مشاهدة النسخة كاملة : البعد الحضاري للعقيدة الإباضية
برهان
10-20-2009, 05:37 AM
البعد الحضاري
للعقيدة الإباضية
تأليف الشيخ الدكتور فرحات الجعبيري
تم تهذيب الطباعة بواسطة فريق العمل في شبكة الدرة الإسلامية
برهان
10-20-2009, 05:39 AM
بيانات الكتاب
الإهــــــداء
الرمـــوز
تقديم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
تقديم الأستاذ محمد الطالبي
المقــدمــة
الباب الأول: الإطار العام للقضية: الفصل الأول: الإباضية وتسمية الفرق
تابع: مناقشة تسمية الفرق:
الفصل الثاني: التراث الكلامي عند الإباضية
البــاب الثاني: الإلــــــــــهيــات. الفصل الأول: الإباضية والمحكم
الفصل الثاني الإباضية والمتشابه
بيانات الكتاب
العنوان الأصلي للبحث:
تحليل ما يتعلق بأصول الدين من التراث
الإباضي بالمغرب في القرون التالية:
10- 11- 12 هـ/ 16- 17- 18م
قدم هذا الكتاب للإحراز على شهادة التعمق في البحث العلمي بكلية الآداب بالجامعة التونسية بإشراف الأستاذ محمد الطالبي ونوقش في شهر جوان 1986.
وتكونت اللجنة المناقشة من:
الأستاذ محمد اليعلاوي: رئيسا.
الأستاذ سعد غراب: عضوا.
الأستاذ محمد الطالبي: عضوا.
وقبل بدرجة حسن جدا.
الإهــــــداء
إلى والديّ الحبيبين.
وإلى زوجتي.
وإلى أخي محمود.
وإلى كل مسلم غيور ربّاني.
أهدي هذا العمل المتواضع عسى أن يقرب بين المسلمين وأن يؤلف بين القلوب لتكون كلمة الله هي العليا.
فرحات
الرمـــوز
ت :قبل التاريخ : توفي(ت93 هـ).
/ : العدد على يمين الخط: تاريخ هجري. وعـلى يــساره: تاريخ ميلادي. مثال1408/1987.
/ : الرقم قبله يشير إلى الجزاء أو المجلد, وما بعده إلى الصفحة .
= : التعليق يتواصل في الصفحة الموالية.
المحشي : محمد بن عمر ابن أبى ستة (ر.147).
البارونية : المكتبة البارونية بجربة حومة الحشان.
الجواهر : الجواهر المنتقاه لما أخل به كتاب الطبقات( ر.124).
المشارق : مشارق أنوار العقول للسالمي (ر.200).
المنهج : الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس بن سعيد الرستاقي (ر.221).
ج : جزء.
خ : مخطوط.
د. رقم1 : مجلد نسخة سالم بن يعقوب من مصر موجود بمكتبته جربة.غيزن.
المعجم المفهرس:أي لألفاظ الحديث:لونسنك.
- بالنسبة إلى المخطوطات:نذكر عدد الصفحات أو الورقات ثم عدد الاسطر بكل صفحة ثم المقاس.
-(مثال) 51. 24. 17/ 5, 12 صم، ر. خاصة فهرس المصادر المخطوطة.
ر : راجع.
ص : صفحة.
ط : طبعة.
م : مجلد
E.I. :Encyclopedie de I’ Islam.
E.I.ancienne ed. EI2 nouvelle ed.
G.A.L.:Brockelman G.,Geschichte der Arabischen Litteratur, 2 ed, Leyde 1943- 1949.
A.I.U.O.N.: Annali dell, Istituto Universitario Orientale di Napoli.
F.O.:Folio Orientalia, Krakow.
I.B.L.A.:Institut des Belles letters Arabes. Tunis.
J.S.S.: Journal of semitic studies.
R.A.:Revue Africaine.
S.I.:Studia Islamica.
برهان
10-20-2009, 05:43 AM
تقديم سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، المجلي لوجه الحق بنور برهانه، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد قضى الله- ولا راد لما قضى- أن تنقسم هذه الأمة- كغيرها- إلى شيع وأحزاب( كل حزب بما لديهم فرحون)، ولما عندهم منصورون، ومما باعد الشقة بينها وضاعف محنة الانصداع التي تعانيها إخلاء الأكثرين إلى مواريثهم الفكرية التي ورثوها من آبائهم وأجدادهم، وتلقفوها من أشياخهم وأساتذتهم، حتى اعتبروها أنها الأصل،فطوعوا لها نصوص الدين لأن الدين- في نظرهم- لا يبصر إلا بمنظارها، ولو كانت تلك النصوص كاشفة عن عوارها مباينة لها بينونة الحق من الباطل، مفارقة لها مفارقة الضياء للظلام.
ومن حيث إن أصول الدين هي قواعده التي يقوم عليها صرحه الشامخ كان الاتفاق والاختلاف فيها مقياسا للالتقاء والافتراق، والتقارب والتباعد بين فئات الأمة، وإن مما يعزي نفوسنا، ويسلس همومنا أن يلتقي جمهور الأمة على أمهات هذه الأصول، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه،ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله، وإنما اختلفوا في تفاصيل هذا الإيمان.
ويرجع هذا الاختلاف إلى أمرين:
أولهما: التفاوت في فهم النص وتأويله حسبما يترجح أنه المراد.
ثانيهما: تحفظ بعض الفئات من بعض النصوص التي لم تصل إلى درجة القطع، إما لريب في نقلتها ونقلها وإما لمعارضتها بما هو أقوى منها في نظر المتحفظين في حين أن الفريق الآخر يكون مقتنعا بتلك النصوص فيعتد بها ويعول عليها، وثم أمر آخر له مساس بكلا الأمرين وهو الاختلاف في ترجيح النص على العقل أو العكس، فمن طوائف الأمة من بالغ في تقديس العقل حتى جعله الأصل في فهم الدين، وضرب بكل نص خالفه عرض الحائط إن لم يمكنه تأويله بما يتفق مع المفاهيم التي استقر عليها عقله؛ ومنهم من أهمل جانب العقل فلم يستبصر بنوره في فهم مقاصد النصوص، وإنما اكتفى بالانسياق وراء ظواهر ألفاظها فاقتنع بالشكل دون المحتوى؛ ومنهم من وفق للتوسط بين أمرين فجمع بين النص الثابت والعقل السليم.
وإن من يمعن نظره في التراث الإباضي الفكري- متجردا عن العوامل النفسية والمؤثرات الوراثية- يدرك كل الإدراك أن الإباضية أكثر فئات هذه الأمة اعتدالا وأسلمها فكرا، وأقومها طريقا وأصحها نظرا، وأصفاها موردا ومصدرا.
فهم لم يلقوا بالعقل في زوايا الإهمال لأن الله خاطب بوحيه أولي الألباب ونعى على قوم لا يستخدمون عقولهم في فهم الحق ودرك الحقيقة، ونادى عليهم بالخذلان، وسجل عليهم بالخسران، كما هو واضح في كثير من آيات الفرقان، غير أنهم لم يرفعوا العقل فوق مستواه ولم يعطوه أكثر مما يستحق فلم يؤثروه على النص، وإنما جعلوه وسيلة من وسائل فهم مراده، وتعيين مقاصده، قطعا أو ظنا، وهم في كل ذلك ينطلقون من فهم عميق للغة النص التي تستخدم تارة في حقيقتها وأخرى في مجازها حسبما تقتضيه أصولها مراعين في ذلك جميع القرائن والأحوال التي تعين على تشخيص المراد.
وقد زخر التراث الفكري الإباضي ببحوث واسعة جامعة في أصول الدين فاضت بها أقلام أساطين علماء الإباضية المتبحرّين الذين نذروا حياتهم لنصرة الحق وقمع الباطل بنصب الحجج ودرء الشبه، فتعاقبوا منذ القرن الأول الهجري على الاضطلاع بهذا الواجب وأداء هذه الرسالة غير أن من دواعي الأسف أن السواد الأعظم من المسلمين ظلوا محرومين من الانتفاع بهذه الكنوز الغالية إما لعقد نفسية سببتها القطيعة التي اصطنعت بين أبناء هذه الأمة رغم كونها تعبد إلها واحدا، وتدين بملة واحدة وتؤمن برسالة واحدة، وإما لقصور في تصور ما تعتقده هذه الطائفة من الحق وما تستند إليه من الحجج.
وإن من أشائر البشائر أن نرى جماعة من رواد الدعوة الإسلامية ودعاة وحدة هذه الأمة- سواء كانوا من الإباضيين أو غيرهم- تحفزهم الغيرة على الحق إلى نفض الغبار الذي تراكم على هذا التراث الفكري وإزاحة السدود التي أرختها عليه القرون الغابرة ليبرز وجهه المشرق للناظرين ويتجلى جمالة الأخاذ لطلاب الحق وعشاق الحقائق.
ومن بين هؤلاء الساعين لهذه الغاية النبيلة أخونا الفاضل الشيخ فرحات ابن علي الجعبيري الذي طوف بفكره الوقاد بين معالم هذا التراث عبر العصور المتتالية منذ القرن الأول الهجري إلى قرننا هذا، وأرسل يراعه الملهم إلى أعماق محيطات هذا التراث وبحاره فعاد بحصيلة واسعة من جواهر الفكر ازدان بها عق أطروحة أخينا العزيز التي اختصها بهذا الموضوع بعد ما شقق عنها أصداف اللبس بتحليلاته الواسعة وبيانه الفياض، فكانت أطروحته بحق منهلا لكل وارد، ومنتجعا لكل رائد بما فيها من فتح لأقفال كانت مغلقة وتجلية لحقائق كانت مستورة.
وقد أولى عنايته الخاصة بالتراث المغربي في الثلاثة القرون الهجرية العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، لأن موضوع بحثه، سوى أنه ألم في مناقشاته وتحليلاته بما قدمه علماء المذهب في هذا المجال في سائر القرون، سواء كانوا من أهل المشرق أو من أهل المغرب.
وإن فضيلته- إذ يقدم هذا البحث العلمي إلى رادة الفكر الإسلامي المتحررين من العقد النفسية والعصبيات المذهبية- ليرجوا ونرجو جميعا أن يكون لهذا البحث أثر إيجابي في وقف الإشاعات الباطلة التي تصدر عن القلوب المريضة وتقذف بها الألسنة المغرضة وتسيل بها الأقلام المأجورة لتمزيق شمل أمتنا الإسلامية وهي أحوج ما تكون إلى رأب الصدع وجمع الشمل والمودة والوئام.
والله نسأل أن يجمع شمل عباده المؤمنين على ما يحب ويرضى وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
أحمد بن حمد الخليلي
مسقط/ 10 المحرم الحرام 1407هـ
________________________________________
تقديم الأستاذ محمد الطالبي
بسم الله الرحمن الرحيم
وأفضل الصلوات على خاتم الأنبياء والمرسلين.
(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)( آل عمران3/103)
لكن، بالرغم من تحذير القرآن، تفرق المسلمون، وكفر بعضهم بعضا، وأهرقوا دماءهم بأيديهم، وما زالوا يهرقونها...
ولقد ورد بالمدونة الكبرى، برواية سحنون عن ابن القاسم عن مالك، إمام دار الهجرة، ما نصه:
" قلت: أرأيت قتال الخوارج، وما قول مالك فيهم؟- قال: قال مالك في الإباضية والحروية، وأهل الأهواء كلهم: " أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا قتلوا". قال ابن القاسم: وقال مالك في الحرورية وما أشبههم:" إنهم يقتلون إذا لم يتوبوا إذا كان الإمام عدلا." فهذا يدلك على أنهم إن خرجوا على إمام عدل، وهم يريدون قتاله ويدعون إلى ما هم عليه، دعوا إلى الجماعة والسنة، فان أبوا قتلوا." (المدونة الكبرى، ط. مصر 1323،ج 2ص47).
كان عبدالله بن إباض الذي ينسب إليه المذهب الإباضي مسلما مخلصا، ويعد المذهب الذي وضع أسسه من أقدم المذاهب الإسلامية، إن لم يكن أقدمها كلها. ولم يكن مالك، إمام دار الهجرة، أقل منه إخلاصا إلى الإسلام وغيرة عليه. وكان ابن القاسم من أتقى أصحاب مالك وأصدقهم ورعا، ولم يكن سحنون، الذي عنه دون المدونة، يقل عنه تقي وورعا.
لكن الحقيقة المرة تبقى هي: استحل مالك دماء الإباضية ومن يدعوهم بأهل الهواء. واستحل بصفة أعم أهل القبلة، على ورعهم وإخلاصهم في كثير من الأحيان، دماء بعضهم بعضا، وتلاعنوا مليا، وعوض أن يعتصموا بحبل الله جميعا، ويتحابوا فيه وفيهما بينهم، تفرقوا، وتقاتلوا، وتجاذبوا الله كل إلى جانبه، واغتصبوه كل إلى نحلته.
فما الحل؟
وما زالت موجات التكفير سائدة إلى يومنا هذا، والدماء سائلة؟ّّ!
لا يملك أي فرد منا بمفرده، ولا تملك أي مجموعة إسلامية وحدها مهما ضاقت رقعتها أو اتسعت، حلا سحريا، ما لم تتطور العقليات، وتنشرح الصدور إلى السماحة، والتسامح، واحترام آراء المخالف.
ولا شك أن الدراسات المقارنة لمختلف المذاهب الإسلامية مما يعين على تطور العقليات، وانشراح الصدور إلى التسامح والاحترام المتبادل، بفضل ما توفره هذه الدراسات من فهم أعمق، وأكثر إنصافا وموضوعية لآراء الموالين والمخالفين.
وتنصهر الدراسة التي قام بها الأستاذ فرحات الجعبيري ضمن هذه الدراسات المقارنة. فلقد استطاع، بأقصى ما يمكن من الموضوعية التي لا تخل باعتقاد المعتقد ولا تشوه معتقد غيره، أن يقارن بين أصول الإباضية، وإليهم ينتمي سلوكا ومذهبا، وبين مقالات مخالفيهم، مع توخي الاختصار، والاقتصار على أمهات المسائل، حتى تبقى الدراسة في حدود معقولة كيفا وكما.
ونحن نعتقد أن الدراسات المقارنة، وقد فتح بابها منذ قرون كل من كتب من علمائنا في "مقالات الإسلامية" و"الملل والنحل"، هي طريق المستقبل، لا فقط داخل أسرنا الإسلامية على اختلاف اجتهاداتها، بل أيضا في مستوى كل عائلات أهل الإيمان على اختلاف أديانهم ومللهم ونحلهم. فهذه الدراسات- إذا ما روعي فيها هدوء الأعصاب، وأقصى ما يستطيعه المؤمن الملتزم عقيدة وسلوكا من موضوعية، وكل كائن ذي عقل حتما ملتزما من حيث يشعر ولا يشعر سواء في ذلك المعتقد وغيره المعتقد- فإنها ستنير لكل طالب حق إن لم يكن الحق فما يقرب من الحق، إذ في النهاية لا يعلم حق العلم إلا الله. ولكل أن يختار سبيله إلى الله حسب ما يمليه عليه ضميره واجتهاده.
ولقد اجتهد الأستاذ فرحات الجعبيري، وقام بدراسته بجد وإخلاص وحماس، واختار أن يركز بحثه على أصول الدين عند إباضية المغرب في الفترة التي تتراوح من القرن العاشر إلى القرن الثاني عشر. هـ (16-17-18 ميلاديا). فاستخدم لذلك، زيادة على ما توفره المراجع، المصادر الأساسية المطبوعة والخطية، وقام بتحقيقات ميدانية في مكتبات الأوساط الإباضية بالجزائر وليبيا وتونس وعمان، وقد ساعده على ذلك انتماؤه إلى المذهب الإباضي انتماء اعتقاد وسلوك.
إن هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ فرحات الجعبيري يمكن أن يعتبر خدمة هامة وثمينة للفكر الإباضي والإسلامي عامة، ولوجه من وجوه حضارتنا المغربية التي هي في حاجة أكيدة إلى البحث حسب الطرق والأساليب الجامعية.
محمد الطالبي
تونس في 18/9/86
برهان
10-20-2009, 05:45 AM
المقــدمــة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
إن كنت أنسى فلا أنسى رحلتي الأولى إلى وادي ميزاب. جمادى الأولى 1387/أو ت1967 حيث فتح الله بين أيدينا مكتبات عشش فيها العنكبوت وباض وفرخ لأن المفاتيح لم تمس أقفالها منذ ما لا يقل عن ربع قرن، إلى جانب مكتبات عامرة، زاخرة تنبض فيها الحياة.
وهكذا فتحت العين وامتدت اليد.
فلا غرابة حينئذ في أن يستوقفنا ما في تلكم الخزائن من تراث، وكانت الجولة الأولى في لقاء مع تنظيم ديني اجتماعي استطاع أن يصمد أمام الزمن ألا وهو نظام العزابة عند الإباضية في جربة.
ثم تبعتها رحلات أخرى إلى هناك، مع حرص على تنظيم ما بقي من مثل هذا التراث في جزيرة جربة، خاصة بالمكتبة البارونية ومكتبة سالم بن يعقوب، إلى أن يسر الله الانطلاق في رحلة علمية ثانية دفعت بنا إلى الطواف في أنحاء جبل نفوسة معقل الإباضية الأول في بلاد المغرب، كما ساقتنا إلى جناح الإباضية الثاني في بلاد المشرق بلد عمان. فماذا عن هذه الرحلة العلمية الثانية مع التراث الإباضي؟.
التراث الورث والورث والإرث والوارث والإراث واحد، وهو ما ورث، وأصل التاء فيه واو، هكذا نقل ابن منظور في لسان العرب عن الجوهري في صحاحه وابن سيده في مخصصه، وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في قوله تعالى: ( وتأكلون التراث أكلا لما ) (80الفجر19).
وقد وردت في قوله عليه السلام: " وإليك مآبي ولك تراثي" (1) مع العلم أن الأنبياء لا يرثون، فميراثه عليه السلام حينئذ للوارث الحق الذي لا إله إلا هو. ( إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون ) (19 مريم40).
فالكلمة بهذه الصيغة وصيغها الأخرى تدل على كل ما يخلفه الهالك لورثته. ومن هذا المفهوم اللغوي والشرعي اتسعت الكلمة لتدل على كل ما تخلفه الأجيال السابقة للأجيال اللاحقة.
فهل سنحلل في هذا البحث كل ما أنتجه الإباضية في المغرب طيلة ثلاثة قرون 12،11،10هـ وخلفوه لمن بعدهم؟.
إن مثل هذا الدراسة مفيدة ولا شك لكنها في حاجة إلى جمع من المختصين في شتى الفنون لتتكامل جوانبها وتؤتي أكلها بعد حين.
وما دام هذا مستحيلا علينا الآن، فإننا حاولنا أن نساهم في هذا البناء فاستقرأنا ما عثرنا عليه من تراث مكتوب (2) –وهذا كثير- عسى أن نستكنه أساسا من أسس الفكر الإباضي.
وما دام بحثنا يندرج ضمن الدراسات الحضارية بقسم العربية بكلية الآداب بتونس، ونحن نعلم أن كلمة حضارة تعني جملة مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي التي تنتقل من جيل إلى جيل في مجتمع أو مجتمعات متشابهة (3) رأينا أن نسلك مع تحليل هذا التراث مسلك الدراسات الحضارية، فماذا عن هذا المسلك؟
بناء على منطلقنا الأول (4) في البحث جمعنا ما تيسر جمعه من هذا التراث في شتى الفنون وهو في جله مخطوط، والمطبوع منه في عداد المخطوط، عدا بعض النصوص التي كتب لها أن ترى النور بمنهج معاصر نقدي (5)، فتشبعت المسالك واتضح أن نزعة الشمول ستؤدي إما إلى الطول الذي لا نهاية لـه، وإما إلى الاختصار المخل الذي لا يجدي نفعا.
وبهذا تحول مسار البحث من العموم إلى الخصوص، وكانت الوقفة عند باب من أبواب هذا التراث ألا وهو باب أصول الدين أو علم الكلام. وقد حاولنا تركيز هذا المسار على ثلاثة أسس ستكون الخيط الذي يربط بين أطراف هذا النسيج.
وهذه الأسس هي:
1- التحري في فهم النصوص الإباضية داخل الفكر الإباضي لأنه ككل فكر يقوم على نظام متكامل يربط بين جميع أوصاله. فلا يمكن على سبيل المثال أن نفهم أي نص إباضي فهما صحيحا إذا لم نضعه في إطاره من مسالك الدين وهي: الظهور والدفاع والشراء والكتمان.
2- التراث الإباضي تراث ديني عالمي: ماذا أفاد؟ وماذا استفاد؟ فمحاولة المقارنة حيث تمكن المقارنة ستكشف بقدر الإمكان عن الأخذ والعطاء والإيجابيات والسلبيات في هذا التراث.
==================
(1) ر .الترمذي. دعوات 78 .ر.ونسنك : المعجم المفهرس 7/187.
(2) انظر الباب الأول، الفصل الثاني.
(3) ر.معجم المصطلحات العلمية والفنية الملحق بلسان العرب مادة حضر.
(4) تحليل التراث الإباضي في المغرب في القرن 12،11، 10هـ.وقد طلبنا من لجنة الدراسات المعمقة التخفيف من الموضوع والاكتفاء بتحليل ما يتصل بالعقيدة فوافقت مشكورة.(جويلية 1985 ).
(5) انظر الفصل الثاني من الباب الاول45.
________________________________________
ومثل هذه المقارنة ليست مفتعلة لأنك قل أن تجد أثرا إباضيا متقوقعا على نفسه بداية مما روي عن إمام الإباضية جابر بن زيد(93/710-711) إلى آخر ما وصلنا مما طبع من الإنتاج الإباضي: الخوارج من أنصار الإمام علي كرم الله وجهه لسليمان بن داود بن يوسف (6) بل إنك تجد الإشارة خاصة في كتب أصول الدين إلى سائر الرسالات السماوية وكذلك الديانات الوضعية مثل الزرادشتيه والبوذية.
3- التراث الإباضي لا للتراث وإنما للحياة: وغرضنا من هذا أن نثبت أن ومضة الحاضر ليست إلا لحظة خاطفة بين ماض سحيق ومستقبل عريض فماذا عن الماضي لإنارة المستقبل؟ لعلها دروس وعبر في عالم طغت فيه الدراسات المادية إلى حد أن الناس أعرضوا أو يكادون عن كل ما هو روحي. ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (12يوسف111).
واعتمادا على هذه الأسس فإننا لن نقف من هذا التراث كما يفعل كثير من المسلمين اليوم وقفة المتأفف المكظوم، وإنما نقف منه بناءة تنفض عنه غبار طواحين الزمن عسى أن تتقشع سماء وجهه، لينير بأصالته مستقبل أمتنا (7) هذه الأصالة التي ما يزال أعداء الإسلام يحاولون اجتثاثها من تحت أرجلنا، ولن ندرك مثل هذه الغاية عسيرة المنال إلا إذا بالقارئ المستنير بمختلف فنون العلم العصرية إلى النتيجة المرجوة تدريجيا دون أن يصطدم في ثنايا البحث بالإخلاص بمعطيات المنهجية التي تحرص على أن تكون موضوعية أو أقرب ما يكون إلى الموضوعية لأن الموضوعية الصرف لم يدركها في ما نعلم إنسان لم يؤيد بالوحي، ولن يدركها إنسان إلا إذا تجرد من كل مكوناته، وإن تجرد منها فلا يمكن أن يكون إنسانا.
وقبل أن أعرض مراحل هذا البحث لا يفوتني أن أذكر بعملين معاصرين استفدت منهما استفادة لا تنسى:
أولهما: أطروحة دولة باللغة الإنجليزية قدمها الأستاذ عمرو خليفة النامي (8) بجامعة كمبردج 1971 عن تطور الفكر الإباضي.
تتكون من قسمين كبيرين:
القسم الأول: يضم 396 صفحة وقد قام على الفصول التالية: نشأة الإباضية، التعريف بإمام الإباضية الأول جابر بن زيد، التعريف بإمام الإباضية الثاني أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة، الفقه الإباضي، العقيدة الإباضية، فرق الإباضية، والولاية والبراءة، مسالك الدين والإمامة.
القسم الثاني: لم نتمكن من الاطلاع عليه وفهرست الأطروحة تشير إلى أنه تحليل لنصوص في العقيدة والفقه حققها الباحث تحقيقا علميا وهي:
-القسم الثاني من الباب الأول من كتاب قواعد الإسلام لإسماعيل الجيطالي: لم يطبع ولم أطلع عليه.
- كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي مرقون بمكتبتي.
- أجوبة ابن خلفون لأبي يعقوب يوسف بن خلفون( في الفقه المقارن) مطبوع.
إن هذه الأطروحة أغنتنا بمقدمتها عن إعادة عرض الدراسات المعاصرة عن الإباضية في مقدمتنا هذه (9) .
كما أن هذه الأطروحة بفصولها الأولى حددت أمامنا معالم نشأة الفكر الإباضي بوضوح، الأمر الذي ساعدنا على التوسع في مناقشة تسمية الفرق وتوضيح موقف الإباضية من براءة الانتساب إلى الخوارج. كما أنها بفصلها الخامس عن العقيدة الإباضية(201-330) في الإلهيات والإنسانيات وضحت لنا نشأة العقيدة الإباضية وعرفتنا بمصادرها إلى القرن التاسع هـ/ الخامس عشر م تعريفا موسعا.
أما عن مرحلتنا المقررة في البحث فقد اكتفت بتعداد المصادر دون تحليليها.
ولهذا نعتبر عملنا امتدادا لما قدمته هذه الأطروحة حيث عرفنا بتوسع بما وقع ذكره من المصادر.
كما أن عملنا هذا يتجاوز مرحلة الوصف والتعريف إلى إبراز البعد الحضاري لهذه العقيدة.
ولا ننكر أننا مدينون لهذا العمل خاصة لما جاء فيه من دقة في التعريف بوجود الإباضية عبر الزمن ضمن الأطروحة أو في التحقيق.
ثانيهما: أطروحة دكتوراه دولة باللغة الفرنسية قدمها الأب بيار كوبرلي بالسربون سنة 1982، وهي بحث في العقيدة الإباضية في ثلاثة مجلدات، مجلدان أساسيان ومجلد للملاحق.
