكتابية كالمسلمة بشرط أن تكون تحت مسلم بناء على أن المشرك غير مخاطب بالفروع ، والمفرد الزوج ، الأنثى بلا تاء ، وهو اللغة الفصحى ، لا الزوجة بالتاء ، لأن فعلة لا يجمع على أفعال ، والزوجة بالتاء للمؤنث لغة تميم وبعض قيس . { يَتَرَبَّصْنَ } أى وأزواج الذين يتوفون يتربصن ، والذين يتوفون ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم ، أو بهم ، أو تتربص أزواجهم ، فأصمر لهن ، والضمير لا يضاف ، فحذف المضاف إليه ، فالنون عائد إلى قولك أزواجهم ، وقولك أزواجهم مشتمل على ضمير الذين ، فنهى عائدة إلى ما أضيف إلى الضمير ، فربط بذلك الضمير ، وقيل ، يقدر مبتدأ ، أى أزواجهم يتربصن ، وفيه أن تقدير المضاف قبل الذين أخف من هذا . { بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } أى عشر ليال مع أيامهن ، وذكر الليالى لأنهن أوائل الأيام والشهور ، وأراد عشرة أيام ، فحذف التاء ، كقوله تعالى : { إن لبثتم إلا عشراً } أى ، إلا عشرة أيام ، لقوله ، « إن لبثتم إلا يوما » ولكن لا مانع من أن يراد إلا عشر ليال مع قوله إلا يوما ، وذكر بعض أن قاعدة تذكير المعدود وتأنيثه إنما هو إذا ذكر المعدود ، وأما عند حذفه فيجوز الأمران مطلقا . والجنين يتحرك مطلقا لأربعة أشهر وزيد عشرة ، إذ قد تخفى حركته فى المبدأ ، ولا يتحقق ما قيل ، إن الذى يتحرك لثلاثة والأنثى لأربعة ، فاعتبر الأكثر ، واستتم بعشرة لخفاء الحركة فى المبدأ ، والآية لعمومها شاملة لغير المدخول بها ، وقال ابن عباس ، لا عدة لغير المدخول بها ، والحامل المتوفى عنها تعتد عند على بأقصى الأجلين ، وقال غيره ، بأربعة أشهر وعشر ، والجمهور على أَن العدة من حين علمت بالموت ولو بعد امام الأربعة والعشر ، وقيل من حين الموت { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } تمام أربعة أَشهر وعشر . { فَلا جُنَاحَ } لا إثم { عَلَيْكُمْ } أَيها المتولون لأَمور الإسلام ، كالأَمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وقيل الخطاب للأولياء . { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ } من التزيين للخطاب بالثياب ، واللباس الحسن والكلام الحسن ، وإظهار زينة الوجه واليد لهم ، وإظهار الساق والشعر والصدر للنساء ، ونحو ذلك مما يحل إظهاره لهن ليصفنه لمن يريد الزواج . { بِالْمَعْرُوفِ } شرعا ، لا بكشف ما لا يحل من بدن ، ولا عند من لا يتقى الله ولا بخلوة به ، وأما قبل بلوغ الأجل فى المطلقة فإنما تحبب لزوجها بأكثر من ذلك كله غير كشف العورة الكبرى ، فإن رآها متولو الأمر تتعرض قبل بلوغ الأجل لغيره بكلام أو زينة أو تبرج ، أو تتعرض له أو لغيره بعد بلوغ الأجل بغير المعروف فعليهم الإثم إن لم يمنعوها . { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } والخطاب لمن خوطب قبل ، وقيل للأزواج { خَبِيرٌ } فيجازيكم . -------------------------------------------------------- وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الناس { فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ } لوحتم به من عرض الكلام ، أى جانبه ، واللفظ حقيقة ، وفهم الملوح إليه ليس حقيقة ولا مجازا ، وقيل : اللفظ غير حقيقة ولا مجاز ، كما أن الكناية كذلك ، إذا لم يرد المعنى الموضوع ، كما إذ قلت كثير الرماد للجواد ، حيث لا رماد له ، ويقال : التعريض ، أن تذكر شيئا مقصودا بلفظه الحقيقى أو المجازى أو الكنائى لتدل به على شىء آخر لم يذكر فى الكلام ، ويقال ، مثل قولك : طويل النجاد كناية ، ومثل قول الفقير : جئت لأسلم عليك كناية وتعريض ، فبينهما عموم وخصوص من وجه . { مِنْ خِطْبَةِ } من الخطب وهو الشأن ، أو الخطاب ، والخطاب توجيه الكلام للإفهام ، ومنه الخطبة بالكسر ، وهى كلام يستدعى به إلى عقد النكاح ، والخطبة بالضم الوعظ المتسق على ضرب من التأليف . { النِّسَآءِ } فى عدتهن من موت ، أو زواجهن ، مثل أن يقول : أنتِ جميلة ، أو أنا أرغب فيكِ ، وأحب مثلك ، أو ليتنى وجدتك ، إو إذا تمت عدتك فأخبرتنى ، أو أريد التزوج { أَوْ أَكْنَنْتُمْ } سترتم { فِى أَنْفُسِكُمْ } من قصد تزوجهن ، وعلل قوله : « لا جناح عليكم . . . » الخ بقوله { عَلِمَ اللهُ } علماً أزليّاً ، ولا أول لعلمه ولا آخر ، باعتبار النوع والشخص ، لا النوع فقط . { أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } لا طاقة لكم على الصبر عنهن فأباح لكم التعريض فى عدة الوفاء لا التصريح ، وإنما تكون السين للتأكيد لو كان الذكر فى مسقتبل قريب ، وليس المراد ذلك ، بل علم فى الأزل بلا أول أنه سيخلفهم ويتزوجون ويموتون ، فيقصد القاصد تزوج المتوفى عنها ، والآية توبيخ للرجال على قلة الصبر عنهن ، وعدم المجاحدة ، فقال : اذكروهن . { وَلَكِنْ لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ } ولكن استدراك على محذوف ، دل عليه ستذكرونهن ، كما قدره المفسر بقوله اذكروهن { سِرًّا } تزوجا تصريحا ، سمى سرا لأنه سبب الوطء الذى يسر وملزومه ، أو سرا وطئا ، ولكن لا يصح هذا إلا على أن الاستثناء منقطع فى قوله { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } فى الشرع من التعريض ، لا فحش فيه ، أى لا تواعدوهن بالقول المستهجن ، لكن واعدوهن بالقول المعروف ، الذى لا يستحيا منه ، أو متصل ، أى لا تواعدوهن مواعدة ما إلا مواعدة معروفة أو إلا مواعدة بقول معروف ، أو لا تقولوا فى وعد الجماع ، أو طلب الامتناع عن الغير إلا قولكم قولا معروفا ، فلا يقبل : رغبت فى وطئك . وقيل : لا تواعدوهن فى موضع سر ، أى خفاء ، فذلك مواعدة بالوطء ، لأنه تكون فى الخفاء لقبحها ، فلا يقل لها : إنى قوى الوطء ، أو إنى أفعل كذا وكذا مما يكون تحت اللحاف ، ويجوز التعريض للبائن بحرمتها أبدا بوجه من وجوه التحريم ، أو بطلاق الثلاث ، أو طلاق من تكون الاثنتان أو الواحدة فى حقها ثلاثاً ، والبائن التى لا يجوز مراجعتها وجاز تزوجه لها فى العدة منه أو بعدها فى قول ، ولا يجوز التعريض فى بائن يصح رجعتها برضاها . { وَلاَ تَعْزِمُواْ عٌقْدَةَ النِّكَاحِ } أى لا تعقدوا النكاح ، وذكر العزم تأكيد للنهى ، كالنهى عن فعل الشىء بالنهى عن قربه ، فنهى عن العقد بالنهى عن سببه وملزومه ، أَو المراد حقيقة النهى عن العزم . فكيف العقد ، والعزم القطع ، أى تبرموها ، وذلك قطع للشك والتردد بالجزم ، وقيل : لا تقطعوا عقدة نكاح الأول المتوفى ، ورد بأنه لا يعرف العزم بمعنى صريح القطع ، بل بمعنى قطع التردد ، اللهم إلا على التجوز فيصح ، وأما رده بأنه لا تنقطع عقدة الأول بعقد الثانى ، لأن عقده لغو ، فلا يتم ، لأن المراد لا تتعاطوا صورة قطعها ، ولو كانت لا تنقطع تحقيقاً ، وعقدة مفول به ، ويجوز أَن يكون مفعولا مطلقا ، لتضمين تعزموا معنى تعقدوا . { حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَبُ } المكتوب ، أى المفروض { أَجَلَهُ } وهو آخر الأربعة والعشر ، وزعم بعض الشافعية : أنه يجوز العزم فى العدة على العقد بعدها ، وهو خطأ ، لأنه تصريح بالنكاح . { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِى أَنْفُسِكُمْ } من العزم فلا بأس بلا تصريح ، ومن عدم العزم { فَاحْذَرُوهُ } احذروا عقابه على عقد النكاح قبل الأجل { واعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ } للحاذر التائب . { حَلِيمٌ } يؤخر العقاب لمستحقه إلى وقته ، فلا تظنوا أن تأخيره عن من أَصر ترك له ، ومن صمم على قصد المناهى يؤاخذ ، فكيف من يفعل ، ولكن أَرجو الغفران والرحمة ، لكن لا يكتب عليه أَنه فعل ، بل إنه عزم . -------------------------------------------------------- لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) { لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة عليكم من جهة الصداق ، لأنه لا يلزمكم لعدم المس وعدم عقد الصداق { إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } بالذكر مع غيوب الحشفة فى القبل ، وإذا كان ذلك لزم الصداق إن كان ، وإن لم يكن فصداق المثل ، أو العقد ، وكالمس الخلوة الممكنة إن ادعت مسا فيها ، وأما باليد فى الفرج ، أو بالذكر بلا غيوب الحشفة ، أو بالذكر فى الجسد ، أو فى الدبر ولو غابت ، أو بنظر ما بطن ففى لزوم الصداق خلاف ، ومشهور المذهب اللزوم . { أَوْ } ما لم { تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } أو للتنويع لا لمطلق أحد الشيئين ، لأنه يلزم عليه أن يكون المعنى لا تبعة عليكم ما لم تمسا ولو فرضتم ، أو ما لم تفرضوا ولو مسستم ، ولا يصح ذلك ، لأنه إذا فرض فلها النصف إن لم يمس ، وإذا مس فلها الصداق كله إن كان أو العقد أو صداق المثل إن لم يكن ، وأولى من ذلك أن يكون الفعل منصوبا بعد أو التى بمعنى إلا ، أى إلا أن تقرضوا ، أو حتى تفرضوا ، فيغير نفى الجناح بعدم الفرض ولو انتفى المس ، لأن فى ذلك تبعة نصف الصداق ، فإن فرضتم لهن فريضة فعليكم إعطاؤها بالمس على حد ما ذكر ، ونصفها إن طلقتم قبله ، وليس المعنى لا إثم عليكم فى الطلاق قبل المس . لأنه لا يلائمه ، أو تفرضوا ولا ما لم تمسوهن ، ولو كانوا يظنون تحريم الطلاق لكثرة نهيه صلى الله عليه وسلم عنه . وقوله : هو أبغض الحلال عند الله ، فنزلت الآية لذلك فيما زعم بعض ، وفريضة بمعنى مفروضة ، والتاء للنقل إلى الاسمية ، ومعناه المهر ، وهو مفعول به وأجاز بعض أن يكون مفعولا مطلقا على المصدرية ، أو على الاسمية ، كما قيل فى خلق الله السموات ، أن السموات مفعول مطلق . { وَمَتِّعُوهُنَّ } ، إن طلقتموهن قبل المس وقبل الفرض ، وهذا أولى من عطف متعوهن على جناح ، عطفا للأمر على الإخبار ، فإن التحقيق جوازه ولا سيما إذا اجتمع بينهما شىء كشرط أو إعراب فإن لا جناح بمنزلة جواب إن بعده ، أو يؤول متعوهن بالإخبار ، أى وتمتيعهن واجب جبرا ، لوحشة الطلاق لأنها الكثيرة ، وقلت من لا تستوحش له ، والتمتيع النفع التلذيذ . { عَلَى الْمْوسِعِ } على موسعكم أو الموسع منكم . أى يا صاحب الوسع من المال { قَدَرُهُ } قدر إمكانه فى إعطاء المتعة { وَعَلَى الْمُقْتِرِ } الضيق المال { قَدَرُهُ } فليست المتعة بالنظر إلى قدر المرأة ، بل لحكم الحاكم بالنظر إلى مال الزوج ، ولا حد لها ، كما لا حد للصداق . وقد طلق أنصارى زوجه المفوضة قبل مسها ، وهى من بنى حنيفة فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم : متعها ، فقال : لم يكن عندى شىء ، فقال : متعها بقلنسوتك ، ولكن فى هذا الحديث مقالا ، حتى قال بعض ، لم أقف عليهن والمفوضة هى التى فوضها وليها أو فوضت نفسها ، فتزوجت بلا ذكر صداق ، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم قال : متعها بقلنسوتك ، لأن الرجل قليل المال ، وذلك أنه يحكم بقوله تعالى ، عَلَى الموسع .. . الخ ، وذلك هو المذهب . وقال أبو حنيفة : درع وملحفة وخمار إلا إن كان مهر مثلها أقل من ذلك فنصف مهر المثل ، وعن ابن عباس ، أعلى متعة الطلاق الخادم ودون ذلك ورق ، ودون هذا كسوة ، وعن ابن عمر ، أدنى المتعة ثلاثون ديناراً ، ويقال : لا تنقص المتعة عن خمسة دراهم ، وقيل يعتبر حالها مع حال الرجل ، فيزاد على الفقير قليل لذات مرتبة وينقص عن الغنى قليل لذات دنو المرتبة ، وهكذا ، ونص القرآن اعتبار الرجل . وعن الشافعى ، المتعة لكل مطلقة إلا التى سمى لها وطلقها قبل الدخول ، وإلا التى طلقت نفسها حيث يجوز لها الطلاق ، أو فتدت ، وذلك قياس لجبر الوحشة ، وعنده أن القياس مقدم على المفهوم ، والمفهوم من الآية أن لا متعة للممسوسة ، والقياس لجبر الوحشة يوجبها . { مَتَعاً } تمتيعاً ثابتا { بِالْمَعْرُوفِ } شرعا ومروءة ، أو متعوهن بالمعروف كذلك { حَقّاً } حق ذلك التمتيع بالمعروف . { عَلَى الْمُحْسِنِينَ } المطيعين فى الجملة ، المطلقين باعتبار وسعهم وإقتارهم ، حقا أو متاعا حقا أى واجبا ، أو على المحسنين بالمسارعة إلى امتثال الآية ، أو إلى المطلقات بالتمتيع ، وعلى الوجهين الأخيرين سماهم محسنين بتأويل الإرادة والمشارفة ، وخص المحسنين بالذكر لأنهم المنتفعون ، والحكم يعم غيرهم ، وقال مالك : المحسنين المتطوعين صارفا للأمر إلى الندب ، الصحيح أن المتعة واجبة . -------------------------------------------------------- وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) { وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } تحقيقا أو حكما ، فإن الخلوة توجب حكم المس ، إلا إن اعترفت المرأة بعدمه { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ } فلهن أو فعليكم ، أو فالواجب لهن أو عليكم نصف { مَا فَرَضْتُمْ } فقط ، فإن وصلها تاما ردت إليه النصف . { إِلآ أَن يَعْفُونَ } أن ناصبة والفعل فى محل النصب مبنى لنون الإناث ، والواو حرف ، هو آخر الفعل لا ضمير ، والضمير النون ، والمصدر منصوب على الاستثناء المنقطع لا المتصل ، لأنه لو كان هذا متصلا لكان فى التفريغ ، وهو لا يكون إلا بعد نفى أو نحوه ، أى إلا عفو النساء ، أى لكن عفوهن مطلوب ، بألا يقبضن النصف الذى لهن أو يقبضن بعضه فقط ، إلا أن العفو عند الإطلاق لا ينصرف إلا إلى الكل ، فإنما يؤخذ العفو عن البعض من غير نص الآية ولا يصح التفريغ لعدم النفى ، فلا يصح ما قيل من أنه تفريغ من أعم الأحوال ، وأن التقدير ، فلهن نصف المفروض معينا فى كل حال من الأحوال عفوهن ، فإنه يسقط ، فإنه لا يصح صناعة ولو صح معنى { أَوْ يَعْفُوَاْ الَّذِى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وهو الزوج عندنا فيعطى الصداق كاملا ، أو الولى فيرد النصف الذى لها أو بعضه ويضمن لها ولو كانت ابنة طفلة له ، أو يرد النصف الذى لأمته أو بعضه ، إلا أن إطلاق العفو على إعطاء الزوج النصف الآخر مشكل على قائله ، لأن العفو محو حق يمكن استيفاؤه ، فإما أن يسمى عفوا للمشاكلة ، أو لمعنى مطلق فعل الخير ، هو اليسر هنا ، أو لتركه عندها ، وقد وصلها ولم يسترد النصف مع أن له استرداده ، أو لم يصلها لكن عفا عن إبطاله . وقبل يضعف تفسير الذى بيده عقدة النكاح بالولى بقوله { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } فإن عفو الولى ليس أقرب للتقوى ، قلت ، هو أقرب للتقوى إذا كان يضمن ، وأيضا التقوى قد يطلق على فعل المبرات وإن اشتهر فى ترك المنكرات ، لأن فعل الطاعات يستلزم ترك المنكرات ، والعفو يستلزم ترك البخل المذموم ، والتعبير بالقرب إشارة إلى أن التقوى لا يسهل وصولها ، ومؤدى الواجب قريب لها ، والزائد أقرب منه . روى أن جبير بن مطعم طلق زوجه قبل الدخول فأكمل لها الصداق ، وقال ، أنا أحق بالعفو ، أى أحق منها ومن وليها ، فالعفو ممكن من الثلاثة ، وعن ابن عباس ، يجوز للأب ترك صداق ابنته الطفة بلا ضمان ، رواه البيهقى ، وهو قول الشافعى ، ولا يؤخذ به ، وزعم بعض أن المولى العفو فى ذلك ، ولو كانت وليته كبيرة كارهة للعفو ، وأنه لا ضمان عليه ، وهو مردود . { وَلاَ تَنْسُوُاْ } أيها الرجال والنساء لا تتركوا { الْفَضْلَ } فعل الخير { بَيْنَكُمْ } تفعل له الخير ، ويفعل لها الخير بعد الطلاق والفداء ، مسها أو لم يمسها ، ومن ذلك أن يتم لها الصداق أو يزيد دون تمام حيث يجب النصف ، وأن تترك له النصف الذى لها أو بعضه ، وأن تترك له الصداق كله أو بعضه إذا وجب كله لها ، والرجال أحق بالمسارعة كذلك ؛لأنهم قوامون وأقوى منهن وأعقل ، حتى إنه لا يبعد كون الخطاب فى قوله ولا تنسوا لهم ، وفى بينكم لهم ولهن . والظرف متعلق بمحذوف حال من الفضل ، أو بمحذوف معرف نعت له ، أى الفضل الواقع بينكم قب الطلاق ، بل ابقوا عليه ، وأجاز بعض تعليقه بتنسوا { إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على ما فعلتم من الفضل بينكم وسائر أعمالكم دنيا وأخرى . -------------------------------------------------------- حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) { حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ } الخمس ، بتحسين الطهارة ، والأداء أول الوقت ، وإحضار القلب ، والخشوع ، والمداومة ، ولتأكيد ذلك قال حافظوا بصيغة المفاعلة التى أصلها أن تكون بين متغالبين ، كل يجهد نفسه ، وذكره بين ذكر الأزواج والأولاد ، وبين الأزواج أيضا لئلا يشغلهم ذلك عن الصلاة . { وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى } صلاة العصر ، توسطت بين صلاتى النهار وصلاتى الليل ، أو الصبح توسطت بين صلاة الليل وصلاة النهار ولا تجمع مع غيرها ، أو الظهر فى وسط النهار ، أو المغرب توسطت فى القصر والطول ، أو العشاء توسطت بين صلاتين لا تقصران ، أو الوتر أو سنة الفجر ، أو سنة المغرب ، أو صلاة الجنازة ، أو واحدة من الخمس لا بعينها ، أو صلاة الجمعة ، أو صلاة الجماعة ، وخصت من عموم الصلوات لفضلها ، أو الوسطى صلاة الفرض كلها ، والصلوات الفرض