وقد ضم المجلدان الأولان 655صفحة. أما المجلد الثالث فقد ضم 208 صفحة وهي ترجمة لنصوص في العقيدة الإباضية مع 74 صفحة لنصوص عربية في العقيدة الإباضية أيضا (10) .
=============================
(6) انظر فهرس المصادر والمراجع 394.
(7) ر. ابن منظور: لسان العرب. ص: ث. مقدمة عبدالله العلائليالسفلية
(8) انظر ما يلي ص45
(9) وهذه الدراسات منها ما هو للمستشرقين بمختلف اللغات، ومنها ما هو بالعربية للإباضية ولغير الإباضية . ر.النامي: الأطروحة صxx11-v11
(10) انظر قائمة المصادر والمراجع.
وقد تمثلت الأطروحة في ثلاثة أقسام:
قام القسم الأول منها على عرض تاريخي لنشأة الإباضية وعقيدتهم مع تحليل لنصوص في العقيدة.
أما القسم الثاني وهو أساس البحث فقد عالج القضايا التالية: الذات والصفات، خلق القرآن، القضاء والقدر، نفي الرؤية، الإمامة.
وأما القسم الثالث فهو ترجمة وعرض لبعض النصوص في العقيدة الإباضية.
واضح من خلال هذه الأطروحة أن النصوص الأساسية المعتمدة ترجع إلى القرن 8/14 وما قبله وإن كان الباحث قد استفاد أيضا من النصوص المتأخرة.
والمهم بالنسبة إلينا أننا استفدنا من هذا البحث خاصة من حسن العرض والقدرة على الوصف وعرض أسس العقيدة مع المقارنة مع الفكر الإسلامي والنصراني في كثير من الأحيان.
إلا أن الأطروحة على ما فيها من دقة فإنها لم تتوسع في تحليل النصوص المقررة في مرحلتنا ق 10، 11،12هـ، كما أن صاحبها اكتفى بالتعريف بالعقيدة لأن عمله يندرج ضمن قسم الدراسات الدينية، بينما آلينا على أنفسنا، وهذه العقيدة جزء من كياننا، أن نبين أثرها الفعال في البيئة التي تدين بها.
وأن التقينا في بعض القضايا مثل الذات والصفات، وخلق القرآن ونفي الرؤية والقضاء والقدر فإننا تجاوزنا ذلك إلى تحليل قضيتي الوعد والوعيد والخلود وتركنا مبحث الإمامة والولاية والبراءة وهما من الأصول الاجتماعية لأن البحث تجاوز القدر المطلوب.
أما عن مراحل هذا البحث فتتمثل في ثلاثة أبواب:
أما الباب الأول: فقد أقمنا على فصلين، فحاولنا أن نحدد إطار القضية العام في الفصل الأول حيث نزلنا الإباضية المنزلة التي يختارون لأنفسهم بين الفرق الإسلامية، وخصصنا الفصل الثاني للتعريف بعلم الكلام مع عرض سريع لنشأته عند الإباضية خاصة مع تعريف مختصر بمصادره إلى القرن9/15 وتحليل موسع لمصادر المرحلة المقررة في البحث 12،11،10 هـ/18،17،16 م بما فيها من إنتاج مبتكر وشروح ومختصرات .
أما الباب الثاني: فقد حاولنا أن نحدد فيه كل ما يتعلق بالله تعالى من المباحث الكلامية، فأقمنا الفصل الأول على ما يغلب الاعتماد فيه على ما جاء محكما من القرآن الكريم كقضية وجود الله تعالى وأسمائه وصفاته، وما يجب في حقه، وما يستحيل، وجاء الفصل الثاني موضحا موقف الإباضية من المتشابه خاصة في قضية الاستواء ونفي الرؤية وخلق القرآن.
أما الباب الثالث: فقد حرصنا فيه على تحليل مسألتين تتعلقان بأسس الصلبة بين الله وبين الإنسان، فجاءت أولاهما في الفصل الأول وهي قضية القضاء والقدر وما يتعلق بها من مباحث وجاءت الثانية في الفصل الثاني وهي قضية الوعد والوعيد وما يتعلق بها من مباحث.
تلك هي دعائم هذا البحث وإن بدت واضحة الآن فإننا لم نصل إلى ذلك إلا بعد أن اعترضتنا صعوبات جمة أبرزها:
- عناء في استقراء عدد كبير من المخطوطات وضبط فهارس لتحديد موضوعاتها ولتيسير الاستفادة منها عند الحاجة.
- عناء في ضرورة الاطلاع على أكثر ما يمكن من نصوص غير إباضية لأننا قررنا منهجا مقارنا من بداية البحث.
- عناء في التنسيق بين هذه النصوص مع ضبط إطارها الزمني. مع العلم أن هذا التحديد الزماني والمكاني كلفنا نصيبا من العناء، إذ كثيرا ما تعوزنا المادة الكافية فنضطر إلى اعتماد مصادر من المراحل السابقة أو اللاحقة، أو مصادر من إباضية عمان رغم أن البحث ينحصر في إباضية المغرب يعني جبل نفوسه وزوارة وجربة ووادي ميزاب (11) وقد حرصنا على ذكر ذلك في إبانة، وهذا لا يعتبر خللا في البحث لأن علماء هذه المرحلة استفادوا ممن قبلهم وقد أخذ من جاء بعدهم عنهم، بل في كثير من الأحيان نطعم مواقف الإباضية بمواقف لغير الإباضية وذلك في مواطن الاتفاق.
ومهما حاولنا أن نلم بشعب العقيدة الإسلامية بين مختلف الفرق بمنهج مقارن فإنه يصعب الإلمام بكل شتاتها لذلك جاءت الإشارات إلى هذه الفرق حسب مقتضيات البحث وحسب توفر ما أمكن توفره من المصادر والمراجع، وقد حرصنا على الرجوع إلى مصادر كل فرقة بصفة مباشرة إلا إذا تعذر ذلك، كل ذلك رغبة منا في الأمانة العلمية بقدر الإمكان.
كما حاولنا أن نوفر بين يدي القارئ كل ما يساعده على الفهم، ونلح خاصة على ما سعينا إلى توفيره من تراجم لكل من ذكرنا من علماء الإباضية –إلا ما تعذر علينا من تراجم بعض علماء عمان- وذلك لعدم توفر جلها في كتب التراجم المتداولة، ونلح أيضا على ما يوفره البحث من نصوص، وقد يطول الاستشهاد بها عن قصد، لأن هذه النصوص هي دعامة هذا البحث ومنطلقه، والكثير منها ضرب من التحقيق لأنها مقتبسة من مخطوطات نادرة وكل ذلك حتى لا تتهم استنتاجانا بالادعاء، وحتى يتمكن القارئ من المقارنة بينها وبين ما يتوفر بين يديه من نصوص غير إباضية لجأنا إلى إيراد شيء منها أحيانا وإلى الإحالة على مصادرها أحيانا أخرى.
وتبقى في النهاية خاتمة البحث في رأينا سبيلا من سبل تبيين حاجة المسلمين إلى توظيف تراثهم لتتضح أمامهم مسالك المستقبل.
تلك هي قصارى الجهد، فما كان من سداد في هذا البحث فمن الله وما كان من خطاء فمني، ومهما تبين لك أن العمل متكامل فإنك تحس إذا رجعت إليه أنه في حاجة إلى تشذيب وتحسين، وتكفينا في هذا قولة أبي الفرج الاصبهاني:" إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده، لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا المكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.".
ونحمد الله تعالى أن رفع عن الناس الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه كما ثبت في الحديث الشريف.
رب أنعمت فزد.
تونس في 4ذي القعدة الحرام 1405
21 جويلية 1985
=======================
(11) وقد انحصر الإباضية في المرحلة المقررة في هذه المناطق. انظر الخرائط في آخر البحث 834. 837 .
الباب الأول: الإطار العام للقضية: الفصل الأول: الإباضية وتسمية الفرق
تمهيد:
قال تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (8الأنفال46)
وقال: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران 103).
هل امتثل المسلمون وأهل الكتاب من قبل لهذه النصوص وأمثالها وكانوا أمة واحدة؟.
إن الناظر في حياة الأمم قديمها وحديثها لا يحار في الإجابة عن هذا السؤال.
نعم تفرق الناس فكانوا مللا ونحلا، وشيعا وأحزابا، وفرقا ومذاهب شتى، هذا شأن البشر، مذ عرف للإنسان تاريخ، فلأهل الصين مذاهبهم وكذا أهل الهند وأهل فارس وكذا أهل الكتاب.
فما هو السبب يا ترى؟
لعل يرجع إلى أمر غريزي في الإنسان إذ لكل شخص ميوله الخاصة، لكن لو كلن الأمر على هذه الحال لكون كل إنسان فرقة لذاته وفي هذا نظر.
أو لعله يرجع إلى تفاوت الناس في مداركهم العقلية مما يحتم اختلافا في وجهات النظر تجاه الأحداث والنصوص المعتمدة،ولكل ديانة نصوصها.
أو لعل الأمر يعود إلى حب الذات واتباع الهوى واحتقار الآخرين.
كل هذه الافتراضات متفرقة أو مجتمعة يمكن أن تكون من أسباب افتراق الناس إلى طوائف.
فالاختلاف بين الناس ليس أمرا غريبا بل هو قانون من قوانين الحياة ولولاه لظلت الحياة على وتيرة واحدة من أقدم العصور.
ولكن المشكل الذي يحار العقل في استكناهه هو ما ينتج عن هذا الافتراق من تنازع وتدابر وتنافر قاست البشرية منها ويلات وما تزال.
وهذا الداء يكون عياء إذا كان النزاع بين أهل الرسالات السماوية وبصفة أخص بين المسلمين بداية من العقد الرابع من القرن الأول للهجرة.
وهذا ما دفع المعري (363- 449 / 973- 1057) إلى أن يصيح من أعماق محابسه الثلاثة:.......ليت شعري ما الصحيح؟
ليست مهمتنا في هذا البحث أن نحل اللغز الذي حير المعري وغيره من المفكرين وإنما يحدونا الأمل على أن نفهم جانبا من واقع الأمة الإسلامية- وهي وإن تعددت فيها الفرق ما تزال تحمل اسم الأمة- انطلاقا من قسم من تراثها حسب مقتضيات موضوع البحث.
ولا يخفى على أي باحث أن كل قضية هي جزء لا يتجزأ من نظام فكري متكامل إلا أن المنهج العلمي يفرض التجزئة من أجل بلوغ الحقيقة فلا بد إذن من عزل الخلية عن كيانها لوضعها تحت المجهر.
فلنحاول أن نضع قضية الافتراق تحت مجهر البحث لندرك ما الذي جعل كتب المقالات والملل والنحل تسمي الإباضية إباضية وتحشرهم في زمرة الخوارج؟ وما هو رد فعل الذين أطلقت عليهم هذه التسمية من خلال تراثهم عامة وبصفة خاصة في المرحلة المقررة في البحث؟.
مناقشة تسمية الفرق:
تجمع كتب المقالات والملل والنحل (1) أن جميع الفرق الإسلامية ترجع إلى اتجاهات ثلاثة أطلقت عليها هذه التسميات: أهل السنة، الشيعة، الخوارج.
ثم تحرص على أن تكون الإحصائية مطابقة لحديث الرسول عليه السلام: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة".
وفي رواية أخرى: " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلى النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة" (2) .
ثم بعد هذا الإجماع ينطلق الاختلاف حول ادعاء الفرقة الناجية.
وأنت وإن قرأت تراث كل فرقة على حدة تحسب أنه لا يوجد في الأمة الإسلامية إلا أهل الإيمان والصلاح والتقوى بحيث لا تشك بأنهم جميعا من أهل الجنة (3) .
وإن أنت قلبت الصفحة وقرأت قراءة ثانية من خلال موقف كل فرقة من الفرق الأخرى تخلص إلى أن جميع المسلمين كفار وأنهم جميعا من أهل النار.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقسيم للأمة جاء يعكس أحداث الفتنة الكبرى التي انطلقت بمقتل عثمان سنة (35/ 656) (4) وما يزال المسلمون إلى يومنا هذا يتنفسون ما تصاعد منها من دخان. وهذه أهم المراحل لمجرد التذكير.
1) مقتل عثمان (35 / 656).
2) مبايعة علي بن أبي طالب (35/ 565) (5) .
3) معركة الجمل(36/ 567) (6) .
4) معركة صفين (37/ 657) (7)
لقد أسفرت معركة صفين عن انقسام المسلمين إلى ثلاث كتل:
1) كتلة علي بن أبي طالب.
2) كتلة معاوية بن أبي سفيان (8) .
3) كتلة المحكمة: أي التي رفضت التحكيم (9) .
واستمر الصراع بين هذه الكتل على أشده حتى انتهت الدولة الأموية فواصلت الدولة العباسية نفس المنهج في هذا الصراع.
والمشكل المطروح هنا كيف انبثقت هذه التسميات التي استقرت في كتب التاريخ وكتب المقالات؟ ولم تحولت كتلة معاوية وبالتالي الأمويين إلى أهل السنة وصارت جماعة علي شيعة واعتبرت المحكمة خوارج؟
يصعب أن نقرر رأيا نهائيا في القضية وليس لنا أن نأتي بالقول الفصل في معضلة سال في شأنها من المداد ما لا يقدر.
لكن الذي لا نشك فيه هو أن هذه التسميات المستحدثة تعكس مجرى الأحداث في القرن الأول نعني الأحداث السياسية والسياسة جزء من الدين كما لا يخفى.
===============
(1) نذكر على سبيل المثال:
- أبا الحسن الأشعري (330/ 942): مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. ط2 مكتبة النهضة المصرية 1389/ 1969 جزآن.
- محمد بن أحمد المالطي (377/ 988): التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع. تحقيق محمد زاهد الحسن الكوثري. مكتبة المثنى ببغداد ومكتبة العارف بيروت 1388/ 1968.
- عبد القاهر البغدادي (429/ 1037): الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم. منشورات دار الآفاق الجديدة. بيروت 1400/ 1980.
- علي بن أحمد بن حزم( 456/ 1064): الفصل في الملل والأهواء والنحل ط1 1317- 1321هـ. 5 أجزاء في 4 مجلدات.
- محمد بن عبدالكريم الشهير ستاني (548/ 1153): الملل والنحل .ط1 بمصر. 1317/ 1320. بهامش كتاب الفصل لابن حزم . وينتهي بالفصل الثالث.
(2) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح. ط2 المطبعة السلفية، القاهرة 1349 الحديث عدد 41: 1/13.
ر. المحشي: حاشية علي كتاب الوضع. البارونية. القاهرة 1305هـ، ص67.
ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان. البارونية .القاهرة 1306هـ، 1/ 28.
ر. السالمي: شرح الجامع الصحيح، ط2. المطابع العالمية سلطنة عمان. د.ت 1/ 66- 70.
ر. المحشي: حاشية الترتيب (أي الجامع الصحيح) المطبعة الشرقية. سلطنة عمان 1402/ 1982، 1/ 63- 65.
ويقول جولد تسيهر:" ويرجع أغلب الخطأ في هذا إلى علماء الكلام المسلمين أنفسهم إذا أساؤوا فهم حديث من الأحاديث النبوية قصد به في الأصل تمجيد الإسلام، وإعلاء شأنه فخصه بقدر من الفضائل والمزايا بلغت في عددها ثلاثة وسبعين تقابلها من الفضائل اليهودية إحدى وسبعون ومن المسيحية اثنتان وسبعون. ففهمها الكلاميون على أنها ثلاث وسبعون فرعا أو فرقة".
جولد تسيهر: العقيدة والشريعة في الإسلام. ط2 مصر 1959. ص187. ونلاحظ أن هذا المستشرق قلب الحديث إلى حسنة من حسنات المسلمين. وقد نشر عمر بن جمادي مقالا موسعا في مجلةCahiers De Tunisie العدد 15 السنة 1981. بين فيه مختلف الروايات واستقر رأيه على أن الحديث من وضع أهل السنة ص287- 357.
ر. أبو داود: سنة1. الترمذي إيمان 18. ابن ماجه: فتن 17. احمد ابن حنبل 2/332. 3/145 .ر.ونسنك: المعجم المفهرس 5/13.
(3) ر. المحشي: حاشية الترتيب(الجامع الصحيح) يقول هذه الواحدة الناجية هي ما عليه أهل الدعوة.1/ 64 يعني الإباضية.
(4) عثمان بن عفان(23- 35/ 643- 656) ولادته 47ق هـ/ 557.
ر. الزركلي: الإعلام ط2. 1374/ 1954 4/31.
(5) علي بن أبي طالب (35/ 656- 660) ولد سنة 23 ق هـ/600.
ر. الزركلي: الإعلام 5/ 107- 108.
(6) معركة الجمل (36/ 656). 427- 425 .cf.EL 2II
(7) صفين: بكسر الصاد والفاء مشددة، موضع الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي وفيه وقعت الحرب بين علي ومعاوية.ر. ياقوت الحموي: معجم البلدان 3/ 414 وعن المعركة ر. كوبرلي الأطروحة 1/ 11- 12 وقد أحال على أهم المصادر والمراجع. 25- 422 .cf.EL.IV
(8) معاوية بن أبي سفيان (40- 60/ 661- 680)، ولادته 20 ق هـ. ر. الزركلي الأعلام 8/ 172- 173.
(9) أول من حكم عروة بن أدية(ت 58/ 678). " أقبل على الأشعث فقال: ما هذه الدنيئة يا أشعث وما هذا التحكيم. أشرط أوثق من شرط الله عز وجل". المبرد. الكامل مكتبة المعارف بيروت د.
واضح أن عروة وأتباعه هم الذين اشتهروا بها. ثم صارت شعارا للمحكمة: "لا حكم إلا لله" بمعنى القول الفصل لله دون الرجال فإذا ورد نص فلا سبيل إلى اللجوء إلى الناس( انظر مناظراتهم مع ابن عباس). المبرد: الكامل 2/156، وانظر خلافة عثمان وعلي عند القلهاتي : كتاب الكشف والبيان تحقيق محمد بن عبد الجليل حوليات الجامعة التونسية عدد 11، 1974 خاصة ص225- 235.
ر. الاشعري: المقالات 1/210 حول أول من حكم وللتعريف بعروة
ر. الزركلي: الإعلام 5/ 16- 17. وللتعريف بالأشعث بن قيس (ت40/ 661) ر. الزركلي: الإعلام 1/333 – 334.
إن موازين القوى ودولاب الحكم استقرت لدى الأمويين لذلك صاروا الممثل الرسمي فهم حينئذ أهل السنة (10) ولا يخفى ما في هذه التسمية من استهواء للعامة وحتى الخاصة، ونحن نعلم مؤازرة كثير من العلماء للحكام باسم اختيار أخف الضررين ثم إن مرور الزمن أعطى هذه التسمية نوعا من القداسة إلى أن نسيت كلمة أهل وتحولت إلى النسبة المباشرة؛ سني وسنيون. وإذا علمنا أن جل من وصلت إلينا كتاباتهم في الفرق ينتمون إلى هذا التيار نتبين كيف ينبغي الاحتراز من مثل هذه الكتب.
أما كتلة علي بن أبي طالب (40/ 660) التي كانت في المنطلق مدافعة عن حق شرعي ومخمدة لثورة معاوية الهادفة سرعان ما رميت بالعلوية ثم بالشيعة وواضح ما في كلمة التشيع من روح التعصب للأشخاص لا للمبادئ، وزاد القضية استفحالا قصر الإمامة على آل البيت ففي هذه التسمية حينئذ حرب نفسية ضد هذه الكتلة التي عملت الدولة الأموية على استيعابها أحيانا وعلى إبادتها أحيانا أخرى ومع ذلك فإن هؤلاء تحمسوا للتسمية وتبنوها.
وللمرء أن يتساءل أليس لهؤلاء نصيب من السنة أم أن جميع ما جد فيهم من انحراف أو ما نسب إليهم سجل، بينما تناسى الناس ما جد في الدولة الأموية من انحراف وظلوا يسمونهم أهل السنة وإن كان بعض خلفائهم منحرفين.
نكتفي بهذه الإشارة السريعة إلى كتلة الإمام علي، ولنقف عند الكتلة الثالثة لأنها منطلق بحثنا.
فلماذا لم يبق هؤلاء محكمة وصاروا خوارج ثم أهل الأهواء والبدع؟ لا شك أن هذه الكتلة أذاقت كتلة معاوية- الأمويين ثم أهل السنة- الأمرين (11) لأن المنتمين إليها رفعوا شعارا يرجو كل مسلم تحقيقه، ألا وهو أن إمامة المسلمين ليست مقصورة لا على القرشيين عامة ولا على آل البيت وإنما هي حق لكل من توفرت فيه شروطها هذا مع ما أوتوا من فصاحة إلى حد أن عبد الملك بن مروان (65- 86/ 685- 705) (12) اكتفى بسجن واحد منهم بعد أن كان عازما على قتله وهو يقول:" لولا أن تفسد بألفاظك أكثر رعيتي ما حبستك" (13) .
وبما أن هذه الكتلة كانت من القوة بمكان فلا سبيل إلى محاربتها إلا بسلاح ديني فتاك ألا وهو تهمة الخروج من الدين (14) .
والمبرد- ويبدوا أنه علوي، إذ يصلي على علي وعترته في كل كتابه- وإن أتى بأخبار هذه الكتلة تحت عنوان" من أخبار الخوارج" فإنه يورد الحديثين اللذين يثبتان أن الخروج يعني المروق من الدين.
أما الأول فقد جاء نصه كما يلي: بعد انتقاد رجل وصف" بأنه مضطرب الخلق غائر العينين ناتئ الجبهة" لقسمة الرسول عليه السلام لغنائم جاءت من اليمن أدى إلى غضبه عليه السلام فقال:
"إنه سيكون من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية تنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر من الرصاف (15) فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق (16) " (17) .
وأما الحديث الثاني فيروى عنه عليه السلام أنه لما وصفهم قال: " سيماهم التحليق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم علامتهم رجل مخدج (18) اليد". وفي حديث عبدالله بن عمرو: " رجل يقال له عمرو ذو الخويصرة أو الخنيصرة" (19) هذا ما ذكره المبرد ويحسن أن نشير إلى المهلب بن أبي صفرة (7- 83/ 628- 702) (20) في ما نسب إليه من افتراء الأحاديث على الخوارج.
===================
(10) ر. ابن العربي: العواصم من القواصم 199(تعليق1) في شان الصلح بين معاوية والحسن وذلك سنة 41/ 661 وقد سمي عام الجماعة فاستقر الأمر للأمويين فاختاروا أحسن الأسماء. ويقول السالمي:" تسمية أهل السنة، فإنه كان في الزمن الأول قبيحا لكون المراد بالسنة السّنة التي سنها معاوية في سب علي وشتمه على المنابر، فصار ذلك سنة ينشأ عليها الصغير ويموت عليها الكبير حتى غيرها عمر بن عبد العزيز، فأهل تلك الحال هم أهل السنة في ذلك الزمان، ثم اندرس هذا السبب واختفى فتمدحوا بذلك وجمعوا بين المتضادين (معاوية وعلي) فيوظنوا أن السنة سنة النبي الولاية وهم يعلمون أن الحق مع فريق منهم، وخالفوا سنتهم الأولى حين صارت الدولة لبني العباس من بني هاشم". السالمي: شرح الجامع الصحيح.1/ 59. وهذا نص اللعن:" اللهم إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك فألعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا اليما" محمد ماهر حمادة: الوثائق السياسية والإدارية العائدة للعصر الأموي بيروت 1394/ 1974 ص106، عن شرح نهج البلاغة 1/ 778.
(11) ر. المبرد: الكامل2/121-393.
(12) عبد الملك بن مروان(65-86/ 685-705) ر. الزركلي: الأعلام 4/312.
(13) ر. المبرد: الكامل 2/171.
(14) الخوارج: " كان في الزمن الأول مدحا لأنه جمع خارجه وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله تعالى. قال عز وجل (9 التوبة46). ثم صار ذما لكثرة تأويل المخالفينولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة أحاديث الذم في من اتصف بذلك آخر الزمان. ثم زاد استقباحه حين استبد به الأزارقة والصفرية، فهو من الأسماء التي اختفى سببها وقبحت لغيرها، فمن ترى أصحابنا (الإباضية) لا يتسمون بذلك، وإنما يتسمون بأهل الاستقامة لاستقامتهم في الديانة". السالمي: شرح الجامع الصحيح 1/59. أما الأشعري فيقول: " وللخوارج ألقاب: فمن ألقابهم الوصف لهم بأنهم خوارج، ومن ألقابهم –الحرورية – ومن ألقابهم: الشراة والحرارية، ومن ألقابهم المارقة، ومن ألقابهم الحكمة وهم يرضون بهذه الألقاب كلها إلا المارقة، فإنهم ينكرون أن يكونوا مارقة من الدين كما يمرق السهم من الرمية، والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي بن أبي طالب والذي له سموا محكمة إنكارهم الحكمين وقولهم: لا حكم إلا الله، والذي له سموا حرورية نزولهم بحرواء في أول أمرهم، والذي له شراة قولهم: شرينا أنفسنا في طاعة الله ، أي بعناها بالجنة. والكور التي الغالب عليها الخارجية: الجزيرة، والموصل، وعمان ، وحضرموت، ونواح من نواحي المغرب، ونواح من نواحي خراسان، وقد كان الرجل من الصفرية سلطان في موضع يقال له سجلماسة على طريق غانة". الاشعري: المقالات1/207 واضح أن الأشعري سكت عن مفهوم الغزو في سبيل الله ، كمال غفل من أن المحكمة يعتبرون أن عليا خرج عن بيعته عندما قبل التحكيم، ولذلك هم استتابوه، ولا يعتبرون أنهم خرجوا عنه، إلا أنه بين أنهم يرفضون لقب المارقة وهذا أمر طبيعي إذ لا يمكن لمسلم أن يقبل مثل هذا اللقب، وإن ارتبط بعد حين باسم الخوارج.
(15) الرصافة: عقبة تشد على مدخل سنخ النصل. ج رصائف. يقال رصف السهم أي شد عليه رصافه.
(16) الفوق: من السهم: حيث يثبت السهم منه،" هما فوقان ج فوق وأفواق.
(17) وقوله عليه السلام:" من ضئضئ هذا"- من جنس هذا- مرق السهم من الرمية، إذا نفذ منها، وأكثر ما يكون ذلك أن لا يعلق به من دمها شيئ" المبرد: الكامل2/142.
وقد بين السالمي أن الحديث ورد في البخاري مع ما بين النصين من اختلاف وبرأة من الكذب إلا أنه أشار إلى أنه" يأخذ عن أهل الأهواء". شرح الجامع الصحيح. ثم أورد نصوصا من سير الشماخي والسير العمانية في الثناء على أهل النهروان وألح على أن المخالفين( غير الإباضية يروون أحاديث غير صحيحة أو يتأولون.
ثم يبين الحديث عندنا (الإباضية )في علماء السوء وفي كل من خالف عمله .شرح الجامع الصحيح 1/58.كتاب الله وسنة رسوله
كما يمكن أن يحمل على غلاة الخوارج من الأزارقة والصفرية و القائلين بشرك أهل الكبائر فإنهم يجتهدون في التحرز والعبادة لئلا يقعوا في الشرك ...وحمله على كل من خالف الحق في عبادته أظهر. السالمي: شرح الجامع الصحيح 1/59".
أما المحشي في حاشية الترتيب( الجامع الصحيح) فقد اكتفى بالشرح اللغوي 1/55. وقد ورد الحديث عند الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 1/12 عدد36.
وقد أخرجه البخاري في باب من ترك قتال الخوارج للتألف.ر. ابن حجر: فتح الباري. القاهرة 1348هـ 12/244-246.
(18) مخدج: من خدج أي نقص، لم تكتمل خلقه يده.
(19) وبين المبرد مدى الإلحاح للعثور على الرجل المخدج في قتلى أهل النهروان ر. المبرد: المتكامل2/163. والكلام عن ذي الخويصرة وتعريفه تردد المؤرخون في شأنه كثيرا ر. ابن حجر: فتح الباري، 21/245.
(20) المهلب بن أبي صفرة(7-83/628-702) ولد في دبا ونشأ بالبصرة، وقدم المدينة مع أبيه في أيام عمر. انتدب لقتال الأزارقة فلقي منهم الأهوال، ثم تغلب عليهم فقتل الكثير وشرد الكثير. ولي خراسان79-698 ومات فيها ر. الزركلي: الأعلام 8/ 260.
________________________________________
فالتسمية مغرضة حينئذ وإن لطفت في كثير من الأحيان بتغطيتها بالخروج السياسي على علي بن أبي طالب(40/ 660) وإن كان الأمر على هذه الحال فلماذا لم يسم طلحة (28 ق هـ 36/ 596- 656) (21) والزبير (36/ 656) (22) ، وقد خرجا على علي من قبل، خوارج ولم يطلق هذا الاسم على معاوية إذ هو الآخر شق عصا الطاعة على الخليفة الشرعي ووقف ليحاربه في صفين ألا أنه خرج يطالب بدم عثمان؟ أم لأنه انتصر في ما بعد بالخديعة التي أقرها جميع المؤرخين بمن فيهم أنصار معاوية إلا أنهم اعتبروها من باب الدهاء والحكمة بينما اعتبرها الآخرون من باب الخيانة وكفى.
ثم أضافت كتب الملل والنحل ثلاث صفات قارة للخوارج: أهل الأهواء. أهل البدع والمارقة. عدا بعضا منها تنسب شيئا من الاعتدال أو القرب من السنة أو من أهل السنة لبعض الفروع المنبثقة من الخوارج (23) إلا أن هذا العنوان الأخير يغطي عادة ذلك الاعتدال.
بهذا نفهم أن هذه التسميات لم تكن منزلة كما أنها لم تكن اعتباطية وإنما هي تابعة من واقع مرير عرفه المسلمون إثر ثلاثين سنة من الأمن والطمأنينة عرفوها تحت ظلال الإسلام الصرف الذي لم تشبه شائبة المشاكسة والافتراق (24) .
وقبل أن نبين موقف الإباضية من هذه الأحداث من خلال تراثهم يحسن أن نثبت نصوصا متضاربة في الحكم لمن عرفوا بالخوارج أو عليهم.
فهذا الإمام علي عندما سئل عنهم قال:" هم من الكفر فروا" (25) .
وهذا المبرد يقول:" والخوارج في جميع أصنافها تبرأ من الأكاذيب ومن ذي المعصية الظاهرة" (26) .
وهذا عروة بن أدية (تـ58/ 678) يموت شهيدا لأنه قال كلمة حق أمام سلطان جائر وذلك عندما سأله زياد ابن أبيه (1- 53/ 622- 673) (27) عن نفسه فقال: أولك لزينة وآخرك لدعوة وأنت بعد عاص لربك" (28) .
وهذا قول أحمد أمين (1374- 1374/ 1886- 1954م):" لقد كان في الخوارج كل العناصر التي تكون الآدب: عقيدة راسخة لا تزعزعها الأحداث وتحمس شديد لها، تهون بجانبه الأرواح والأموال، وصراحة في القول والعمل لا تخشى بأسا ولا ترهب أحدا، وديمقراطية حقة لا ترى الأمير إلا كأحدهم ولا العظيم إلا خادمهم، ورسم الطريق الذي ينبغي أن يسلكوه رسما مستقيما واضحا لا عوج فيه ولا غموض يجب أن يعدل الخليفة والأمراء، وإلا يقاتلوا حتى يعزلوا أو يقتلوا ويجب أن يسير المسلمون حسب نصوص الكتاب والسنة من غير أن ينحرفوا عنها قيد شعرة، وإلا يقاتلوا ليحل مسلمون مخلصون طاهرون، ويجب أن يسلك السبيل إلى ذلك من غير تقية ومن غير مجاملة ولا مواربة ويجب أن يقابل الواقع كما هو ويشخص كما هو ويعالج كما هو على طريقة عمر بن الخطاب لا على طريقة عمرو بن العاص.
ووراء ذلك كله نفوس بدوية- غالبا- فيها الاستعداد للقول وفصاحة اللسان وفيها كل ما نعهده في البدوي من قدرة على البيان وسرعة البديهة وأداء للمعنى بأوجز عبارة وأقوى لفظ" (29) .
إنك إذا قرأت هذه النصوص ما أخالك إلا أن ترجو من الله تعالى أن يجعلك خارجيا وأن يميتك خارجيا وأن يحشرك في الجنة خارجيا لأن مثل هذه الصفات لا تحيد عن القرآن والسنة قيد أنملة إذ هم فروا من الكفر وهم أسود النهار ورهبان الليل لا يعرف الكذب والمعصية إليهم سبيلا، كما أنهم يصدعون بكلمة الحق ويدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة.
وهذه شهادات من غير الخوارج أما إذا قرأن إنتاجهم وهو مثبوت في كتب الأدب والتاريخ فإنك سترى العجب العجاب مما يجعلك تقر أنهم مسلمون بأتم معنى الكلمة.
لكن رويدا ولا تتسرع في حكمك واقرأ ما جاء عن الخوارج في كتب المقالات وخاصة ما نسب إلى بعض الفرق منهم.
وخذ لك على سبيل المثال قول الأشعري (30) (330/ 942):" فالفرقة الأولى منهم (الخوارج الإباضية) يقال لهم الحفصية" كان إمامهم حفص ابن أبي المقدام". زعم أن بين الشرك والإيمان معرفة الله وحده فمن عرف الله سبحانه ثم كفر بما سواه من رسول أو جنة أو نار أو عمل الخبائث من قتل النفس واستحلال الزنا وسائر ما حرم الله من فروج فهو كافر برئ من الشرك..." (31) .
=====================
(21) طلحة بن عبدالله بن عثمان التميمي( 28 ق هـ -36/596-656) ر. الزركلي: الأعلام 3/333.
(22) الزبير بن العوام الاسدي(ت 36/656) ر. الزركلي: الأعلام 3/74.
(23) انظر مثلا أبا زهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية. ط دار الفكر العربي د ت1/91.
(24) عدا ما حدث يوم السقيفة عند وفاة الرسول عليه السلام.
(25) وقال أيضا :" ولما فقد علي تلك الأصوات بالليل كأنها دوي النحل قال: أين أسود النهار ورهبان الليل". السالمي: شرح الجامع الصحيح 1/57.
(26) المبرد: الكامل: 2/134.
(27) زياد ابن أبيه(1-53/622-673) من أهل الطائف. أسلم في عهد أبي بكر. ولاه علي ابن أبي طالب إمرة فارس، امتنع عن معاوية. ثم ألحقه معاوية بنسبه سنة44/664 لما تبين له أنه أخوه من أبيه(أبي سفيان) فكان عضده الأقوى. ززلاه البصرة والكوفة وسائر العراق. فلم يزل في ولايته إلى أن توفي. ر. الزركلي: الأعلام 3/89-90.
(28) ر. المبرد: الكامل2/134.
(29) أحمد أمين: ضحى الإسلام.ط 7 مكتبة النهضة المصرية. القاهرة. 1964
(30) الأشعري:(260-324/847- 936) أبو الحسن علي بن إسماعيل من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري. مؤسس مذهب الأشاعرة.كان من الأئمة المتكلمين المجتهدين. ولد في البصرة وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم. ثم رجع وجاهر بخلافهم. وتوفي ببغداد ر. الزركلي: الأعلام 5/69. مع ملاحظة أن محقق المقالات أقر تاريخ الوفاة سنة 330/942.
(31) الأشعري:المقالات1/183.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 05:47 AM
ويقول الملطي( 377/ 988) (32) :" فأما الفرقة الأولى من الخوارج فهم المحكمة الذين كانوا يخرجون بسيوفهم في الأسواق فيجتمع الناس على غفلة فينادون: لا حكم إلا لله ويضعون سيوفهم في من يلحقون من الناس، فلا يزالون يقتلون حتى يقتلوا" (33) .
ويقول البغدادي(429/ 1037) (34) :" والذي جمعهم (الأزارقة) من الدين أشياء منها قولهم بأن مخالفيهم من هذه الأمة مشركون... ومنها قولهم إن القعدة ممن كان على رأيهم عن الهجرة مشركون وإن كانوا على رأيهم..." (35) .
ولا أخال إنسانا يتمنى أن يكون خارجيا بعد أن يقرأ مثل هذه النصوص التي يستحل بعض أصحابها ما حرم الله ويكفرون بالرسل ويروعون الناس في الأسواق ويعتبرون مخالفيهم مشركين.
وليس لنا في نهاية الأمر أن ننتصب حماة للخوارج أو مشنعين عليهم وإنما غايتنا بإيراد القسم الثاني من هذه النصوص أن نبين ما جنت على الإباضية خاصة من العنت والعناء وما يزال علماؤهم يكتبون- وهم في قفص الاتهام- لإبعاد هذا النسب ولمسح هذه التهم وما يزال الناس يكتبون عن الفرق وعمدتهم هذه المصادر وأمثالها فيزيدون في تركيز هذه التهم وإبعاد الهوة بين الإباضية وبين بقية المسلمين وكأن الاباضية ليسوا من الإسلام في شيء، لأنهم هم الصنف الوحيد الذي بقى من هؤلاء الخوارج (36) .
والسؤال المطروح الآن تقليدي عند الاباضية- هل الاباضية من الخوارج؟ وإن كان غير الإباضية يعتقدون أن الخارجية قصرت عليهم الآن وكفى.
لقد اتسمت الحركة الإباضية بالسرية الكاملة في بداية نشأتها ولذلك يصعب على غير الإباضية أن يتصوروا بوضوح حقيقة علاقة هذه الحركة بحركة الخوارج.
والمتتبع لأقدم المصادر في هذا الشأن يدرك ما يلي:
1) أن المعارضة التي مني بها عثمان في الست سنوات الأخيرة من حكمه شرعيه، وهي منبثقة من الواقع الإسلامي ولا دخل ليد أجنبية في ذلك إذ تسكت المصادر عن دور عبدالله بن سبأ (37) الأمر الذي تلح عليه المصادر الأخرى.
2) خلافة علي شرعية (35- 40/ 656- 661).
3) طلحة والزبير ومن معهما هم الفئة الباغية ومحاربة علي إياهم واجب شرعي (38) .
4) محاربة علي لمعاوية شرعية.
5) علي أفسد بيعته بقبوله التحكيم.
6) إمامة عبدالله بن وهب الراسبي (39) الذي بايعه المحكمة بيعته شرعية.
7) يبرءون من علي لقتله أهل النهروان ( مكرر 39) ويعتبرون أن عليا لم يقتلهم عن ديانة وإنما عن هوى في نفسه.
وخلاصة القول إن المحكمة على حق يرون مثلهم الأعلى في الحكم خلافة أبي بكر وست سنوات من خلافة عثمان وخلافة علي حتى قبوله التحكيم.
وهؤلاء هم من بقي من النهروان (40) .
=================
(32) الملطي(ت377/987) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن أبو الحسين الملطي المقرئ. قال عنه ابن الجزري: نزيل عسقلان. فقيه. مقرئ متقن ثقة. مات بعسقلان سنة 377/987.ر. مقدمة كتاب التنبيه لمحمد زاهد حسن الكوثري حررها بالقاهرة 1368/1949.
(33) الملطي: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع:64.
(34) البغدادي(ت429/2037)عبد القاهر بن طاهر البغدادي. ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر في نيسابور، ومات في اسفرائين. من أثمة الأصول ر. الزركلي: الأعلام 4/173.
(35) البغدادي: الفرق بين الفرق:62-63.
(36) كل من بشير إلى تعداد الفرق أو يذكر الإباضية يشير إلى ذلك، ومن ذلك ما يذكره أبو زهرة في كتابه: تاريخ المذاهب الإسلامية1/91: "الإباضية هم أتباع عبدالله بن اباص وهم أكثر الخوارج اعتدالا وأقربهم إلى الجماعة الإسلامية تفكيرا فهم أبعدهم عن الشطط والغلو ولذلك بقوا".
وكذلك ما يقوله محمد عبده(1265-1323/1849-1905): " وغلا الخوارج فكفروا من عداهم...وانتشرت فأرتهم في أطراف البلاد ولم يكفوا عن إشعال الفتن. وبقيت منهم بقية إلى اليوم في أطراف إفريقيا وناحية من جزيرة العرب. ويعلق رشيد رضا بما يلي: " إنه يعني بهذه البقية الإباضية ...ولكن الإباضية يتبرأون من الخوارج الذين يكفرون من يخالفهم كالصفرية والازارقة". محمد عبده: رسالة التوحيد 12، تعليق عدد 1،ط15 دارالمنار. مصر1372. وعن محمد عبده ر.الزركلي: الاعلام7/131.
(37) عبدالله بن سبأ(ت نحو 40/660) رأس الطائفة السبئية. وكانت تقول بألوهية علي. أصله من اليمن، قيل كان يهوديا وأظهر الإسلام.رحل إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته.ر. الزركلي:الاعلام4/220.
(38) جابر بن زيد (ت93-/710/711) وأبو بلال(ت61/680) اتصلا بأم المؤمنين عائشة(9ق هـ-58/613-678) وعاتباها فتابت".ر. البرادي: الجواهر. المطبعة البارونية. القاهرة 1302 ،ص105، الشماخي: السير، المطبعة البارونية، القاهرة1301هـ،ص67.
(39) عبدالله بن وهب الراسبي(9صفر38/17جوان658: هو عبدالله بن وهب بن راسب بن يدعان بن مالك بن نصر من الأزد، وهي قبيلة نزلت البصرة.أدرك النبي صلى الله عليه و سلم ، وشارك في فتوح العراق بقيادة سعد بن أبي وقاص (55/674). كان من أنصار علي في حروبه، ثم أنكر التحكيم.بايعته المحكمة عندما ثبتت خدعة الحكمين في (20شعبان37/31 جانفي658).فطلب منهم علي الخروج للمناصرة إلا أنهم استتابوه وطلبوا منه الدخول في ما دخل فيه المسلمون.
وجاء في رسالة المحكمة إلى علي بن أبي طالب:...إن كنت صادقا فادخل في ما دخل فيه المسلمون من طاعة الله وطاعة رسوله إمام المسلمين عبدالله بن وهب الراسبي، فقد بايعناه بعد خلعنا إياك لاستحقاقك منا أن نخلعك ولا وسع إلا ذلك والسلام" سرحان الأزكوي: كشف الغمة، ورقة281.
وقتله في معركة النهروان هانئ بن خطاب الأرحبي وزياد بن حفصة في 9صفر38/17جوان658.
ويعتبرون الإباضية من أئمتهم.ر: الدرجيني: الطبقات2/210،والشماخي:السير51.ر.عمار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية 1/88-95، وقد توسع في ترجمته . ويقول الزركلي:" من أئمة الإباضية كان ذا علم ورأي وفصاحة وشجاعة وكان عجبا في العبارة. أدرك النبي صلى الله عليه و سلم ". الاعلام4/288.
(39 مكرر) النهروان: كورة واسعة بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي حدها الأعلى متصل ببغداد .وفيها عدة بلاد متوسطة .ر. ياقوت الحموي: معجم البلدان5/324-327.
(40) ر. البرادي: الجواهر ص146.
________________________________________
وقد كانت المصادر الإباضية تسميهم المحكمة أو أهل النهروان أو الحرورية (40 مكرر) ، أو المسلمين أو جماعة المسلمين.
وكان على رأس هؤلاء عروة بن أدية (41) الذي قتله عبيد الله بن زياد ابن أبيه وأخوه أبو بلال مرداس (42) هو الذي انطلق شاريا إثر موت أخيه واتضح أمره خاصة مع عبيد الله بن زياد (43) .
وقد رأينا أن أبا بلال اتصل بعائشة مع جابر بن زيد (44) ، فبتحول موقف أبي بلال إلى الشراء اعترفت المحكمة بالرئاسة لجابر بن زيد.
وقد سلك جابر بن زيد مسلك الكتمان والتقية، وأمره بقتل خردلة (45) أكبر دليل على ذلك.
وما أن صعد عبيد الله بن زياد العنف حتى ظهرت في صفوف المحكمة حركة تدعو إلى التخلي عن الكتمان وإلى استعمال العنف ورد القوة بما هو أشد منها يتزعمها نافع بن الأزرق (46) .
أما جابر بن زيد( 93/ 710- 711) ومن معه وخاصة منهم عبدالله ابن اباض (47) رأوا ألا سبيل إلى النجاة بحركتهم إلا بالقعود وتركيز حركة ثقافية محورها حفظ تعاليم الإسلام (48) .
وبهذا انقسمت المحكمة إلى حركتين متعارضتين:
- حركة جابر بن زيد وقد بقيت محافظة على مسالك المحكمة وبقيت تحمل نفس التسميات التي ذكرها نافع مع أن المنافح عنها بصفة علانية هو عبدالله بن إباض (49) مع تغليب التسميتين الأخيرتين "المسلمون" "جماعة المسلمين" وإضافة "أهل الدعوة".
- حركة نافع بن الأزرق ومن والاه (50) وقد تبنت في ما تذكر المصادر غير الأزرقية مبدأ رد القوة بالقوة اعتمادا على الأسس التالية:
1) اعتبار دار المخالفين دار شرك.
2) إقرار مبدأ الاستعراض (51) أي قتل كل من يعترضهم من المخالفين بما في ذلك الأطفال والنساء.
3) ضرورة الخروج والهجرة (52) إلى معسكرهم أي دار الإسلام.
4)تحريم القعود (53) عن الحرب واعتبار القعدة مشركين (54) .
=====================
(40مكرر) وسبب تسميتهم الحرورية محاورة علي إياهم بحروراء: قيل هي قرية بظاهر الكوفة وقيل موضع على ملين منها .ر. ياقوت الحموي، معجم البلدان2/245 ويقول المبرد:" فرجع معه منهم ألفان من حروراء وقد كانوا تجمعوا بها، فقال لهم علي صلوات الله عليه: ما نسميكم؟ ثم قال: الحرورية لاجتماعهم بحروراء." المبرد: الكامل 2/136.
(41) عروة بن أدية (ت58/678): عروة بن حدير التميمي، وأدية أمه. أول من قال: لا حكم إلا لله، وسيفه أول ما سل من سيوف أباة التحكيم . وذلك أنه عاتب الأشعث فشهر سيفه وضربه فأصابعجز بغلته، وحضر حرب النهروان فكان أحد الناجين منها وعاش إلى زمن معاوية فجيء به إلى زياد ابن أبيه، فسأله عن أبي بكر وعمر فقال خيرا وسأله عن عثمان وعلي فأثنى على عثمان في ست سنين من خلافته وشهد عليه بالكفر في البقية، وأثنى على علي إلى يوم التحكيم ثم كفره( والكفر كفر نعمة لا كفر شرك) فسأله عن نفسه فأغلظ له فأبقى عليه إلى أن كانت أيام عبيد الله بن زياد فقتله عبيد الله" .ر.الدرجيني: الطبقات2/214-225.ر. الشماخي السير: 67.ر.الزركلي: الاعلام5/16-17.
(42) أبو بلال مرداس بن حدير(ت61هـ/ 680): مرداس بن حدير بن عامر ابن عبيد بن كعب الربعي الحنظلي التميمي، أبو بلال ويقال له مرداس بن أدية وهي أمه، من عظماء الشراة، وأحد الخطباء الأبطال العباد ، شهد صفين مع علي، وأنكر التحكيم، وشهد النهروان وسجنه عبيد الله بن زياد في الكوفة، ونجا من السجن فجمع نحو ثلاثين رجلا ونزل بهم في آسك (بالأهواز بين رامهرمز وارجان) وأذاع في الناس أنه لم يخرج ليفسد في الأرض ولا ليروع أحدا، ولكن هربا من الظلم، وأنه لا يقاتل إلا من يقاتله، ولا يأخذ من الفيء إلا أعطياته وأعطياته أصحابه، فوجه إليهم عبيد الله بن زياد جيشا كبيرا فهزموه ووجه ثانيا يقوده عباد بن علقمة المازني فنشب قتال في يوم جمعة إلى الظهر، وتوادع الفريقان إلى ما بعد الصلاة فلما كان مرداس وأصحابه في صلاتهم أحاط بهم عباد فقتلهم عن آخرهم وحمل رأس مرداس إلى ابن زياد.وهو أخو عروة بن حديد. ر: الدرجيني: الطبقات 2/214-225،ر : الشماخي: السير66-67،ر: الزركلي: الاعلام6/86.ر. عوض خليفات : نشأة الحركة الإباضية ،ط.عمان.الاردن.1978ص70، وشك في انتصار 40 على 2000 ورجح أن الحوار أقنع القائد الأموي أسلم بن زرعة بصحة وجهة نظر مرداس. لكن السؤال المطروح كيف قوبل هذا القائد من سادته المويين؟ وكذلك أحببنا لو علق خليفات على الخيانة التي اعتمدها القائد الثاني لاستئصال مرداس وجماعته. وتبقى القضية فعلا محل نظر.
(43) عبيد الله بن زياد ابن أبيه(28-67/648-686): وال فاتح من الشجعان جبار خطيب ولد بالبصرة وكان مع والده لما مات بالعراق فقصد الشام، فولاه عمه معاوية خراسان سنة (53/673) فاقأم بخراسان سنتين ثم نقله معاوية إلى البصرة أميرا عليها(55/675) فقاتل الخوارج واشتد عليهم وأقره يزيد على إمارته(60/679) وكان مقتل الحسين على يديه، وثب عليه أهل البصرة بعد موت يزيد (65/684) فاختفى في الشام وقتله إبراهيم بن الاشتر عندما تفرق عنه أصحابه في خازر من أرض الموصل.ر: الزركلي: الاعلام4/347-348.
(44) جابر بن زيد(93/710-711): هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي الجوفي البصري العماني، والجوفي نسبة إلى ناحية بعمان. وأصله من فرق وهي بلدة من أعمال نزوى بالقرب منها، وكان من اليحمد من ولد عمرو ابن اليحمد. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب أي(سنة 21/641-642).رحل في طلب العلم وصاحب عبدالله بن عباس وكا أشهر من صحبه وقرأ عليه، كما أخذ عن جمع غفير من الصحابة إذ يقول:" أدركت سبعين رجلا من أهل بدر فحويت ما بين أظهرهم إلا البحر" يعني ابن عباس لغزارة علمه. لقد استقر في البصرة ونسب إليها وهو أصل المذهب الإباضي، وهو أول من جمع الحديث في ديوان( مفقود) تروي المصادر أنه وقر بعير.
وقد أخذ عنه العلم ناس كثير من بينهم الإمام الثاني للإباضية وهو أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة التميمي، وعنه روى الربيع بن حبيب كتاب الجامع الصحيح وهو عمدة الإباضية في الحديث ط بالقاهرة بالمطبعة السلفية1349. ر. الدرجيني: الطبقات2/205-212، والشماخي: السير: 70ر: الناميك الأطروحة ص54-93 وقد أحال على كل المصادر الإباضية وغير الإباضية ر.عوض خليفات: نشأة الحركة الإباضية ص86-102.
(45) وخردلة: أجار الإمام اغتياله لأنه كان ضمن المحكمة ثم فضح شيئا من أسرارهم. ر: الشماخي: السير:75-76.
(46) نافع بن الأزرق (ت65/685): نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري أبو راشد، رأس الازارقة وإليه نسبتهم. كان أمير قومه وفقيههم. من أهل البصرة صحب في أول أمره عبدالله بن عباس وله أسئلة رواها عنه... وكان هو وأصحابه من أنصار الثورة على عثمان ووالوا عليا إلى أن كانت قضية اللتحكيم بين على ومعاوية فاجتمعوا في حروراء وهي قرية من ضواحي الكوفة.
ويقول الذهبي إنه كان يذهب إلى سوق الأهواز ويعترض الناس بما يحير العقل. ولما ولي عبيد الله بن زياد إمارة البصرة(55/680) في عهد معاوية اشتد على الحروريين وقتل زعيمهم أبا بلال سنة61/680.
سار في نصرة عبدالله بن الزبير على الأمويين لكن لما علم الحروريون موقفه من عثمان انفضوا من حوله، وكان من المشاركين في اجتماع المحكمة في البصرة سنة(64/683). وتروي المصادر الإباضية أن عبدالله بن إباص تخلف مع آخرين بينما خرج نافع ومن وافقوه واستمروا في مقاتلة الأمويين، وقاتله المهلب بن أبي صفرة ولقي الأهوال في حربه، وقتل يوم "دولاب" على مقربة من الأهواز.ر. الزركلي: الأعلام: 8/317.