والنفل ، وخصت لذلك ، أو صلاة الضحى أو صلاة الخوف ، أو صلاة الأضحى أو صلاة الفطر ، أو صلاة الليل الواجبة ، أو صلاة الليل النفل ، وما فيه توسط فى الزمان فظاهر ، وما لم يكن فيه فمعنى توسطه فضله ، والأكثر على أنها صلاة العصر . قال صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب : « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله بيوتهم ناراً » ، وعن عائشة أنها تقرأ والصلاة الوسطى صلاة العصر . وعنه صلى الله عليه وسلم والصلاة الوسطى وصلاة العصر بعطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى ، فهى إما غير العصر وإما هى ، والعطف تفسير بإعادة العاطف محاكاة له فى الصلاة الوسطى ، فضلت العصر لأن الناس يشتغلون عندها بالمكاسب . كما أن لصلاة الفجر مزية القيام من لذة النوم ، وأما اجتماع الملائكة فقيل عند الفجر وعند العصر لأنها من المساء ، وأولى منه اجتماعهم عند المغرب والوسطى من معنى الفضل ، فقيل الزيادة ، وهو مؤنث اسم التفضيل ، لا من التوسط بين شيئين ، كالكون بين صلاة النهار والليل ، لأنه لا يقبل الزيادة ، إلا أن يقال بخروجه عن التفضيل ، والتوسط المذكور واقع فى الفجر أيضا . ووقع العشاء أيضا باعتبار كونها بين جهريتين ، واعترض حديث التفسير بصلاة العصر بأن فى إسناده مقالا ، وبأن ذكر صلاة العصر مدرج ، لقول على : حبسونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس الجواب أنه لا يكون هذا ردّاً ، بل تقوية ، إذ لا صلاة تلى الغروب إلا صلاة العصر ، فهو بيان لما زعموا أنه مدرج ، وما رد به التفسير بصلاة العصر أنهم حبسوهم يوم الأحزاب عن صلاة الظهر والعصر معا ، كما فى رواية ويجاب أنه خص العصر بالذكر لمزيد فضلها . وزعم بعض أن الأصل شغلونا عن الصلاة وصلاة العصر ، فحذف العاطف ، وهو تكلف بعيد ، وعورض ذلك أيضا بحديث أحمد وأبى داود أنه صلى الله عليه وسلم يصلى الظهر بالهاجرة ، فهى أشد صلاة على أصحابه ، فنزل حافظوا . . . الخ . وحديث أحمد ، كان صلى الله عليه وسلم يصلى الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس فى تجارتهم وقائلتهم فنزل ، حافظوا . . . الخ ، وفى مصحف عائشة بإملائها على الكاتب مولاها أبى يونس ، ومصحف حفصة بإملائها على عمرو بن رافع ، ومصحف أم سلمة بإملائها على عبدالله بن رافع ، حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ، فقيل لذلك ، هى الظهر ، قال أبى بن كعب ، هى كذلك ، أو ليس أشغل ما نكون وقت الظهر فى عملنا ونواضحنا . وقيل الصلاة الوسطى أخفاها الله ليحافظ على جميع الصلوات ، وليلة القدر ليجتهد فى جميع رمضان ، وساعة الإجابة فى يوم الجمعة ليجتهد فيه كله ، وبسطت الكلام على ذلك فى آخر وفاء الضمانة فى جزء التفسير { وَقُومُوا لِلَّهِ } فى الصلاة ، ويجوز تعليق لله بقوله { قَنِتِينَ } كقوله ، كل له قانتون ، فإن له متعلق بقانتون ، أى مطيعين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « كل قنوت فى القرآن طاعة » رواه أحمد ، أو قانتين ذاكرين ، أى قوموا لله ذاكرين له . أو قوموا ذاكرين لله ، أو خاشعين على الوجهين ، أو ساكتين ، ففى البخارى ومسلم عن زيد بن أرقم ، كنا نتكلم فى الصلاة حتى نزلت الآية ، قال البخارى أى ساكتين . وعن عكرمة عن زيد بن أرقم ، كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أحدنا صاحبه فى جنبه فى الصلاة حتى نزل ، وقوقوا لله قانتين ، سلم ابن مسعود عليه صلى الله عليه وسلم فى الصلاة ، فلما سلم قال : لم أرد عليك لأنا أمرنا أن نقوم قانتين فى الصلاة ، والقيام فى الصلاة واجب فى صلاة الفرض لمن أطلق ، والآية لذلك ، ورتب على صلاة الأمن صلاة الخوف بقوله : { فَإِنْ خِفْتُمْ } من عدو ، أو سبع ، أو سيل حتى لا يمكنكم إتمام حدودها من ركوع وسجود تامين وخشوع . { فِرَجَالاً } أى فصلوا رجالا ، جمع راجل أو رجل بفتح وضم ، أو بفتح وكسر بمعنى ماش { أَوْ رُكْبَاناً } على الإبل أو غيرها ، وأصل اللغة أن راكب الفرس فارس ، والحمار أو البغل حمار وبغال ، والأجود صاحب الحمار وصاحب البغال ، صلوا ماشين أو راكبين للقبلة وغيرها بالإشارة للركوع والسجود كيفما أمكن ، فرادى أو بجماعة ، وفى المسايفة والسفينة عندنا ، وعند الشافعى . وعن أبى حنيفة لا يصلى حال المشى والمسابقة ، واحتج بأنه أخرها صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وقضاهن كلهن فى الليل ، كل بأذانها ، الجواب ، أن صلاة الخوف هذه شرعت بنزول هذه الآية بعد الخندق ، وقيل فى ذات الرقاع قبل الخندق ، فيكون تأخيرهن يوم الخندق ناسخا لهذه الآية ، وهو ضعيف ، فإنها بعد الخندق ، وفيه كان الخوف الشديد فلا يضر التأخير ، فإذا لم يشتد صلى طائفة وقاتلت أخرى ، وإن لم يكن ذلك صلوا كما أمكن ولا يؤخروا . { فَإِذَآ أَمِنْتُمْ } كنتم فى أمن بعد خوف ، أو بدون تقدم خوف ، والفاء تدل للأول { فَاذْكُرُواْ اللهَ } صلوا له صلاة الأمن ، والذكر الجزء الأعظم منها ، فسميت به . { كَمَا عَلَّمَكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } من صلاة الخوف والأمن وسائر الدين ، هذا إشارة للشكر على الأمن ، كما تقول ، أكرم زيدا كما علمك العلم ، فإنه مفيد للشكر ولو لم تذكر الشكر ولم تقدره ، وذكر هنا إذا لتحقق الأمن غالبا ، وهناك إن لقلة الخوف وندوره ، حتى إنه كالمشكوك فيه ، هل يقع ، تعالى الله ، وذكر ما لم تكونوا تعلمون مع أن التعليم لا يتصور إلا لمن لا يعلم ، وإلا لزم تحصيل الحاصل ، تذكيراً بأنهم كانوا فى حال سوء ، وهو الجهل ، فنجاهم الله منه . -------------------------------------------------------- وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) { وَالَّذِينَ يُتَوَفُّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً } عليهم حين الاحتضار وصية ، أى إيصاء ، أو كتب عليهم وصية ، أو ذو وصية ، أو حكمهم وصية ، وإن لم يوصوا فذلك فى مالهم بعد وفاتم ، فالمضاف مقدر قبل الذين ، أو قبل وصية ، كما رأيت ، أو يقدر كتب عليهم وصية ، أو عليهم وصية . { لأّزْوَجِهِمْ } نسائهم { مَّتَعاً } يعطونهن بالإيصا ، أو يمتعها الورثة متاعا نفقة وكسوة وسكنى ، أو ضمن وصية معنى تمتيع { إِلَى الْحَوْلِ } إلى تمام الحلول . { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } غير ذوات إخراج أو غير مخرجات من مسكنهن ، فإن خرجن بلا اختيار منهن لم يبطل حقهن من النفقة والكسوة والسكنى ، كإخراج الوارث وككون المحل مخوف السقوط أو الفسوق ، وغير حال من أزواج لا بدل اشتمال ، ولا بعضاً من متاعاً لعدم الرابط { فَإِنْ خَرَجْنَ } باختيارهن . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِى أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ } من قطع النفقة والكسوة والسكنى بالخروج والتعرض للخطاب بنحو التزين باختيارهن الخروج عن منزل الزوج بلا ضرورة ، والمراد بالخروج الخروج قبل تمام الحول ، والخطاب فى عليكم للأزواج ، أو أولياء الميت ، أو للأئمة ، أو للكل ، ونسخت عدة الحول بأربعة أشهر وعشر لتأخره نزولا عن آية الحول لو وضعت قبلها ، ونسخت الوصية بالميراث الذى هو ربع أو ثمن ، إذ لا وصية لوارث ، فالنسخ بالآية بمعونة الحديث وإلا فشرط النسخ منافاة الناسخ لما ينسخ . وقال الشافعى بثبوت السكنى ، ويرده أن المال للوارث بعد موت الزوج ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : « امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله » ، فمعناه المكث ، فى أى بيت كانت؛ وهو مجرد زجر عن الظهور لتخطب ، وأجاز غيرنا التزين للخطاب إذا خرجن بأنفسهن ، فكن مخيرات بين ترك التزين والخروج ، فيسكن فى منزل الأزواج وينفقن ويكسون وبين الخروج والتزين فلا حق لهن ، والمذهب أنه لا يجوز لهن التزين والتطيب ، ولو خرجن وتركن حقهن ، وخالفنا غيرنا ، ونكر معروف وعرفه فيما مضى ، لأنه هذه الآية متقدمة فى النزول ولو تأخرت فى التلاوة ، فالتعريف لما مضى لعهد التنكير . { وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } ينتقم ممن خالف حدوده بعدل وصواب . -------------------------------------------------------- وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) { وَلِلْمُطَلَّقَتِ } المعهودات الذكر فيما مر ، وهن المطلقات قبل المس غير مفروض لهن ، وأعاد ذكر متعتها دفعاً لتوهم من يتوهم من قوله تعالى ، حقا على المحسنين ، أن المتعة غير واجبة ، بل إحسان إن شئت متعتها ، وإن شئت لم تمتعها ، وهذا بيان وزجر لا نسخ ، لأن قوله على المحسنين لم يرد به الاستحباب فقط ، ولو ناسبه لفظ الإحسان ولفظ حقا ظاهر فى الوجوب فيعمل به ، ولو كان قد يطلق فى حق المتبرع ، ووجه الدفع قوله ، حقا على المتقين ، فمن يمنع فهو غير متق ، فالتمتيع واجب . { مَتَعٌ بِالْمَعْرُوفِ } بحسب مال الزوج ونظر الحاكم ، ويسن ألا نتقص عن ثلاثين درهما { حَقّاً } حق حقا أى وجب وجوبا ذلك التمتيع . { عَلَى الْمُتَّقِينَ } وحمل بعضهم هذه الآية على العموم فى كل مطلقة ولو مست أو فرض لها ، وعليه ابن جبير والشافعى فى أحد قوليه ، وأبو العالية والزهرى ، وعكس بعضهم ما مر ، فحمل حقا على المحسنين على الوجوب ، وهو فى التى لم تمس ولم يفرض لها ، وحمل حقا على المتقين على الاستحباب فى الممسوسة ، فإن لها صداقا إن فرض . وصداق المثل أو العقر إن لم يفرض ، فإن إبحاش الفرقة مندفع بالمهر أو العقو فلم تجب المتعة ، لكن المناسب لأهل التقوى التبرع بها تطييبا لقلبها ، وقيل ، المتعة هنا نفقة العدة . -------------------------------------------------------- كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) { كَذَلِكَ } كما بين الله لكم أحكام المطلقة والمعتدة وما اتصل بذلك { يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ } فى سائر ما تحتاجون إليه لدينكم ودنياكم { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } تفهمونها بتدبر عقولكم .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#18 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 243 ـ 252 ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) { أَلَمْ تَرَ } تعجيب من القصة ، والرؤية علمية بمعنى الإدراك ، مضمنا معنى الوصول والانتهاء ، ولذا عداه بإلى ، أو بصرية مجاز عن النظر للحث على الاعتبار ، لأن النظر اختيارى دون الإدراك ، وقد تعدى هذا أيضا بنفسه فى قوله : ألم تريانى كلما جئت زائرا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب وروى طارقا . والخطاب له صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يعلمها قبل ، أو لمن يصلح للخطاب ولو لم يعلمها ، فيكون إيجازا معنويا أفاد الإعلام كقولك لمن لم يعلم بمجىء زيد وأردت إخباره ، ألم تعلم أن زيدا جاء؟ أو إخبار لمن علم تشبيها لمن لم يعلم بها بحال من علم من حيث إنه ينبغى ألا تخفى عليه ، وأن يتعجب كأنها مثل مضروب مشهور لا يخفى . { إِلَى الَّذِينَ } إلى قصة الذين { خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ } داوردان ، قبل واسط ، هاربين من طاعون ، أو هم قوم أرمهم السلطان بالجهاد من بنى إسرائيل ففروا حذر الموت . { وَهُمْ أُلُوفٌ } سبعون أو أربعون أو ثلاثون أو عشرة كما هو جمع كثرة ، أو تسعة أو ثمانية أو أربعة استعمالا لجمع الكثرة فى القلة ، وذلك من العدد ، جمع ألف بفتح الهمزة ، وقيل من الألفة ضد الوحشة لا من العدد والمفرد إنك بكسر الهمزة كصنف وصنوف ، أو ءالف بهمزة فألف كشاهد وشهود ، أى وهم متألفون ، وهو ضعيف . لأن المقام للقدرة على إماتة العدد الكثير مرة . وإحيائهم مرة كذلك ، لا للتفريق بين المتألفين بإماتتهم. { حَذَرَ الْمَوْتِ } بالطاعون أو بالقتال { فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ } فماتوا ، كما يدل له أمره التكوينى فإنه لا يتخلف ، وكما يدل له ثم أحياهم ، وذلك عبارة عن تعلق الإرادة بموتهم دفعة ، أو لموتهم بموتة نفس واحدة بلا علة ، أو قال لهم ملك عن الله ، وعن السدى : ناداهم ملكان ، وذلك إماتة بدون ملك الموت ، أو به بإقدار الله له ، أو بأعوان ، ففى كل ساعة من أيام الدنيا يموت مقدار ذلك ، أو أقل أو أكثر من مطلق الحيوان ، الجن والإنس والدواب وسائر ما فيه روح . ويقال ، ناداهم ملك جبريل أو إسرافيل أو غيرهما ، موتوا ، والظاهر أَنهم ماتوا بلا وجع ، أو وجع خفيف ، والله قادر أن يموتوا بوجع كالمتطاول فى لحظة ، وذلك أنهم ماتوا موتة يرجعون بعدها إلى الدنيا ، ويكلفون فيها كما قبل الموت ، وهو موت عقوبة وخرق عادة ، وقيل ، ذلك غير موت ، بل سلب روح سلبا أعظم من سلب النوم ، وسماه موتا مجازا . { ثُمَّ أَحْيَهُمْ } بعد ثمانية أيام ، أَو بعد ما صاروا عظاما ، أو عجل الله بإيلائهم ، فقد ماتوا مرتين كما قال ، ثم بعثنا كم من بعد موتكم ، والأولى عقوبة ، ولله أن يفعل ما يشاء ، مر حزقيل بالحاء أو بالهاء وكسرهما ويقال له ابن العجوز ، إذ سألت الله الولد بعد عقمها بالكبر فوهبه لها . وقيل مر شمويل ، ويسمى ذا الكفل ، لأنه تكفل بتنجية سبعين نبيا من القتل ، وهو خليفة ثالث بعد يوشع ، ثم كالب بعد موسى عليه السلام ، وقيل مر يوشع ، وقيل شمعون ، وهم موتى متفرقو اللحوم والعظام ، وتفكر وبكى ، وقال ، يارب ، كنت فى قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحدى ، فأوحى الله إليه ، نادهم ، فناداهم ، فقاموا يقولون ، سبحانك اللهم وبحمدك ، لا إله أنت ، ويقال ، أمره الله أن يناديهم أيتها العظام ، إن الله أمرك أن تجتمعى فنادى ، فاجتمعت والتزقت وأمره أن ينادى ، إن الله أمرك أن تكتسى لحما ، فنادى فاكتسيت ، وأمره أن ينادى ، إن الله أمرك أن تقومى فقاموا أحياء إلى بلادهم . { إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } فيجب عليهم شكره على فضله كإحياء هؤلاء بعد موتهم ، ليعتبروا ويفوزوا بالسعادة العظمى ، وكمن سمع بإحيائهم واعتبر . { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } بل يكفرون بفسق ، وبه وبشرك ، والمشركون أكثر من الموحدين ، وقد انضم إليهم من كفر بالجارحة أيضا . وفى القصة تمهيد للاجتراء على القتال كما قال :{ وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ } يا أيها المسلمون ، ولا بد من الموت ، فإن قتلتم متم شهداء فائزين ، ولا يرد الموت لأجله شىء ، فقد فر هؤلاء الإسرائيليون عن الطاعون أو القتال أو أهل داوردان فماتوا ولم يغنهم الفرار شيئا فتوكلوا على الله وقاتلوا أعداءه ، ولو بالدعاء على من استعد منهم لإهانة الإسلام ، والعطف على ألم تر عطف قصة على أخرى ، أو مراعاة لمعنى ألم تر ، إذ منعناه انظر وتفكر ، أو يقدر اشكروا وقاتلوا فى سبيل الله . { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لا يخفى عنه الجهاد والإخلاص ولا عدم الجهاد أو الإخلاص ، ولا يخفى عنه قول المتخلف عن الجهاد وتنفيره لغيره عنه ، وقيل ، الخطابان فى الزمان السابق لمن أماتهم ثم أحياهم . ------------------------------------------------------- مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) { مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً } يعامل الله بأعماله الصالحة ، من إنفاق ماله فى الجهاد ، وأنواع الأجر ، واستعمال نفسه فى ذلك فرضا أو نفلا وسائر الأعمال الصالحة ولو غير الجهاد أيضا ، ويدخل الجهاد أولا ، وعن عمر أداء الجهاد والإنفاق فيه معاملة من يقرض محتاجا ، فإن الله يثيبه بالجنة الدائمة على ذلك كما يرد إليه المستقرض مثل ما أقرض ، والله غنى . وفى البخارى ومسلم من الحديث القدسى « يا ابن آدم ، مرضت فلم تعدنى ، واستطمعتك فلم تطعمنى واستسقيتك فلم تسقنى ، قال : يا رب ، كيف تمرض وكيف أطعمك وأسقيك وأنت رب العالمين قال : مرض عبدى فلان فلم تعده ، واستسقاك فلم تسقه ، استطعمك فلم تطعمه ، أما إنك لو فعلت ذلك لوجدته عندى ». وحسن القرض أن يكون بإخلاص وطيب نفس ومن حلال غير ردىء ، والقرض اسم مصدر ليقرض ، أى إقراضا ، أو مالا فيكون مفعولا به ليقرض { فَيُضَعِفَهُ } يكثر جزاءه كما ، ويعظمه كيفا ، والمفاعلة مبالغة . { لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً } لا يعلمها إلا الله : الواحدة بعشر أو أكثر إلى سبعمائة وأكثر ، قيل عن أبى هريرة ، إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فحج أبو عثمان الهندى ليسمع هذا عن أبى هريرة فلقيه : فقال : لم يحفظ الراوى ، وإنما قلت ألفى ألف حسنة ، والله قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأضعافاً جمع ضعف ، والضعف بمعنى إضعاف بكسر الهمزة ، أو مضاعفة مفعول مطلق ، والمصدر واسمه يصلحان للكثير من الإفراد ، ولكن جمع للدلالة على الأنواع ، أو بمعنى نفس القسم حال من الهاء ، أو مفعول ثان ، لأن المعنى يصيره أقساما كثيرة . { وَاللهُ يَقْبِضُ } يضيق الرزق على من يشاء ، قدم القبض تسليمة للفقراء بأنه يعقبه البسط كما قال { وَيَبْصُطُ } الرزق لمن يشاء؛ وكل ذلك حكمة؛ فلا تبخلوا بما أعطاكم ، وفى الحديث القدسى : من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد ، ولا تمسكوا خوف الفقر؛ فإن الله يقبض عن من يشاء ولو أمسك ، وقيل : يقبض الصدقة ويبسط الثواب عليها { وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على ما قدمتم من قليلكم أو كثيركم . -------------------------------------------------------- أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ } أى إلى قصة الملأ ، الجماعة التى تملأ العيون أو المجلس ، مهابة لشرفهم ورياستهم ، يجتمعون للتشاور ، أو يتمالأون ، أى يتعاونون ، ويجوز إطلاقه على مطلق الجماعة ، وبلا اجتماع : وباجتماع لغير تشاور . { مِنَ بَنَى إِسْرَاءِيلَ } كائنين ، بعض بنى إسرائيل ، ومن للتبعيض { مِنْ بَعْدِ مُوسَى } متعلق بكائنين المقدر ، أى بعد موت موسى ، ومن للابتداء المنقطع بحصولهم بعده ، ولا يصح تعليقه بقالوا ، لأن معمول المضاف إليه لا يتقدم على المضاف ولا يلهم ، لنيابته عن كائن ، لأن الأصل ألا يتقدم على العامل الذى ليس فيه حروف الفعل معموله ، ولأن معمول النعت لا يتقدم على المنعوت ، وكذا لا يتعلق بكائن ، وذلك أن لهم نعت بنى . { إِذْ قَالُواْ لِنَبِىٍّ لَّهُمْ } قيل يوشع بن نون إفراثيم بن يوسف بن يعقوب عليه السلام ، وهو ابن أخت موسى ، وهو ضعيف ، لأن بيته وبين داود قرونا ، وقيل شمعون بكسر الشين بن صعبة بن علقمة من ولد لاوى بن يعقوب ، وقيل إشمويل بكسر الهمزة ، وعليه الأكثر ، وإسكان الشين وفتح الميم وكسر الواو بعده ياء وبعدها لام ، بن بال ، وقيل ابن حنة بن العافر ، وهو إسماعيل بالعبرانية ، ولا يصح القولان أيضا ، لأن بينهما وبين داود قرونا كثيرة . { ابْعَثْ } بإذن الله وقد قال بعد ، إن الله قد بعث لكم . . . الخ ، وإن لم يذكروا له ذلك فمعلوم أنه لا حدث إلا بالله { لَنَا مَلِكاً } أقم لنا أميراً ، أو مره وهو موجود قبل ، أو مره بعد أن تقيمه بالمسير إلى القتال . { نُقَتِلْ } معه وبأمره ورأيه وتسديده { فِى سَبِيلِ اللهِ } من أشرك بالله ، تتابع يوشع فكالب فحزقيل فإلياس فاليسع بعد موسى ، ثم ظهر لهم عدوهم العمالقة قوم جالوت ، سكان بحر الروم ، بين مصر وفلسطين ، وغلبوا على كثير من بلادهم ، وأسروا أربعمائة وأربعين من أبناء ملوكهم ، وضربوا عليهم الجزية ، وأخذوا التوراة ، وهلك سبط النبوة إلا امرأة حبلى ، ولدت غلاما سمته شمويل ، وقيل شمعون ، ولما كبر قرأ التوراة ببيت المقدس على عالم من علمائهم ونبأه الله ، وقالوا : إن صدقت فابعث لنا ملكا نقاتل كما قال الله عز وجل ، وكان أمر بنى إسرائيل على أيدى ملوكهم المتبعين لأنبيائهم المرشدين لهم. { قَالَ } ذلك النبى الإسرائيلى { هَلْ عَسَيْتُمْ } لا يخفى أن عسى جامد وأنه فعل إنشاء ، فوجه صحة دخول أداة الاستفهام عليه مع أنه لا خارج له يستفهم عنه ، أن هل عسيتم مضمن معنى أتوقع ، أو أنه ضمن معنى قاربتم ، فليست ناسخة ، وألا تقاتلوا مفعول عسيتم بمعنى قاربتم أو أتوقع ، أو أن الاستفهام متوجه إلى ما توقع بها ، وهو ألا تقاتلوا ، وإذا كان الاستفهام عن المتوقع اندفع استشكال أن المتكلم بكلام لا يستفهم عن توقعه ، وأن يشترط إيلاء المقرر به الهمزة إذا كان التقرير بمعنى عمل المخاطب على الإقرار بما يعفرفه ، وفصل باداة الشرط فى قوله : { إِنْ كُتِبَ } فرض . { عَلَيْكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَتِلُواْ } تقريراً وتثبتاً { قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللهِ } أى غرض لنا فى ألا نقاتل ، أى فى ترك القتال { وقَدْ أُخْرِجْنَا } والحال أنا قد أخرجنا. { مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَائِنَا } تمثيل لإخراجهم عن كل ما لهم به اتصال ، قد خلت الأرضون والأجنة والعيون والأقارب والبنات والأزواج ، أشاروا بذكر الديار إلى الأصول ، وبذكر الأبناء عن الأفاضى ، وخصوا ذكر البنين لشرفهم ، والديار مطلق مواقع الإقامة ، وضمن الإخراج معنى الإفراد أو الإبعاد ، فصح تسلطه على الأبناء ، أو يبقى على ظاهره فيقدر ، وقد أخرجنا وأفردنا أو أبعدنا عن ديارنا وأبنائنا ، فالإخراج للديار والإفراد للأبناء . وإن قلت : القتال لأجل سبيل الله غير القتال حمية للديار والأبناء ، وفى ذلك غير إخلاص ، قلت ذلك قول من ركت ديانته منهم ، ألا ترى إلى قوله تولوا ، أو أرادوا أن كلا منهم لله ويحفظ ديار إخوانه وأبنائهم ، ولأنه يجوز قصد حمية الديار والأبناء لأنفسهم مع قصد وجه الله لوجوب تلك الحمية عليهم ، وفيها خزى العدو ، وقصد خزيه فرض . { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا } أعرضوا عنه { إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ } ثلاثمائة وثلاثة عشر ، وهم الذين اكتفوا بالغرفة عدد أهل بدر ، فى رواية مشهورة فى أهل بدر ، وأخرجها البخارى عن البراء بن عازب رحمه الله ، وقيل : ثلاثة آلاف ، وقيل ألف . { وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّلِمِينَ } الذين تولوا عن القتال ، يعاقبهم الله على توليهم لما رأوا كثرة العدو أعرضوا عن القتال ، ولم يعرضوا أو فرض ذلك القتال عليهم ، ولكن فرضة باق إلى يوم التولى . ------------------------------------------------------- وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ } اسمه شاول بن قيس { مَلِكاً } كما طلبتم ، أن أبعث لكم ملكا ، وهذا القول مقدم نزولا ولو تأخر تلاوة ، وطالوت عبرانى ، ولو كان فعلوت من الطول بفتح العين لشدة طوله ، وأصله طولوت بفتح الواو قلبت ألفا لتحركها بعد فتح لصرف ، لانفراد العلمية ، ولا يصح أنه منع الصرف لشبه العجمة ، لأن رهبوتا ورغبوتا وحموتا وملكوتا ونحوهن يصرفن ، ولا يصح أنه معدول عن الطوال أو الطويل إذ لا يعرف العدل عن ذلك ، بل عن فاعل ، ولا تعسف فى أنه عبرى وافق العربية فى معنى الطول ، ممتنع للعجمة والعلمية كما صدرت به ،وقيل : عربى منع الصرف للعلمية وشبه العجمة ، إذ ليس ذلك من أوزان العربية الغالبة . كان جالوت ومن معه من العمالقة يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وظهروا على بنى إسرائيل وأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم ، وضربوا الجزية عليهم وأبو العمالقة عمليق بكسر العين أو عملاق بكسرها ، ابن لاود بن إرم بن سام ابن نوح ، ولما دعا الله نبيهم أن يجعل لهم ملكا أمره ملك أن يقلب إناء الدهن الذى فى بيته على رأس طالوت فيكون كالإكليل على رأسه على استواء ، فكان كذلك إمارة لما أخبروا من كونه ملكا أو أوحى إليه أنه إذا انتشى الدهن فى القرن لدخول رجل فهو ملك بنى إسرائيل ، فادهن رأسه به وملكه عليهم ، أو أتى بعصا طويلة من ساواها فهو الملك ، فساواها ولا ضعف فى ذلك ، لأن الله عز وجل أراد أن يبين الملك بالعلامة ليطمئنوان ولو كان قول النبى كافياً . روى أنه ضل لطالوت دابة ، فخرج يطلبها وقال له غلامه ، ندخل على هذا النبى ، لعله يرشدنا ، فقال ، نعم ، فدخلا ، فكان ما ذكر من العصا والدهن ، ولا بأس بهما معا { قَالُواْ أَنَّى } من أين . { يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا } مع أنه فقير راع ، أو سقاء أو دباغ ، من أولاد بنيامين شقيق يوسف ، ولم تكن النبوة ولا الملك فى أولاد بنيامين ، والنبوة فى أولاد لاوى بن يعقوب ، والملك فى أولاد يهوذا . { وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ } لأنا من أولاد لاوى وأولاد يهوذا وليس هو منهم ، لأن من كان من أهل النبوة ، ولو كان من غير بيت الملك ، أولى ممن ليس من أهل الملك ولا من أهل النبوة ، ولأنه ضيق المال كما قالوا . { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ } وسعنا منه ، فرد الله عليهم بأن المعتبر اصطفاء الله ، وقد اصطفاه كما قال { قَالَ } نبيهم { إِنَّ اللهَ اصْطَفَهُ عَلَيْكُمْ } والله يعلم الصالح ، وبأنه أعلم منكم جميعاً وأجمل ، والأعلم أمكن من معرفة أمور السياسة ، وبأنه أعظم جسما مع قوة قلبه بالْعلم ، فهو أليق بالحروب وأهيب للعدو كما قال{ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } وكان القائم يمد يده ، فينال رأسه . ويقال ، كان أطول من غيره برأسه ومنكبيه ، وبأن الله المعطى المانع ، وقد أعطاه الملك كما قال { وَاللهُ يُؤتِى مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ } وبأن الله واسع الفضل فقد يغنيه ، وبأنه العالم بمن يليق بالملك كما قال { وَاللهُ وَسِعٌ عَليمٌ } ولا يضر أنه فقير أو دنىء الرتبة عندكم ، ملاك الأمر اصطفاء الله ، وقد اصطفاة ، والعمدة وفور العلم ، والملك لله ، فله أن يعطى ملكه من يشاء ، وهو واسع الفضل يوسع على على الفقير فيغنيه ، وقدم البسطة فى العلم على البسطة فى الجمس لأن الفضائل النفسية أشرف من الفضائل الجسمية . يروى أنه لما مات موسى خلفه يوشع ، ثم خلفه كالب ، ثم خلفه حزقيل ، ثم إلياس ، ثم اليسع يحكمون بالتوراة ، ثم ظهرت عليهم أعداؤهم العمالقة ، وغلبوا على كثير وسبوا ، ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم ، وكان سبط النبوة قد هلكوا إلا امرأة حبلى ، فولدت غلاماً ، فسمته أشمويل ، سلمته للتوراة فى بيت المقدس ، وكفله شيخ من علمائهم ، ولما كبر نبأه الله ، وكان نائماً عند شيخه ، فناداه ملك ، فقال لشيخه ، ناديتنى؟ فقال له : اذهب . ثم ، فكان ذلك مرة ثانية ، فقال له ، إن ناديتك مرة ثالثة فلا تجبنى ، وناداه الملك ، وقال له ، أنت نبى بنى إسرائيل ، فأخبرهم ، فقالوا : عجلت إن صدقت فابعث لنا ملكا ، فكان أمر طالوت وأشمويل هذا من نسل هارون عليهما السلام ، وكان أمرهم يقوم بملك يلى الجموع بنبى يرشده ، ولما ملك أشمويل طالوت قال له طالوت ، أما علمت أن سبطى أدنى أسباط بنى إسرائيل؟ وكان من سبط بنيامين بن يعقوب ولم تكن فيهم نبوة ولا ملك ، وكان دباغا ، وقيل نساجا ، قال : بلى ، فقال أسمويل ، الله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم ، ولما طلبوا آية ملكه كما شهر ، وعليه الأكثر ، أو لم يطلبوا ، أنزل الله جوابا ، أو تقوية ما ذكره عن نبيهم فى قوله : { وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيكُمُ التَّابُوتُ } فعلوت من تاب بمعنى رجع ، فإنه إن غاب هو أو ما فيه رجع ، ويناسبه أيضاً أن يضع الواضع فيه شيئاً فيرجع إليه ، والأصل التربوت بفتح التاء ، وقلبت ألفا ، وهذا شأن كل صندوق ، والواو والتاء بعد زائدتين كرحموت وملكوت ، وقيل فاعول ، فالتاء أصل بعد الواو ، كالتى قبل ، وفيه قلة اتخاذ الفاء واللام كسلس وقلق ، وهو الصندوق الذى جعلت فيه موسى أمه ، وقيل : صندوق توضع فيه التوراة من شجر السرو ، أو شجر الصمغ مموه بالذهب ، من ثلاثة أذرع فى ذراعين ، وفيه صور الأنبياء كلهم ، أنزله الله على آدم من الجنة ، وتوارثه الأنبياء إلى أن وصل إلى موسى عليه السلام ، وفشا الزنا فى بنى إسرائيل حتى على قارعة الطريق ، فسلط الله عليهم العمالقة ، فأخذوه وجعل الله رده منهم علامة ملك طالوت ، وكان بنو إسرائيل يستفتحون به على عدوهم ، ويقدمونه فى القتال بين أيديهم ، ويطمئنون إليه كما قال { فِيهِ سَكِينَةٌ } طمأنينة لقلوبكم . { مِن رَّبِّكُمْ } كان موسى يقدمه فلا يفرون ، وتسكن إليه نفوسهم ، وقيل السكينة صورة من زبرجد أو ياقوت ، لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها ، وجناحان ، فنئن ، ويسير التابوت بسرعة نحو العدو ويتبعونه ، فإذا استقر سكنوا وثبتوا ونزل النصر ، أخرجه ابن جرير عن مجاهد ، قال الراغب ، ولا أراه صحيحا ، والتصوير كان حلالا للأمم ولو لما فيه روح وبرأس ، بل ولو لم يحل ، لأنه هذه من الله ، ففى التوراة لا تعلموا صوراً ولا تعبدوها . ويقال : كانوا يسيرون بسيره ويقفون بوقوفه ، وإذا استمعوا صوته تيقنوا بالنصر ، أو التابوت القلب والسكينة ما فى القلب ، من العلم والإخلاص ، وإتيانه مصير القلب كذلك بعد أن لم يكن ، وهو ضعيف ، لأنه لا يلائم أنه آية ملك طالوت لخلفائه ، ويروى أنه إذا اختلف بنو إسرائيل تحاكموا إليه فيكلمهم بالحكم . { وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ، ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ } عصا موسى تنثنى فيه ، ونعلاه وثيابه ، وعمامة هرون ، وما تكسر من ألواح التوراة حين ألقاها موسى ، وقفيز من المن الذى كان ينزل فى التيه ، وإلا لأن أبناءهما أو أنبياء بنى إسرائيل ، لأنهم أبناء عمهما ، أو ذكرا تعظيما ، والمراد نفس موسى وهرون . { تَحْمِلُهُ الْمَلَئِكَةُ } بعد أن نزعته من ظهر البقرتين حين قربتا من الوصول ، وذلك أنه لما عصى بنو إسرائيل غلبهم جالوت وقومه من العمالقة وأخذوه وجعلوه فى موضع البول والغائط ، ولما أراد الله أن يملك طالوت سلط الله عليهم البلاء ، وابتلى كل من بال عليه بالبواسير وهلكت لهم خمس مدائن ، فعلموا أن ذلك بسبب التابوت ، فحملوه على ثورين فأقبل الثوران ، ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة حتى قربا من منزل طالوت حملوه إليه ، وقيل : ساقوهما حتى أتوا منزله فسمى السوق حملا ، ولما سألوه الآية قال لهم نبيهم : إنكم تجدون التابوت فى دار طالوت . { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لَّكُمْ } على ملك طالوت تنتفعون بها { إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } وهذا من كلام نبيهم ، أو خطاب من الله لهم ، ولما رأوا التابوت أقروا بملكه ، وتسارعوا إلى الجهاد ، واختار من شبابهم سبعين ألفاً فارغين من الأشغال ناشطين ، وقال لهم لا يخرج معى من نبى بناء لم يتمه ، أو من شغل بالتجر ، أو من تزوج بامرأة ولم يبن بها ، وقيل : ثمانين ألفاً ، وقيل : مائة وعشرون ، ومنهم داود على كل الأقوال . ------------------------------------------------------- فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) { فَلَمَّا فَصَلَ } انفصل { طَالُوتُ } عن البلد لقتال جالوت ، وهو لازم ، ومصدره فعول كرجع اللازم مصدره الرجوع ، أو متعد حذف مفعوله ، أى فصل نفسه ، كرجع المتعدى مصدره الرجع . { بِالْجُنُودِ } فى شدة الحر ، وشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم ، وقالوا ، لا تحملنا الماء فادع الله أن يجرى لنا نهراً ، فدعا ، فأجابه الله ، وهو نبى فى قول ، أو على لسان أسمويل أو غيره على ما مر . { قَالَ } بوحى من الله ، وهو نبى فى قول ، أو بإخبار ملك أو نبى له { إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ } نهر فلسطين ، أو نهر بين فلسطين والأردن ، فجره الله فى ذلك الوقت ، يظهر به لهم المنافق والمخلص ، بفتح الفاء وكسرها ، وفتح اللام وإسكان السين ، وضم همزة أردن وداله وتشديد نونه ، موضع ذو رمل قريب من بيت المقدس ، ومن البحر الملح . { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ } من مائه ، فحذف المضاف ، أو استعمل النهر بمعنى ماء الموضع فلا حذف { فَلَيْسَ مِنِّى } ليس من أتباعى ، أو أشياعى ، أو ليس متصلا بى . { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ } لا قليلا ولا كثيراً ، أى لم يذقه ، واستعمال الطعم فى الماء مجاز ، وقيل حقيق ، لأن معناه الذوق توسعاً ، وطعم الماء بمعنى ذاقه جائز ، ولا يجوز طعم الماء بمعنى شربه ، والقول بأن طالوت كان نبيًّا بعد أن كان ملكا بعيد مردود. { فَإِنَّهُ مِنِّى إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } واكتفى بها شربا فإنه منى أيضاً ، وهو استثناء من قوله ، فمن شرب منه فليس منى ، منقطع إن فسر الشرب بالكرع إلا فمتصل ، وهو بفتح الغين مصدر الوحدة يتضمن وحدة الغرفة بضمها ، وهو ما يغرف . { فَشَرِبُوا مِنْهُ } فمنهم من يشرب ملء بطنه بفيه من النهر . ومنهم من يشرب بيده غرفةن ويقال ، أخذوا غرفة فكفتهم لهم ولدوابهم { إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ } لم يشربوا ولو غرفة ، كما قال ومن لم يطعمه فإنه منى ، وقيل ، شربوا ملء بطونهم إلا قليلا فشربوا غرفة ، ومن لم يذقه غير موجود ، ولو قاله طالوت قبل وصول النهر ، وإذا قلنا إلا قليلا هم من شربوا الغرفة فمن لم يذقه مفهوم بالأولى ، أى شربوا من النهر بأفواههم ، والقليل شربوا من غرفة أيديهم لا من النهر . { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ } من لم يذهق ومن اقتصر على الغرفة { قَالُواْ } قال من شرب ملء بطنه ، وقد عبروا النهر مع طالوت ورأوا جالوت وجنوده ، ورجعوا منهزمين كما قال الله عز وجل قالوا . { لاَ طَاقَةَ لَنَا } للفشل بالشرب وللقلة ، قيل ، قالوا ذلك خذلانا { الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } مائة ألف رجل ، شاكى السلاح ، وقيل ، إن الذين شربوا ملء بطونهم لم يعبروا النهر ، بل وقفوا بساحله ، وقالوا معتذرين عن التخلف ، منادين ، مسمعين لطالوت والذين معه لا طاقة الخ ، وقد شربوا كثيراً ، واسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا ، وجبنوا ، أو المراد قال بعض لبعض ، وببعد أن يقولوا كل لكل ، وهو خلاف المعتاد ، وأما من اغترف غرفة ومن لم يذقه على قول وجوده فقلوبهم قوية ، وقوى إيمانهم ، وعبروا النهر سالمين . { قَالَ } ردّاً على المتخلفين { الَّذِينَ يَظُنُّونَ } يوقنون ، ولك مؤمن موقن بالبعث ، ولكن المراد العمل بمقتضى الإتقان ، فمن لم يعمل فكأنه غير موقن ، كما يقال ، مات من علم أنه سيموت ، أى عمل بمقتضى علمه بالموت ، ومات من لم يعلم أنه يموت ، أى علم بالموت ولم يعمل بمقتضاه ، وهم جيمع من عبر النهر ولم يخالف . { أَنَّهُمْ مُّلَقُوْا اللهِ } بالموت وبالبعث للجزاء ، أو يظنون ، أى يوقنون بالوحى إلى نبيهم ، أو بما شاء الله أنهم يموتون فى هذه الغزوة ، وهم بعض الذين لم يخالفوا ، لأنه لم يمت الذين لم يخالفوا كلهم ، ووجه استعمال الظن فى العلم الشبه . { كَمْ مِّن فِئَةٍ } فرقة من فأوت رأسه شققته ، والفئة قطعة من الناس فحذف آخره ، وزنه فعة ، أو من فاء بمعنى رجع ، فحذف وسطه ، وونه فلة ، والفرقة يرجع إليهم ، ومن زائدة وفئة تمييز ، أو غير زائدة تتعلق بمحذوف نعت لكم . { قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بإِذْنِ اللهِ } حكمه وتيسيره { وَاللهُ مَعَ الصَّبِرِينَ } بالنصر والثواب ، ولو غلبهم الكفار ، لأنهم المحقون والفائزون بالجنة ، أو مع الغلبة فى الدنيا فنصبر لنغلبهم فى القتال ، ولو قللنا وكثروا ، لاعتمادنا على الله وإعجابهم بكثرتهم ، ويجوز أن يكون من كلام الله عز وجل تصديقا لقولهم ، إن الغلبة بإذن الله لا بالكثرة . -------------------------------------------------------- وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) { وَلَمَّا بَرَزُواْ } ظهروا وتصافوا للقتال ، أو صاروا فى الأرض البراز ، أى الخالية من الشجر المستوية { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } ودنوا منه ومن جنوده ، وهو كافر من العمالقة ، وهم برابرة ، قيل ، برزوا كلهم . من شرب ملء بطنه وغيرهم ، وقيل ، بقوا قبل النهر ولم يجاوزوه ولم يحضروا القتال ، وقد وصفهم الله بالتولى ، فإن صح حضوركم القتال فمعنى توليهم فرارده من الزحف . { قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ } جالوت وجنوده ، صرح باسم كفرهم ولم يضمر لهم ، وهو علة النصر عليهم ، هذا كلام من لم يطعمه ، أو طعم غرفة ، وزعم بعض أنهم كلهم وطنوا أنفسهم على القتال وتقووا بقول من لم يطعمه . أو طعم غرفة ، ربنا أفرغ . . . الآية ، وإفراغ الصبر صبه فى القلوب بالكمال والإكثار على شدائد الحرب ، والقلب ملاك الحسد فلذا قدمه ، وتثبيت الأقدام نفى الفرار ، والصفف فى القتال ، وتثبيت أقدامهم فيه لمصلحة النجدة من العدو والكر عليه . وذلك مسبب للنصر ، ولازم له ، ولذا عقبه للصبر ، وسألوا النصر بعدهما لترتبه عليهما ، وأشاروا بأن قتالهم بغض للكفر وأهله . ------------------------------------------------------- فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) { فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ } غلبوهم بأمر الله ، أو بنصره ، وأصل الهزم دفع الشىء بقوة حتى يدخل بعضه فى بعض ، وفى الغلبة ذلك ، لتحاطمهم فى قرارهم ، وذلك إجمال وذكر أوله ، وبعض تفصيله بقوله { وَقَتَلَ دَاوُدُ } النبى آبن إيشى من جيش طالوت لم يبلغ الحلم ، سقيما أصغر ، يرعى غنما ، أصغر ولد إيشى ، وهم ثلاثة عشر ، حضر القتال منهم معه سبعة ، أحدهم داود ، وقيل كلهم . { جَالُوتَ } جبار من العمالقة من ولد عمليق بن عاد فى بيضة ثلاثمائة رطل حديد ، وظله ميل ، وقيل طوله ، روى أن جالوت قال ، أبرزوا إلى من يقاتلنى ، فإن قتلنى فلكم ملكى وإن قتلته فلى ملككم ، أوحى الله إلى نبيهم ، أى الذى يقلته داود ، فطلبه طالوت من أبيه ، ومر إلى جالوت داود على ثلاثة أحجار ، واحد بعد واحد ، كل يقول : يا داود تقتل جالوت بى ، فحملهن ، وقيل قال له الأول ، احملنى فأنا حجر هارون ، والثانى احملنى فإنى حجر موسى ، والثالث احملنى فإنى حجرك الذى تقتل بى جالوت ، وحملهن فى مخلاته ، وصات حجرا ، ولعل الثالث هو الذى يتصل بجالوت ويخرقه ، والآخران متصلان به كعصا . وعرض عليه طالوت سلاحا أو ألبسه سلاحا فامتنع ، فقال أقاتله بنصر بى ، فلما قابل جالوت بالحجارة والمقلاع قال : تقاتلنى كالكلب ، قال ، أنت شر منه لكفرك بربى ، فقال ، لأطعمنك الطير . روى أنه امتنع بنو إسرائيل من مقابلة جالوت لعظم جسمه وطوله ، فنادى طالوت فى عسكره ، من قتل جالوت زوجته ابنتى وناصفته فى ملكى ، فلم يجبه أحد ، فسأل طالوت نبيهم أشمويل أو غيره على ما مر ، وهو معهم ، فدعا الله ، فأتى طالوت بقرن فيه دهن القدس ، وقيل له ، يقتله الذى إذا وضع القرن على رأسه سال الدهن حتى يدهن رأسه ، ولا يسيل على وجهه ، فجربه على بنى إسرائيل ، فلم يسل إلا على داود ، فقال ، اقتله وأزوجك بنتى وأناصفك ملكى ، وجعل الحجارة الثلاثة فى مقلاعه ، فقصد جالوت ودخل الرعب فى قلب جالوت . وروى أنه قال باسم إله إبراهيم ، وأخرج حجراً ، وقال ، باسم إله إسحق ، وأخرج حجراً ، وقال ، باسم إله يعقوب ، وأخرج حجراً آخر ، ووضعهن فى مقلاعه ، فصرن حجراً واحداً ، فرمى به جالوت ، فحملته الريح حتى أصاب أنف البيضة فخرق دماغه وخرج من قفاه وقيل ، ، مكث فى دماغه ، وقيل أصاب صدره ، وقتل ثلاثين رجلا خلفه ، وقيل ، قال دواد : ما تفعلون بمن قتل هذا الأقلف؟ فزجره إخوته ، فأتى من الجهة الأخرى ، فقيل له ، ابنة طالوت ونصف ملكه ، فقتله داود فجره بإعانة الله مع طوله وثقله حتى ألقاه بين يدى طالوت ، فزوجه بنته وناصفه ملكه ، ومكث معه أربعين سنة واستقل بعد موته داود بالملك سبع سنين ، كما قال الله جل وعلا { وَءَاتَهُ } أى داود . { اللهُ الْمُلْكَ } فى بنى إسرائيل ، ووفّى طالوت لداود بما وعد له ، وظهر شأن داود فحسده فأراد قتله وعلم به داود فسجا له زق خمر فى فراشه ، فضربه ، فسالت ، فقال رحم الله أخى داود ، ما أكثر شربه للخمر ، ووضع داود عند نومنه فى القائلة سهمين عند رأسه ورجليه وجنبيه فلما يقظ قال ، رحم الله أخى داود قدر على قتلى ولم يقتلنى وقدرت على قتله ولم أعف ، ووجده طالوت فى برية على رجليه ، فقال ، اليوم أقتله على فرسى ، فهرب ، وكان لا يدركه الفرس ودخل غارا ونسج عليه العنكبوت ، ولما بلغ طالوت الغار قال ، لو دخله لا نفسخ ، وقتل كثيراً من العلماء وغيرهم على نهيهم له عن قتل داود ، ثم ثاب وخلى الملك ، وجاهد مع بنيه العشرة حتى مات معهم كفارة فخلص الملك لداود عليه السلام . { وَالْحِكْمَةَ } النبوة بعد موت أشمويل وطالوت ، ومات أشمويل قبل طالوت ، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد من بنى إسرائيل قبل داود ، وكان داود من سبط الملك ، وكذا اجتمعا لابنه سليمان ، وهما من أولاد يهوذا بن يعقوب ، وفيهم الملك ، وأما النبوة ففى أولاد لاوى بن يعقوب . { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ } كصنع الدروع من الحديد ، ليلين فى يديه كالطين ، وفهم صوت الطير وسائر ما له صوت من الحيوان ، وقد يعلمه صوت الريح والماء والجمادات كصرير الباب والقلم ، فإن التحقيق أن تسبيح الجمادات بلسان المقال لا بلسان الحال ، والله يخلق التمييز لمن يشاء { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ } أى المشركين والفساق { بِبَعْضٍ } أى المؤمنين ويكون الدفاع أيضاً بالفساق أو بالمشركين ، يدفعون ظلم الظالم كالسلطان الجائر وسلاطين الفرس ، ولا مشرك الآن يدفع ظلما إلا وهو يفعل من الظلم أكثر مما يدفع . { لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ } هذا الجنس السفلى ، آدميوه وجنه ، بالشرك والظلم ، وقتل المسلمين وتخريب المساجد وتعطيل أمور الدين ، وأرضه وجباله بالقحط والوباء والمضار ، فتموت الحيوانات ويقل نفعهما ، والحرث والشجر . وفى الآية تعظيم شأن الملك ، فيقال : الدين والملك توأمان ، وذهاب أحدهما ذهاب للآخر ، والملك حارس ، والدين أسّ ، وما لا أس له مهدوم ، وما لا حارس له فهو ضائع ، ولا يصح أن يقال ، ولولا دفاع الله الناس ، كافرهم وفاجرهم بطاعة البر وتقواه ، لأن الآية فى الدفع بالبعض عن البعض ، لا فى دفع نقمات الله عنهم ببعض ، ولو فسر أحمد الآية بذلك ، واستأنس له بقول ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم :« إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء » ، ثم قرأ ، ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ، وذلك أولى من تفسير فساد الأرض بفساد دين أهلها . { وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ } ومن فضله الدفع عنهم . ------------------------------------------------------- تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) { تِلْكَ } ما تقدم من قوله تعالى ، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم إلى هنا { ءَايَتُ اللهِ نَتْلُوهَا } نقصها بالقراءة بلسان جبريل ، والجملة حال من آيات ، لأن المبتدأ اسم إشارة ، أو مستأنفهة . { عَلَيْكَ بِالْحَقِّ } المطابق للواقع بحيث لا يرتاب فيه صاحب التواريخ المحقق ، وقارىء الكتب الأولى ، متعلق بنتلوها ، أو بحال خاصة من ضمير نتلو ، أو من ها أو من الكاف { وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } لدلالة ما نقص مع أنك فى أبعد أرض عن أهل الكتاب وأنك لا تقرأ كتابا ولا تكتبه ، وأنك لا تجالس القصاص ولا تصاحبهم .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#19 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 253 ـ 262 ) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) { تِلْكَ الرُّسُلُ } المذكورة العامة فى قوله ، وإنك لمن المرسلين ، وهذا أولى من أن يجعل المراد الرسل المذكورين فى السورة ، أو معلوميه صلى الله عليه وسلم ، والاستغراق هكذا بلا نظر إلى ذكرهم فى قوله ، لمن المرسلين . { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } بخصائل حميدة بمحض فضلنا ، فيفضل بالحسنات أيضاً ، ومن ذلك أنه شرع لبعض وأجرى بعضاً على شرع من قبله ، وليس التخصيص باستعداد وقابلية كما زعم بعض الحكماء { مِّنْهُمْ مَّن كَلمَ اللهُ } موسى ليلة الاختيار وفى الطور ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على أنه بالجسد ، وآدم . { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَتٍ } على درجات أو بدرجات ، أو فى درجات ، أو رفع درجات بعض على التمييز ، كذا قيل ، أو مفعول مطلق ، لأن الدرجة رفعة ، كأنه قال : ورفعنا بعضهم رفعات ، أو حال ، أى ذا درجات ، أو مفعول ثان لرفعنا على تضمين معنى بلغنا بشد اللام ، وذلك بفتضيله على غيره بمراتب متعددة ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، كبعثه صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كلهم ، الإنس والجن والملائكة وغيره بعثة لا تنسخ ، وتفضيل أمته ، وما أوتى نبى إلا أوتى صلى الله عليه وسلم مثلها زيادة على ما خص به ، وقد أطلت فى شرح نونية المديح ما شاء الله وأما آدم فأرسل إلى أولاده وأولادهم ، لكن لم يكن فى الدنيا سواهم ، ولم يرسل إلى الجن ، وأما نوح فعم بعد الغرق الناس ولم يبعث للجن ، ولم يكن له العموم فى زمان البعثة . وقيل التكليم لموسى خاصة ، ولا ينافى أن محمداً أفضل منه ، لأنه يوجد فى المفضول ما لم يكن فى الفاضل ، وقيل : البعض المرفوع درجات إبراهيم ، إذ خص بالخلة ، وهى أعلى المراتب ، سوى الحبيبة ، ومحمد حبيب الله ، والحبيبة أعلى رتبة من الخلة ، إذ الخليل محب لحاجته ، والحبيب محب لا لغرض ، والخليل يكون فعله برضاء الله ، والحبيب يكون فعله برضاه ، والحبيب مرتبته فى مرتبة اليقين ، والخليل مرتبته فى حد الطمع . وروى فى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم خليل الله كإبراهيم وأنه حبيب الله أيضاً ، وقيل إدريس لقوله تعالى ، ورفعناه مكاناً عليّاً ، وفى القولين ضعف لجمع الدرجات إلا أن يقال جمعت تعظيماً ، أو باعتبار ما يترتب ، وقيل أولو العزم ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وزيد ، يعقوب ويوسف وأيوب وداود عليهم السلام . { وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَتِ } إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والتنبئة بما يؤكل وما يدخر وسائر آياته { وَأَيَّدْنَهُ } قويناه . { بِرُوحِ الْقُدُسِ } جبريل ، يسير معه حيث سار حتى رفع إلى السماء ، وخصه بالذكر لإفراط اليهود فى تحقيره ، والنصارى فى تعظيمه ، وجعل معجزاته سبب تفضيله ، لأنه محسوسات ، ولا خوف أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من كل نبى على حدة ، وأما أن يكونوا كلهم دفعة دونه ففيه التوقف ، وجزم بعض بأنهم دونه لقوله تعالى : فبهداهم اقتده؛ فإنه إذا اقتدى بهم كلهم فقد عمل عملهم كلهم فهو أفضل منهم مجموعين . ويدل له أيضا ما روى أن الملك قال : فلو وزنت به الناس كلهم لرجحهم ، ويبحث بأن الأنبياء لم يذكروا كلهم فى الآية ، بل بعضهم ، وبأنه أمر بالافتداء بهم فى الأصول وما لا يختلف ، وكيف يتصور أن يعمل بما تخالفوا فيه . وقيل أفضل من مجموعهم من حيث إن أعمال أمته كلها ، ما نووه له وما لم ينووه راجعة إليه صلى الله عليه وسلم مع ما يقصد به من الصلاة والسلام عليه عدد التراب والأنفاس وذرات الأجسام والأعراض وغير ذلك . { وَلَوْ شَآءَ اللهُ } قدر بعض ، لو شاء الله عدم الاقتتال ، وهذا التقدير هو الأنسب بالقاعدة من تقدير مفعول المعيشة بعد لو من جنس جوابها ، ويقبل من جهة المعنى تقدير لو شاء الله ألا يختلفوا ، أو ألا يؤمروا بالقتال ، أو يهتدوا كلهم ، وأشكل بأن الأعدام الأزلية لا تتعلق بها الإرادة ، وإلا كانت حادثة فلا يقدر لو شاء الله عدم الاقتتال ، أو ألا يختلفوا ، أو ألا يؤمروا . { مَا اقْتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم } بعد الرسل ، أى ما اقتتلت كل أمة بعد موت رسولها { مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَتُ } المعجزات أو الآيات المتلوات ، الهاء راجعة للرسل جاءتهم البينات من الله ليعلم الناس أنهم رسل الله عز وجل ، أو للذين من بعدهم ، أى جاءتهم من جهة الرسل ، ومن بعد متعلق باقتتل ، أو بدل من قوله ، من بعد ، والمراد بالاقتتال الاختلاف ، لأنه سبب الاقتتل ، ولذا قال { وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ } وهذا أولى من رد اختلفوا إلى معنى اقتتلوا ، عكس ما مر ، أى لم يشأ عدم اقتتالهم ، بل شاء اقتتالهم لاختلافهم . { فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ } ثبت على إيمانه السابق { وَمِنْهُمْ مَّنْ كَفَرَ } كالنصارى بعد المسيح { وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُواْ } تأكيد ، وهو من باب البلاغة ، أو تأسيس ، أى ولو شاء الله عدم اقتتالهم بعد هذه المرتبة من الاختلاف والشقاق والمستتبعين للاقتتال بحسب العادة ما اقتتلوا . { وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } من توفيق وخذلان ، فاختلفوا إيمانا وكفرا ، ونقول من خارج ، الله يفعل بإرادته ما يشاء لا بقهر قاهر ، وهو مستقبل بالفعل ، ولو جعل له أسبابا ، وكل شىء مستأنف منه . ------------------------------------------------------ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَكُمْ } ما يجب إنفاقه كزكاة ومؤونة الزوج المولى الذى لا يجد ، والضيف الواجب ، والمضطر ، وما لا يجب إنفاقه ، وقيل ، المراد الواجب ، لأن الأمر للوجوب ، وعلى القولين يدخل الإنفاق فى الجهاد بالأولى ، كما يناسبه ذكر هذا بعد الجهاد ولا حاجة إلى تفسيره بالجهاد وحده ، لمجرد ذكره بعد الجهاد . { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ } يوم الموت أو القيامة { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } تدركون به نفقة الواجب أداء للفرض أو غيره ربحا للثواب . { ولاَ خُلَّةٌ } صداقة ينفعكم صاحبها بإعطائه إياكم ما تنتفعون به فى أداء الواجب ، أو نفل ، أو بالدفع للعقاب عنكم قهرا تنتفى الخلة التى فى الدنيا يوم القيامة سميت الصداقة خلة لأنها تدخل خلال الأعضاء أى وسطها . { وَلاَ شَفَعَةٌ } دفع العذاب على سبيل التضرع لمالك العذاب ، ولو طلبت لم توجد إلا بإذن الله . كما قال ، إلا من أذن له الرحمن ، فإن الملائكة والأنبياء والشهداء والعلماء يشفعون بإذن الله ، لكن للسعيد برفع الدرجات وتضعيف الحسنات ، أو بترك الحساب أو تخفيفه أو نحو ذلك مما لا ينافى القضاء ، قال أنس ، سألت النبى صلى الله عليه وسلم أن يشفع لى يوم القيامة فقال إنى فاعل ، قال الترمذى حسن . { وَالْكَفِرُونَ } الفاسقون بشرك أو كبيرة ، وهذا عموم يشمل تاركى إنفاق الواجب ، وليس المراد خصوص التاركين كما قيل { هُمُ الظَّلِمُونَ } لأنفسهم وغيرهم ، بترك الواجب أو النفل إنكارا للبعث والجزاء أو تهاونا . ------------------------------------------------------ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) { اللهُ لآ إِلَهَ } لا معبود بحق ، أو لا موصوف بمعنى من معانى إله على الحقيقة { إِلاَّ هُوَ } بدل بعض من الضمير المستتر فى خبر لا المحذوف ، أى لا إله موجود ، أو لا إله لنا ، أو لا للخلق ، فهو بدل من الضمير فى لنا ، أو فى للخلق ، أو فى موجود ، وإلا مغنية عن الربط بالضمير ، لظهور أن الاستثناء مما قبلها كما فى ما قام القوم إلا زيد ولا يضر التخالف بأن البدل موجب والمبدل منه فى سلب ، والمتكلم فى نفى العموم ن ، وللتخصيص ، وأنه سيذكره بعد . { الْحَىُّ } الباقى الذى يتصف بالموت ، لا الجسم الذى بروح وتحيز ، حاشاه ، فالمراد بكونه حيا نفى الموت؛ أو المعنى ، الفاعل ما يفعله الحى منا ، حاشاه عن الشبه ، من علم وإرادة وقدرة وفعل واختيار وغير ذلك من لوازم الحياة ، والمتبادر للعرب حين النزول هو الأول ، ولا يبعد الثانى لكثرة التعبير بالملزوم عن اللازم ونحو ذلك فى القرآن ، وفى كلامهم ، والحياة المستمرة هى البقاء ، ولا يضر ما قيل إن البقاء غير الحياة ، لظهور المراد . والمراد ، بالحياة الفاعل على المريد إرادة وفعلا تامين ، فلا يرد أن لا مدح فى ذلك ، من حيث إن الحيوانات أيضا فاعلة مريدة ، وإلا لزم مثل ذلك ، فى نحو السميع ، فإن المراد العلم بالأصوات علما تاما ، ولام الحياة ياء ، وقيل واو ، كما قيل الحيوان ، وكما كتب الحياة بالواو فأصله حيو ، قلبت الواو ياء ، وأدغمت الياء فى الياء ، والصحيح الأول ، وواو الحيوان عن ياء تحقيقا عن اجتماع ياءين ، وكتبها فى الحيوة واوا إشارة إليها فى الحيوان شاذ . { الْقَيُّومُ } عظيم القيام بالذات ، أى لا يحتاج لغيره : ولا تلحقه حاجة بخلقه وأحوالهم ، الياء المدغمة والواو زائدتان ، والمضمومة بدل من واو ، أو هى عين الكلمة ، ووزنه فيعول ، والحى خبر ثان لله ، أو بدل منه ، أو نعته ، أو خبر لمحذوف لنيابة الحى عن اسم جامد إذا لم يجعل نعتا ، أو نعت أى هو الحى ، أو بدل من لا إله إلا هو ، وهو خطأ من قائله ، أو بدل منه آخر أو خبر آخر . { لاَ تَآْخُذُهُ سِنَةٌ } فتور يتقدم النوم مع بقاء الشعور ، وهى النعاس ، وقيل ، هى الرأس ، وهو فى العين وفاؤه واو كعدة وزنة . { وَلاَ نَوْمٌ } هو حال تعرض للحيوان غير الملك ، بسبب استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبة الأبخرة المتصاعدة المانعة للحواس الظاهرة عن الإحساس ، وليس ما يعرض للمريض والمغمى عليه لذلك التصاعد فلاتهم ، وإن سلمان زدفا قيدا مكان إيقاظ صاحبه ، وهو أخو الموت ، مزيل للقوة والشعور والعقل والسنة ، ريحه تبدو فى الوجه وتنبعث للقلب ، وأخطأ من قال : السنة تجرى على الملائكة . عن ابن عباس قال بنو إسرائيل لموسى ، هل ينام ربك؟ فأوحى الله عز وجل إليه ، سألك قومك ، هل أنام ، فقم الليل بزجاجتين فى يديك ففعل ، فلما مضى ثلث الليل نعس ، فوقع لركبتيه ، فقام ، فنعس آخر الليل فسقطتا ، وانكسرتا ، فقال ، لو نمت لسقطت السنوات والأرض وهلكتا كالزجاجتين ، والقياس يقتضى تقديم الأقل فى الإثبات ، تقول ، فلان أعطى درهما ودرهمين ، وتقديم الأكثر فى النفى ، تقول ، لا يعطى درهمين ولا درهما ، وخولف هنا مراعاة للترتيب فى الوجود ، فإن السنة متقدمة على النوم ، أو هذا على طريق التتميم ، لأنه أبلغ لما فيه من التوكيد ، لأن نفيها يقتضى نفى النوم ضمنا ، فإذا نفى ثانيا كان أبلغ ، وهو متضمن لأسلوب الإحاطة والإحصاء الذى يتعين فيه الترتيب الوجودى . { لَهُ مَا فِى السَّمَوتِ وَمَا فِى الأَرْضِ } خلقهما وخلق ما فيهما من أحزائهما وغيرهما مما تضمنتا من المنافع ، وملك كل ذلك ، والمراد جنس الأرض { مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ } استفهام نفى ، ولذلك صحت إلا فى قوله { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } فكيف يعانده غيره ، بدفع ما يريد ، وذلك رد على عبدة الأوثان القائلين ، أنها تشفع لهم ، بل تشفع الأنبياء والملائكة وغيرهم بإذن الله عز وجل وعلا . { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أى أيدى ما فى السموات والأرض ، والمراد ما حضر لهم فى السموات والأرض وهو موجودات تلك المواضع ، وضمير العقلاء تغليب ، وقيل ، المراد الملائكة والأنبياء وقيل الأنبياء . { وَمَا خَلْفَهُمْ } ما سيكون من أمور الدنيا ومن الآخرة وأمورها ، سماها خلفا لأنه ما جاء ، بل سيكون من أمور الدنيا ومن الآخرة وأمورها ، فهو كمشىء خلف ظهرك ، أو ما بين أيديهم ما سيكون وما خلفهم ما حضر ، لأن الشىء مستقبل ظهرك ، أو ما بين أيديهم ما سيكون وما خلفهم ما حضر ، لأن الشىء مستقبل لما يجىء ، مستدبر لما جاء ، أو ما يخشون وما يفعلون ، أو ما يدركونه بالحساسة أو العقل وما لا يدركونه . { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } من معلومات ولا يصح إبقاء علم على ظاهره ، لأن صفاته ذاتية فلا تقبل التجزئة { إِلاَّ بِمَا شَآءَ } أو يعلموه بوحى أو غيره من أمر الدين أو الدنيا أو الآخرة ، وأبعاض جسم الدنيا وجسم الآخرة . { وَسِعَ كُرْسُيُّهُ } أصله من تركب الشىء بعضه على بعض ، كما سميت الكراسة لتركب بعض أوراق على بعض ، ويقال تكرَّس البَعر والبول إذا تلبد بعض على بعض . { السَّمَوتِ وَالأَرْضَ } تمثيل لعظمته المحققة الفعلية بالحسى المترهم ، وذلك أبلغ ، لأن التمثيل بريك المتخيل محققا والمعقول محسوسا ، ولا كرسى ولا قعود ، تعالى الله ، أو كرسيه علمه ، وهو ضعيف ، وهو قول الحسن أو ملكه ، لأن الكرسى محل العالم والسلطان ، أو هو المذكور فى قوله صلى الله عليه وسلم :« ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسى إلا كحلقة فى فلاة ، وفضل العرش على الكرسى ، كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة » ، أى لو بسطت السموات والأرضون ووصل بعضها ببعض . وقوله صلى الله عليه وسلم أيضاً : « ما للسموات السبع فى الكرسى إلا كدارهم سبعة ألقيت فى ترس » ، وزعمت الفلاسفة الكفرة ، أن الكرسى فلق البروج ، وأبعد منه ما روى عن الحسن البصرى ، أو المعنى ، أحاط بهما علمه ، وهو قول ابن عباس ، ورجحه الطبرى ، أو كرسيه قدرته كما يقال ، اجعل لهذا الحائط كرسيا ، أى عمدة . { وَلاَ يُّودُهُ } لا يعوجه ، حاشاه ، للثقل ، فإن ما ثقل يعود الحامل له إذا حمله ، فالمراد نفى الثقل { حِفْظُهُمَا } أى لا يعجزه حفظ القسمين ، أحدهما السموات ، والآخر الارض ، وكذا لا يثقله حفظ الكرسى والعرش ، ولكن خص السموات والارض لمشاهدتهما ، ولو بنجوم السموات الدرارى ، ولأن وجود الكرسى والعرش بمعنى الجسمين العظيمين من خبر الآحاد . { وَهُوَ الْعَلِىُّ } بالقهر { الْعَظِيمُ } شأنا ، ويقال : إنه حمل الكرسى أربعة أملاك ، لكل ملك أربعة أوجه ، وأقدامهم على الصخرة تحت الأرض السابعة ، يسألون الرزق من السنة إلى السنة ، ملك كآدم صورة يسأل لبنى آدم ، وملك كالثور يسأل للأنعام ، وملك كالنسر يسأل للطير ، وملك كالأسد يسأل للوحوش ، وأن بين حملته وحملة العرش سبعين حجاباً من ظلمة وسبعين حجاباً من نور ، غلظ كل خمسمائة عامن لئلا تحترق حملته من نور حملة العرش ، وأنه صلى الله عليه وسلم قال : « أعظم الآى آية الكرسى ، ومن قرأها كتب له ملك الحسنات ومحا السيئات إلى وقته من الغد ، وأنه من قرأها دبر كل صلاة فريضة دخل الجنة ، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عباد ، ومن قرأها عند النوم آمنه الله » ، والأبيات حوله ، ومن قرأها وآيتين من أول حم تنزيل من سورة غافر صبحا أو مساء حفظ إلى الآخر وتهجر الشياطين ثلاثين ، والسحرة أربعين يوما داراً قرئت فيها . وسيد الفرس سلمان ، والروم صهيب ، والحبشة بلال ، والجبال الطور ، والأيام الجمعة ، والكلام القرآن ، والقرآن البقرة ، والبقرة آية الكرسى . ومن حق العاقل أن يختار الدين الحق بلا إكراه ، كما قال جلا وعلا : { لآ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ } لا تكرهوا فى الدين ، وهو خبر بمعنى النهى ، أو ليس من دين الله أن تكرهوا على الدخول فيه كالحبس أو الضرب أو الإيجاع أو الإعراء حتى يسلم ، أو لا يكره الله أحدا على الدين ، بل جعل الأمر اختياريا ، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، وزعم بعض أن هذا إلى علم ، وبعض ، إلى خالدون . ومن آية الكرسى { قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ } امتاز { مِنَ الْغَىِّ } الضلال فليختر العاقل ما يدخله الجنة منهما بلا حاة إلى إكراه . تنصّر ابنا أبى الحصين من بنى سالم بن عوف قبل البعثة فى جاهليتهما ، وقدما فى نفر من الأنصار يحملون الزيت فقال أبوهما : لا أدعكما حتى تسلما ، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أيدخل بعضى النار وأنا أنظر ، فنزلت الآية ، فخلاهما ، وهذا قبل نزول القتال ، وإن كان بعده فقد عاهدوا أو أذعنا للجزية وليس القتال ، أو أخذ الجزية على الكفر إكراما فى الدين ، فلا نسخ فى الآية كما زعم من زعم ، ولا هى فى الكفار قبل نزول الجزية . { فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ } ورسوله ، قدم ذكره على ذكر الإيمان لذكر لفظ الغى قبله ، ولتقدم التخلية على التحلية ، استحقاق ، ولأنه لا يتصور الإيمان بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت ، وهذا اللفظ للمبالغة من الطغيان ، وجمع بينهما ، لأن الكفر بالطاغوت لا يوجب الإيمان بالله ، لإمكان خلو الذهن وعكسه ، وإن أوجبه ، لكن جمعا للمبالغة ، وهو فلعوت من طغى يطغى ، أو طغا يطغو ، أصله طغيوت أو طغووت ، قدم اللام على العين ، وأصله مصدر عند الفارسى ، بمعنى الطغيان ، سمى به الشيطان أو الأصنام ، أو كل من عبد من دون الله ، أو صد عن عبادة الله ، أو الساحر ، أو الكاهن ، أو كل ذلك ، وهذا أولى ، وقيل التاء أصله ، والوزن فاعول ، وعلى كل هو مفرد يطلق على الواحد والجماعة . { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ } بالغ فى الإمساك ، بالسين والتاء ، أو هما للطلب ، لأن ما يحصل بالطلب يكون أكمل { بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } شبه دين الله والعمل به والوقوف معه بالعقدة القوية والتمسك بها ولزومها مطلقا ، أو تدليلا أو تصعداً ، أو سمى الدين عروة وثقى كتسمية الشجاع أسداً ، وفسر بعض العروة الوثقى بالدين ، وبعض بالإيمان ، وبعض بالقرآن ، وبعض بكلمة الإخلاص ، وبعض بالاعتقاد الحق ، أو السبب الموصل ، وبعض بالعهد ، والكلام استعارة تمثيلية ، أو العروة استعارة أصلية تصريحية مرشجة باستعارة تبعية هى استمسك . { لاَ انْفِصَامَ لَهَا } لا انكسارها لها بلا قطع ، فضلا عن القطع وما بالقطع يكون بالقاف ، وذلك ترشيح لما قبله { وَاللهُ سَمِيعٌ } عليم بالأقوال { عَلِيمٌ } بما يعتقد ويعمل ، وذلك تهديد على الشرك والنفاق . ------------------------------------------------------ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) { اللهُ وَلَىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ } ناصرهم ومتولى أمورهم ، ومعينهم ومحبهم وفاعل الخير بهم { يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ } الشرك والنفاق وما دونهما الشبيهة بالظلمات فى المضرات وعدم الاهتداء إلى مقصود ، والجمع لتعدد الإشراك ولو من واحد ، كالنفاق ، أو أراد الأمور الموصلة إليها ، وهى الجهل واتباع الهوى والوسواس والشبهة . { إِلَى النُّورِ } التوحيد والإيقان والعمل الصالح ، وترك المعاصى ، شبه ذلك بالنور الحسن للحسن والاهتداء به ، أو من ظلمات الشكوك إلى نور البينات وكل ما فى القرآن من النور والظلمة إيمان وكفر ، إلا قوله تعالى وجعل الظلمات والنور ، فالليل والنهار ، وأل للحقيقة ، وأفرد النور لاتحاد دين الله ، بخلاف دين الشيطان ، فإنه سبل لا حد لها ، فجمعهما بلفظ الظلمات ، أو أفرد النور لقلة أهله ، وجمع الظلمة لكثرة أهلها ، ل المراد بالذين آمنو من قضى الله إيمانهمن أو أرادوا الإيمان إرادة محققة ، أو فعلوا الإيمان فعلا لا ينقصونه ، والما صدق واحد ، وكذا فى قوله { وَالَّذِينَ كَفَرُواْ } أشركوا ونافقوا . { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّغُوتُ } تقدم أنه مفرد يقال للواحد وغيره ، واختار سيبويه أنه غير مصدر ، وأنه مفرد مذكر والجمع والتأنيث ، حيث كون ، باعتبار الآلهة ، وقال المبرد جمع ، ورد بقوله تعالى ، إن يكفروا به ، ولعله أراد اسم جمع فساغ إفراد ضميره . { يُخْرِجُونَهُمْ } يصيرون سبباً للخروج ، فذلك من الإسناد إلى السبب ، وهو الوسوسة ، أو الكون بحال جرى اعتقادهم النفع فيهم والضر ، وأنهم يقربونهم إلى الله زلفى ، وضمير العقلاء تغليب ، أو هى عندهم عقلاء ، على أن المراد الأصنام . { مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَتِ } إما أن يكون المعنى الذين قضى الله كفرهم يخرجهم الطاغوت من الإيمان الذى لهم قبل النبى صلى الله عليه وسلم بموسى وعيسى ، والتوراة والإنجيل ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن قبل بعثته إلى الكفر بمحمد والقرآن بعد بعثته ، والواو للطاغوت ، وإما أن يراد مطلق المنع لمطلق الكافر ، أسلم قبل أم لم يسلم ، وعبر بالإخراج لمشاكلة يخرج قبله ، وإما أن يراد الإخراج من الإسلام الفطرى ، أو من نور البينات إلى ظلمات الشكوك ، فإن وضوحها مما يوجب الإيمان بها ، كأنهم آمنوا ثم خرجوا من الإيمان ، والآية شاملة لمن ارتد ، فإنه أخرج من نور الإيمان إلى ظلمات الشرك ، كما قيل نزلت فى قوم ارتدوا ، وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم . { أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ } اعتبر يا محمد إخراج الطاغوت من النور إلى الظلمات ، ومن ذلك حال نمروذ بضم النون ، وقد تفتح ، وإعجام الذال ، وقد تهمل كما قال جل وعلا . ------------------------------------------------------- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذَى حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ } إلى قصة الذى جادل إبراهيم ، فإنها ظاهرة الفساد ، كالشىء المحسوس بالعين ، والاستفهام تعجيب وإنكار للياقة حاله . { فِى رَبِّهِ } فى رب إبراهيم ، أو فى رب الذى حاج ، والأول أولى ، لأن إبراهيم معترف بالله عز وجل ، ووجه رد الضمير إليه تقبيح حاله فى إنكاره من ملكه ورباه وأنعم عليه . { أَنْ ءَاتَهُ اللهُ الْمُلْكَ } تعليل للمحاجة وإيتاء الملك علة لها ، أورثه ملكه بطرا ، ونشأت منه المحاجة ، والتقدير ، لأن آتاه الله الملك ، وزعم بعض أن المصدر منصوب على الظرفية ، أى إيتاء الله الملك ، والمعنى وقت إيتائه ، كقولك ، جئت طلوع الشمس ، وإيتاء الملك متقدم على المحاجة ، لكنه ممتد باعتبار البقاء إلى وقت المحاجة وبعدها ، ويجوز اعتبار أن كل إبقاء ولو أقل من لحظة هو إطاء ، ويرده أن المصدر المنصوب على الظرفية يكون حاصلا صريحا لا محصلا بالتأويل ، أو أن يكون محصلا لما بعد ما المصدرية ، نحو لا أحىء ما دام زيد قائما ، أو ما بقى حيا ، فتعين التلعيل كما فسرته ، أو التعليل التهكمى فإن الحق أن يؤمن بالله ويعطيه ، شكراً على ما آتاه الله ، لكنه وضع الكفر موضع الشكر ، وهو أول من وضع التاج على رأسه ، وتجبر وادعى سليمان وذو القرنين ، ولا يجب الأصلح على الله ، ولا واجب عليه تعالى ، فملّك الله عز وجل كافرين ، ولا قبح فى ذلك ، بل حكمة وعدل ، ولا قبح فى تغليبه ، وذكر بعض المعتزلة ، أن المعنى أتاه ما غلب به من المال والأتباع ، وهو ظاهر الآية بلا شك ، لكن لا يخفى أن إيتاءه تغليب ، وهم منعوه ، ويرده أن إيتاء الأسباب على زعمهم قبيح أيضا ، ونحن لا نعتبر التقبيح والتحسين الفعليين مع أنه لا قبيح إلا ويمكن فيه غرض صحيح كالامتحان . { إِذْ } بدل من مصدر آتى المنصوب على الظرفية الزمانية إن نصبناه على الظرفية ، وقد مر رده ، أو متعلق بحاج ، وهو الصحيح { قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّىَ الَّذِى يُحْيِى } مالا حياة فيه . { وَيُمِيتُ } ما فيه حياة ، ولو بلا قتل ولا مضرة ، أو يخلق الحياة والموت على أن الموت أمر وجودى