ملاحظة: لا بد من التحري في أخبار نافع بن الأزرق وجماعته فحتى المصادر الإباضية انساقت مع جميع كتب التاريخ في التهجم على الأزارقة ولعلها كانت أشد لأن المنطلق واحد ثم كان الافتراق بعد اجتماع البصرة.
(47) عبدالله بن اباض التميمي المري(تقبل86/705): "إمام أهل التحقيق والعمدة عند شغب أولي التفريق"(الشماخي:السير 77). سكتت المصادر عن نشأته الأولى إلا أنها تشير إلى أنه كان يعمل برأي الإمام جابر بن زيد ونسب المذهب إليه لبروزه على المواجهة السياسية خاصة في اجتماع المحكمة بالبصرة سنة (64/683) وانفصاله على أساس عدم جواز تشريك من يقام الأذان في مساجدهم. وكذلك في مراسلاته لعبد الملك بن مروان (65-86/685-705).
وقد وضح موقف الإباضية من الأحداث السياسية بجرأة رغم ما فيها من إساءة للأمويين.ر: البرادي: الجواهر165-167. والراجح أنه توفي قبل 86/705.ر: الدرجيني: الطبقات2/214،ر: الشماخي: السير:77.ر: عوض خليفات : نشأة الحركة الإباضية 75-85،ر. عمار الطالبي: أراء الخوارج الكلامية1/193.
(48) اجتماع عبدالله بن إباض ونافع بن الأزرق في صومعة الجامع:" وذلك أمن المسلمين بعد قتل أبي بلال اجتمعوا بجامع البصرة وعزموا على الخروج، وفيهم عبدالله بن إباض ونافع بن الأزرق ووجوه المسلمين، فلما جن الليل سمع عبدالله دوي القراء وترنين المؤذنين وحنين المسبحين فقال لأصحابك أعن هؤلاء أخرج معهم ، فرجع وكتم أمره"(البغطوري: سير مشائخ نفوسة ص3خ بمكتبة سالم بن مروان .البرادي: الجواهر ص 156.
(49) رسالة إلى عبد الملك بن مروان . البرادي: الجواهر ص 156.
(50) ما لم نعثر على نص للأزارقة أي من إنتاجهم الخاص يبقى في أحكامنا لهم أو عليهم نظر، ونحن نعلم مثلا أن رسالة عبدالله بن إباص تسكت عنها في ما نعلم جميع كتب التاريخ عدا ورودها في المصادر الإباضية، رغم أن هذه المصادر تتحدث عن عبدالله بن إباص ، ولعل الأمر كذلك بالنسبة إلى نافع ابن الأزرق وإن كانت كتب التاريخ تورد له عدة مراسلات وخطب لكن ماذا تنتخب من هذا التراث؟.
(51) الاستعراض: قتل كل المخالفين على أساس أنهم مشركون.
(52) الهجرة: أن تتحول إلى معسكرهم.
(53) القعود: وصمة رمى به الأزارقة الإباضية لتخليهم عن الخروج.
(54) ودليلهم على ذلك قوله تعالى:( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (6.الأنعام.121)
________________________________________
وبقيت حركة جابر بن زيد وعبدالله بن اباض تنتظر إلى أن تحول قول جماعة نافع بن الأزرق إلى عمل فبرئت منها لأنها رأت فيها خروجا عن الدين بتحميل النصوص القرآنية مالا تتحمل من التأويل (55).
وعلى هذا الأساس فهم جابر بن زيد وعبدالله بن إباض الخروج بأنه مروق من الدين، وهذا عبدالله بن إباض يقول في رسالته إلى عبد الملك:" إنا برآء إلى الله من ابن الأزرق وصنيعه وأتباعه، لقد كان حين خرج على الإسلام في ما ظهر لنا، ولكنه أحدث وارتد وكفر بعد إسلامه فنبرأ إلى الله منهم" (56).
وبهذا المفهوم تستعمل المصادر الإباضية حديث المروق من الدين.
وعلى هذا الأساس نفهم لماذا يرفض الإباضية تسميتهم بالخوارج رفضا باتا لأنهم يعتبرون أن الخوارج هم المارقة من الدين.
وإن استعملت بعض المصادر القديمة كلمة خوارج وهي تعني جماعة المسلمين فإنها كانت تميز بين الخوارج وتعتبرها مرادفة للشراء (57) وبين خوارج الجور.
وأن تكون الكلمة مرادفة للشراء أي اعتزال الحكم الجائر على ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم على طريقة أبي بلال مرداس بن حدير (58) .
بينما خوارج الجور تعني المروق من الدين، والناظر في نصوص الإباضية المتعارفة مثل خطبتي أبي حمزة الشاري (59) في مكة والمدينة وفي سيرتهم العملية عندما تحملوا أعباء الإمامة يتبين أنهم يبرأون من الخوارج بهذا المفهوم قولا وعملا ويعتبرون أعمالهم من الضلالات والبدع.
وهذا أبو الخطاب عبد الأعلى المعافري (140- 144/ 757- 761) يتولى محاربة الصفرية في القيروان عندما استنجد به أهلها (60) .
فالفارق واضح حينئذ بين " أهل الدعوة" وهي التسمية التي غلبت على من عرفوا في ما بعد بالإباضية وبين الخوارج بالمفهوم الذي بينه الإباضية.
====================
(55) ر: البرادي: الجواهر: 155-156
(56) نفس المصدر: 165
(57) الشراء: هو مسلك من مسالك الدين عند الإباضية وهي أربعة:
الظهور: الإمامة الإباضية شورى بينهم.
الدفاع: تعيين أمام في حالة محاربة العدو وتنتهي إمامته بانتهاء الحرب.
الشراء: من شروطه أن يجتمع أربعون من المخلصين فيبيعون أنفسهم في سبيل الله وهدفهم معسكر السلطان ولا يقاتلون إلا من قاتلهم.
الكتمان: تكوين نظام داخلي للإباضية.
ر. عمرو بن جميع: مقدمة التوحيد ط2 1392/1973.ص69.
(58) قال أبو بلال:" ...فإني لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلني" كما قال أيضا:" أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة"ر: المبرد: الكامل2/183.
(59) أبو حمزة المختار بن عوف(ت130/748): المختار بن عوف بن سليمان بن مالك الازدي السليمي البصري. ثائر. من الخطباء القادة. ولد بعمان. إباضي. أرسله أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة وبلج بن عقبة نجدة لعبد الله بن يحيى (طالب الحق) وتوجه أبو حمزة من اليمن يريد الشام لقتال مروان بن محمد وتبعه جميع أهلها، ومر بالمدينة فقاتله أهلها في قديد" فقاتلهم ودخلها عنوة ثم تابع زحفه نحو الشام، وقد ألقى خطبة بمكة وأخرى بالمدينة ما تزال كتب الأدب تنوه بقيمتها البلاغية.
فوجه مروان بن محمد إليهم جيشا بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطية السعدي وانتهت المعركة بمقتل أبي حمزة 130/748 ر: الدرجيني: الطبقات2/258-267 وقد أورد الخطبتين ص 266 و267.
ر: الشماخي: السيرص98-101،ر: الزركلي: الاعلام8/71.
(60) ر. الشماخي: السير ص126-127 وأبو الخطاب هو أحد حملة العلم إلى المغرب وهو من أصل يمني.
________________________________________
فإن كان هؤلاء يعتبرون دار المخالفين دار شرك ويقولون بالاستعراض والخروج وتحريم القعود فإن أهل الدعوة يعتبرون دار المخالفين دار توحيد عدا معسكر السلطان فإنه دار حرب لا دار شرك (61) .
ولا يقولون بالاستعراض ولا يستحلون من المحاربين إلا دماءهم ولا سبي ولا غنيمة على طريقة علي بن أبي طالب مع طلحة والزبير.
كما يقولون ألا هجرة بعد الفتح ويقررون مبدأ القعود عن الثورة وسموا ذلك مسلك الكتمان حيث لا يجيزون الخروج إلا إذا صار عددهم نصف عدد العدو وكذا العدة والطاقة.
فثبت حينئذ أن التسميات التي اختارها هؤلاء الناس لأنفسهم منذ تاريخهم المبكر هي" المحكمة" "المسلمون" "جماعة المسلمين" "أهل الدعوة" كذلك انضافت في ما بعد "أهل الحق" و"أهل الاستقامة".
كما قبلوا على ما يبدو التسمية التي أسندت إليهم وعرفوا بها عند كتاب المقالات من القرن الرابع هجري وهي" الاباضية" ويبدو أنها لم تظهر لأول مرة إلا في عقيدة من عقائدهم معروفة بالدينونة الصافية لعمروس ابن فتح (283/ 896) (61 مكرر).
إلا أن كلمة "أهل الاستقامة" و"أهل الدعوة" بقيتا مستعملتين مع "الاباضية" وان غلبت في العهود الأخيرة كلمة الاباضية. (مع غلبة تسمية أخرى تختلف بين إباضية المشرق وإباضية المغرب وهي "الوهبية".
وإن رأى إباضية المشرق أنها نسبة إلى الإمام عبدالله بن وهب الراسبي فإن إباضية المغرب يرون أنها نسبة إلى الإمام عبد الوهاب بن رستم (171- 211/ 787- 826) (62) إثر التصدع الذي طرأ في صفوف الإباضية من قبل من أنكروا إمامة عبد الوهاب.
ولم يتأفف الإباضية في ما نعلم من نسبتهم إلى عبدالله بن إباض لأنه أحد أئمتهم وإن اعتبروها مجرد تسمية للتمييز وإلا فهم متمسكون بتسميتهم الأولى:" جماعة المسلمين" وهي المحببة لديهم مع "أهل الدعوة".
وإن تعجب بعضهم (63) من تأفف الإباضية من حشرهم في زمرة الخوارج وحاول أن يلطف من الحدة الواردة في كتب الملل والنحل وفي كتب المحدثين على الخوارج عامة (64)ويسعى آخر (65) إلى أن يمسح السبة بإبراز مزايا الخوارج واعتبارهم أنصار الإمام علي فإن هذا لا يحول من الواقع شيئا فإن الاباضية قاسوا من هذه النسبة من إخوانهم المسلمين آلاما كثيرة وسنركز خاصة على ما جاء في نصوص القرون المقررة.
ولنذكر بعضا من هذه الآلام في ما يلي:
- إخراج سحنون (160- 240/ 776- 854) إياهم مع جملة من أخرج من جامع عقبة عندما طهر- حسب رأيه- هذا الجامع من أهل الأهواء والبدع (66) ولعلهم لو لم يكونوا تحت هذا العنوان لبقوا، وإن كان قرار الإمام صارما فلا حياة إلا لمذهب مالك (93- 179/ 712- 795) (67) .
- واقعة مانو(283/ 896) (68) التي لم يبق فيها من علماء الإباضية إلا اثنان بعد أن كانوا أربعمائة والتي تقرب فيها إبراهيم الثاني الاغلبي (261- 289/ 874- 901) أحسن قربى إلى الله عندما ثبت لديه كفرهم (69).
- حملة المعز بن باديس(406- 453/ 1015- 1061) على جربة (431- 1039) (70) .
- إزالة الإباضية من منطقة قصطيلية (الجريد): فنزل عسكر لصنهاجة على قلعة بني درجين أرسله المعز بن باديس فحاصرها حصارا شديدا وذلك سنة (440/ 1048) فلما اشتد عليهم الحصار ولا منجد لهم خرجوا عليهم خروج رجل واحد يقاتلون حتى قتلوا عن آخرهم واستبيح ما في القلعة وهدمت وأحرقت (71).
- تخريب يحي بن إسحاق الميورقي (ت633/ 1236) لسدراته ووارجلان سنة 726/ 1326، وإن كانت حملته أوسع من الهجوم على الإباضية يقول الدرجيني في ذلك:" فلما كانت سنة ست وعشرين أو سبع وعشرين دخلها يحيى بن إسحاق الميورقي المتلثم فهدم كل ما دار عليه سورها إلى المسجد وعادت وارجلان كأن لم تغن بالأمس" (72).
- هجوم درغوث باشا على جربة سنة 960/ 1553" فهاجمهم درغوث باشا ودخل الجزيرة ونزل على الساحل القبلي واجتمع أهل الجزيرة وقاتلوا قتالا شديدا وترادفت العربان مع درغوث باشا فانهزم أهل الجزيرة واستشهد منهم ألف ومائتا شهيد (73) ثم بعد حين أعدم شيخها داود التلاتي(967/ 1560).
-
هذا شيء مما نال الإباضية من الضير نتيجة نسبتهم إلى الخوارج.
كما أننا مهما نوهنا بالخوارج لضم الإباضية إليهم فلن نقلب وجه التاريخ ونمسح ما فعل.
=========================
(61) انظر ما يلي ص506
(61 مكرر) النامي: الاطروحة2/43. كوبرلي: الأطروحة 11-38.
(62) عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم(171-211/687-826). ثاني أئمة بني رستم أخذ العلم عن أبيه. وتنوه المصادر بغزارة علمه ورجاحة عقله. وقد سلك والده مسلك عمر بن الخطاب فجعل الإمامة شورى بين سبعة ممن رأى فيهم الصلاح.ورغم ذلك أنكر إمامته يزيد بن فندين أحد الأعضاء المختارين للشورى وخلف بن السمح عامله بطرابلس لكنه استطاع بحكمته إخماد هاتين الثورتين واستقر الأمر له طيلة أربعين سنة عرفت فيها الإمامة ازدهارا ملحوظا.ر: ابن الصغير: تاريخ الدولة الرستمية بتاهرت ص9-15 نشر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية تونس1976.ر: سليمان ابن عبدالله الباروني: الأزهار الرياضية 2/166. المطبعة البارونية القاهرة د. ت ر. الزركلي: الاعلام4/333-334.
(63) عمار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية.ط الجزائر 1398/1978 1/205 .
(64) ويقول1/207: " وليس هذا دفاعا عن الخوارج" نفس المصدر السابق1/205.
(65) سليمان بن يوسف: الخوارج أنصار الإمام علي. دار الشعب قسنطينة الجزائر 1403/1983.
(66) كان أول من شرد أهل الأهواء من المسجد الجامع، وكانوا فيه حلقا للصفرية والإباضية مظهرين لزيغهم. أبو العرب القيرواني (333/944): طبقات علماء إفريقية وتونس. الدار التونسية للنشر1968ص184.ولزيادة التفصيل عن سحنون(160-240/771-854) ر. نفس المصدر ص184-187 مع التعليق1ص184.
(67) ) بماذا قابل الأمام عبد الرحمن بن رستم (160-168/776-784) هذا الانغلاق؟ لقد قابله بالتسامح المطلق حيث مكن جميع الفرق من التعايش في جامع تاهرت ر.الزركلي: الاعلام6/126.
(68) مانو: موقع بين شط الفجاج وخليج السرت الصغير، جنوب قابس، قرب مارث أو مارث نفسها(مارتا الرومانية) ر. محمد حسن تحقيق السير. م3/559.
(69) ر: الشماخي: السير 268ر. محمد الطالبي: الإمارة الأغلبية.ط باريس 1966.301-302. وعن إبراهيم:ر. ح حسني عبد الوهاب: خلاصة تاريخ تونس، الدار التونسية للنشر.1968ص 67.
(70) ر. الجعبيري: نظام العزابة: 296 وبه جميع الإحالات، وعن المعز.ر.ج.حعبد الوهاب: خلاصة تاريخ تونس:109.
(71) ر. الدرجيني: الطبقات2/284،ر. الشماخي: السير466-467. ر. صالح باجية: الإباضية بالجريد. دار بو سلامة، تونس1396/1976 ص147-151." وعمدوا إلى المسجد الكبير من مساجد الوهبية وغسلوه بمياه كثيرة...يعتقدون أن ذلك لتطهير المسجد".
(72) الدرجيني: الطبقات2/164.
(73) محمد أبو رأس : مؤنس الأحبة في أخبار جربة . تحقيق محمد المرزوقي. المطبعة الرسمية. تونس 1960ص113
ر. ترجمة التلاتي في ما يلي 96، وعن درغوث باشا ر.ح ح عبد الوهاب خلاصة تاريخ تونس ص154.
________________________________________
أما من حيث التأليف الدفاعية في باب العقيدة فما تزال تبرأ من الانتساب إلى الخوارج منذ كتب أهل الدعوة في العقيدة وقد كتبوا كثيرا في هذا الباب.
فهذا جابر بن زيد كان يأتي الخوارج فيقول لهم:" أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين فيقولون نعم. وحرم الله البراءة منهم بدين فيقولون نعم. فيقول: أو ليس قد أحل الله دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟ فيقولون بلى. فيقول وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين. فيقولون نعم. فيقول هل أحل ما بعد هذا بدين فيسكتون" (74) .
وهذا عبدالله بن إباض يبرأ من الأزارقة (75) ويقول الشماخي:" وله مناظرات مع الخوارج وغيرهم" (76).
كما ينسب إليه الأزكوي ما يلي:" والبراءة ممن زعم أن كل دار يحكم فيها بغير ما أنزل الله لا يعذر أحد بالمقام فيها حتى يهاجروا وأن الميت والقاتل والزاني والسارق وصاحب الموبقات في دار هجرتهم مسلمون وأن فيها الثواب عند الله، وأن دار الهجرة ليس فيها منافق ولا فاسق وأن ليس فيها ما كان في دار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إنكارهم جلد شارب الخمر وهم يجلدون من أخطأ محبتهم وهم الأزارقة وأصناف الخوارج" (77).
وهذا عمروس بن فتح الملوشائي يقول:" وقالت الصفرية بتشريك أهل الكبائر من أهل التوحيد واستحلوا سبي ذراريهم وغنيمة أموالهم (78) .
وهذا أبو زكرياء يحيى الجناوني (ق 5و 6/ ق 11و 12) (79) يقول:" وليس منا من قال إن الهجرة باقية بعد فتح مكة وليس منا من قال كل من يحل دمه يحل ماله" (80) .
وهذا تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) يقول في الصفرية:" ولو كانوا (البغاة) مشركين كما قالت الصفرية:" إن كل من أصاب ذنبا مشرك يحل سبيه" لحل منهم السبي والغنيمة كما قالوا وزعموا" (81).
ويقول أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (6/ 12): "وزلة الخوارج نافع بن الأزرق وذويه حين تأولوا قول الله تعالى: ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون )(6 الأنعام 121) فأثبتوا الشرك لأهل التوحيد حين أتوا من المعاصي ما أتوا ولو أصغرها" (82).
ويقول أبو عمار عبد الكافي(6 /12):" وقالت الصفرية إن كبائرهم (أهل الملة) كفر شرك، وأسماءهم كفار مشركون محاربون كأهل حرب النبي صلى الله عليه وسلم تسفك دماؤهم وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم وهم مع ذلك قد تورث أموالهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم، ويحجّ معهم، ويصلى معهم، فقسمت الأزارقة واختارت فأخذوا ما أبوا وتركوا ما كرهوا" (83) .
وجاء في آخر رده عليهم ما يلي:" ومما يؤثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا هجرة بعد فتح مكة" وقد أتى الناس على منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان فلم يضيق على أحد منهم في اللحوق به صلى الله عليه وسلم " (84)(85) .
وهذا إسماعيل الجيطالي(750/ 1349) يقول:" ومن الناس من ضلوا من قبل فرز ما بينهما (كبائر الشرك وكبائر النفاق) (86) ، فزعمت الأزارقة أن المعاصي كلها كبائر شرك وكفر واستدلوا بقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ) (33 الأحزاب 36) وفي أمثاله من القرآن . وقالت النجدية منهم: الكبائر كلها شرك وأما الصغائر فلا" (87) .
وهذا أبو القاسم البرادي (9/ 15) يبين أن الإباضية ليسوا من الخوارج فيقول:" والمؤمن عند الخوارج هو المصوب لرأيهم المهاجر إلى معسكرهم المعتقد اعتقادهم، فهذا عندهم مؤمن مسلم وإن ترك الصلاة وشرب الخمر وزنا وسرق" وقال قبل ذلك:" والمؤمن عندنا (الإباضية) في أحكام الآخرة هو الموفي بجميع الدين وفي أحكام الدنيا هو المقر" (88) .
========================
(74) الشماخي: السير ص76
(75) انظر ما سبق 52تعليق 48
(76) ) الشماخي: السير ص77
(77) كوبرلي: الأطروحة. آخر المجلد الثالث ص21. ونوافق صاحب البحث على أن نص العقيدة يصعب أن يكون من تأليف عبدالله بن إباص، وإن كنا لا نستبعد وجود نواة لها زمن عبدالله بن إباص، والنص مستوحي من مراسلاته مع عبد الملك بن مروان. سرحان بن سعيد الازكوي: كشف الغمة ص21
(78) عمروس بن فتح: الدينونة الصافية .ص5.خ بالمكتبة البارونية. وللتعرف على عمروس ومن سيذكر من علماء الإباضية انظر ما يلي: الفصل الثاني.
(79) أنظر ما يلي:
(80) أبو زكرياء يحيى الجناوني: عقيدة نفوسة .ر. كوبرلي: الأطروحة. آخر المجلد الثالث: 13
(81) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول الدين. حققه النامي: 43.
(82) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط1. البارونية 1/15. ( ويعد الإباضية فرق مستقلة).
(83) أبو عمار الكافي: الموجز 2/116
(84) البخاري: صيد10، جهاد1، 27 194، مناقب الأنصار 45. مغازي 53 مسلم: إمارة 86. الترمذي: سير 33. النسائي: بيعة15. ابن ماجه: كفارات 12. الدارمي: سير 69.أحمد 1/226،2/215.3/22.ونسنك: المعجم: 7/67
(85) أبو عمار عبد الكافي. 2/69
(86) انظر ما يلي 519و 520
(87) الجيطالي: قواعد الإسلام، تحقيق عبد الرحمن بكلي ط1 المطبعة العربية غرداية 1977.1/37
(88) أبو القاسم البرادي: رسالة الحقائق ط ضمن مجموعة رسائل د.ت ص
________________________________________
برهان
10-20-2009, 05:50 AM
أما القرون الثلاثة التي تعنينا فقد جاءت فيها صيغة البراءة من الخوارج قائمة على منهجين:
المنهج الأول: منهج مجرد خلال بعض النصوص عند التعرض لبعض مسائل الخلاف مثل قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قضية الأسماء والأحكام (89) .
وهذا واضح في قول المحشي(11/ 17):" وسموا صفرية لاتباعهم عبدالله بن الصفار وقيل لأنهم خرجوا من دين الله.... (90)
وقوله:" قالت الصفرية (91) من أتى بالقول وضيع العمل فهو مشرك".
وقوله:" النجدية (92)من الخوارج (93) فزعموا أن الناس لا يحتاجون إلى إمام وإنما عليهم أن يقيموا كتاب الله في ما بينهم.
وليس ذلك بشيء لأنه يدعو إلى السيئة في دين الله والتعطيل لحدود الله وتضييع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد أمر الله عز وجل أن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر وأن تقام حدوده على ما بينها في كتابه" (94).
قد يستشهد بنص طويل تحليلي من كتاب الموجز في وجوب الإمامة.
وقد سلك هذا المسلك يوسف المصعبي أيضا حيث يقول:" والصفرية من الخوارج كما نبه إلى ذلك أبو عمرو عثمان بن خليفة في رسالته الموضوعة لبيان الفرق" (95) .
ويقول أيضا:" عمل الخوارج يعكس هذه القاعدة الفقهية :" كل ماله يورث حرام غنيمته وكل مال يغنم حرام ميراثه" (96).
ومثله عمر أو ستة إذ يقول:" والمارقة من الأزارقة والنجدية والصفرية القائلين بأن الإيمان كله توحيد والمعصية كلها شرك واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم بفعل المعصية بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله وإنه بعثني بالحق والبعث بعد الموت فإذا قالوها فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم إلا بحقها قيل وما حقها يا رسول الله؟ قال: زنا بعد إحصان وارتداد بعد إيمان وقتل النفس ظلما وعدوانا" (97).
وقال جابر بن زيد :أزيد رابعة من كتاب الله وهي قتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله" (98) .
" ومع هذا يستحلون من مرتكب الكبيرة المناكحة والموارثة وأكل الذبيحة" (99).
فواضح من خلال هذا المنهج أن القضية لم تنس مع بعد الزمن، ونصوص العقائد ملحة على التمييز بين الإباضية وبين الخوارج ونكتفي غالبا بالاستشهاد بنصوص السلف من أمثال أبي يعقوب أو السوفي دون أن ترجع إلى القضية من جذورها.
وهذا يختلف عن المنهج الثاني اختلافا جوهريا وهو منهج الردود.
====================
(89) انظر ما يلي...إشارة إلى أن الأحكام الشرعية ناتجة عن تحديد الأسماء فإذا قلت إن الكفر يعني الشرك فكلما أطلقت الكلمة نتج عنها معاملة المشرك.
(90) المحشي: حاشية على كتاب الوضع ص54. انظر التعليق الموالي.
(91) يقول الأشعري:" ومن الخوارج الصفرية أصحاب زياد بن الأصفر " المقالات: 1/184. وكذلك البغدادي: الفرق بين الفرق ص178. ويعلق المحقق:" سموا بمهلب ابن أبي صفرة، والجمهور" ص178، تعليق1. ويرى الاسفراييني(471/1078) أنهم أتباع زياد الأصفر." التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية من الفرق الهالكين" . تحقيق كمال يوسف الحوت ط. بيروت 1403/1983:ص53. وقد ورد ذكر عبدالله بن الصفار عند الطبري: تاريخ الملوك 4/359.
(92) نفس المصدر ص55
(93) النجدية: انظر. الأشعري، مقالات الإسلاميين 1/174
(94) المحشي: حاشية على كتاب الوضع ص79
(95) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين. ص 59. وللتعريف بالمصعبي انظر ما يلي 141
(96) نفس المصدر والصفحة
(97) البخاري: إيمان 32/36. مسلم: إيمان 17.28. صلاة28. زكاة1. اعتصام2. 28. أبو داود: جهاد95. الترمذي: تفسير سورة الغاشية. النسائي: زكاة3. ابن ماجه: فتن 1-3. الدارمي: سير 10. أحمد بن حنبل 4/8. ونسنك: المعجم المفهرس1/99
(98) أبو عمر السوفي: كتاب السؤالات خ مكتبة بو شداخ فاتو ص 56. أضيف النص لأتمام المعنى.
(99) عمر أبو ستة: المجموع المعول لما عليه السلف الأول. خ المكتبة البارونية، الحشان جربة ص 38.
________________________________________
المنهج الثاني: عرفت مناطق الإباضية في هذه المرحلة تقلصا واضحا إلى أن انحصرت في جبل نفوسة وجربة ووارجلان ووادي ميزاب.
وعايشهم في مناطقهم وأتباع المذاهب الأخرى خاصة منهم المالكية وظلوا ينبزونهم بالخارجية في قوالب متعددة أهمها:
1- التكفير والبعد عن السنة.
2- الحق مع الأكثرية.
3- بغض الصحابة.
4- رد شهادتهم لدى القضاة ومنعهم من التجارة أحيانا.
5- الفرقة الناجية هي المذاهب الأربعة.
وسلكوا في هذا مسالك شتى أبرزها كتابة رسائل هجومية منسوبة إلى أصحابها مثل رسالة صولة الغدامسي والبهلولي (100) وبعض علماء طرابلس أو رسائل خفية الاسم تلقى في مساجد الإباضية في وارجلان والجزائر فاندفع الإباضية بحماس للرد على هذه التهم التي ما كان يمكن أن تكون لولا حشرهم في زمرة الخوارج.
1- التكفير والبعد عن السنة:
يقول الشماخي(10/ 16): قولك:" ومن المعلوم الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه هو ما عليه أهل السنة والجماعة".
أقول: ما ادعيت لنفسك تدعيه لنفسها كل فرقة وهذا فصل أتعب الأولين والآخرين وعليك أن تبين أهل السنة...
اعلم أن المعتزلة تقول نحن أهل العدل والتوحيد والحق معنا، ونحن على ما عليه الصحابة بل على ما كان عليه أفضل الأمة بعد الشيخين أعني أمير المؤمنين عليا وعنه أخذوا وهو باب مدينة العلم الراسخ الذي لا يصله أحد.
وأهل الشام من المرجئة يرون أنهم التابعون لما عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن غيرهم اجتمع على قتل الإمام المظلوم.
والشيعة يقولون الحق في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الأمة ظلموهم وتمسكنا بهداهم ورفضوهم واعتصمنا بهم.
وأهل التحكيم يرون أن الأمة مالت إلى الدنيا بين ظالم وناكث وباع ومحكم الرجال في دين الله وترك حكم الله في قوله ( فقاتلوا التي تبغي ) (101) وإنهم فقهاء الأمة وكبراء الصحابة وأهل التقى:
والقعدة- أعنى من قعد عن الفتنة- يقولون إن الناس تورطوا في الفتنة وسلمنا بعد قوله عليه السلام: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" (102).
ولكن نسأل الله أن يقودنا إلى خير الأعمال ما يكون سببا لنجدتنا من النار" (103).
وفي لهجة دفاعية متحمسة تبين هذه المصادر أن تسمية أهل السنة والجماعة تسمية فضفاضة إذ تجد من الاختلاف في العقائد بين من يضمهم لواؤها في كثير من الحالات أكثر مما تجده من خلاف مع فرق أخرى لا يضمها هذا اللواء.
وهذا رد الشماخي:" قولك:" وأهل السنة كلهم متفقون على واحد".
أقول :ذلك يأباه من أخبرتك عنهم به بل يعدونهم فرقا كثيرة" (104).
ويكفي أن نذكر بإحراق كتب الغزالي (105)لأنه اعتبر أن الحق ليس مقصورا على الأشعري وتفسير مالك للداء العضال كما نقله ابن حبيب:" ذلك أبو حنيفة (106) ضلل الناس بوجهين الإرجاء ونقص السنن بالرأي فهو عندنا أشأم مولود في الإسلام ضل به خلق كثير وهم متمادون في الضلال بما شرع لهم إلى يوم القيامة" (107) .
======================
(100) وصولة الغدامسي والبهلولي لم نتمكن من العثور على تعريف بهما.
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا(101) جزء من قوله تعالى: بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن ( 49الحجرات9)فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين
(102) خطبة حجة الوداع.ر. مسلم: إيمان 118-120 . قيامة 29. بخاري: علم 43. أضاحي 5. أبو داود. سنة 15. الترمذي: فتن 28. الدارمي مناسك76. أحمد 2/85... ونسنك المعجم المفهرس 2/221.
(103) الشماخي: الرد على صولة الغدامسي، خ بالمكتبة البارونية، الحشان جربة: 46-47
(104) نفس المصدر:53
(105) الغزالي(450-505/1058-1111) ر.الزركلي : الأعلام 7/247- 248.
(106) أبو حنيفة( 80- 150/699- 767) ر. الزركلي: الأعلام: 9/4-5
(107) الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:49
ومدار هذه الردود مع ما فيها من الاعتزاز والتحدي الممزوج بالرفق أحيانا على ما يلي:
- ليس الحق مقصورا على واحد منهم (يقصد المذاهب) ولا في جميعهم بل الحق ما وافق الكتاب والسنة والإجماع.
-وآراء الاباضية لم تخرج في يوم من الأيام عن هذه الأصول فهم أبعد الناس عن الكفر مذهبهم سني لا محالة وإن لم يحشرهم الناس في ظلال أهل السنة.
كما أن حشر الاباضية في زمرة الخوارج جعل التهم تسلط عليهم اعتمادا على أن:
2-3-الحق مع الأكثرية وأن الفرقة الناجية هم المذاهب الأربعة:
فهذا أبو عبدالله الصدغياني يرد على أن الكثرة ليست دليلا على الحق:" وتستظل ببني العباس وبني أمية(108) شراب الخمور، ومظهري الفجور بغاة، قطاع الطرق، وهم الأشعرية كلهم يدانون بكم وتنتصرون بهم... وقد كان نوح عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فنجا في السفينة وحده ومعه ثلاثة من بنيه ونساؤهم.. وتبع فرعون موسى بأربعين ألف ألف، فلما خرجوا من البحر بعدما غرق فرعون( قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )(7 الأعراف 138) ثم عبدوا العجل ثم قالوا لموسى:( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون(24)قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين )(5. المائدة 24و 25) فسماهم الله فاسقين... وقال ( قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث )(5. المائدة 100)(109) فالكثرة حينئذ بصريح القرآن ليست دليلا على الحق.
" كما أن قلتهم وهجرتهم ضمن القليل الذين جعلهم الله حجة على العباد ( وقليل من عبادي الشكور )(34. سبأ 13) (وقليل ما هم )(38. ص24).
وقلت: تفرقوا (الاباضية) في البلدان بعضهم بعمان وبعضهم في المغرب. ولقد هاجر إبراهيم وحده ولوط. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فارا منم قومه وهؤلاء جعلهم الله حجة في الدنيا بعضهم بالمشرق وبعضهم بالمغرب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد قيام البراهين الساطعة والحجج القاطعة" (110).
وعلى هذا الأساس يقلب الصدغياني الحجة فتصير الكثرة سبة والقلة مدحة.
ويندرج ضمن هذا السياق اعتبار الإباضية من فرق الخوارج الضالة عدم انضوائها تحت لواء" المذاهب الأربعة" وفي ذلك يقول أبو مهدي: "وأما قول من قال: المذاهب أربعة فذلك قول ليس له مستند ولا برهان إذ لم تذكر الأربعة في القرآن ولا نص عليها صاحب الشرع والبيان بل قال: "ستفترق"(111) ولم يقع الإجماع من الصحابة على الأربعة... وإنما حدثت المذاهب الأربعة في القرن الثاني هـ/ الثامن م، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر واحدة ناجية وأنتم تدعون أربعا المالكية والشافعية والحنفية والحنبلية فقد خالف قولكم أصلكم"(112) .
ويورد التعاريتي لمحمد بن عبد العظيم المكي الحنفي:" اعلم أنه لم يكلف الله أحدا من عباده أن يكون حنفيا أو مالكيا أو شافعيا أو حنبليا بل أوجب عليهم الإيمان بما بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم والعمل بشريعته"(113) .
وقال فيها أيضا نقلا عن الجلال السيوطي في كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض بعد كلام:" فليعلم أن من أخذ بأقوال الشافعي أو أحمد أو أبي حنيفة أو مالك ولم يرد قول من اتبع منهم ومن غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن أو السنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه، أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا شك فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفا ولا إنسانا ناصرا له في جميع الأعصار المحمدية وقد اتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة" (114)
=======================
(108) ويذكر في الرسالة أيضا لعنهم لعلى:" وقد كان معاوية يلعن عليا على المنابر أربعين سنة، وهذا مشهور والتكذيب فيه بهتان، وكيف تتولون عدو :ط من قال لأخيه كافر فقد باء أحدهما بالكفر والبادي أظلم".وليكم وقد قال النبي البخاري أدب 37. مسلم إيمان 111. أحمد بن حنبل 2/18.ر. ونسنك. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 6/41. أبو عبدالله الصدغيانيك رسالة إلى أهل وارجلان.ج المكتبة البارونية : الحشان جربة17.
(109) أبو عبدالله الصدغياني: رسالة إلى أهل وارحلان:15
(110) أبو عبدالله الصدغياني: رسالة إلى أهل وارجلان: 15-16. وهو متقدم عن مرحلتنا وعلى هذا النسق ينسج عيسى ابن أبي القاسم الباروني بتاريخ صفر1206/1791: الرسالة الغدامسية، خ بالمكتبة البارونية، الحشان جربة.
(111) انظر ما سبق 33
(112) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل، من جواباته: خ البارونية. الحشان جربة123
(113) سعيد التعاريتي: المسلك المحمود.ط حجرية. تونس1321:/89.
(114) سعيد ابن تعاريت المسلك المحمود: 89، جلال الدين السيوطي: ( 849-911/1445-1505).ر. الزركلي: الأعلام: 4/71-73
________________________________________
بمثل هذا الدفاع نفهم لماذا تسمى الإباضية بأهل الدعوة أو جماعة المسلمين كما أنهم لم يقبلوا أن يكون لهم مقام في الحرم المكي كما فعلت المذاهب الأربعة (115)، وهم يعتبرون أنفسهم أهل تقييد لا أهل تقليد ويعتزون بأنك لا تجد للإمام الذي نسبوا إليه مسألة فقهية ففقههم تبلور شيئا فشيئا وإن كان منطلقه جابر بن زيد، لكن لا تجد في كتب الإباضية هالة تقديس للإمام جابر رغم اعتراف سائر العلماء له بسعة العلم.
وتحس أن هذه القضايا لا تمس الانتساب إلى الخوارج مباشرة لكنك إذا تأملت مليا تدرك أنها نابعة من ذلك الانتماء.
4- ويتجلى هذا بصفة أوضح في تهمة: الطعن في الصحابة:
معلوم أن لهجة الإباضية الأولى كانت حادة تجاه عثمان في الست سنوات الأخيرة من حكمه وكذلك تجاه علي بعد قبوله التحكيم أما مع معاوية وعمرو بن العاص فحدث ولا حرج وقاعدتهم في ذلك أن الصحابة رغم صحبتهم للرسول عليه السلام يمكن أن يصيبوا ويمكن أن يخطئوا في اجتهادهم (116) .
إلا أن لهجة الاباضية في هذه القرون قد نقصت حدتها نسبيا وانهم يحفظون في كتب العقيدة" وندين بتصويب أهل النهروان" وسلكت أحد المسالك المعروفة وهو الولاية (117).
وهذا ما يقوله يوسف المصعبي:" وكذا ما عليه أصحابه الراشدون المهتدون رضي الله عنهم وأخصهم به العشرة الكرام البررة الذين بايعوه تحت الشجرة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين وجعلنا لآثارهم تابعين وبسننهم مستمسكين غير مبدلين ولا مغيرين إلى أن نلتحق بدار كرامتهم آمين.
ونعتقد أن الكل عدول يهتدي بهم، ونمسك عما شجر بينهم كما يحكى عن السيد عمر بن عبد العزيز أنه قال: تلك دماء طهر الله منها أيدينا فلا نلوث بها ألسنتنا.
فالله ربنا ومحمد نبينا والقرآن إمامنا والكعبة قبلتنا والصحابة قدوتنا.
وقد وردت آيات وأحاديث في مدحهم خصوصا وعموما وليست رسالتنا موضوعة لبسط الكلام" (118) .
وقد عدد هذه النصوص أبو مهدي (10/ 16) بعد أن قال" قولك: بلغنا عنكم أنكم تبغضون بعض الصحابة فيا سبحان الله كيف نبغض الصحابة مع ورود النصوص في فضائلهم والثناء عليهم كتابا وسنة يأبى الله ذلك والمسلمون بل هم عندنا في الحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة والنزاهة والطهارة والثناء والمدحة.
قال الله تعالى:( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)(3. آل عمران110).
وهم بالحالة التي وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال:" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (119).
وغير ذلك من المدح والثناء عليهم.
اللهم زدنا محبتهم واحشرنا في زمرتهم يا أرحم الراحمين (120)".
ولا تفهم هذه النصوص إلا بالتذكير بإطارها التاريخي حيث صار الاباضية يعيشون في طور الكتمان والهجومات عليهم عديدة فنحس أنهم عدلوا من موقفهم في هذه القضية دون أن يخلوا بأصول مذهبهم خاصة إذا أخذت النصوص بالمفهوم العام فلا شك أن الإباضية يترضون على الصحابة ونص أبي مهدي أكثر وضوحا من حيث التعميم وما أخال أبا مهدي لو سئل عن معاوية وعمرو بن العاص خاصة أن تكون إجابته من هذا القبيل.
ولا يخفى أن هذه التهمة وجهت للإباضية من أجل الخارجية وقد علمنا أنها تسمية تمازج فيها المفهوم الديني (المروق من الدين) مع المفهوم السياسي (الخروج عن علي) بالنسبة إلى غير الإباضية طبعا.
5- وقد انبنى على هذه المواقف تهمة عملية وهي رفض شهادة الإباضية في هذه المرحلة في طرابلس ومنعهم من التجارة في البلدان التي يحكمها إسماعيل بن شريف سلطان مراكش (1083- 1139/ 1671- 1726) (121).
=========================
(115) أبو مهدي عيسى بن اسماعيل، من جواباته:123
(116) ر. البرادي: الجواهر. رسالة عبدالله إباص إلى عبد الملك بن مروان 158-164
(117) عمر أبو ستة: المجموع المعول25
(118) يوسف المصعبي: رسالة إلى أحمد باشا والى طرابلس، خ البارونية. الحشان جربة: 5
(119) لم يرد في معجم ونسنك
(120) أبو مهدي عيسى بن اسماعيل: من جواباته: 129-130
(121) انظر ما يلي ص171
________________________________________
وهذه فقرات من الرسالة التي وجهها يوسف المصعبي لأهل طرابلس وعلى رأسهم أحمد باشا.
"وذلك أنه بلغنا أن جماعة من أهل الجزيرة شهدوا في قضية في مجلسهم الشريف وتنفيذهم الأحكام الشريفة. وأخبركم بعض من يدعي العلم من الواشين أن شهادتهم غير مقبولة فدخلت وسوسة لقلوبكم وقلوب أولي الألباب فأدهشتهم وحاروا في الجواب لتصوير كلام الواشي في قالب الصواب وعدم اطلاعكم على عقيدة الجماعة في الكتاب.
ولما بلغنا ذلك وجب علينا أن نخبركم بعقيدة الجماعة أولا ونكافح الواشي وحده ثانيا بسنان اللسان وواضح البرهان ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم)(8. الأنفال42).
فرتبت الرسالة على أصل وفرع وخاتمة:
فالأصل في بيان عقيدتنا التي نحيى عليها ونموت إن شاء الله" (122).
" ولنصرف العنان إلى بيان الفرع الموعود بذكره فأقول وبالله التوفيق:
" هذا الأصل المتقدم إنما قصدت به إيضاح المعتقد لذوي الإنصاف من الإخوان الولاة والقضاة والعلماء ذوي الإحسان دون كل غبي متعصب متعسف كذاب سباب...
وأي بهتان أعظم من رمي المسلمين بالطعن فيهم وإدخالهم عموما في جملة من ترد شهادته من أهل الفسق والضلال من الفرق الضالة والمضلة من الروافض والخوارج... (123).
... قال أهل العلم: والغالون هم الخوارج المارقة والصفرية وأشياعهم وغلوهم هو حكمهم بأن جميع المعاصي شرك وجميع العصاة مشركون وبنوا على ذلك تحليل دماء المسلمين وأموالهم وسبي ذراريهم وكفروا بعض الصحابة بذلك رضي الله عنهم إلى غير ذلك من خبائثهم".
ثم أورد نصوصا غير إباضية في تجويز قبول شهادة المبتدع:" والأصح قبولها إن كان ضابطا ورعا ولم تكن بدعته كفرا ولم يكن يدعو إليها".
فإذا نص هؤلاء الأئمة على جواز قبول شهادة من ذكر مع ما هم عليه من اعتقادهم فكيف بشهادة من كانت عقيدته ما رأيت وسمعت..."
ثم أورد نصوصا عديدة تبين أن الدين ليس منحصرا في المذاهب الأربعة.
"قال الغزالي: من زعم أن الحق مقصورا على واحد من النظار بعينه فهو إلى الكفر أقرب" (124).
" الخاتمة: أسئله للواشي في مسائل مختلفة لإبراز عجزه وجهله" (125) .
وفعلا لعبت الرسالة دورها وعادت شهادة الإباضية إلى نصابها في طرابلس.
ويذكر عيسى ابن أبي القاسم الباروني (12/ 18) ما يوحي بأن نفس القضية- أي رفض شهادة الإباضية- حدثت في تونس.
ولا شك أن العزابة تصدوا لهذا الأمر لكن لم نعثر على نص التصدي ونرجح أن يكون لسعيد الجادوي أو يوسف المصعبي اعتمادا على التاريخ الوارد في الوثيقة التي أوردها عيسى الباروني (سنة 1120 ربيع الثاني/ جويلية 1708).
" وبعد فقد اتفق علماء تونس على تجويز شهادة العزابة في العموم والخصوص لا سيما أهل الصلاح لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أبلغ ممن أتى بالقول وضيع العمل" (126).
"000وأن القادح فيهم يستتاب من ذلك، فان تاب وإلا قتل شرعا."
حرر بتاريخ أشرف الربيعين 1120/ جويلية (127) 1708بمحضر الأمير حسين باي بن علي (1117- 1147/ 1705- 1734).
إن اتضح أن محور هذه الوشايات يقوم على اعتبار الإباضية من الخوارج وطعنهم في الصحابة فإن وشاية أخرى حددت الطعن في الشيخين ونتج عنها قرار سلطاني من إسماعيل بن شريف سلطان مراكش(11 ذي الحجة 1082- 27 رجب 1139/ 14 أبريل 1672- 30 مارس 1727) يمنع تجار جزيرة جربة من تعاطي التجارة في البلدان التي يحكمها.
وهذه فقرات من الرسالة التي وجهها سعيد الجادوي (12/ 18) إلى السلطان المذكور:" أتى إلى سيادتك نمام، ونسب إلينا ما لا ينسب إلى مسلم... من بغض الشيخين أبي بكر وعمر وغيرهما... فوالله العظيم ونبيه الكريم (128) ما هذه إلا فرية عظيمة... وأما نحن فنقول فيهما سيدا أهل الجنة لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة...." (129).
ثم يورد عدة أحاديث ويختم بـ" هذه أحاديث تدل على أفضلية الشيخين وإنما أوردناها لنعلم من قال فينا خلاف معتقدنا فيهما" (130).
=========================
(122) يوسف المصعبي: رسالة لأحمد باشا:1-2
(123) نفس المصدر:4
(124) يوسف المصعبي: رسالة لأحمد باشا: 9
(125) نفس المصدر:10- 14
(126) عيسى الباروني: رسالة في الرد على رسالة جاءت من غدامس 13 وعيسى ابن أبي القاسم الباروني(12/18) يستنتج من رسالته أنه من علماء ( القرن12/18)، وكذلك نستنتج نفس الملاحظة من حضور أخيه عمرو ابن أبي القاسم الباروني الاجتماعي العلمي المنعقد بجامع ليمس بحومة آجيم 1146/1733 للنظر في قضية شهادة الشهود. ر. سعيد ابن تعاربت: رسالة في تراجم علماء جربة:ص 106
(127) نفس المصدر ص/14 ونفس الوثيقة أوردها سعيد التعاريتي: المسلك المحم المحمود:236. وعن حسين باي بن علي.ر. ح عبد الوهاب: خلاصة تاريخ تونس:179
(128) المفروض ألا يقسم إلا بالله كما جاء في الحديث.
(129) ت. مناقب، 30جه: مقدمة 11ز حم 1/80. ونسنكك المعجم 3/18.
(130) سعيد الجادوي: رسالة إلى سلطان مراكش.خ مكتبة سالم بن يعقوب غيزن. جربة. ضمن مجلد:24-26
________________________________________
ونفهم من هذا الطعن خطأ القادح بين المحكمة الذين يرون أن المثل الأعلى بعد الرسول صلى الله عليه وسلم يتجلى في أبي بكر وعمر وبين الرافضة الذين يرون أنهما اغتصبا الخلافة من علي بن أبي طالب.
ومهما يكن من أمر فإن المسألة ترتكز عادة على عثمان وبصفة أخص على علي وقد بينا كيف أن الردود تأتي عامة عدا رسالة يوسف المصعبي لأحمد باشا (131) .
وبعد أن استجلينا هذا لا ينبغي أن نغفل عما جاء في هذه الردود من المبالغات ولا يخلو أي رد من المبالغة خاصة إذا كان دفاعا عن العقيدة.
وأبرز نقطة يتجلى فيها ذلك ما أورده أبو مهدي من أحاديث في الثناء على أهل عمان والعجم والبربر بعنوان فضائل مذهبنا.
" وفضائل مذهبنا ولله الحمد لا تحصى قديما وحديثا فلو ذكرنا أكثرها في الكتاب لرأيت العجب العجاب ولكن نذكر لك بعضها. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صدع وبشر ببعض فضائل أهل مذهبنا على رؤوس الأشهاد فقال:" الصخرة لأهل عمان بعرفات" (123) , وذلك معروف إلى اليوم ولا ينكره إلا متجاهل وذلك دليل الكرامات.
وقد صح أيضا قوله عليه السلام بأوضح البيان " ليكثرن رواد حوضي من أهل عمان" (133) .
فيا لها من بشارة ما أعظمها وإشارة ما ألطفها.
وذكر أيضا فضائل الفرس من العجم وذلك لما نزل عليه قوله تعالى:( ياأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) (5. المائدة 54) أشار إلى سلمان الفارسي وكان جالسا بين يديه فقال:" لعلهم أن يكونوا من رهط هذا" .
وكذا للأفاضل البربر من العجم مثل الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم وما وصاه به جبريل عليه السلام عن البربر وذلك معلوم غير مجهول.
... وإنما صرنا إلى ذكر هذا إزالة للبس وتكذيبا لقول من يقول إن بني مصعب (ميزاب) ليسوا على شيء من الدين" (134) .
والملاحظ أن أبا مهدي لم يختلق هذه الأحاديث وإنما استقاها من كتب السير والطبقات.
ولم يكن ورودها في هذه المصادر إلا رد فعل على ما انتحلته بقية الفرق لإثبات أصالتها.
وهذه عقلية سادت المجتمع الإسلامي خاصة في القرن الثاني ه/ الثامن م حيث اكتسى الصراع الديني صبغة عرقية جنسية حاربها الإسلام بقوة ولكل منطقة شعوبيتها.
والملاحظ أن هذه الأحاديث يقول فيها أحمد الخليلي مفتي عمان إن بعض ما يتعلق بعمان والعجم وارد في الصحاح وقد ثبت في أهل عمان حديث ابن برزة الاسلمي في صحيح مسلم:" لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك" وقد ترجم له مسلم بباب فضل أهل عمان. وكذلك روى أحمد في مسنده:" إني لأعرف أرضا ينضح بجانبها البحر تسمى عمان، الحجة منها بحجتين لو أتاهم رسولي ما سبوه ولا ضربوه" .
كما أن ما روي في العجم منه ما هو ثابت كحديث أبي هريرة عن الشيخين:" لو تعلق الدين بالثريا لناله رجال من الفرس" وفي رواية :" من العجم". إلا أن ما يتعلق بالبربر يذكر الخليلي أنه لم يطلع على شيء منه في مجاميع مسند الربيع بن حبيب عمدة الإباضية في الحديث.
كما أن أغلب هذه الردود جاءت حادة اللهجة ويصعب على أي إنسان يقرأ مثل هذا القول:" إن لم تجيبوني بكل ما سألتكم عنه فدماؤكم وأموالكم حلال من الله ورسوله" (135) ، أن يبقى محايدا.
ومن أمثلة ذلك قول عيسى الباروني:" أيها الجاهل تزعم أنك علامة زمانك ونحرير أوانك تدعي العلم باللسان وتجهله بالجنان..." (136) .
"أيها الجاهل أشبعك الله بالهم والغم والحزن في الدنيا والآخرة" (137) .
=============================
(131) انظر ما سبق74
(132) غير وارد في المعجم المفهرس. ويقول الشيخ الخليلي" لا أراه إلا وهما"
(133) غير وارد في المعجم المفهرس.
(134) انظر:الدرجيني: الطبقات1/16 اورد منه ما يلي:
"فقال:" -بت في هم شديد.(البربري): يا رسول الله-
فقال: ما همك؟
قال: تردد بصرك بالأمس خفت أن يكون نزل في قرآن.
فقال:لا يحزنك ذلك فإنما ترديدي البصر فيك لان جبريل عليه السلام جاءني.
فقال: أوصيك بتقوى الله والبربر. قلت: وأي البربر؟ قال: قوم هذا، وأشار إليك، فنظرت إليك، وما شأنهم؟ قال: قوم يحيون دين الله بعد أن كاد يموت".
(135) كتاب وجد في محراب وارجلان، مجلد به عدة رسائل. البارونية الحشان جربة:14
(136) عيسى الباروني: رد على رسالة من غدامس: 12
(137) نفس المصدر ص23
________________________________________
ومهما يكن من أمر فإن جل هذه الرسائل تعترف بأن قضية التسمية ترجع إلى الفتنة الكبرى التي حيرت العقول.