يضاد الحياة ، والراجح أن الموت أمر عدمى لا يتعلق به الخلق ، كذا قيل ، ولا يخفى أن الأعدام المضافة إلى الملكات يتعلق بها الإيجاد والخلق والملكة الفعل والوجود ، كما قال الله تعالى : خلق الموت والحياة . { قَالَ } الذى حاجه { أَنَا أُحْيِى } ما أردت { وَأُمِيتُ } ما أردت ، أو أخلق الحياة والموت ، وهذا كفر عناد ، لأنه أنكر الله ، فمن يحيى ويميت قبل أن يوجد ، وكيف يحيى من لم يحضر أو يميته أو لم يعلم به ، إذ لم يقل ، أنا أحيى وأموت كما يحيى ربك ويميت ، أو كان غبيا يرى أن حياة الميت بالطبع وموت الحى بالطبع ، أو بقتل قاتل أو مضرة ، وأراد بالإحياء ترك الحى بلا قتل له ، بالإماتة القتل ، كما قيل : إنه أتى برجلين ، فقتل أحدهما ، وأبقى الآخر ، فقال : هذا إحياء وإماتة ، وهذا أمر شاركه فيه كل قادر على قتل ، وكأنه خص نفسه لقدرته على القتل ، وأعرض إبراهيم عن هذه الحجة لظهور بطلانها لكلك أحد ، إلى حجة تدفع الشغب والشبهة ، وتظهر بطلانه وتزيد إثبات الإحياء والإماتة لله بقوله . { قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ } أى إن كانت لك قدرة كقدرة الله فإن الله الخ ، أو إن لم تفهم معنى الإحياء ، والإماتة المنسوبين لله فإن الله .. . الخ ، وحال نمروذ إذا ادع الربوبية دعوى أنه يقدر على فعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم عليه السلام بقوله : فإن الله { يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ } أل للحقيقة أى من مطالعها . { فَأْتِ } أمر تعجيز له { بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ } ولو مرة واحدة ، أو من مغاربها فى أيام السنة فتغرب فى مطالعها ، { فَبُهِتَ } حعل باهتاً ، أى متحيراً ذاهل العقل من حجة إبراهيم عليه السلام ، أو عاجزاً عن الحجة فيما يدعيه ، أو عن الحق الذى يجب أن يقوله ويهدى قومه إليه ، وهو على معنى البناء للمفعول أو معناه تحير فهو من أفعال يذكرون أنها مبنية للمفعول ومعناها البناء للفاعل ، فيقال فى مرفوعها فاعل كزكم وجن وعنى وأولع وزهى ، وقد أبقيتها على معنى البناء للمفعول فى بعض الكتب . { الَّذِى كَفَرَ } نمروذ المحاج ، وذلك بعد كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام وحبسه على كسرها ، وقيل الإلقاء فى النار لا بعده كما زعم بعض ، ولما أعجزه بالحجة تجبر بالإلقاء فيها كفرعون لما أعجزه موسى عليه السلام تجبر بالقتال . { وَاللهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّلِمِينَ } لأنفسهم وغيرهم بامتناعهم عن النظر الصحيح ، نمروذ وغيره ، لا يهديهم إلى طريق الجنة يوم القيامة ، أو لا يوفقهم بعد أن يبين لهم الحجج الموصلة إلى مناهج الحق ، والنجاة من النار ، والفوز بالجنة ، والصحيح أنه لا يجوز للمحقق أن يترك حجة مخاصمة بلا إبطال ، لئلا يتوهم المجادل المعاند أنه على الحق فيها ، أو يتوهم السامع ذلك ، وإنما فعل إبراهيم ذلك ، لأن نمروذ والحاضرين عالمون يبطلان إحياء نمروذ وقتله لمن يشاء ، وعالمون بأن ترك أحد بلا قتل ليس إحياء إلا مجازاً ، أو عالمون بأن الكلام فى إحياء من مات ، وإماتة حى ، وقيل : يجوز تركها بلا إبطال لها بحجة إذا انتقل إلى أقوى ، ولا يخفى على نمروذ والحاضرين أن العجز على الإيتاء بالشمس من المغرب فتطلع منه إلى المشرق أقوى إبطالا . ------------------------------------------------------ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) { أَوْ كَالَّذَى } أو أرأيت مثل الذى ، والكاف اسم ، ولا تختص اسميتها عند القائل بها بدخول عن وحذف أرأيت لدلالة ألم تر ، والاستفهام للإنكار ، أى ما رأيت مثل الذى . . . الخ فتعجب منه ، أو للتقرير ، أى قد رأيته مثل الذى . . . الخ فتعجب منه ، لأنه مثل التعجب ، فالكاف مفعول به لرأيت محذوفا ، أو معطوفا على الذى كأنه قيل : وإلى كالذى مر ، إلا أن اسمية الكاف مختلف فيها ، ودخول الجار عليها ينبغى أن يخص بعن ، إذ هو الوارد ، وأو للتخيير مع صحة الجمع ، أو هى بمعنى الواو ، والكاف لكثرة من ينكر البعث ، أو يجهل كيفيته ، بحلاف مدعى الربوبية ، أو الكاف صلة ، أى : أو أرأيت الذى ، أو العطف على المعنى كما يقال له فى غير القرآن عطف توهم ، كأنه قيل : أم رترد كالذى حاج ، أو كالذى مر . . . الخ ولتقدم إبراهيم على الخضر وعزير لم يصح ما قيل من أنه عطف على إيت بها من المغرب ، أى فأت بها من المغرب ، أو أحى كإحياء الله الذى ، فيكون إبراهيم قد تعرض لإبطال قوله أحيى وأميت ، وكأنه قال : إن كنت تحيى فأحى مثل إحياء الله الذى . { مَرَّ } هو عزير بن شرحيا ، أو الخضر ، أو إسحق بن بشر أو أرميا بن خلفيا من سبط هرون وقيل : أرميا هو الخضر ، وقيل المار شعيا ، وقيل غلام لوط ، أو كافر بالبعث . { عَلَى قَرْيَةٍ } قرية بيت المقدس إذ خربه بخت نصر ، والقرية التى خرج منها الألوف حذر الموت ، ولا يلزم فى اسم القرية أن تكون صغيرة قليلة الناس ، ولا سيما أن الاشتقاق من القرآن وهو الجمع ، لاجتماع الناس فيها ، ولا حد للاجتماع ، وقيل : دير سابراياد ، وقيل دير هرقل ، وقيل : المؤتفكة وقيل : قرية العتب على فرسخين من بيت المقدس ، والأشهر الأول . { وَهِىَ خَوِيَةٌ } على حذف مضاف ، أى حيطانها خاوية ، أى ساقطة { عَلَى عُرُوشِهَا } د سقوفها الأوائل والثوانى ، وما فوق ذلك إن تعددت ، بأن يسقط السقف ، ثم ينهد الجدار عليه ، ولزم من ذلك أن أهلها غير موجودين فيها . إذ لا يكونون فيها مع ذلك ولا يتركونها بلا بناء لو لم يذهبوا عنها ، إما بالخروج أو بالموت ، أو ذلك كناية عن ذهاب أهلها ، سواء أسقطت أم لم تسقط ، لجواز ألا يوجد معنى ما وضع له اللفظ فى الكناية وعلى متعلق بخاوية كما رأيت ، ويجوز تعليقها بمحذوف ، أى خاوية عن أهلها ، ثابتة على عرشها لم تسقط ، فهو خبر ثان ، والجملة حال من ضمير مر . { قَالَ أَنَّى } كيف أو متى { يُحْيِى هَذِهِ } أى القرية ، أى أهلها ، أو سمى أهلها بلفظ هذه ، أو إحياؤها مجاز عن عمارتها بإحياء أهلها ، أو الإشارة إلى العظام البالية . { اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } موت أهلها ، أو بعد خرابها ، سماه موتاً مجازاً ، وذلك استعظام من القائل لقدرة الله ، إن كان مسلماً كالخضر وعزير ، واستبعاد وإنكار إلى إن كان كافرا ، أو استبعاد ولو كان مسلما عن طريق العادة ، كقوله تعالى : قالت أنى يكون لى ولد ، قال : رب أنى يكون لى غلام ، أو تعجبا أو استفهاما حقيقيا عن الكيفية كقول الخليل عليه السلام ، رب أرنى كيف تحيى الموتى . { فَأَمَاتَهُ اللهُ مِاْئَةَ عَامٍ } أى ألبته الله مائة عام ميتاً ، وذلك يستلزم وقوع الموت قبل الإثبات ، وهو لا يكون إلا دفعة ، أو يقدر ، فأماته الله وألبثه مائة عام أو ولبث مائة عام ، ووجه السببية أن الاستفهام أو التعجب أو الإنكار سبب لإرادة القدرة على البعث ، وسمى الحول عاماً لأنه قعود الشمس فيه للبروج كلها . { ثُمَّ بَعَثَهُ } ليريه الإحياء مع كيفيته من بعث الناقة من مكانها ، تمثيلا للسرعة مع أنه أخرجه تام العقل والفهم كهيئته يوم مات { قَالَ } الله بواسطة هاتف من السماء أو جبريل ، أو رجل مؤمن شاهده يوم مات ، وعمره الله إلى حين إحيائه. { كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } تام أول النهار ، أو ضحى ، فقبض ، وأحيى عند الغروب بعد مائة عام ، وأو للشك ، أو بمعنى ، بل ظن أنه بعث بعد اليوم الذى نام فيه ، أو بعد فجره ليصح حزمه بتمام اليوم ، وإلا لم يصح جزمه مع نقصان ما قبل الضحى منه ، إلا إن لم يعده لقلته ، وقال بعض ، يوم شكا أو إضراباً ، إذ رأى بقية الشمس . { قَالَ بَلْ لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ } لا يوماً ولا بعض يوم ، فالعطف على محذوف ، أى ما لبثت ذلك ، بل لبثت مائة عام { فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ } تيناً أو عنباً { وَشَرَابِكَ } عصيراً أو لبناً . { لَمْ يَتَسَنَّهْ } عائد إلى الأول ، ويقدر مثله للثانى ، أو يعكس ، أو لم يتسنه ما ذكر ، أو اعتبر شيئاً واحداً ، لافترانهما كما مر فى جعل المن والسلوى طعاماً واحداً ، والهاء للسكت ، والفعل يتسنن بتشديد النون الأولى ، قلبت الثالثة ألفا لكراهة الأمثال ، كتقضَّى فى تقضيض وتظنى فى تظنن ، وحذفت للجازم ، والهاء للسكت ، أو من السنة على أن لامه هاء ، فلهاء أصل ، أى لم تمض عليه سنة أو سنون ، أى لم يتصف بما يتصف به ما مرت عليه سنة أو سنون من التغيير . والتسنه عبارة عن مضى السنين ، بالغ الإسرائيليون فى الفساد ، فسلط الله عليهم بخت نصر ، بضم الباء والنون وفتح الصاد مشددة ، وبخت بمعنى عطية أو بان ونصر صنم ، وجد عند الصنم ولم يعرف له أب ، فنسب إليه ، جاءهم من بابل بستمائة ألف راية ، فخرب بيت المقدس ، فقتل ثلثهم وأقر ثلثهم إلى الشام ، وسبى ثلثا ، وهو مائة ألف ، فقسمه بين الملوك الذين معه ، فأصاب كل ملك أربعة ، وكان عاملا لكهراسف على بابل ، وكان عزير ممن سباه ، ولما تخلص من السبى ورم على القرية ، وكان من أهلها ، راكبا على حمار دخلها وطاف بها ، فلم يجد أحداً ، وغالب أشجارها حامل ، فأكل وقطف فى سلة ، وعصر فى زق وربط حماره ، وألقى الله عليه النوم ، وأماته فى نومه ، وأمات حماره ، وحفظ الله تينه وعصيره ، أو لبنه ولحمه والأشجار عن الخلق ، ومضت سبعون سنة ، فسار ملك عظيم من ملوك فارس ، اسمه كوسك ، بإرسال الله ملكا من الملائكة ، يقول له ، إن الله تعالى يأمرك أن تنفر بقومك ، فتعمر بيت المقدسر وإيليا وأرضها حتى تعود أحسن مما كانت ، فانتدب بثلاثة آلاف قهرمان مع كل قهرمان عامل فعمر بيت المقدس أحسن ما كان ورد الله بنى إسرائيل ، وعمروه ثلاثين سنة كأحسن ما كان ، وكثروا . وقد مات بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه ، فأحيا الله منه عينيه ، ثم شيئاً فشيئاً منه ، وهو ينظر ونظر إلى طعامه وشرابه عنده لم يتسه مع سرعة التغير إلى الطعام غالبا ، ثم نظر إلى حماره عظاما متفرقة تلوح ، فاجتمعت هى ثم أجزاؤه إليها فأحيا بمشاهدته فقام بنهق كما قال { وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ } فنظر إليه عظاما وأجزاءه متفرقة ، فعلنا ذلك لتعلم كيف نحيى الموتى ، وتمام قدرتنا على إحيائها والأزمة فى الإحياء سواء . { وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لّلنَّاسِ } دالة على البعث ، أو وفعلنا ذلك لنجعلك وأحوالك وأحوال حمارك آية للناس ، أو لنجعلك وما معك آية للناس ، فعلنا ذلك . وسماها ، أعنى أجزاء الحمار حماراً باعتبار ما كان أو ما يكون . { وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ } عظام الحمار ، وقبل عظام الحمار وعظام القوم ، لا عظام الحمار فقظ كما قيل ، وقيل : عظام نفسه ، بأن خلق الله الحياة فى قلبه وعينيه وردهما فشاهد جسده عظاما بالية ، وشاهد إحياءه ، وإنما قلت ، أحيا قلبه ، لأن العين بلا قلب لا تحس ، لكن إن شاء الله أحست ، وكرر الأمر بالنظر لأن الأول ليرى أثر المكث الطويل والثانى ليشاهد الإحياء . { كَيْفَ نُنْشِزُهَا } فبعثها حية ، فالعظم حى يؤثر فيه الموت ، كقوله تعالى : قل يحييها ، أى من موت ، وذلك مذهبنا ومذهب الشافعى ، أو نركب بعضاً على بعض ، وانظر إلى حمارك سالما محفوظا كطعامك بلا علف ولا ماء ، وانظر إلى عظام الآدميين الموتى الذين تعجبت من إحيائهم ، والحمار على هذا حقيق ، ورجحوا لأول لمناسبته أمر البعث وقد يرجع الثانى لأنه سماه حماراً ، أو لم يسمه عظاماً ، وفصل بينه وبين قوله ، وانظر إلى العظام بقوله : ولنجعلك آية للناس . { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً } فنظر إلى عظام الحمار أو الموتى تنتشر وتكسى لحما ، روى أنه نادى ملك ، أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعى ، فاجتمع كل جزء من أجزائها التى ذهب بها الطير والسباع والرياح ، فانضم بعضها إلى بعض ، والأعصاب والعروق ، واتصل كل بمحله ، وانبسط عليه اللحمن ثم الجلد ثم الشعر ، ونفخ فيه الروح ، وقام رافعاً رأسه وأذنيه ينهق ، وروى أنه أقبل ملك يمشى وأخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه الروح فقام حيا . { فلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أن الإحياء أو شأن الإحياء ، وهو أى قدر الله المدلول عليه بقوله { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } لا على التنازع ، لأن قوله ، إن الله على كل شىء قدير مع أَعلم قبله لفظ مفرد بالحكاية ، أحاط به القول ولا يشاركه غيره فيه ، ولو كان فى الأصل جملتين فإن الله .. . الخ جزء اسم ، وأما أن يشترط للتنازع الارتباط بعطف فلا أقول به ، ولو قال به ابن عصفور ، وهو باز من بيزان الفن ، كما قالوا بالتنازع فى قوله تعالى ، هاؤم اقرءوا كتابيه . والمراد ، أعلم علم مشاهدة ومعاينة بعد العلم بالبرهان ، أو المراد بأعلم العلم الاستمرارى السابق والمتأخر والحاضر ، وأتى قومه على ذلك الحمار ، وقال ، أنا عزير فكذبوه ، فقرأ التوراة من رأسه ، ولم يحفظها أحد قبله ، فعرفوه بذلك ، وقالوا ، هو ابن الله . ويروى أنه رجع إلى بيته شابا وأولاد أولاده شيوخ فإذا حدثهم قالوا حديث مائة سنة فكذبوه ، فقال ، هاتوا التوراة ، فقرأها من رأسه وهم ينظرون فى الكتاب ، ولم يزد حرفا ولم ينقص ، وكان قبل بخت نصر ببيت المقدس ممن قرأ التوراة أربعون ألف رجل . ولما رجع عزير وجدهم جاهلين بالتوراة فاقدين نسختها ، فقرأها عن ظهر الغيب ، فقال رجل من أولاد المسلمين ممن ورد بيت المقدس بعد هلاك بخت نصر ، حدثنى أبى عن جدى لكم ، فذهبوا به إلى كرم جده ، ففتشوا فوجدوها ، فعرضوها على قراته فما خالف خوفا . وروى أنه حين اسود الرأس واللحية إذ هو ابن أربعين سنة حين أماته الله ، وأنكر الناس وأنكروه ، وأتى محلته وأنكر المنازل ، ووجد فى محلته عجوزا قد أدركت زمن عزير ، فقال لها عزير : يا هذه ، هذا منزل عزير ، قالت : نعم وأين عزير ، فقدناه منذ كذا ، وبكت شديدا ، قال : فإنى عزير ، قالت سبحان الله ، كيف ذلك ، قال : أماتنى الله مائة عام ثم بعثنى . قالت : إن عزيرا محاب الدعاء ، فادع الله يرد علىَّ بصرى حتى أراك ، فدعا الله ، ومسح بين عينيها فأبصرتا ، وأخذ بيدها ، فقال ، قومى بإذن الله ، فقامت صحيحة ، فنظرت إليه فقالت ، أشهد أنك عزير ، وانطلقت به إلى محلة بنى إسرائيل ، وكان فيهم ابن لعزير بلغ مائة سنة وثمانى عشرة ، وبنو بنيه شيوخ ، فنادت ، هذا عزيز قد جاءكم ، فكذبوها ، فقالت ، انظروا ، إنى بدعائه رجعت إلى هذه الحالة ، فنهض الناس إليه ، فقال ابنه ، لقد كان لأبى شامة سوداء بين كتفيه ، فنظروا فإذا ه كذلك . ----------------------------------------------------- وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) { وَإِذْ } ظرف زمان متعلق بقال من قوله قال أو لم تؤمن ، أو مفعول به لا ذكر كما قال الله جل وعلا ، واذكروا إذ جعلكم خلفاء ، والأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما فيه. { قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ نُحْىِ الْمَوْتَى } قيل ، سأل ذلك لأن الله عز وجل قال ، إنى اتخذتك خليلا ، وأجيب دعوتك ، وتحيى الموتى بإذنى ، والأولى أنه مر على حمار أو حوت أو رجل ميت بساحل بحر طبرية ، إذا مد أكل منه الحوت ، أو جزر أكل منه السباع والطير ، وقد قال نمروذ له ، إذ قال ربى الذى يحيى ميتا ويميت حيا ، هل عاينته بفعل ذلك ، فسأل الله ، أن يريه كيف يحيى الموتى من بطون الحوت والسباع والطير ، ومن أرواثها ليزداد يقينا ، فيصير له عين اليقين بعد علم اليقين ، لأن البيان أقوى من الإخبار ، وليقول ، نعم ، عاينت إذا قيل لهم ، هل عاينت ، وكيف مفعول مطلق لتحيى ، والجملة مفعول ثان لأرى من الإرادة البصرية ، علقها الاستفهام عن الثانى ، فإن الرؤية البصرية تعلق كالعلمية عندى ، تقول ، رأى عمرو بعينه كيف أفعل ، ونظر بعينه كيف فعلت . { قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ } بقدرتى على إحياء الموتى ، أى ألم تعلم ، ولم تؤمن { قَالَ بَلَى } آمنت ، سأله ليجيب بقوله بلى { وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ } سألتك ليطمئن . { قَلْبِى } بالمعاينة فيعلم السامع للقصة أن إبرايهم غير شاك ، وقد اطمأن قلبه بالدلائل والوحى ، لكن أراد اطمئنانا آخر مضموما إلى اطمئنان الدلائل والوحى ، أو اطمئنانا عن الاضطراب الحاصل من التشوف إلى رؤية الكيفية والإيمان ، يزداد بزيادة الأدلة ، وينقص بالكسل والإعراض وكأنه قال ليذهب قلبى إلى المشاهدة بها . { قَالَ فَخُذْ } إذا أردت ذلك فخذ ، ويجوز تقدير أن على التجوز ، أو عطف أمر على إخبار ، أى قبلت سؤالك فخذ . { أَرْبَعَةً مِّنَ الْطَّيْرِ } أو يقدر ، إن تصممت على ذلك فخذ أربعة أفراد من الطيرن وهو اسم جمع عند سيبويه ، ويدل له أنه ينسب إليه . لا لمفرد وجمع عند الأخفش ، كتاجر وتجر ، ومخفف طير بالشد مسمى به جماعة ، أو مصدر سميت به . وخص الطير لأنه كالإنسان يمشى على رجلين كالإنسان ، ورأسه مدور كالإنسان ، ولقوة إدراك بعضها ، حتى إنها تعلم فتتعلم ، والببغاء والدرة تتكلمان بلا تعليم وتتعلمان ما علمتا ، ولأنه يطلب المعاش والمسكن ، ولجمعه ما فى الحيوان وزيادة الطيران ، ولأنه همة إبراهيم عليه السلام القصد إلى جهة العلو ، والطير تعلو للسماء ، وللمنسابة خصها فى قوله صلى الله عليه وسلم : « لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطيور ، تغدو خماصا وتروح بطانا » . فقيل أمر أن يأخذ طاووسا وديكا وغرابا وحمامة أو نسرا بدل الحمامة ، كما أخرجه ابن أبى حاتم عن ابن عباس . لكن ذكر بدل الغراب الغرنوق ، أو اختار الأجناس هو لصفاتها ، ففى الطاووس زوج ، وفى الديك شدة حب الجماع ، وفى الغراب الحرص ، وفى الحمامة الأنس ، وهن صفات الإنسان ، وقيل الديك والغراب والطاووس لخيانتهن ، فالطاووس خان آدم ، والبط قطع شجرة اليقطين عن يونس ، والديك خان إلياس ، لأنه سرق ثوبه ، والغراب خان نوحا ، لأنه اشتغل بالميتة حين أرسل لينظر موضعا لا ماء فيه . { فَصُرْهُنَّ } أملهن { إِلَيْكَ } أمره بإمالتهن إليه ليحقق أوصافهن قبل أن تفرق أجزاؤهن لما بعد اجتماعها فيراها كحالها الأول ليست آخر مثلها ، ولا خالف جزء موضعا له ، وفى الآية عمل العامل فى ضميرين لمسمى واحد ، مع أنه من غير باب علم وظن وعدم وفقد ورأى الحلمية ، وهو مقيس إذا كان أحدهما بحرف ، لا كما توهم بعض ، فضمير صر وإليك لواحد ، ومنه قوله تعالى ، يجره إليه ، وقوله تعالى : وهزى إليك ، وقوله تعالى : وتوبى إليك ، وقوله تعالى : واضمم إليك ، وقوله تعالى : فسيحشرهم إليه ، وقوله : يخصفان عليهما ، وقوله ، يهديهم الهل . إذا قلنا هاء إليه ، كما هو المتبادر عائدة إلى الله ، وقوله تعالى : ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ، إذا قلنا وج هنا بمعنى لقى وصادف ، فيكون له مفعول واحد ، وهو المتبادر هنا ، ومن ذلك قوله تعالى : وآتانى منه رحمة ورزقنى منه . { ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً } ولا يتصور إلا بالقطع ، فالقطع مفعوم التزاما ، أو صر بمعنى اقطع ، وعليه فإليك يتعلق بخذ ، أو يقدر صرهن واضممهن إليك ، وصر اقطع ، وإنما قطعهن بعد الذبح وذلك لئلا يعذبن ، ولئلا يتناول الميتة ، ويقال قطعهن ، وخلط لحومهن وريشهن ودماءهن وسائر أجزائهن . والأجزاء أربعة فالجبال أربعة ، وقيل الأجزاء سبعة فالجبال سبعة ، أو الأجزاء عشرة والجبال عشرة ، ولم يشترط تساوى الأجزاء ، واختار بعض التساوى ، أو على كل جبل من جبال أرضك ولو كثرت . { ثُمَّ ادْعُهُنَّ } قل : تعالين بإذن الله إليك { يَأْتِينَكَ سَعْياً } على أرجلهن لا طائرات ، ليتحقق أن أرجلهن سوالم ، ثم يطرن فيتحقق أنه لم يبطل طيرانهن ، أو سعياً فى الهواء بالطيران ، وقيل أمسك رءوسهن عنده بأمر الله فأتت أجزاء كل طائر إلى رأسه بعد اجتماعها . وذكر القرطبى ، أنه لما اجتمع أجزاء كل طائر فى جملة أعاد النداء فجاءت إلى الرؤوس ، فيقرب رأس طائر إلى غيره فيتباعد حتى يقرب إليه رأسه ، وعن الحسن أنه عليه السلام نادى : أيتها العظام المتفرقة واللحوم المتمزقة والعروق المنقطعة اجتمعن برد الله فيكن أرواحكن وعن مجاهد ، دعاهن باسم إله إبراهيم ، وذلك الدعاء تكرير من الله لحياتهن . وقيل : التقدير : فقطعهن ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا أحيهن فإذا أحييتهن فادعهن . وهذا تكلف . وسعيا مفعول مطلق ليأتينك لأن المراد إتيان سعى ، أو لحال محذوف ، أى ساعيات سعيا ، أو يقدر ذوات سعى أو مبالغة { وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } لا يعجزه شىء ولا يعبث . ------------------------------------------------------ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) { مَّثَلُ الَّذِينَ } صفة نفقة الذين { يُنْفِقُونَ أُمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ } فى طاعته { كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أو مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل باذر حبة . { أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنْبُلَةٍ } النون زائدة ، يقال : أسبل الزرع إذا أخرج سنابله ، فوزنه فنعلة ، وقيل : أصل وزنه فعللة { مِّائَةُ حَبَّةٍ } فرضاً ، ولم لم يقع خارجا ، لكن لا مانع من كون سنبلة ذرة أو دخن أو بر فى الأرض المغلة مائة حبة ، فكذلك كل جزء من نفقتهم يضاعف لسبع مائة ضعف . { وَاللهُ يَضَعِفُ } أكثر من ذلك ، كما فى حديث أبى هريرة ، وقيل المراد المضاعفة إلى سبعمائة { لِمَن يَشَآءُ وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ } واسع الفضل ، عليم بمستحق التضعيف إلى سبعمائة أو أكثر . ------------------------------------------------------ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ } كما جاء عبدالرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : كان عندى ثمانية آلاف درهم فأمسكت لنفسى ولعيالى أربعة آلاف ، وأخرجت لربى عز وجل أربعة آلاف . فقال صلى الله عليه وسلم : بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أنفقت . قال قومنا : فنزلت الآية فى ذلك ، رواه الترمذى ، وفى عثمان ، إذ جهز جيش العسرة بألف بعير ، وصب ألف دينار فى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ، ولا أصل أصل لذلك فى كتب الحديث كما نص عليه بعض الحنفية . قال صلى الله عليه وسلم : « من أرسل بنفقة فى سبيل الله وأقام فى بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم ، ومن غزا وأنفق فله سبعمائة ألف درهم » ، ثم تلا هذه الآية . وذكروا أن الإنفاق فى غير الجهاد بعشرة ، وقيل الآية فى النفقة لوجه الله ولو فى غير الجهاد { ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنًّا } على المتفق عليه { وَلآ أذًى } له ، وثم هنا بمعنى الواو ، أو لترتيب الرتبة ، بمعنى أن رتبة عدم المن والأذى عالية ، وأعظم من رتبة الإنفاق ، أو لترتيب الزمان ، بناء على أن المن والأذى متراخيان عن الإنفاق غالبا ، والمن استعظام النعمة والترفع بها على من أنعم عليه ، أو استعظامها والتخجيل بها ، ولا بأس بذكرها ترغيبا للشكر بلا تخجيل ولا ترفع . وفى الأثر جواز للدوالدين والمعلم والإمام العدل ، والأذى التكبر عليه أو تعبيره بالحاجة ، وأنى عبرت حالك بإحسانى ، أو التعبس عليه والدعاء عليه ، والمن نوع من الأذى . { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ } مضاعفا إلى سبعمائة فصاعداً ، { عِنْدَ رَبِّهِمْ } على الإنفاق { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فى الآخرة { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فيها .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
|
|
#20 |
|
عضو اثبت جدارته
|
الآيات ( 263 - 271 )
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } لدى الحاجة أو السائل بلا إنفاق عليه ، كرزقك الله ، أو أغناك عن السؤال ، أو أزال حاجتك ، أو سأعطيك إن شاء الله تعالى. { وَمَغْفِرَةٌ } له فيما يكره المسئول كإلحاح وكثرة الرجوع إلى السؤال بعد الإعطاء ، وأجاز بعض ان تكون المغفرة من الله للمسئول بتحمل ما يكره من السائل . وأن تكون مغفرة للسائل فيما يشق عليه من رد المسئول خيراً للمسئول من تلك الصدقة ، ورد بأن هذا ليس فى سخص واحد ، والكلام على شخص واحد . { خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } يشمل المن ، والمراد أنها خير للسائل ، لأن له نفعا فى الصدقة التى يتبعها أذى ، ولكن تركها وإبدالها بالقول المعروف أنفع له لا خير للمسئول ، لأنه لا ثواب له مع الأذى ، ومثله كمثل صفوان . . الخ. { وَاللهُ غَنِىٌّ } عن صدقة العباد . ونفعها عائد إليهم ، ويرزق الفقراء من حيث شاء ، لوسع طوله ، فليس يلزمهم الاستكانة للمن والأذى ، أو عنى عن صدقة بمعنى أو أذى { حَلِيمٌ } لا يعاجل المان والمؤدى بالعقاب . ------------------ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) { يَآيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى } أى ولا بالأذى . فكل واحد منهما مبطل لثواب الصدقة ولو انفرد ، وكيف اجتماعهما ، وموجب للعقاب ، لأنه ظلم للفقير ، ويقال : مبطل للثواب ولا عقاب ، ويقال ، مبطل للمضاعفة ولا عقاب ، والحق ما مر ، وقيل المن على الله ، والأذى للفقير. { كَالَّذِى } إبطالا كإبطال الذى ، أو كائنين كالذى ، تشبيه للجماعة بالواحد أو بالجماعة على معنى ، كالفريق الذى { يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ } إنفاق رئاء الناس ، أو لأجل رئاء الناس ، أو مرائياً لهم ، كذا يقولون ، وهو عجيب ، كيف لا يقتصر على أنه مفعول من أجله مع سلامته من تأويل وتقدير ، والفعال على بابه ، لأنه يرى الناس الإنفاق ، ويرونه الثناء ، والمراد مبطل لثواب عمله ، وفاسق يرثائه ، هذا هو الصحيح ، وزعم بعض العزالى أنه إن قصد الرئاء ، ورضى الله أو ثوابه لم يبطل عمله ، وبعض ، إن كان الرئاء غالباً بطل علمه ، وإن كان مغلوبا لم يبطل ، وإن كان مساويا لم يبطل عند بعض ، وبطل عند بعض ، وهذا فى الموحد المنافق بالكبيرة ، وأما المنافق بإضمار الشرك فلا قائل بعدم إبطال علمه ، والآية فيه لقوله تعالى : { وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ } أفادت الآية أن من أنكر البعث خلقك : الآية ، وذلك متبادر مع احتمال أن الآية فيمن كفر بالله من قلبه . { فَمَثَلُهُ } مثل الذى ينفق للرئاء ، لأنه أقرب مذكور ، أو مثل المبطل لصدقته بالمن والأذى الذى هو فرد من الحج ، فى قوله : لا تبطلوا . . . الخ ، وهذا ضعيف ، لأن فيه إفراداً من الجمع ولبعده ، ولكن الغرض من التشبيه فى الأغلب أن يعود إلى المشبه ، والغرض هنا بيان حال المشبه ، بأنه لا ينتفع بصدقته. { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } حجر خالص ، ما فيه هشاشة ، وهو مفرد ، اسم جمع ، وقيل : اسم جنس ، وله مفرد بالتاء ، وهو صفوانة ، وإفراد ضميره بعد ذلك قابل لذلك ، والأولى الإفراد إذا قلنا اسم جمع أو اسم جنس ، وقيل جمع صفاء ، ويرده إفراد ذلك الضمير فى قوله تعالى. { عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ } أصاب الصفوان { وَابِلٌ } مطر شديد ، وهو رش ، فطش ، فطل ، فنض ، فيطل ، فوابل { فَتَرَكَهُ } أى الصفوان { صَلْداً } نقيا من التراب ، ما عليه غبره ، ولو رددنا ضمير أصابه للتراب وهاء تركه للصفوان لكان فيه تفكيك الضمائر ، والأولى خلافه . { لاَّ يَقْدِرُونَ } أى لا يقدر الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى والذى ينفق ماله رئاء الناس ، أو لا يقدر الذى ينفق الرئاء ، لأن المراد به الجنس ، فيسرى انتفاء القدرة إلى مبطلى صدقاتهم بالمن والأذى ، إذ شبهوا بالمنفق رئاء . { عَلَى شَىْءٍ } أى على ثواب شىء. { مِّمَّا كَسَبُواْ } من التصدق والإنفاق ، كما لا يقبت التراب على الصلد ، ولا يحرث ولا يعرس فلا ثمرة منه ، أو المنافق ، كالحجر فى عدم الانتفاع ، وإنفاقه كالتراب لرجاء النفع فى الإنفاق بالأجر ، وفى التراب بالإنبات وغير ذلك ، ورده كالوابل المذهب له سريعا ، الضار من حيث يظن النفع ، ويجوز أن يراد بشىء نفس الثواب ، أى لا يقدرون على ثواب يحصلونه مما كسبوا ، وضمير الجمع فى الموضعين مراعاة لمعنى الذى ، المراد به الجنس بعد مراعاة لفظه ، وقيل : الذى يطلق على المفرد والجمع. { وَاللهُ لاَ يَهْدِى } لا يوفق القوم { الْكَفِرِينَ } المشركين ، المختوم عليهم بالشقاوة ، إلى الحق ، وذلك عموم شامل للمؤذى والمان والمرائى ، أو هم المراد ، ولم يضمر لهم إشعاراً بأن كفرهم جر لهم ذلك الإيذاء والمن والرثاء ، وإشعاراً بأن ذلك من صفات الكفار فيجتنب . -------------------- وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ } فى الفرض ، والنفل يقدر هنا ، ومثل نفقات الذين ، والنفقة تشبه البستان فى النماء ، وهذا أنسب من أن يقدر فيما بعد كمثل صاحب جنة ، أو أصحاب جنة { ابْتغَآءَ } طلب { مَرْضَاتِ اللهِ } ألا يكونوا من أعدائه لا للثواب ، فضلا عن الرثاء والمن والأذى ، وأراد بالمرضاة الثواب أو الإحسان للزوم والسببية. { وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أى لأنفسهم على الجزاء ، أو على الإيمان ، أو يثبت كل واحد بعض نفسه على الإيمان بإنفاق المال لله جل وعلا ، وإذا بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها ، والمال شقيق الروح ، فمن بذله يثبت على سائر الأَعمال الشاقة وعلى الإيمان ، أو تصديراً وابتداء من أنفسهم للإيمان ، أو تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان. { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } فى مكان مرتفع مستو ، فإن شجره أزكى ثمراً وقوة للشمس مع الرى ، ولطاقة الهواء ، وأحسن منظراً ، كما أن صفة الإنفاق لله وسماعه أمر حسن بمال إليه . { أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ } صاحبها أو الناس بسبب الوابل { أُكُلَهَا } ثمارها التى من شأنها أن تؤكل { ضِعْفَيْنِ } مثلى ما يؤتى غيرها مما لم يصبه وابل أو لم يكن فى ربوة ، أو لم يبارك فيه ، أو مثلى ما يؤتى إذا لم يصبها ، والضعف أحد المثلين كالزوج لأَحد المفترنين ، أو الضعف المثلان ، فالضعفان أربعة : والمضاعفة بالأربعة فصاعداً مشاهدة فى الثمار ، أو آتت فى السنة ما تؤتى فى السنين ، وذلك هو أشد ملابسة للمقام ، ألا ترى إلى تضعيف الحسنة ، بل لو لم تكن بالأربعة فى الوجود صح ، لأَن التمثيل يكون بالتحقيق ، ويكون بالغرض ، وإسناد الإيتاء إلى الجنة مجاز للتسبب أو كونها محلا للثمار ، لأَن المؤتى أشجار الجنة ، لا نفس الجنة ، فذلك استخدام ولك اعتبار أن الأرض لها تسبب فى ذلك كأشجارها . { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أى فمصيبها طل ، أو فطل يصيبها ، أو فطل يكفيها ، لطيبها وطيب هوائها ، وهو مطر خفيف ، يسمى الرذاذ ، ومن العجيب تقدير بعض ، فيصيبها بالفاء ، والمضارع المرفوع ، مع أنه لو وردت به الآية لاحتجنا إلى تأويل شبه عمل المؤمن كله تمثيلا بإنفاقه بجنة مرتفعة ، يدور أمرها بين وابل وطل ، فإنه ينمو بازدياده وطيب أحواله ، قل أو كثر ، كثمر تلك الجنة ينمو ، أصابها الماء الكثير أو القليل ، للشمس وطيب الهواء ، وذلك استعارة تمثيلية ، شبه الأعمال الصالحة من حيث القوة والضعف وما يترتب عليها من الثواب بتلك الجنة فى أحوالها وما يترتب عليها من الثمرات. { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به خيراً أو شرّاً ، لا تراءوا ولا تمنعوا ولا تؤذوا وأخلصوا . ------------------- أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } محط الاستفهام الإنكارى هو قوله ، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ، والخطاب للناس مطلقا ، فدخل فيهم المان والمؤذى والمرائى . { أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ } تطلق الجنة على أرض الشجر ، وهو المختار ، فى قوله : جنه بربوة ، فهى أرض فى جملة أرض مرتفعة ، ولا يلزم ذلك لجواز أن يراد الأشجار ، وهو أنسب بقوله ، فآتت أكلها ، ولو جاز أن يقال فى أرضها أنها آتت أكلها ، وتطلق على نفس الشجر كما هنا ، ويدل له بيانها بقوله عز وجل : { مِّنْ نَخِيلٍ } جمع نخل أو مثله { وَأَعْنَابٍ } ويدل له أيضاً قوله { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَرُ } كأنه قال : أن تكون له نخيل وشجر عنب عظام ، بدليل التنكير فى جنة وفيهما ، وتكون لهما جميع أشجار الثمار بدليل قوله { لَهُ فِيهَا } فى الأشجار المعبرة عنها بالجنة. { مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ } رزق ثابت من كل الثمرات ، أى من كل أنواع الثمرات ، واقتصر على ذكر النخل والأعناب لشرفهما ولكثرة منافعهما ، لأن فيهما إداما ، ويكون منهما الخل والزبيب والعسل ، ويدخران ، وهما ألذ ، ولا وخامة فيهما . ويكونان غذاء ، والعنب والرطب والبسر فواكه أيضاً ، والمراد بكل الثمرات استغراق أنواعها ، لما مر من أن التمثيل يصح ولو فرضا ، أو الاستغراق عرفى ، أى من كل الثمرات بحسب المعتاد ، والمراد بالثمرات المنافع التى توجد فى البساتين ، يذكر النخل بنفسها والكرم بثمره ، لأن النخلة كلها منفعة والكرم لا نفع إلا فى ثمارها ، والنخلة عمتنا أيضاً فكانت أولى بالذكر بنفسها ومن فضائل العنب ما قيل عن الله سبحانه : أتكفرون بى وانا خالق العنب. { وَأَصَابَهُ } أى ويصيبه الكبر ، أو المراد ، يود أحدكم أن كانت