فهذا الشماخي يقول:" وهذا فصل أتعب الأولين والآخرين" (138) ، كما أن عمر أبا ستة يقر بما يلي:" ما (الفتنة الكبرى) تحيرت فيه الأفكار ودهشت به عقول أولي الأبصار... وهي الواقع الأربع الواقعة بين الأصحاب الأخيار، فتنة الدار، وفتنة الجمل، وفتنة صفين وفتنة النهروان" (139).
لكن ليس باليد حيلة فلابد من موقف من هذه الفتنة مع العلم أن الحياد نفسه موقف.
وقد حاول صاحب المجموع المعول أن يعدد من تخير هذا الموقف المحايد من سلف الإباضية معتمدا على تأويل نصوص عامة وردت في آثارهم محورها قول جابر بن زيد في ما يسع جهله:"... وإنما عليه الإمساك عن جميع ما لا يعرف حتى يعلم الحق من ذلك فيتبعه والباطل فيتجنبه (140) "، فذكر منهم إسماعيل الجيطالي وأبا يعقوب الوارجلاني وركز على الدرجيني لأنه لم يثر القضية في كتاب الطبقات.
ولقد أشرنا من قبل إلى أن لهؤلاء مواقف من هذه الأحداث سوى صاحب الطبقات وما سكت عنها حيادا وإنما سكت عنها تقية لأن الإباضية في منطقة الجريد كانت تحتضر من جراء هجومات الفاطميين والصنهاجيين عليها لأنهم يضعونها تحت لواء الخارجية (141) .
ويتفرد عمر أبو ستة هذا في ما نعلم بهذه الدعوة إلى التوقف في القضية ويلح على ذلك إلحاحا كبيرا وقد جاءت رسالته كلها دعوة إلى التآلف بين المسلمين فيقول:" وعلى هذا القول بالتوقف (142) ينبغي حمل غالب الأمة ولا يلزمهم البحث عن ذلك... وهذا القول (التوقف) أقرب الأقوال إلى السلامة...إن البحث والتعلق بما شجر بينهم رضوان الله عليهم أجمعين تكلف وفضول لمن لم يعلم ذلك حيث كان مما يسع جهله " (143).
كما يقول في نصيحة الختام:" أوصيكم إخواني وإياي بتقوى الله العظيم في السر والعلانية وإياكم والغلو في الدين فإنه لا يتبرأ إلا ممن يتعين منه ارتكاب البدع والإصرار على المعصية(...) وحمدا لله أن جمهور الأمة على الحق وأن الأصل في جميعهم السلامة حيث أعاذهم الله من عبادة الأوثان" (144) .
فمن كل هذه النصوص العنيفة في رفض الانتساب إلى الخوارج نفهم ما أصاب الإباضية من ضير وعنت من جراء حشرهم تحت لواء الخوارج بمعنى المروق من الدين.
وهذا ما حدا بمن جاء بعد هؤلاء من علماء أن يسلكوا نفس المنهج وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر.
- محمد بن يوسف اطفيش(1236- 1332/ 1820- 1914) (145) :
إزالة الاعتراض على محقي أهل إباض ط حجرية على نفقة داود بن إبراهيم اليسجني 1314هـ.
- سعيد بن علي ابن تعاريت (ت 1355/ 1936) (146):
كتاب المسلك المحمود في معرفة الردود. ط. حجرية 1371 ص33- 39.
- أبا إسحاق إبراهيم اطفيش (ت 1386/ 1966) (147) :
-
فصل في كتاب " الدين والعلم والحديث" لمحمد عبد الباقي بعنوان: الإباضية ليسوا خوارج وقد ورد ص258 وطبع مستقلا بعمان نشر مكتبة الاستقامة د. ت.
- إبراهيم أبا اليقظان (1305- 1393/ 1888/ 1973) (148) :
دفع شبه الباطل عن الإباضية المحقة. خ بمكتبتي. بحث مختصر.
- سالم بن يعقوب (على قيد الحياة) (149) :
كراسات بها بحث مطول عن أحداث الفتنة الكبرى وفيه بين أن الإباضية ليسوا خوارج. اطلعت عليها بمكتبته.
=========================
(138) الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 46
(139) عمر أبو ستة: المجموع المعول: 58
(140) عمر أبو ستة: المجموع المعول: 59
(141) انظر ما سبق 59
(142) وأسوته في ذلك من توقفوا من الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص 23ق هـ -55/603-675) ر. الزركلي: الاعلام4/137-138، وزيد ابن ثابت(11ق هـ- 45/611-665) ر. الزركلي: الإعلام:3/95-96
(143) عمر أبو ستة: المجموع المعول: 58، 59، 60
(144) نفس المصدر:61
(145) امحمد بن يوسف اطفيش(1236-1332/1820-1914): اشتهر بقطب الأئمة لغزارة علمه وكثرة مؤلفاته التي بلغت ثلاثمائة مؤلف. منها ما طبع ومنها ما لم يطبع.
ولد بيسجن. أخذ العلم عن أخيه إبراهيم بن يوسف اطفيش. كان قوي الذاكرة ونبغ من العشرين من عمره. تصدى للبدع فاشتد عليه الظغط الاجتماعي فاعتزل في بنورة طيلة سبع سنوات حيث تفرغ للتأليف . ولما رجع إلى يسجن عين رئيسا للحلقة وجعل من داره معهدا للتدريس. وأقبل عليه الطلبة من كل مناطق الإباضية لتلقي مختلف العلوم الإسلامية والغوية. وقد أخذ عنه سعيد ابن تعاريت، وإبراهيم أبو اليقظان، وأبو اسحاق إبراهيم اطفيش وغيرهم ممن واصلوا بث ما أخذوه عنه. وتوفي بيسجن سنة 1332/1914.ر. محمد علي دبور: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. المطبعة العربية بالجزائر 1389/1969.1/239-388.
(146) سعيد بن علي ابن تعاريت(1289-1355/1872-1936 ولد ونشأ بحومة صدغيان بجربة فتعلم بكتاب القرية فحفظ نصيبا من القرآن ومبادئ العربية، ادخله والده جامع الزيتونة سنة 1889 فقضى به ست سنوات وتخرج بشهادة التطويع سنة1312/1894.
رجع إلى جربة فبقي سنة يعمل في الإشهاد لكتابة العقود. ثم أراد أن يزداد تبحرا في خصائص الإباضية فرحل إلى يفرن بجبل نفوسة سنة 1314/1896 فأخذ عن شيخه عبدالله الباروني (1331/1913) بالبخابخة. وكان مدة إقامته مثالا للجد والاجتهاد، وأبدى قدرة فائقة في الجدل وله نوادر في ذلك، وهناك كتب كتاب المسلك المحمود.
ومن هناك رحل إلى وادي ميزاب 1316/1898 حيث مكث ثمانية أشهر يحضر دروس شيخه امحمد اظفيش ويساعده في التدريس.
ورجع إلى جربة سنة 1317/1899 حيث استقر للوعظ والتدريس والإشهاد وظل يتردد على العاصمة من حين لآخر.
وقد اشتهر بين معاصريه بسرعة البديهة وحدة الذكاء . وكتابه المسلك المحمود يشهد بذلك.ر. تقييدات عن شيخنا سالم بن يعقوب خ بمكتبته. ومحمد محفوظ: تراجم المؤلفين التونسيين ، دار الغرب الإسلامي . بيروت ط1،1982.1/235.
(147) أبو اسحاق إبراهيم اطفيش(ت1386/1966): ولد يسجن بوادي ميزاب. وبها اخذ عن شيخه امحمد اطفيش (ت1332/1914)، نفاه الاستعمار الفرنسي إلى تونس ثم إلى مصر نتيجة لنشاطه السياسي. استقر بالقاهرة في قسم المخطوطات اللمغربية بدار الكتب المصرية وتفرغ للبحث والتحقيق والتدريس في بيته بدار الطلبة الإباضية. وقد استفاد تلميذه سالم ابن يعقوب كثيرا من دروسه ومكتبته. ويروي عنه عديدا من الأخبار التي تدل على الجرأة والشجاعة، وهناك أخذ عنه كثير من العمانيين والنفوسيين أيضا. حقق كثيرا من النصوص الإباضية الهامة في التاريخ والحديث والأصول والفقه ونذكر منها: تحقيق كتاب مختصر الوضع في الأصول والفقه(انظر ما يلي 146.) كما كان محرر مجلة المنهاج التي اشتهرت بالدفاع عن قضايا الإسلام. توفي بالقاهرة سنة 1386/1966 أخذت هذه المعلومات عن ابنه امحمد اطفيش وتلميذه سالم بن يعقوب .ر. عمرو مسعود أبو القاسم : الربيع ابن حبيب محدثا، أطروحة مجستير نوقشت بكلية التربية جامعة الفاتح بليبيا سنة 1983: 198 مرقونة بمكتبتي، هدية من المؤلف.
(148) إبراهيم أبو اليقظان(1305-1393/1888-1973): ولد بالقرارة ( جنوب شرقي الجزائر إحدى قرى وادي ميزاب) سنة 1305/1888. درس بها .ثم تتلمذ على امحمد اطفيش بين يسجن.والتحق بتونس للدراسة سنة1330/1973ر. وقام بها بنشاط ثقافي وسياسي كما شارك في الجزائر في تأسيس جمعية العلماء. وتفرغ للتأليف بعد سنة 1356/1938. وترك ما يقرب من ستين مؤلفا من بينها: ملحق لسير الشماخي. وتوفي بالقرارة سنة 1393/1973 ر. محمد ناصر: أبو اليقظان وجهاد الكلمة ط . الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر 1980.
(149) سالم بن يعقوب: ولد بحومة غيزن بجربة في مطلع هذا القرن م. تعاطى التجارة أول الأمر في مدينة بنزرت. وكان يتردد على تونس ويشتاق إلى الدروس. وبقي أميا إلى التاسعة عشرة من عمره واستطاع أن يتدارك أمره بسرعة.
وأقبل بتلهف على دروس شيخه عمر بن مرزوق من كبار المصلحين بجربة آنذاك (ت1381/1961) بجامع الباسي- حومة والغ- ثم رحل إلى تونس فعاش في مدرسة جامع الزيتونة دون أن ينتسب رسميا. لكنه حرص بجد على دروس شيخه محمد بن صالح الثميني المشرق على البعثات الإباضية الجزائرية بتونس(ت1391/1914)، وكانت دروسا ليلية محورها كتاب جامع أركان الإسلام للخروصي العماني، وكتاب شرح النيل لقطب الائمة امحمد اطفيش(ت1332/1933).
ثم انتقل إلى مصر حيث بقي خمس سنوات 1351-1357/1934-1938، وسلك في الأزهر نفس المسلك الذي سلكه في الزيتونة، وعاش هناك في مدرسة الإباضية بطولون. وهنالك أيضا اخذ عن شيخه أبي اسحاق إبراهيم اطفيش (ن1386/1966). وعكف هناك على مكتبة الإباضية بوكالة الجاموس فنسخ من مخطوطاتها نصيبا وافرا، كما نسخ عدة نصوص من دار الكتب.
ثم استقر في الجزيرة مدرسا وواعظا. وعنه أخذت كل ما يتعلق بالإباضية . وزائر مكتبته بغيزن يتبين أنها جامعة من كل شيء بطرف خاصة في كل ما له صلة بالإباضية من قريب أو بعيد.
وهو ما يزال على قيد الحياة. وما رأيت من أهل العصر من هو أكثر منه إلماما بخفايا تاريخ الإباضية.
________________________________________
- علي يحيى معمر( 1338- 1401/ 1919- 1980) (150) :
الإباضية في موكب التاريخ. الحلقة الأولى: نشأة الإباضية . مكتبة وهبة مصر 1384هـ.
الإباضية بين الفرق الإسلامية مكتبة وهبة القاهرة 1396/ 1976 وبه عدة فصول في الموضوع.
- عمرو خليفة النامي (151) :
أطروحة عن تطور الفكر الإباضي بالانقليزية نوقشت بكمبردج 1971: 9- 43.
- سالم بن حمود السيابي (152)(على قيد الحياة):
أصدق المناهج في تمييز الإباضية من الخوارج، تحقيق سيدة إسماعيل كاشف مطابع سجل العرب، القاهرة 1979.
- أحمد الخليلي (153)(على قيد الحياة):
استجواب الشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي عام السلطنة (عُمان) في يوم الاثنين 29 رجب 1404/ 30- 4- 1984، نشرته مجلة جبرين وهي مجلة نصف سنوية تصدرها اللجنة الثقافية بنادي طلبة عمان في الأردن: 29- 33.
وخلاصة القول فقد تبين أن هذه التسميات " أهل السنة، شيعة، خوارج" لم تكن وحيا من السماء كما أنها لم تكن من باب الصدفة وإنما تتنزل في واقع سياسي مائج لعبت فيه الشهوات دورا كبيرا فاختار من بيده السلطان أحسن الأسماء ورمى معارضيه بأسوئها.
وما أن ظهرت هذه الفرق على الساحة حتى ظلت كل واحدة تدعي لنفسها الصلاح والنجاة وترمي غيرها بالطلاح والهلاك.
وانقسمت كل فرقة على نفسها وكذا حدث للمحكمة إذ أفرز ضغط الولاة على أتباعها حركة ردت التسلط بأشد منه واعتبرت كل مخالف مشركا وأتبعت القول بالعمل فمرقت من الدين كما جاء في الحديث وخرجت منه.
وظل الناس يخلطون عن قصد وعن غير قصد بينها وبين من بقي من المحكمة على المنهج الأول، ولم يبق من هؤلاء عبر الزمان إلا من اختاروا لأنفسهم أسماء هي " جماعة المسلمين" "أهل الدعوة" " أهل الاستقامة".
وأبى هؤلاء الناس إلا أن يسموهم " إباضية" فقبلوا ذلك الاسم لأنه نسبة إلى أحد أئمتهم ثم أبوا إلا أن يحشروهم في زمرة الخوارج فرفضوا هذه التسمية بكل ما أتوا من قوة قولا وعملا وما يزالون.
وكلما زادوا إلحاحا في نفي هذه النسبة زاد غيرهم من الفرق الأخرى إلصاقها بهم إلا القليل ممن قال هم أقرب إلى السنة ثم صارت أقرب إلى أهل السنة ويضيف لها ما يعدلها مثل " المعتدلة". ومهما يكن من أمر سواء أضافوا الاعتدال أو لم يضيفوا بقي الإباضية تحت عنوان الخوارج.
وقد جنى هذا العنوان على الإباضية من الويلات مالا يحصى فلذلك قالوا عبر الزمان بلهجات متفاوتة يغلب عليها طابع الشدة- شدة المتهم الذي يريد أن يبعد تهمة هو منها براء- أطلقوا علينا ما اخترنا لأنفسنا من أسماء "أهل الدعوة..." أو حتى ما اخترتموه لنا " الإباضية" المهم ألا تقولوا خوارج لأن الله حرم التنابز بالألقاب.
وأخيرا ما يزال علماء الإباضية يرفضون هذا اللقب حتى وإن صار في بعض الأوساط مدحة وعلما على الثورة ورفض الظلم لأن هذه الكلمة محملة بثقل تاريخي معين، ويفهمها كل قارئ حسب معتقداته حتى لا أقول على هواه.
وخير القول أن يعمل المسلمون في ما اتفقوا فيه وأن يعذر بعضهم البعض في ما اختلفوا فيه مع فهم الإطار العام لهذه المصادر والحق ما وافق الكتاب والسنة والإجماع.
وبعد الوقوف عند الإطار العام يحسن أن نبين حقيقة علم الكلام وأن نتعرف على مصادره الإباضية.
======================
(150) علي يحيى معمر: (1338-1401/1919-1980): ولد بنالوت وبها تعلم على المقرئ عبدالله بن مسعود الباروني، ثم دخل المدرسة الرسمية حيث اعتنى به معلمه عيسى بن يحيى الباروني، وأخذ هنالك عن رمضان الليني وقد وفد من جربة 1344/1925 لتدريس الفقه الإباضي هنالك تلبية لرغبة أهل نالوت. سافر إلى تونس سنة 1346/1927 والتقى مرة أخرى بشيخه رمضان الليني بمدرسة الإباضية، وهنالك تردد على دروس جامع الزيتونة بصفة حرةن ودورس محمد الثميني الميزابي(ت1391/1971) وفي تلك الأثناء تردد على جزيرة جربة حيث كون مع نخبة من الشباب جمعية دينية للدفاع عن الإسلام.
ثم لما بلغه صدى معهد الحياة بالقرارة – وادي ميزاب- رحل إليه سنة 1357/1938، حيث بقي سبع سنوات يحضر دروس شيخه إبراهيم بيوص(1401/1981) في التفسير وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية ويساعده على التدريس أيضا.
رجع إلى نالوت سنة1366/1945، اهتم مدة بالسياسة. ثم تفرغ بسرعة للتدريس فارتقى في سلم التعليم حتى استقر بوزارة التعليم في منصب إداري سام.
وفي الأثناء قام بعدة رحلات في العالم العربي، وأنتج عددا من المؤلفات في تاريخ الإباضية وفي الأدب. توفي سنة 1980 وأخذنا هذه المعلومات عن صديقه الذي عاصره طوال حياته سليمان عون الله: رحلة إلى جبل نفوسة سنة 1981
(151) عمرو خليفة النامي: ولد بنالوت 1942 وبها تعلم. درس بمصر حيث حصل على المجستير في الأدب. ثم رحل إلى بريطانيا حيث أعد أطروحة عن تطور الفكر الإباضي ناقشها بكمبردج سنة 1971. ثم درس بجامعة الفاتح وكذلك استاذا مستعارا بمشيقان بالولايات المتحدة. ثم استقر بليبيا حيث عرف غياهب السجون. لقد حقق عدة نصوص إباضية هامة أشار إليها في أطروحته، وقد أشرنا إليها داخل هذا البحث نذكر أهمها: سير نفوسة لمقرن البغطوري(ق6/12)، ويهمنا في بحثنا تحقيقه لكتاب أصول الدين لتبغورين(6/12) وكتاب الرد على جميع المخالفين لأبي خزر يغلا ابن زلتاف(4/10) انظر ما يلي 112 تعليق65
(152) سالم بن حمود السيابي: مؤرخ عماني معاصر. اشتغل مدة في وزارة العدل بعمان. ثم هو الان يشتغل بوازارة التراث بعمان حيث يؤلف، ويحقق نصوصا إباضية. كتابته على طريقة السلف تعتمد على عرض المعلومات. وقد التقينا به في رحلتنا الأولى إلى عمان في ابريل1983 وهو يناهز السبعين.
(153) أحمد الخليلي: مفتي سلطنة عمان يرجع إلى أسرة عريقة في العلم. نشأته الأولى كانت في زنجبار. عصامي في تكونه إذ لم يدرس بأية مدرسة نظامية. قوي الذاكرة. ثقافته إسلامية شاملة. مدرك أحوال عصره. ويتجلى هذا في درس التفسير الذي يلقيه أسبوعيا بجامع قابوس بروي وقد صدر منه الجزء الأول بعنوان جواهر التفسير وأنوار التنزيل ط بعمان 1984.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 05:52 AM
الفصل الثاني: التراث الكلامي عند الإباضية
تمهيد:
قال الجاحظ (ت 255/ 869):" إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم..." (1).
وقال الطبري (ت 310/ 922):" ثم حدث في دهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والعناد- نوكي الأمة- والرعاع يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها..." (2).
هذان موقفان متقابلان يدلان على أن وراء القضية معركة. فما هو علم الكلام؟ وما هي أسباب هذه المعركة؟ وما هي نتائجها في الثقافة الإسلامية؟ وأين يتنزل التراث الإباضي في هذا الخضم؟.
تعريف علم الكلام:
علم الكلام أو "أصول الدين" أو " علم التوحيد" هو ، حسب قول ابن خلدون (ت 808/ 1406)، (علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات الإيمانية" (3) . وهو حسب البرادي (ق 8- 9/ 14- 15):" النظر في العقائد القطعيات وما لا يحل الاختلاف فيه من الاستدلال بالأدلة العقلية والسمعية في أصول الاعتقاد وتثبيتها" (4) .
والمقارنة بين هذين التعريفين تبين أنهما يتفقان في قيام هذا العلم على النظر والاحتجاج العقلي قصد إثبات العقائد الإيمانية القطعية كما تبين أنهما يختلفان في نقطتين:
الأولى: تتمثل في أن ابن خلدون اكتفى بذكر الأدلة العقلية بينما ذكر البرادي الأدلة السمعية فالتعريف الثاني أكثر شمولا خاصة إذا علمنا أن علم الكلام من العلوم الأساسية العقلية التي تنطلق من النص وأن المنهج المتبع لدى جل المتكلمين يقوم على التأويل وذلك برد المتشابه إلى المحكم.
الثانية: تتمثل في أن ابن خلدون اعتبر أن علم الكلام سني المنشأ يرمي إلى الدفاع عن مذهب السلف من أهل السنة ولذلك اعتبر أنه علم آني تزول فائدته بزوال السبب وقد أشار إلى ذلك بقوله:" فينبغي أن يعلم أن هذا العلم غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا" (5) .
بينما لم يشر التعريف الثاني إلى ما يوحي بقضية النشأة والحقيقة أن علم الكلام تبلور على يد المعتزلة وهم أول من أقام أسسه.
كما سكت أيضا عن النزعة الدفاعية الآنية واعتبره علما تحصيليا ينفع في كل زمان لتثبيت أسس الاعتقاد وإن كانت المصادر الإباضية الأخرى تذكر قضية دفع الشبه بصفة مطلقة مثل المحشي (6) والمصعبي (7) .
ومهما يكن من أمر فإن علم الكلام ثبت أنه علم تحصيلي يرمي إلى تثبيت العقيدة بدفع جميع ما يحوم حولها من شبه دخيلة على الثقافة الإسلامية أو نابعة من كيانها.
وإن عرف هذا العلم بالتسميات التي أشرنا إليها من البداية فلأسباب أبرزها:
أنه عرف بعلم التوحيد إشارة إلى أبرز موضوعاته وهو توحيد الله تعالى في ذاته وصفاته وأفعاله وعبادته (8) .
وعرف بعلم الكلام "إما لأنه كلام في كلام الله تعالى وقدمه وحدوثه وقد هزت هذه القضية أركان العالم الإسلامي ردحا من الزمن وامتحن فيها من امتحن وقتل من قتل، وإما لأنه في بيان طرق الاستدلال على أصول الدين أشبه بالمنطق في تنبيه مسالك الحجة في علوم أهل النظر وأبدل الكلام بالمنطق للتفرقة بينهما" (9) .
وعرف بأصول الدين، ولعل ذلك يرجع إلى أن العقيدة هي الأساس التي يبنى عليها الدين أو إلى التمييز بينه وبين علم الفروع الذي عرف بالفقه" (10) .
وأهم ما يستنتج من تعدد التسميات هو أن كل مجموعة نظرت إلى المسمى بمنظار محدد من حيث موضوعه أو من حيث منهجه أو من حيث غرضه ويبدو أن التسميتين الغالبتين هما :" علم الكلام" و"أصول الدين" ولعل الأوساط الفلسفية العامة ترجح الكلام بينما الأوساط الدينية تغلب أصول الدين.
وإن وقع الاختلاف في التسمية فإنه برز أيضا في القضايا التي تندرج ضمن هذا العلم وقد ضبط الشهرستاني (479- 458/ 1086- 1153) الأصول الكبرى التي عولجت في هذا الفن عند كل الفرق وهي أربعة:
1- الصفات والتوحيد فيها.
2- القدر والعدل فيه.
3- الوعد والوعيد والأسماء والأحكام.
4- السمع والعقل والرسالة والإمامة (11) .
ونلاحظ أن الشهرستاني في هذا الحصر يكاد يغفل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذ وإن أمكن حشره ضمن الإمامة فإنه يبقى مستقلا عنها خاصة عند المعتزلة، كما أنه لا يذكر الولاية والبراءة وهي أصل من أصول الإباضية. وعلى كل فذاك اجتهاد من الشهرستاني قصد منه السيطرة على موضوع حير العقول.
ويحسن أن نذكر أن المصادر الإباضية تكتفي بذكر أربعة من هذه القضايا أحيانا إلا أنها تصل بها إلى عشرة غالبا وهي:" التوحيد، القدر، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، ألا منزلة بين المنزلتين، والأسماء والصفات والأمر والنهي، والولاية والبراءة، والأسماء والأحكام" (12) .
======================
(1) الجاحظ: الحيوان ط عبد السلام هارون3،1969.4/206، وعن الجاحظ ر.الزركلي: الاعلام5/239.
(2) السيوطي: صوت المنطق والكلام.ص90 نقلا عن كتاب الطبرى الموسوم ب"صريح السنة" وعن الطبري ر. الزركلي: الإعلام: 6/294.
(3) ابن خلدون: المقدمة .ط. بيروت1967، ص821. وعن ابن خلدون ر.الزركلي: الاعلام4/106.
(4) عمر أبو ستة: المجموع المعول:22، نقلا عن شرح البرادي لكتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني. وعن البرادي انظر ما يلي 124 تعليق 95.
(5) ابن خلدون: المقدمة:837
(6) المحشي: حاشية على كتاب الوضع ط البارونية حجرية. القاهرة1305هـ: " علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه" :7
(7) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: أورد نص البرادي إلا أنه أضاف في بدايته ما يلي:" علم بقواعد يتوصل بها إلى ..." خ بمكتبتي:1 ر. علي الشابي: مباحث في علم الكلام والفلسفة ط1 دار بوسلامة. تونس د.ت مناقشة تعريف ابن خلدون: 13-15.
(8) السالمي: المشارق ط2 تعليق أحمد بن حمد الخليلي مفتي عمان. مطابع العقيدة عمان 1398/1978،" والتوحيد في اصطلاح المتكلمين بمعنى الفن المدون وهو علم يقتدر به على إثبات العقائد الدينية مكتسب من أدلتها اليقينية": 150ر.ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر نسخة مصورة من خط المؤلف- عمان. د.ت " والبحث فيه (التوحيد) يطلق عليه علم الكلام اصطلاحا".1/21
(9) محمد عبده: رسالة التوحيد:5
(10) وقد ناقشت النصوص الإباضية هذه التسمية نقاشا من الناحية اللغوية والمعنوية حاولنا أن نلخصه في ما أشرنا إليه. انظر خاصة: أحمد الشماخي: شرح الشماخي لعقيدة التوحيد : ط2. لبنان. 1392/1973 32-33. أبا عمار عبد الكافي: شرح الجهالات. خ بالبارونية الحشان جربة: 121. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر1/21.