له جنة . . . الخ وأصابه ، أو أن تكون له جنة الخ . . والحال أنه أصابه ، وفى جعل الواو عاطفة أنه تمنى الإصابة ، وهو لا يتمناها ، فليست عاطفة وكون الاستفهام للإنكار لا يدفع هذا الإشكال. { الْكِبَرُ } كبر السن والفقر فى كبر السن أشد منه فى الشباب وما يليه { وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ } لصغر السن ، أو للجنون ، أو العلل ونحو ذلك ، أو كله ، أو بتعدد ، فهو فى عجز لكبر ، وفى كثرة عيال ضعفاء ، لا يكسبون له ولا يدفعون عنه . { فَأَصَابَهَآ } تعقيب لا سببية { إِعْصَارٌ } ريح تتلف ، حاملة للتراب . مستديرة على نفسها ، كعمود إلى جهة السماء ، سمى لأنه يعصر السحاب أو الأجسام ، أو لأنه كثوب أعصر ، أى عصر ، أو لف بالعصر ، فأصله مصدر ، وهو الزوبعة ، هابطة أو صاعدة ، وخصها بعض بالصاعدة ، إلا إن أراد بالصعود كونها طويلة إلى جهة السماء ، وسبب الهابطة أنه تنزل ريح من سحابة وتعارضها فى نزولها قطعة من السحاب تحتها ، فتكون بين ريح فوقها ودافع من تحتها ، فلا تستدير وتزداد تلويا بعوج المنافذ ، وسبب الصاعدة أن تصل المادة الريحية الأرض وتقرعها وتغلبها ريح أخرى فتستدير وتلتوى ، وقد تكون من تلاقى ريحين شديدين ، وقد تقطع الأشجار وتخطف المراكب فى البحر ، والنازلة القائف كالراقص ، والصاعدة لا يرى للفائفها إلا الصعود وتكونان أيضا بمحض قدرة الله سبحانه. { فِيهِ نَارٌ } معنوية ، وهى شدة الحرارة ، أو حقيقية كنار الصاعقة ، وكما يراها هود عليه السلام وغيره فى ريح عاد فى الجو. { فَاْحَتَرَقَتْ } ففقدها أحوج ما كان إليها لضعفه وعياله كذلك من قدم أعمالا صالحة ، كالإنفاق ، ويظنها نافعة ، وقد أفسدها بالمن والأذى أو الرثاء أو نحو ذلك ، فيفقد ثوابها يوم القيامة أحوج ما كان ، وذلك استعارة تمثيلية ، وقد روى عن ابن عباس ما ذكرته من العموم إذ قال ذلك الرجل عمل بالطاعة وسلط الشيطان عليه ، فعمل بالمعاصى حتى أحرق أعماله . { كَذَلِكَ يُبَيِّينُ اللهُ لَكُمُ الأَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } كى تتفكروا فى معانيها ، وتعلموا بها فتدركوا أن الدنيا فانية فتعلموا لما يدون ، أو ارجعوا التفكر فى ذلك واستعملوه . ------------------ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) { يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْفِقُواْ } أدوا الزكاة { مِن طَيِّبَتِ } جودة وحلا { مَا كَسَبْتُمْ } من الذهب والفضة وعروض التجارة وأصول التجارة والأنعام الثمانية ، والإيمان شامل للأعمال الصالحة عندنا ، وهكذا إذا لم يذكر العمل الصالح . { وَمِمَّآ } أى ومن طيبات ما { أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ } من الحبوب الستة ، وقيل ، والفول والعدس والتين والزيتون ، ونحو ذلك مما بلغ نصابا ، وأبحاث ذلك فى الفروع ، وأخطا أبو حنيفة إذ أوجبها فى كل ما أنبتت ولو بقولا وبطيخاً ولو قليلا ، وما أخرج الله من الأرض هو من جملة ما يكسب ، وخصه بالذكر لأن التفاوت فيه كثير. { وَلاَ تَيَمَّمُواْ } أصله ، تتيمموا ، حذفت إحدى التاءين ، أى تقصدوا { الْخَبِيثَ } رداءة { مِنْهُ } من الخبيث حال كونكم { تُنْفِقُونَ } حال ، أى مقدرين الإنفاق منه ، ومن تتعلق بتنفقون ، أو يتعلق بمحذوف حال من الخبيث ، فتكون الهاء لما ذكر من طيبات ما كسبوا وما أخرج الله من الأرض ، أو للمال الذى فى ضمن القسمين ، أو لما أخرجنا ، وخصه بالذكر ، لأن الرداءة فيه أكثر ، وكذا الحرمة ، لتفاوت أصنافه ومجالبه. { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ } تنفقون منه ، والحال أنكم لستم بآخذيه فى حقوقكم ، كدين وصداق وأرش لرداءته فأولى ألا ينفق لحرمته ، لمنع الشرع من التصرف فى المال الحرام إلا بأدائه لصاحبه ، أو للفقراء ، أو إصلاحه من فساد مع توبة وضمان. { إِلآَّ أَن تُغْمِضُواْ } بأن تغمضوا ، أو إغماضاً ، أى وقت إغماض على حذف مضاف ، لا بالنصب على الظرفية ، لأن شرطه التصريح بالمصدر ، أو وجود ما المصدرية { فِيهِ } فى شأنه بالقبول من أغمض بمعنى غمض ، أى غض بصره ، استعير للمسامحة بقبوله مع رداءته ، كمن لم ير بعينه عيباً ، وهو متعد حذف مفعوله كما رأيت ، وقيل ، لازم ، ومعناه ، تساهلتم فى شأنه وتغافلتم . { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ غَنِىٌّ } عن نفقاتكم ، فتحروا فيها الطيب ، لعود نفعها إليكم { حَمِيدٌ } كثير الحمد ، أو عظيمه ، أى الشكر ، أى الجزاء على الطاعة ، ومنه قبول الجيد والإثابة عليه ، أو محمود على آلائه ، ومن الحمد عليها إنفاق الجيد ، كانوا يتصدقون بحشف التمر ورديئه ويمسكون جيده ، فنهوا عن ذلك . ------------------ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) { الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } يخبركم بوقوعه عن الإنفاق تخويفاً لكم به لئلا تنفقوا ألبتة أو الأردياء . { ويَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ } بما أنكره العقل واستقبحه الشرع ، ومنه البخل ، وهو المراد بالذات من هذا العموم ، لأَن سوق الكلام لبيان حال الإنفاق وتركه ، وقيل ، الكلمة السيئة ، وقيل ، المراد هنا إنفاق الردىء ، وقيل ، الزنا ، والعموم أولى ، وأسند الوعد إلى الشيطان مبالغة بأنه نزله منزلة أفعاله التى تصدر منه ، كأنه هو الموقع للفقر ، من حيث إن الوعد الإخبار بما يكون من المخبر ، بكسر الباء كذا يقال ، وأولى منه ، أنه الإخبار ولو من غيره ، وأصله فى الخير والشر ، وغلب فى الخير استعمالا ، والوعيد يختص بالشر ، والوعد فى الآية شر ، ويختص أوعد بالشر ، ومن استعمال وعد فيه قوله تعالى : « متى هذا الوعد » وهذه الآية ، فإن الفقر شر ويجوز حمل الوعد هنا على الخير تهكما ومجازا للإطلاق والتقييد ، أو للمشاكلة لقوله تعالى. { وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ } لذنوبكم بالإنفاق ، أو مغفرة لفحشائكم ، ولفظ منه تأكيد فى الشأن { وَفَضْلاً } خلف رزق ، وزيادة فى الثواب ، والشيطان كاذب فى وعيده ، قيل ، يجوز أن يكون الفقر فى الآية خبرا ، وهو قول بعيد ، أو سماه وعدا ، والوعد غالب فى الخير مشاكلة لقوله تعالى : والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، وتسمية إغراء الشيطان أمرا استعارة تصريحية ، لأَنه ليس يكلم إنسانا ويسمعه ، وقدم الوعد على الأَمر لأَنه يتقدم فيصغى إليه ، ثم يأمر به فينفذ ، والأَولى أن كلا على حدة ، بعد الفقر بالإنفاق ، ويأمر بالفحشاء على الإطلاق. { وَاللهُ وَسِعٌ } فضلا { عَلِيمٌ } بالمنفق المخلص وبما ينفق من جيد وردىء . روى الترمذى ، وقال : حسن غريب ، عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن للشيطان بابن آدم لمة ، وللملك لمة به ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فوعد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان » ثم قرأ : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، ولمة الملك خطرته بالقلب بخير إلهاما من الله ، ولمة الشيطان بالوسوسة وفى البخارى ومسلم ع ن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم « ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان ، يقول أحدهما ، اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفاً » . ------------------- يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) { يُؤْتِى الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ } الحكمة العلم المحقق والعمل المتقن ، وعن ابن عباس ، المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله ، وقيل : قراءة القرآن والفكر فيه ، وقيل المعرفة بالله تعالى ، وقال مجاهد : القرآن والعلم والفقه ، وقيل عنه ، الإصابة فى القول والعمل . وقيل : معرفة الأشياء ، وفهم معانيها ، وقيل : معرفة حقائق الأشياء على ما هى عليه فى نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية ، وعن السدى ، الحكمة النبوة ، وعن ابن عباس ، المعرفة بالقرآن ، فقهه ونسخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه ومقدمه ومؤخره ، وعن مجاهد وقتادة ، الحكمة الفقه فى القرآن ، وعن ابن زيد ، الحكمة الفقه فى الدين ، وقال مالك : الحكمة المعرفة بدين الله ، وانفقه فيه ، والاتباع له ، وقال ابن القاسم التفكر فى أمر الله والاتباع له ، وعنه الحكمة طاعة الله ، والفقه فى الدين والعمل به . { فَقَدْ أُوتِىَ خَيْراً كَثِيراً } لأنها سبب السعادة الأبدية ، كما فسرها بعض بالعلم النافع المؤدى إلى العمل ، وهو شامل لعلوم الإسلام ، ولو منطقا لمن مارس القرآن ، ولقى شيخا حسن العقيدة ، وهو من أنفع العلوم فى كل بحث ، حتى سماه الغزالى ، معيار العلوم . وقال : لا يوثق بعلوم من لا يعرفه ، وقال الربيع بن أنس : الحكم الخشية ، والنخعى ، الفهم فى القرآن ، والحسن ، الورع ، ومعنى الحكمة المنع ، وهو فى تلك الأقوال كلها ، روى أن أهل الأرض يستوجبون العذاب فيصرفه الله لتعليم صبيانهم الحكمة فى القرآن ، وعنه صلى الله عليه وسلم : « من قرأ ثلث القرآن ، أى مع عمل ، أعطى ثلث النبوة أو نصفه فنصفها ، أو ثلثيه فثلثيها ، أو كله فكلها ، ويوم القيامة يقرأ ويرقى بكل آية درجة ، فيقال له ، اقبض فيقبض ، فإذا فى يمناه الخلد ، وفى يسراه النعيم » وفى الطبرانى عنه صلى الله عليه وسلم ، « يميز العلماء يوم القيامة فيقول : لم أضع علمى فيكم لأعذبكم ، اذهبوا فقد غفرت لكم » ، وفى رواية : غفرت لكم على ما كان منكم ، ولا أبالى ، قلت : هذا فى علماء إذا أذنبوا تابوا ، وأصلحوا ما فسد أو أكثروا الفساد وماتوا وقد أصلحوا ، وذلك أنهم أحق بالتشديد إذ علموا وخالفوا ، فالعفو عنهم وتميزهم وخطابهم بذلك فضيلة ، ألا ترى أن الأنبياء لا يسامحون فيما يسامح غيرهم ، وذلك علم القرآن والسنة وعلم الأمة ، واستأذن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع مسائل من التوراة يزداد بها علماً ، فغضب ولم يأذن له ، وقال : لو كان أخى موسى حيا لم يسعه إلا اتباعى ، وفى عصرنا كثرت نسخ التوراة والإنجيل بلفظ العربية وخطها ، والصواب ، ألا تشترى ولا تباع ولا تقبل ، ويسمونها العهد القديم ، الإنجيل العهد الجديد ، ولو كان فيهم خير لاتبعوا العهد الأجد ، وهو القرآن . { وَمَا يَذَّكَّرُ } يتعظ أو يتفكر { إِلآّ أُوْلُواْ الأَلْبَبِ } العقول الخالصة عن متابعة الهوى ، والذين يتفكرون ما أودع الله فيها من العلوم بالقوة ، وهم من أوتى الحكمة ، ولمدحهم بذلك لم يضمر لهم ، بأن يقول إلا وهو مراعاة للفظ من ، أو الأهم مراعاة لمعناها ، وهو الراجح ، من حيث إنه أتى بالظاهر مجموعا . ------------------------- وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) { وَمَآ أَنْفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ } قليلة أو كثيرة ، فريضة أو نافلة ، سرا أو علانية ، فى طاعة أو معصية أو مكروه ، بشرط أو بلا شرط ، بنية أو إهمال ، وفى ذكر النفقة مناسبة لما قبل. { أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ } قليل أو كثير . . . الخ ، ما مر ولو ببدن ، ولا سيما وفاؤكم به ، أو يقدر ، ووفيتم به ، أو النذر عبارة عن الوفاء به لعلاقة اللزوم والتسبب { فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ } لا يفوتكم ثواب ذلك ، أو عقابه ، أو بطلانه . لا لكم ولا عليكم ، أو يعلم بمعنى يجازى ، والهاء عائدة إلى ما الشاملة لكل ما ذكر على سبيل البدلية ، وأيضاً العطف بأو يقتضى الإفراد . ولو عادت إلى نذر لجاز ، ويلتحق به النفقة ، فيكون كقوله تعالى : { خطيئة أو إثما ثم يرم به } ، وجاز عود الهاء فى الآيتين لأحد الاثنين ، وورد مراعاة الأول ، ويلتحق به الثانى ، كقوله تعالى : تجارة أو لهواً انفضوا إليها. { وَمَا لِلظَّلِمِينَ } بترك الواجب ، أو بالإنفاق فى المعصية ، أو بترك الإنفاق ، إنكاراً ليوم الجزاء ، ومن الواجب الوفاء بنذر مباح فيه نفع لخلق الله ، ولو لم ينو طاعة ، ومن ترك الواجب وضعه فى غير محله ، والمراد من ذكر فى الآية ، والعموم أولى { مِنْ أَنْصَارٍ } يمنعونه مما يحيق عليه من العقاب . ------------------ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) { إِن تُبْدُواْ } تظهروا { الصَّدَقاَتِ } النافلة ، وأما الفرض فإظهاره أوكد مع وجوب الإخلاص مطلقاً ، لئلا يتهم بعدم أدائه ، وليقتدى به ، ومن لم يعرف بمال ، فقيل إخفاؤه أفضل ، قلت ، بل إظهاره ، لأن فيه اقتداء وإقامة لشعار الإسلام ، والرثاء مجتنب ، كما يجتنبه من عرف بالمال ، بل زعم بعض ، أنه لا رثاء فى الفرض. { فَنِعِمَّا هِىَ } أى نعم شىء هو هى ، وقد أبديت ، أو يقدر مضاف ، أى نعم شىء هو إبداؤها ، وأصل العين السكون ، لكن رجعت إلى الأصل ، وهو الكسر ، ليمكن الإدغام ، أو جاء على الأصل الأول ، وكسر النون على كل حال اتباع للعين ، وأصل الميم الفتح ، ولكن سكنت لتدغم. { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ } أى إيتاؤها فى إخفاء ، إبقائها ، أو ما ذكر من إخفاء وإيتاء للفقراء فى كل ذلك ، أو الضمير عائد إلى الصدقة ، وذكر لتذكير الخبر { خَيْرٌ } أفضل ، قيل ، أو خير من جملة الخيور { لَّكُمْ } من إبدائها ، ولو مع إعطائها الفقراء ، ومن إعطائها الأغنياء ولو مع إخفاء ، ولا حظ لهم فى الزكاة وأنواع الكفارة . وعن ابن عباس : صدقة التطوع فى السر تفضل علانيتها بسبعين وصدقة الفريضة تفضل علانيتها سرها بخمسة وعشرين ، وهو حديث موقوف فى حكم المرفوع ، إذ لا يعلم ذلك بالاجتهاد ، وكذلك سائر الطاعات ، وروى مرفوعا ، « أفضل الصدقة صدقة سر إلى فقير » ، أو جهد من مقل ، ثم قرأ الآية ، وروى مرفوعا ، « صدقة السر تطفىء غضب الرب ». { وَيُكَفِّرُ عَنكُم } « بالضم » وقراءة بالجزم عطفا على محل جملة الجواب ، وهكذا قل ، ولا تقل لا محل للجملة ، وإنما الجزم لعطفها على جملة لو كان المضارع فى موضعها جزم ، وقولهم ، لا محل للجملة إلا إذ كانت فى محل المفرد مخصوص بحيث يصلح المفرد ، والجواب لا يصلح فيه المفرد فالجملة فى محلها إذا كانت جواباً . واعلم أن المحل لما بعد الفاء وما بعدها ، كما قيل ، وأفيدك أنه إذا حذف الجواب الذى لا يحتاج إلى الفاء وبقى منه اسم قرن بالفاء نحو ، إن تعط درهما يعطك ربى عشرة ، وإن تعط عشرة فمائة بالفاء ، ولو ذكر لم تكن الفاء ، بل نقول ، يعطك مائة بلا فاء ولا ياء . { مِّن سَيِّئَاتِكُمْ } بعض سيئاتكم ، وباقيها يكفر بالعمل الآخر ، وأجاز الأخفش زيادة من فى الإثبات ، ومع المعرفة ، أى يغفر لكم سيئاتكم ، أى الجنس فيعود إلى معنى التبعيض ، أو سيئاتكم كلها ، ووزن سيئة فيعلة ، بفتح الفاء وإسكان الياء وكسر العين ، والأصل سيوأة ، بفتح السين وإسكان الياء وكسر الواو ، وأبدلت ياء ، وأدغمت فيها الياء ، أو فعيلة بفتح الفاء وكسر العين وإسكان الياء ، والأصل سويأة ، بفتح السين وكسر الواو وإسكان الياء بعدها همزة ، قدمت الياء على الواو ، وقلبت ياء ، وأدغمت فيها الياء ، لأنه من السوء. { وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ترغيب فى الإخلاص ، سراً وعلناً ، ووعيد للمرأئى وللمؤذى والمان ، قال صلى الله عليه وسلم« أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير فى سر » قال صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان » ، وقد يتمخض قصد الاقتداء فيكون الإظهار ، ولو للنفل أولى ، وقد بالغوا فى الإخفاء ، فمنهم الشيخ كموس رحمه الله كان يصر الدراهم إلى ألواح الطلبة ويضعها فى قماطر كتبهم ، ولما مات فقدوا ذلك ، فعرفوا أنه فاعل ذلك ، رحمه الله وأرضاه ، ولذلك لقب بكموس ، لأن كموسا بلغتنا البربرية للعقود ، وكان بعض بلقيه فى يد الأعمى ، وبعض فى طريق ، أو فى موضع جلوسه ، لأن الدراهم بلا علاقة ، تملك من حين تلفظ بلا تعريف ، أو يشده فى ثوبه وهو نائم ، وبعض يبيع برخص ويشترى بغلاء تصدقا ، وهذا لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ، ولا يمينه تعلم ، ولا الملائكة على ألا يظهر لهم ما فى القلب ، قال صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل سرا فيكتب ، فإن أظهره ، أى بلا رياء ، نقل من السر وكتب فى العلن ، فإن تحدث به كتب فى الرياء ، وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم : « السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء » .
__________________
يقول الشيخ علي يحيى معمر رحمه الله: إن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة . ولا تتحطم بالقانون فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف http://www.istiqama.net/index.htm |
|
|
|
![]() |
| العلامات المرجعية |
| يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|