وتذكر كتب الملل والنحل تسميات أخرى نذكر منها "النظر والاستدلال" "المقالات الإسلامية" "علم النحل" .ر: علي الشابي: مباحث في علم الكلام والفلسفة :12
(11) ر. الشهرستاني: الملل والنحل1/21.ر. علي الشابي: مباحث في علم الكلام والفلسفة:20. وعن الشهرستاني ر .الزركلي: الإعلام 7/83
(12) الشماخي: كتاب الديانات، ضمن مجموعة العقيدة الكبرى. مطبعة الفجالة الجديدة القاهرة د.ت: 43-45.تبغورين: أصول تبغورين: مرقون ملحق بأطروحة النامي. يوسف المصعبي: شرح أصول تبغورين(موجود بمكتبتي من ص1-62
________________________________________
تلك هي محاور النزاع الفكري والدامي أحيانا بين مختلف الفرق الإسلامية وعليها مدار علم الكلام.
فما هي العوامل التي دفعت إلى هذا النزاع؟ وما هي أبرز انعكاساتها على الثقافة الإسلامية وأين يتنزل الإباضي عامة في هذا الخضم وبصفة خاصة تراث المرحلة التي تعنينا أكثر؟
ليست الأمة الإسلامية أول من عرف مثل هذا الجدل الفكري في شأن المعتقد فالناظر في الديانات الوضعيه مثل البوذية والزرادشتية يتبين أنهما أثارتا قضية الآلهة وتعددها وقضية الخير والشر ومصدرهما، وقضية الجزاء وما إلى ذلك (13).
أما الديانات التي نشأت عن تحريف الرسالات السماوية السابقة خاصة اليهودية والمسيحية فقد حاج القرآن أتباعهما وبين ضلالهما في مواطن عدة منها:
( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون)(9.التوبة 30).
وقد أشار عليه السلام إلى افتراق اليهود والنصارى (14) إلى فرق شتى وسيكون لهذا أثر واضح في التراث الإسلامي كله، ويهمنا هنا ما يتعلق بعلم الكلام الذي عايش هذا الرصيد الحضاري وحرص على رد جميع ما رمي به الاسلام من شبهات ولا يخفى أن الإسلام عمر بلدنا عرف أهلها كل هذه الديانات دون أن نغفل عن الوثنية التي كانت أول من حاربه بشدة واعتنقه أناس نشأوا على هذه العقائد منهم من كان مخلصا ومنهم من كان منافقا ماكرا.
والمتتبع لمسار المد الإسلامي يلمس أن العقود الثلاثة الأولى من تاريخه لم تعرف صراعا عقديا داخليا وإنما كانت كل القوى موجهة لفتح قلوب الناس واكتسابهم إلى حضيرة الإيمان.
لكن المتأمل في هذه العقود المشعة يلمس أن كل الفرق التي نشات من بعد وجدت فيها أساسا أقامت عليه بناء تصورها سواء من القرآن أو من السنة أو من فهم خاص لبعض الأحداث.
فالقرآن الكريم إذا استثنيت منه ما جاء في الأحكام تجد أنه تركيز لعقيدة التوحيد وما يتصل بها ودفاع عنها في قوالب برهانية قصصية مثل مجادلة إبراهيم لقومه (15) ومحاجته لمن حاجه بأنه هو أيضا يحيي ويميت (16)، وهو أيضا يرد على اليهود والنصارى وحتى على الدهريين ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر )(45. الجاثية24) كما انه فيه آيات متشابهات وفيه ما يوحي بان الإنسان مخير وما يوحي بان الإنسان مجبر (17) .
كما أن أحاديث الرسول عليه السلام تطرقت لمثل هذه القضايا وخذ لك مثالين: حديث جبريل عليه السلام (18) ، وأسباب نزول سورة الإخلاص (19).
وإن عرف بعض المسلمين شيئا من الحيرة البناءة في هذه المرحلة فإن المسلك بقي واحدا وهو الإسلام وكفى.
وما أن انقدحت الشرارة الأولى- وهي مقتل عثمان (20) - حتى وجد المسلمون مجالا واسعا للحيرة المضنية المفضية إلى الاختلاف فأثيرت قضية شرعية الخلافة ولذلك تلحق عادة بأصول الدين وإن كانت إلى السياسة أقرب وصارت قضية سياسية عقائدية- ونحن نعلم ألا فصل بين الدين والدولة- وارتبطت بها قضية حكم مرتكب الكبيرة الإيمان أم الكفر أم الفسق، وتبعتها قضية القدر (21) .
وكما نبهنا من قبل بالنسبة إلى تسمية الفرق فإن نشأة علم الكلام تتنزل في الواقع الإسلامي العام، وهذا العلم هو إفرازة من إفرازات هذا الواقع المتموج ثم تندرج نحو التكامل دون أن ينفصل انفصالا كليا عن هذا الواقع التاريخي الأول بصفة خاصة.
وفي هذا الظرف ظهرت بعض الوجوه يبدو أنها تقنعت بالإسلام دون أن تعتقده نذكر: عبدالله بن سبأ اليهودي الأصل (22) ومعبد الجهني (ت 80/ 699) (23) ، وغيلان الدمشقي (ت بعد 105/723) (24) والجعد بن درهم (ت نحو 118/ 736) (25) .
وظهرت وجوه تصدت لهؤلاء وإن لم تسلك مسلكا واحدا في هذا التصدي نذكر منها: الحسن البصري (21- 110/ 642- 728) (26)، وواصل بن عطاء (ت 131/ 748) (27).
كما نذكر من المحكمة أبا بلال مرداس وجابر بن زيد وعبدالله ابن إباض ونافع بن الأزرق ثم يأتي أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة (28) .
ومن العلويين: زيد بن علي زين العابدين (ت 122/ 740) (29)ومن ماثله ممن عرفوا بالأئمة عند الإمامية (30) والجعفرية (31) والإسماعيلية (32).
هؤلاء جميعا كان لهم حظ في نشأة علم الكلام ثم طوره على يد من تنبوا أفكارهم.
وفي هذا المحيط اتضح الخلاف في شأن الإمامة فإن قالت الشيعة إنها وقف على آل البيت وقال أهل السنة إنها وقف على القريشيين فقد قالت المحكمة إنها من حق كل من توفرت فيه شروطها مهما كان أصله (33).
وفي هذا الظرف تمخضت أيضا ظاهرة الإرجاء (34) المتمثلة في مبدأ لا تضر مع الإيمان معصية فزكتها الأموية أيما تزكية كما ناصرت ظاهرة الجبر (35) القائمة على أساس ألا دخل للإنسان في ما يقوم به من حركات فجاءت ردود الفعل من أصحاب العدل والحرية (36) ردا على الجبرية وذهبوا إلى أن الإنسان حر مطلقا كما قالوا بالمنزلة بين المنزلتين ومن المحكمة في شأن الربط بين الإيمان والعمل، وتكفير العصاة تكفير نعمة ثم تكفير شرك لدى نافع بن الأزرق بعد انفصاله سنة 64/ 683 عن أصحابه.
ولكل هذه المواقف صلة وثيقة بالواقع السياسي ومن أبرز الوسائل التي استعملتها هذه الفرق لتبرير مواقفها الجدل الكلامي، وقد لمع في هذا الباب أصحاب العدل إلى أن اعتبروا أن الكلام من خاصياتهم والباحث في أطوار البلاغة العربية يلفت نظره هذا الاهتمام بالبيان في المعارك الكلامية وما يسمى بالمناظرات.
بهذا نتبين العوامل التي دفعت إلى انطلاق علم الكلام في هذا الوقت المبكر، ولعله سابق في ذلك لكثير من العلوم الإسلامية الأخرى. فما هي مكانة التراث الإباضي في هذا الخضم يا ترى؟
=========================
(13) انظر : كريستوس: البوذية : 375-458 ، الزرادشتية 336-374.(دراسة باللغة الفرنسية لمجموعة من المؤلفين د.ت.) : نجد تحديدا للنشأة وزالأسس لمختلف الفرق.
(14) انظر ما سبق ص33، انظر تعدادا لفرق اليهةود وخاصة النصارى (عبد المجيد الشرفي: الفكر الإسلامي في الرد على النصارى( أطروحة دكتوراه دولة نوقشت بكلية الآداب بتونس ،1982). الباب الأول :11-102 .ر. كريستوس: اليهود : 841- 977، المسيحية 982-1335.
(15) " وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين . فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين،فلما راى القمر بازغاقال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ".(6 الأنعام 75-79).
(16) " ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين"(2. البقرة258
(17) انظر ما يلي424
(18) قال جابر بن زيد : بينما جالس مع أصحابه إذ أتاه آت حسن الوجه طيب الرائحة فقال: أدنو منك يارسول الله رسول الله ؟ قال: نعم . فدنا فقال له ما الإيمان؟ فقال عليه السلام : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أنه من الله" فقال صدقت. قال: وما الإسلام يا رسول الله ؟ قال: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وحج البيت من استطاع إليه سبيلا" قال صدقت. ثم تغيب فإذا هو جبريل عليه السلام. الحديث عدد 769- الربيع بن حبيب. الجامع الصحيح.3/5.
ولفظة في الأربعين النووية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس للنبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد اخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان قال:" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال فأخبرني عن الساعة قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل .قال: أخبرني عن أمارتها قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبث مليا ثم قال :يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم . قال فانه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. رواه مسلم: إيمان 1 .د أبو داود : سنة16. أحمد بن حنبل 1/319 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 3/188
(19) من ذك ما رواه الترمذي عن أبي بن كعب. وروى عبيد العطار عن ابن مسعود وأبو يعلى عن جابر بن عبدالله أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :" أنسب لنا ربك" فنزلت : قل هو الله أحد إلى آخرها" .الترمذي: تفسير سورة الإخلاص 1. 2-112 أحمد بن حنبل 5/134 .ر. ونسنك المعجم المفهرس 2/9 ر. الطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير:. تونس : الدار التونسية للنشر 1984. 30/11
(20) انظر ما سبق35
(21) انظر ما يلي399
(22) أشرنا إلى أن المصادر الإباضية المتقدمة لا تذكر عبدالله بن سبأ إلا أن المصادر المتأخرة تذكره وتتفق في شأنه مع كتب الفرق الأخرى. انظر ما سبق 47 تعليق 37
(23) معبد بن عبدالله بن عويمر الجهني البصري : أول من قال بالقدر في البصرة. سمع الحديث من ابن عباس وعمران بن حصين وغيرهما. انتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه وعنه أخذ غيلان الدمشقي. قيل قتله الحجاج صبرا. وقيل صلبه عبد الملك بن مروان بدمشق على القول في القدر ثم قتله .ر. الزركلي الإعلام 8/177
(24) غيلان بن مسلم الدمشقي( ت بعد 105/723) يلقب أيضا القدري. تنسب إليه فرقة الغيلانية. هو ثاني من تكلم في القدر. قال الشهر ستاني في الملل والنحل:" كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد". أفتى الاوزاعي بقتله فصلب على باب كيسان بدمشق . ر. الزركلي الاعلام5/320
(25) الجعد بن درهم(ت نحو 118/736) من الموالي. مبتدع . له أخبار في الزندقة . سكن الجزيرة الفراتية مؤدب مروان بن محمد لذلك يلقب مروان بالجعدي. قال ابن الاثير:" كان مروان يلقب بالجعدي لانه تعلم من الجعد ابن درهم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر..." (والقدر هنا بمعني الجبر) ر. الزركلي الاعلام2/114
(26) الحسن البصري(21-110/642-728) ر. الزركلي الإعلام 2/242
(27) واصل بن عطاء (80-131/700-748) ر. الزركلي الإعلام: 9/121
(28) ر. ما سبق 49 وما يليها.
(29) زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب(80-122/699-740): أخذ العلم عن واصل بن عطاء. خطيب وفقيه. ينسب إليه مجموع الفقه . إليه ينسب الزيدية من الشيعة. وكان يجوز إمامة المفضول مع وجود الأفضل. ولا يكفر الصحابة. قتل بكناسة الكوفة حين خرج على واليها يوسف بن عمرو الثقفي. ر. الزركلي الاعلام3/98-99، ومحمد أبو زهرة : الإمام زيد حياته وعصره ،آراؤه وفقهه. بيروت 1378/1959.وعن الزيدية ر. 5- 1194 EI2Tome3.P
(30) الإمامية : ضبطت مبادئهم مع جعفر الصادق (ت148/765) يقولون بعصمة الإمام ويرون أن الإمامة تكون في ذرية الحسين ويقثولون بالتقية في حالة الخوف من السلطة الظالمة .ر. EI2Tome3.P 1195.article.Imamat
(31) الجعفرية: إحدى فرق الشيعة. نسبة إلى جعفر الصادق (80-148/699-765). اشتهر خاصة باستنباطاته الفقهية (ر.محمد جواد مغنية. فقه الإمام جعفر الصادق عرض واستدلال . دار العلم للملايين بيوت، ابريل 1965) والإمام جعفر معترف به من الإمامية والإسماعيلية. EI2Tome2.384-5et.P906
(32) الإسماعيلية : إحدى فرق الشيعة . نسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق. وإليهم ترجع الدولة الفاطمية.ر. EI2Tome3.P1196
(33) عن الإمامة وشروطها ر. فاروق عمر فوزي:" حول طبيعة الإمامة لدى الخوارج الإباضية في عمان "مجلة آقاق عربية. السنة الرابعة . كانون الأول 1978
كوبرلي: الأطروحة م2ص516-560 وهناك تجد الإحالة على جميع المصادر الإباضية ر. 98-1192- EI2Tome3 .ر. النامي: الأطروحة : 236
(34) الأرجاء: يسمى القائلون بالإرجاء المرجئة من الفرق الإسلامية المتقدمة في الزمن ويذكر ونسينك مختلف أقوال كتاب المقالات في شأن الآرجاء. ومن أسس المرجئة أنه لا يضر مع الإيمان معصية وأن طاعة الإمام الجائر واجبة فلا ثورة ولا خروج ويرجون النجاة لكل المؤمنين يوم القيامة وإن ماتوا على المعصية ولذلك سموا بأهل الوعد على عكس المعتزلة الذين سموا بأهل الوعيد .ر. محمد الطالبي : الأرجاء دراسات في تاريخ افريقية . منشورات الجامعة التونسية المطبعة الرسميةو تونس 1982. 359- ر. 184 EI1tome3.784 cf
(35) الجبرية: الجبرية أو المجبرية تسمية أطلقت على إحدى الفرق الإسلامية من قبل خصومهم على أساس أنهم بأن حركة الإنسان كحركة الشمس لا دخل للإنسان فيها، فهو مجبر. وهي الفرقة المقابلة للقدرية أو المعتزلة التي تقوم بحرية الإنسان .ر. 375. EI2Tome3.P
(36) أصحاب العدل والحرية: هذه التسمية التي يختارها من عرفهم التاريخ بالمعتزلة كما يطلق عليهم تسمية أهل الوعيد 46-841. EI1tome3.P cf..
________________________________________
التراث الكلامي عند الإباضية قبل القرن 10/ 16:
نلاحظ هنا أننا سنكتفي بعرض سريع لأبرز العناوين لأن هذا العمل كان محور أطروحتين سابقتين(37) لنلح خاصة على عرض مفصل لتراث المرحلة التي تعنينا.
لقد ذكرنا أن جابر بن زيد وعبدالله بن اباض وأبا عبيدة مسلم ابن أبى كريمة يتنزلون في هذا المحيط التاريخي من النصف الثاني للقرن الأول هـ إلى النصف الأول من القرن الثاني هـ/ أواخر القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن م.
ولقد وصلتنا بعض أقوال جابر بن زيد وكذلك بعض كتابات أبي عبيدة(38) وحرص كل من الربيع بن حبيب(39) وأبي غانم (40)على جميع روايات هذين الإمامين كما نضيف إليها رسالة عبدالله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان(41) وخطبتي أبي حمزة الشاري سنة 129/ 747(42) .
فكل هذه النصوص تعتبر النواة الأولى للعقيدة الإباضية إذ فيها تصريح بمبدأ نفي الوراثة عن الإمامة وتلميح إلى الولاية والبراءة وإلى رفض قضية المهدي المنتظر كما أثيرت قضية القدر في صراع داخلي(43) واستمر الرأي على أن الله خالق الخير والشر وفي هذا تمهيد للقول الفصل في هذه القضية.
ويورد النامي نقلا عن كتاب البحث الصادق والاستكشاف في شرح كتاب العدل والإنصاف(44) للبرادي قائمة بها ثلاث عشرة رسالة نذكر منها:
- رسالة جابر بن زيد إلى شيعي.
- رسالة أبي بلال مرداس إلى المسلمين.
- رسالة أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة وحاجب(45) إلى أهل المغرب.
- ورسالة الربيع بن حبيب عن عبدالله بن عبد العزيز وأبي المؤرج وشعيب.
- وسيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب (46).
كل هذه النصوص وإن كانت متعلقة بقضية النهروان إلا أن عناوينها توحي بإثارة قضايا عقدية أخرى والدليل على ذلك رسالة أبي سفيان محبوب ابن الرحيل(47) التي وردت في كتاب كشف الغمة وجعلها كوبرلي ملحقا بأطروحته(48) ، ومحاور الرسالة تتمثل في التعريف بعبدالله بن اباض ومن عاصرهم وأخذ عنهم والايمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته الاسلام والايمان المفروضات السنن الحلال والحرام، الولاية والبراءة، البراءة من الفرق الضالة، الصفاتية ،الشيعة، الزارقة وأصناف الخوارج، المعتزلة الجهمية، وفي كل ذلك يذكر سبب البراءة.
ومع هذا السيل من الرسائل والمراسلات ينطلق التأليف في بلاد المغرب في أصول الدين وفي بقية العلوم الإسلامية.
ولعل أول ما كتب في هذا الفن في المغرب كتاب التوحيد الكبير لعيسى ابن علقمة المصري(49) ويبدو أنه رد على كتاب عبدالله بن زيد الفزاري .(50)
ثم يجدر أن نذكر رسالة الإمام أبي اليقضان محمد بن أفلح الرستمي (240- 283/ 854- 896) في خلق القرآن (51)،ورسالة عمروس بن فتح (ت 280/ 853): الدينوية الصافية، وهي رسالة تحليلية(52) أبرزت ثلاث نقط أساسية:
- موقف الإباضية من المؤمنين والمشركين والمنافقين.
- مواطن الخلاف بين الفرق: المرجئة ،الصفرية، المعتزلة، أهل الحديث، مع ذكر الأدلة باختصار.
-تحليل مالا يسع جهله طرفة عين وما يسع جهله من الإيمان والعمل حتى يحل وقته.
=============
(37) النامي: الأطروحة، كوبرلي: الأطروحة.
(38) أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة(نحو 145/762). تميمي بالولاء. اخذ العلم عن جابر بن زيد وجعفر السماك وصحار العبدي، وإليه انتهت رئاسة الإباضية بعد موت جابر ، وباشارته اسس الإباضية في كل من المغرب وحضرموت دولا مستقلة ، وتخرج على يديه رجال من مختلف البلاد الإسلامية انذاك عرفوا بـ"حملة العلم" وعن طريقهم انتشر المذهب الإباضي وفقهه في مختلف البلاد الإسلامية، توفي أبو عبيدة نحو سنة 145/762. ر. الدرجيني: الطبقات 2/238، الشماخي: السير 83، الزركلي: الإعلام 8/120ابن خلفون، تعليق النامي. 120
(39) الربيع بن حبيب بن عمرو الازدي الفراهيدي البصري ( حوالي 75- حوالي 170/694- 786). ولد أبو عمرو الربيع بن حبيب باحدى قرى السهل الساحلي (بودام) من الباطنة في عمان.
والراجح أن ولادته كانت حوالي(75/694) إذ ادرك الأمام جابر بن زيد وروى عنه . رحل إلى البصرة لطلب العلم وفيها اخذ عن الأمام جابر ابن زيد(93/710- 711) وتتلمذ خاصة على الأمام أبي عبيدة مسلم ابن ابي كريمة(145/762) وعدة من شيوخ الإباضية بالبصرة. ثم تولى إمامة مرويةالإباضية هنالك بعد وفاة شيخه أبي عبيدة .وقد اعتنى بجمع اجاديث رسول الله عن أبي عبيدة جابر بن زيد عن جمع من الصحابة ابرزهم عبدالله بن عباس(3ق هـ - 68/619- 687) في كتاب يعتبره الإباضية عمدتهم في الحديث.
وفد رتبه أبو يعقوب الوارجلاني(ق6/12) وشرحه أبو عبدالله محمد ابن عمر ابن ابي ستة شهر المحشي(ق11/17) واشتهر شرحه بحاشية الترتيب وقد طبعته ورزارة التراث بسلطنة عمان في 8 أجزاء (1982- 1984) بدون تحقيق. وقد طبع من قبل طبعة حجرية بزنجبار لم اطلع عليها، كما شرحه عبدالله السالمي في 4 أجزاء وقد أعاد حفيدا المؤلف سليمان واحمد طبع الجزء الأول والثاني بمطبعة العالية بسلطنة عمان د.ت.
وحقق الجزء الثالث منه عز الدين التنوخي، وطبع أيضا على نفقة حفيدي المؤلف سليمان وأحمد بالمطبعة العمومية دمشق(1383/1963) ولم يطبع الجزء الرابع في ما نعلم. وقد طبع الأصل بعنوان الجامع الصحيح مسند الربيع ابن حبيب عدة طبعات ويتضمن 1005 من الأحاديث. نذكر منها الطبعة الثانية بالمطبعة السلفية بالقاهرة1349 بتحقيق من إسحاق إبراهيم اطفيش أحد علماء الإباضية المعاصرين(1386/1966).
وإلى جانب نشاطه العلمي بالبصرة لقد كانت له مراسلات مع إباضية المغرب زمن الدولة الرستمية. والراجح أن وفاته كانت حوالي سنة 170/786.ر. الدرجيني: الطبقات: 2/273 ر. الشماخي: السير: 102 .ر. عمرو مسعود أبو القاسم: الربيع بن حبيب محدثا ، رسالة ماجستير قدمت بجامعة الفاتح بكلية التربية قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بإشراف الأستاذ عمرو التومي الشيباني سنة 1983. وتتضمن 282 صفحة مرقونة من الحجم الكبير وقد أهداها لي صاحبها مشكورا. وبها نجد الإحالات على مختلف المراجع.
(40) أبو غانم بشر بن غانم الخراساني: درس بالبصرة وأخذ عن تلاميذ أبي عبيدة (ق2/8) وعنهم دون كتبه وأهمها المدونة التي دون فيها أقوال تلاميذ أبي عبيدة في الفقه ورواياتهم واختلافهم . وقد رحل في أواخر القرن الثاني الهجري إلى تاهرت مارا بجبل نفوسة ورويت عنه المدونة في تاهرت ونسخت في جبل نفوسة ، نسخها عمروس بن فتح .ر. الدرجيني: الطبقات 2/323،ر. الشماخي: السير228.ر. ابن خلفون المزاتي: أجوبة ابن خلفون، تحقيق عمرو خليفة النامي. دار الفتح بيروت ط 1394/1974:111
(41) ر. البرادي: الجوهر:156- 167، الأزكوي: كشف الغمة، انظر إحالة عمار الطالبي: آراء الخوارج الكلامية:197 تعليق3، ورقة 293، عرف بها سخاو في مجلة الدراسات الشرقية ر. كوبرلي: الأطروحة 1/31- 38
(42) ر. الدرجيني : الطبقات .2/266- 267.
(43) ر. قضية عبدالله بن عبد العزيز/ وأبي المؤرخ، وشعيب، وحمزة الكوفي، ورفضهم من مجلس أبي عبيدة ثم مجلس الربيع .ر. الدرجيني: الطبقات 2/233و241و258، الشماخي: السير 81،،97، 105 ،120
- عبدالله بن عبد العزيز البصري(ق2/8) من تلاميذ أبي عبيدة مسلم كان فقيها مفتيا، وكان مغرما بالقياس في آرائه الفقهية وفتاوه مما جعل علماء الإباضية يعرضون عن كثير من آرائه. وأما روايته فهي مقبولة عندهم وقد تابعه النكار في الفقه بعد خلافهم مع الإمام عبد الوهاب، وهو ممن روى عنهم أبو غانم الخراساني مدونته، ومن كتبه الموجودة حاليا كتاب" نكاح الشغار" رواه عن أستاذيه أبي عبيدة مسلم، وأبي نوح صالح بن نوح الدهان. ر. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون ص 107- 108. الترجمة للمحقق.
- أبو المؤرخ عمرو بن محمد (ق2/8) من أهل "قدم" من اليمن أخذ العلم عن أبي عبيدة مسلم. وهو ممن روى عنهم أبو غانم في كتبه. وله مسائل خالف فيها أئمة الإباضية وقدم إلى عمان فرجع إلى الحق". وهو من طبقة الربيع بن حبيب . ر. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون: 110. الترجمة للمحقق.
- شعيب بن المعروف أبو المعروف(ق2/8) من طبقة الربيع بن حبيب، ويظهر أن موطنه مصر أو أنه أقام فيها فترة من الزمان وكان بها عند وقوع الخلاف بالمغرب على إمامة عبد الوهاب، فرحل إلى تاهرت وعاضد النكار، ثم رجع إلى طرابلس بعد هزيمة يزيد بن فندين، وواصل معارضته للإمام عبد الوهاب، وبسبب ذلك خلعه الربيع وبقية أئمة المذهب وأعلنوا البراءة منه.ر. الدرجيني: الطبقات2/274، الشماخي: السير: 119 . ر. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون:113
- حمزة الكوفي(ق2/8) تأثر بغيلان الدمشقي في القدر. أقحم هذا الجدل في حلقات أبي عبيدة مسلم فرأت الجماعة الإباضية في البصرة البراءة منه بعد مناظرات ومحاولات للصلح. وأعاد نفس القضية زمن الربيع وظل ينادي لفكرته فتبرأ منه الربيع كذلك.ر. الدرجيني: الطبقات2/241، ر. الشماخي: السير 85 و 120
(44) خ البارونية في أصول الفقه. وكتاب العدل والأنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني.
(45) وعن حاجب : انظر ما يلي 418 تعليق 54
(46) النامي: الأطروحة 10. عن مخطوطة البرادي كتاب البحث الصادق 1/26
-ـ محمد بن محبوب بن الرحيل(3محرم 260/ 29 أكتوبر 873): أبو عبدالله محمد بن محبوب بن الرحيل بن هبيرة القرشي. كان رأس علماء الإباضية بعد أبيه أبي سفيان. وكانت إقامته بمكة. وبها التقى بعمروس بن فتح فكان لقاء علميا حافلا بالتثبيت في دقائق الشريعة، ثم انتقل إلى عمان فتصدى لنشر العلم وينسب إليه من الكتب" سيرته إلى أهل المغرب" (مختصرة مخطوطة وكتاب في الفقه في سبعين جزء) وقد كان علماء جربة يتدارسونه في القرن الرابع / العاشر.
توفي بعمان في صحار يوم الجمعة 3 محرم 260/29 أكتوبر 873. ر. الدرجيني: الطبقات 323- 357، الشماخي: السير227، ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون: 112. وقد اشار المحقق إلى أن سيرته وردت عن ابن مداد " صفة نسب العلماء وموتهم وبلدانهم"(خ).46 ر. أحمد بن عبدالله الرقيشي: مصباح الظلام (خ) القطعة الخامسة:58
(47) أبو سفيان محبوب بن الرحيل، النصف الثاني من القرن2/ النصف الثاني من القرن 8 وبداية القرن التاسع ميلادي. أخذ عن أبي عبيدة مسلم والربيع ابن حبيب، وكانت والدته تحت الربيع بن حبيب. كان حجة في السيرة لا يكاد يشذ عنه شيء من سيرة الرسول عليه السلام ولا سير المسلمين من بعده. وهو ممن دون أخبار أهل الدعوة. وروى عنه أبو غانم الخراساني في مدونته. وقد أورد الدرجيني نص النصيحة إلى عبدالله بن يحيى طالب الحق. وجل أخبار المشارقة من الإباضية مروية عنه في كتب الطبقات والسير .ر. الدرجيني: الطبقات 2/278- 290، ر. الشماخي: السير 117- 119 ر. ابن خلفون: أجوبة ابن خلفون:116. التعريف للمحقق.
(48) ر. كوبرلي: الأطروحة 3/16- 22 في الملاحق.
(49) عيسى بن علقمة المصري(ق3/9) يقول عنه الشماخي:" كان من متكلمي الإباضية وحذاق علمائها" . ويذكر أبو عمار عبد الكافي في كتاب شرح الجهالات أن له مؤلفا بعنوان" كتاب التوحيد الكبير" وفيه عارض من قال إن أسماء الله مخلوقة وصفاته محدثة .ر. كتاب شرح الجهالات البارونية: 159 ر. الشماخي: السير 122
(50) عبد الله بن يزيد الفزاري(ق3/9) كان يعيش بالكوفة بين ق2 و 3 /8 و 9. وقد ذكره ابن حزم في الملل والنحل المطبعة الأدبية مصر 1317 دار الفكر 2/112 حيث يقول:" وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبدالله بن يزيد الإباضي الفزاري الكوفي" . لقد كان خرازا. ويقول النامي إنه عثر على كتاب له بزوارة بليبيا عنوانه " كتاب الردود" ر. النامي : الأطروحة : ص 263
(51) لبجواهر ص 182. انظر ما يلي 353 تعليق 30 للتعريف بأبي اليقظان
(52) خ البارونية . وعمروس بن فتح هو من علماء نفوسة. تقول كتب السير إنه تعلم بالمغرب عشرين سنة " قصد بلاد الجريد حاليا". تصدى بغزارة علمه مع أبي مهدي النفوسي لاراء نفاث المخالفة. أودع أبو غانم نسخة من المدونة عنده عند رحلته إلى تاهرت فنسخها، وعنها نسخت بقية النسخ بالمغرب لأن النسخة التي أودعت في تاهرت أحرقت مع ما أحرق من الكتب عند هجوم الشيعة. تولى القضاء لوالي الإمام عبد الوهاب وهو أبو منصور إلياس ، وكان حازما في أمره، أسندت إليه عدة مؤلفات لم يصلنا منها إلا كتاب" الدينوية الصافية" خ البارونية. 10. 28. 21x 16 صم وقتله الأغالبة صبرا عندما انتصروا على الإباضية في واقعة مانو سنة (283/ 896). رحل إلى مكة وبها التقى بمحمد بن محبوب عالم عمان آنذاك فاستفاد كل منهما من تجربة الآخر .ر. الدرجيني: الطبقات 2/320- 325
________________________________________
وفي هذين القرنين أي الثاني والثالث هـ/ الثامن والتاسع م، نما الفكر الاعتزالي نموا عريضا، وحمل فيهما اللواء واصل بن عطاء(53) وعمرو بن عبيد (80- 144/ 699- 761)(54) والنظام (ت231/ 854)(55) والجاحظ وتبلورت أصولهم الخمسة: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
كما خاض أبو حنيفة في هذا الباب في " الفقه الأكبر" وقال بالإرجاء وامتحن احمد بن حنبل (164- 241/ 780- 855)(56) والقائلين بقدم القرآن إثر صدور قرار المأمون (178- 218/ 786- 833)(57) بحمل الناس على القول بخلق القرآن(58) ومن ذلك الحين اتسم علم الكلام عند أهل السنة بنزعة دفاعية بل كثيرا ما كفر من يتعاطى هذا العلم وقد ذكرنا في مطلع هذا الفصل موقف الطبري منه.
ولا ينبغي أن نغفل عن التذكير بالتمازج الشديد بين الحضارة الإسلامية والحضارة الفارسية مع ارتقاء العباسيين الذين قربوا هذا العنصر وعليه أقاموا دولتهم، وحرص الخلفاء على الترجمة وأحداث بيت الحكمة احسن دليل على ذلك، وبهذا تمازج الفكر الإسلامي مع الفكر الهندي وبصفة خاصة الفكر اليوناني الذي اعتبره النصارى اكبر مخرب للعقيدة(59).
ثم ما أن تولى المتوكل الخلافة (232- 247/ 846- 861)(60) حتى انقلب الوضع وثأر أهل السنة لأنفسهم على المستوى السياسي وعلى المستوى الفكري مع تحول الأشعري عن الاعتزال وإرساء منهج جديد عرف في ما بعد بالأشعرية خاصة في كتابيه " الإبانة عن أصول الديانة" و" مقالات الإسلاميين" والماتريدي (ت 333/ 944)(61) خاصة بكتابيه " كتاب التوحيد" و" تأويلات أهل السنة" وبذلك قوي الصراع بين أهل السنة والمعتزلة وهجن هؤلاء الكلام وحاربوه بشدة.
وقد عرف هذا القرن سيطرة المد الشيعي مع الفاطميين بالمغرب ثم بالمشرق وقد كانت المناظرات على أشدها في بلاط الفاطميين يترأسها أحد الأئمة مع القاضي النعمان (ت 363 974) (62)، وقد اضطر الى الالتحاق ببلاط المعز لدين الله الفاطمي (331- 362/ 953- 973) (63)عالمان من علماء الكلام عند الاباضية وهما أبو نوح سعيد بن زنغيل (ق 4/ 10)(64) وأبو خزر يغلا بن زلتاف (ت 380/ 990)(65) وتنوه كتب السير ببراعتهما في المناظرة مما دفع المعز إلى الحرص على اصطحابهما الى القاهرة إلا أنه لم يرافقه إلا أبو خزر. ولأبي نوح كتاب في علم الكلام وصفه البرادي في كتاب شفاء الحائم وبين أنه حدد مالا يسع جهله ودلل على استحالة الرؤية وبين أن الاستطاعة مع الفعل كما بين أن القرآن مخلوق إلا أنه هذا الكتاب ما يزال مفقودا(66) .
ولأبي خزر كتاب عرف باسم كتاب أبى خزر وهو جواب على أسئلة وجهها إليه بعض شيوخ الاباضية وقد حققها عمرو النامي ومحورها الرد على المخالفين في المسائل التالية: مسألة أسماء الله تعالى، هل الاسم هو المسمى أو غيره؟ هل هي مخلوقة؟ مسألة الوقوف وهي متصلة بالولاية والبراءة تحديد مالا يسع جهله قضية العباد والرد على المعتزلة مسألتي الاستطاعة والإرادة مناقشة المرجئة والخوارج في قضية الإيمان(67) .
ثم ما أن أحس علماء الإباضية بعجزهم عن بعث دولة من جديد حتى فكروا في ما يعوض ذلك في عصر الكتمان فوجدوا خير أسوة في سيرة أبي عبيدة مسلم في البصرة فكونوا نظام الحلقة الذي اشتهر بنظام العزابة، وأرسى أبو عبدالله محمد بن بكر قواعد هذا النظام(68) فآتى أكله بعد حين في باب الأصول فبرزت في النصف الثاني من القرن الخامس هـ /الحادي عشر م المؤلفات التالية:
1) كتاب التحف المخزونة في إجماع الأصول الشرعية ومعانيها مفصلا بابا بابا لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (471/ 1078) (69).
2) كتاب مسائل التوحيد لأبي العباس احمد بن بكر (504/ 1110) (70).
3) كتاب تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) (71):
ــ أصول الدين(72).
ــ كتاب الجهالات (73) .
4)عقيدة نفوسة، لأبي زكرياء يحيى الجناوني (74)، والقسم الأول من كتاب مختصر الوضع في الأصول والفقه(75).
إن هذه النصوص تعالج جميع قضايا الأصول وبدأت تتخلص من قضية الردود لتقر أصول الإباضية دون أن تعتمد على كثرة الاستدلال المهم أن ترسخ هذه الأصول في الأذهان- مثل عقيدة نفوسة- وإن جنح تبغورين في كتاب أصول الدين الى مناقشة كل الفرق في الأصول التسعة لابراز اعتدال مواقف الاباضية أما كتاب الجهالات فهو كتاب مختصر تعليمي يعلم الإنسان كيف يجيب عن جميع الأسئلة المحتملة في أصول الدين.
وإن تمخض المحيط الإباضي عن مثل هذا الإنتاج الذي يوحي بأن مؤلفات الاشعري لم تسر بعد إلى هذه الأوساط فإن هذا القرن عرف امتدادا واضحا في الأوساط الاشعرية لفكر الاشعري خاصة بعد البغدادي والبلاقاني (338- 403/ 950- 1013)(76) والاسفراييني (ت 471/ 1078)(77) .
كما تأصل تيار آخر كاد يبقى منسيا لولا ابن حزم الأندلسي (384- 456/ 994- 1064)(78) ألا وهو المذهب الظاهري أما التيار الماتريدي فقد بقي مغمورا وكانت الغلبة للتيار الاشعري إلا أن التيار الاعتزالي قد عرف نضجا جليا مع مؤلفات القاضي عبد الجبار(415/ 1025) (79).
================
(53) انظر ما يلي 414 تعليق42
(54) عمرو بن عبيد . ر. الزركلي: الاعلام5/252 انظر ما يلي 416 تعليق 45
(55) النظام : إبراهيم بن سيار. ر. الزركلي: الاعلام1/36
(56) أحمد بن محمد بن حنبل ر. الزركلي: الاعلام1/192
(57) عبدالله بن هارون : المأمون العباسي. ر. الزركلي: الاعلام4/278
(58) انظر ما يلي 349
(59) قال ابن أبي زيد القيرواني(ت 386/996):" رحم الله بني أمية لم يكن فيهم قط خليفة ابتدع في الإسلام بدعة, وكان اكثر عمالهم وولاتهم العرب، فلما زالت الخلافة عنهم ودارت إلى بني العباس قامت دولتهم بالفرس وكانت الرئاسة فيهم فاحدثوا في الإسلام الحوادث التي تؤدي بهلاك الإسلام... ولكنهم قد ثلموه وعوروا أركانه...
فأول الحوادث التي أحدثوها إخراج الكتب اليونانية إلى أرض الإسلام.. ثم يروي سبب خروجها من بلاد الروم وخشيتهم منها لان من يقرأها يترك النصرانية ويتحول إلى دين اليونانية فأخفوها وبنوا عليها حتى لا يتوصل إليها ولما طلبها منهم يحيى بن خالد البرمكي(190/805) قرر مجلس البطارقة الاستراحة منها ورمي المسلمين بها لتفريق كلمتهم".
ويقرر ابن أبي زيد في النهاية أنه قل من أمعن النظر فيها وسلم من الزندقة ر. السيوطي: صون المنطلق والكلام. علق عليه علي سامي النشار ط. دار الكتب العلمية. بيروت د.ت : 6- 8
(60) المتوكل: جعفر بن محمد .ر. الزركلي: الإعلام 2/122
(61) الماتريدي: محمد ر. الزركلي: الاعلام7/272.ر. بلقاسم ابن حسن : آراء ابي منصور الماتريدي الكلامية، حلقة ثالثة نوقشت بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين 1402/1982. مرقونة 425ص.
(62) القاضي النعمان.ر. الزركلي: الاعلام9/8
(63) المعز لدين الله الفاطمي .ر. حسن حسني عبد الوهاب : خلاصة تاريخ تونس :10 والتاريخ المذكور هو تاريخ خلافته بافريقية.
(64) أبو نوح سعيد بن زنغيل: من علماء النصف الثاني ق4 /10 أصله من بلاد الجريد. قام على ابن تميم الفاطمي إثر مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد ثم وقع التصالح معه بعد انهزام الإباضية وذلك بعد أن فر زمنا واختفى بوارجلان حيث أكرمه أهلها.
كانت له براعة في علم الكلام وهو يقول عن نفسه " ناظرت عن هذه النحلة بين يدي أبي تميم(الشيعي) وأبي منصور(الصنهاجي) وأبي الخطاب( عامل زويلة) وسائر الفرق ولم يبق مذهب إلا غلبته". وتذكر المصادر أنه كتب في هذا الفن لكن لم نعثر على شيء من ذلك إلى الآن .ر. الدرجيني: الطبقات 2/353 وصفحات أخرى .ر. الشماخي: السير(مشائخ المغرب) أطروحة مرحلة ثالثة نوقشت بكلية الآداب بتونس سنة 1979 في 3 مجلدات. 3/662- 663 .ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط. البارونية 3/5: مسألة أبي نوح مع أبي تميم الفاطمي" الصنعة دليل على أن لها صانعا".
(65) أبو خرز يغلا بن زلتاف(380/990) من بني واسين. سكن الحامة مع أبي القاسم يزيد بن مخلد حيث تعلما هناك الأصول على سحنون بن أيوب وتزوج الغاية. حاصر عامل أبي تميم الفاطمي في باغاي 358/967 اثر مقتل أبي القاسم يزيد بن مخلد، وانهزم أبو خرز في هذه المعركة. ثم تم الصلح بينه وبين أبي تميم سنة 359/970. وتحول معه إلى القاهرة حيث توفي سنة 380/990. عدة أبو يعقوب الوارجلاني ضمن الأئمة العشرة الذين انفردوا بآراء في علم الكلام. وقد استقر بمصر وبها توفي وقد حقق النامي رسالته التي جاءت بعنوان" في الرد على جميع المخالفين" وما تزال مرقونة. ر: الدرجيني: الطبقات 2/340 .ر. الشماخي: السير 346 . ر. محمد حسن: تحقيق سير الشماخي م3/586- 587 ر. إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام 1/13 تعليق2.
(66) انظر : النامي : الأطروحة:288، تعليق259
(67) وهذا تلخيص أبي خرز لرسالته مع عرض منهجه:
" فقد ذكرنا ما اعتلت به المعتزلة، فأخذ أصحابنا بأوسط الأقاويل وأعدلها وأصوبها مما وافق كتاب والقياس الذي لا يقدر مبطل على نقضه فنفينا عن الله التشبيهالله وسنة نبيه محمد فأثبتناه حيا فاعلا واحدا ليس كمثله شيء ولا يشبه شيء، وأبطلنا حجة المشبهة, وأبطلنا ما اعتل به جهم وما اعتلت به المعتزلة من تثبيت جهم القدرة لله حتى ألزمه الجور ، ونفى المعتزلة الجور عن الله حتى نفوا عنه القدرة على اكثر الأشياء ومن لا يقدر على شيء فهو عاجز عنه، ومن يعذب من لم يظلم فهو جائر ظالم..." كتاب أبي خرز في الرد على جميع المخالفين ص 75. مرقون بمكتبتي
(68) انظر كتابنا: نظام العزابة ، المطبعة العصرية1975.
(69) هو ثمرة دروس ألقاها أبو الربيع في مدرسة الجامع الكبير بجربة. انظر كتابنا: نظام العزابة ص 187
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي القابسي (ت471/1078): نشأ بتمولست ثم درس على الشيخ أبي عبدالله محمد بن بكر(440/1048) في أريغ فكان من أبرز تلاميذه ثم انتقل إلى جربة حيث تعلم الفقه على أبي محمد ويسلان وعلم بها أصول الدين. طكان كثير التنقل مع تلامذته. توفي في تونين سنة 471/1078 ر. الدرجيني: الطبقات: 1/191، الشماخي: السير 412/414
وأما كتاب المخزونة في إجماع الأصول الشرعية ومعانيها فقد قسمه صاحبه إلى جزأين، وقد عالج في الجزء الأول القضايا التالية: ما يسمع الناس جهله، الولاية والبراءة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي صلبها بين حقيقة الإيمان والكفر وعالج قضية خلق القرآن كما خصص فصلا سماه "الديانات" اختصر فيه اسس العقيدة الإباضية( وسيعود عامر الشماخي إلى هذا المنهج. انظر ما يلي 121
أما الجزء الثاني فقد جاء أكثر تجريدا ومن أهم أبوابه : باب في الحكمة والله حكيم لذاته وبذاته وفي ذاته، وباب ما الصفات التي هي الموصوف بها ليس ثم معنى غير عينه. باب في التوحيد ونفي الأشياء والمساواة عن الله عز ذكره، باب كان ولم يكن ويكون ولا يكون وقد كان وسيكون. وختمه ببحث عن أسماء الله وصفاته.
والملاحظ أن أبا الربيع جمع في هذا الكتاب بين أصول الدين وأصول الفقه غلا أن الغالب عليه هو طابع أصول الدين. كما أن المنهج لم يكن موحدا في كامل الكتابي إذ يختصر أحيانا ويحلل أحيانا أخرى . أما النزعة التعليمية فواضحة إذ نعلم أن منطلق هذا الكتاب دروس كان يلقيها المؤلف في جربة. ومهما يكن من أمر يبقى الكتاب رصيدا مهما في تراث الإباضية لأن كل من أتوا بعده يكثرون من الإحالة عليه وينوهون بفضله.
والكتاب خ البارونية عدد صفحاته 110 من الحجم المتوسط وبكل صفحة 24 سطرا وقد نسخ بتاريخ 1269/1853 دون أن يذكر اسم الناسخ.
(70) أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر(504/1110) أصل أسرته من نفوسة من فرسطا. اخذ العلم عن أبيه أبي عبدالله محمد بن بكر(400/1048) وكان من أهم تلاميذه. سكن وادي أريغ ثم تحول إلى تمولست في الجنوب التونسي وبها صنف كتبه وهي خمسة وعشرون. يهمنا منها رسالته في التوحيد خ موجود بالبارونية الحشان جربة. ثم رجع إلى وادي أريغ ثم إلى تماوط (وارجلان) وكانت وفاته بوادي أريغ سنة 504/1110 .ر. الدرجيني: الطبقات 2/442، الشماخي: السير: 423 ر. محمد حسن: تحقيق سير الشماخي3/614.
هذا المؤلف أما كتاب مسائل التوحيد فعنوانه الكامل معبر عن فحواه وهو:" مسائل التوحيد مما لا يسع الناس جهله وغير ذلك من مسائل الكلام" ويقسم ما لا يسع جهله إلى قسمين:
1) ما بينه وبين الناس: وذلك مثل الإقرار بالشهادة وما يتبعها حتى تجري عليه أحكام المسلمين.
2) ما بينه وبين الله: ويتمثل في الإقرار والإضمار وعلم الجملة كذلك أشار إلى ما ينبغي أن يعرف عن الأنبياء وعن الآخرة.
كما أفرد فصولا طويلة في قضية الولاية والبراءة ولم يغفل عن مسالك الدين والإمامة معتبرا إياها قسما من اقسام أصول الدين.
أما منهج الكتاب فيغلب عليه الاختصار إذ يكتفي صاحبه بذكر مواقف الإباضية من القضايا المطروحة دون عرض أدلتها إلا أنه يسند بعض المواقف التي تبدو له شائكة إلى مشائخ الإباضية. والكتاب خ بالبارونية عدد صفحاته 26 وبكل صفحة 27 سطرا.
(71) تبغورين بن عيسى الملشوطي( النصف الأول من ق 6/12): من ملشوطة (يبدو أنه في أريغ) سكن آجلو. اخذ العلم عن أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي(471/1078) وعن الشيخ عبدالله اللنتي. وكان كما قال الشماخي:" أعظم الناس قدرا واكثرهم علما وأشدهم عملا.."
ومن تأليفه: كتاب أصول الدين حققه النامي ملحقا باطروحته( مرقون بمكتبتي الخاصة) وينسب إليه كتاب الجهالات، ويبدو أنه اشترك في تأليفه عدد من الشيوخ .ر. الشماخي: السير 432- كوبرلي: الأطروحة ص 115- 116- محمد حسن- تحقيق سير الشماخي 3/577- إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام 1/90 تعليق عدد 1
(72) حققه النامي ملحقا باطروحته عدد 2 انظر ما يلي 140 تعليق62
(73) ينسب إلى غير تبغورين. يذكر الوسياني أنه لأبي إسماعيل إبراهيم بن ملال ويذكر أبو عمار أنه لعدة مشائخ انظر ما يلي 155 انظر : النامي : الأطروحة: 291- 292.
(74) كوبرلي: الأطروحة، عقيدة نفوسة ملحق بالأطروحة 3/1- 16 أبو زكريا يحي الجناوني ( ق5/11) من قرية آجناون بجبل نفوسة اخذ عن أبي الربيع سليمان ابن أبي هارون وبه تمر نسبة الدين عند الإباضية. نذكر من مؤلفاته كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه ط حققه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش( انظر ما يلي 146 والقسم الأول منه في أصول الدين وقد صيغ في اسلوب أدبي طريف وعرض عرضا منهجيا متناسقا.
وعقيدة نفوسة: وهو مختصر تعليمي ليس في نفس الجودة الأسلوبية وكتاب الوضع ر. الشماخي: السير535، كوبرلي الأطروحة 1/76 وقد أحال على كثير من المراجع الأجنبية إذ نعلم أن روبناتشي الإيطالي قد ترجم عقيدة نفوسة .595- 533,(1964) cf.A.I.U.O.N,NS.XVI
ر. محمد حسن: تحقيق سير الشماخي3/598
(75) أبو زكرياء يحيى الجناوني: مختصر الوضع تحقيق أبي إسحاق اطفيش ط من ص17- 37 أنظر ما يلي: 146
ويرجع كوبرلي أن العقيدة التي كتبت بالبربرية وترجمها ابن جميع في القرن الثامن ترجع إلى هذا القرن .ر. الأطروحة 1/80.
(76) الباقلاني: ر. الزركلي- الإعلام 7/46
(77) الاسفراييني(ت471/1078) ر. تحقيق كمال يوسف الحوت لكتاب " التبصير في الدين" ط بيروت 1403/1983: 9
(78) ابن حزم ر. الزركلي : الإعلام 5/53
(79) القاضي عبد الجبار: ر. الزركلي4/47
________________________________________
وما أن هبت ريح الأشاعرة في عاصمة الإباضية الثانية بعد سقوط تاهرت وهي سدراته ووارجلان (80)حتى تصدى لها علماء كان لهم باع طويل في علم الكلام وظهر نتاج زاخر لم يعرف الاباضية لـه نظير وظل عمدتهم إلى يومنا هذا فشرحوا، وحشوا، واختصروا، وهذا المصنفات هي:
- كتاب السؤالات ورسالة في الفرق لأبي عثمان عمرو بن خليفة السوفي(81) .
-كتاب الموجز، وكتاب شرح الجهالات لأبي عمار عبد الكافي الوارجلاني (570/ 1174) (82).
- كتاب الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل لتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق. (واشتهر بـ: كتاب الدليل والبرهان).
-كتاب العدل والأنصاف في أصول الفقه والاختلاف. (واشتهر بـ كتاب العدل والأنصاف) وكلاهما لأبي يعقوب الوارجلاني (83).
ولا بأس من ذكر عقيدة أبي سهيل(84) وإن لم تلق نفس الرواج لكن أهميتها في سهولة استيعاب ما فيها.
نلمس بوضوح أن الفكر الإباضي أدرك مستوى النضج والقدرة على الاستيعاب والدفاع في منطق متكامل فهذا أبو عمار الذي عرف البيئة التونسية في تونس زمن الموحدين بما فيها من تيارات يقف منافحا عن الاسلام فيرد على الفلسفات القديمة، وأهل الكتاب في الجزء الأول ثم في الجزء الثاني من موجزه يقرر أصول العقيدة الاباضية ويدحض حجج الفرق الأخرى ببراهين عقلية ونقلية في لغة كلامية جدلية متماسكة.
ويمكن أن نعتبر أن مؤلفات أبي يعقوب مكملة ومركزة لما جاء عند أبي عمار ذاك أنه حدد في الجزء الأول من كتابه جميع مسائل الخلاف مع الأشاعرة وركز حجج الإباضية في هذه المسائل كما أنه حدد ما يسع جهله ومالا يسع جهله وما بين علماء الإباضية من فويرقات في هذا الشأن وحرص على ضبط أقسام العلوم في الجزء الثاني مع الاعتناء بعلمي المنطق والحساب، وقد ساعدته رحلاته العديدة على استغلال ملاحظاته في علم الكلام. أما الجزء الثالث من كتاب الدليل والبرهان فقد جاء متنوعا يحكى ما في البيئة الاباضية من غليان فكري، ذاك أنه أجوبة عن رسائل وجهت في الأصل لأبى عمار عبد الكافي فلما أدركته المنية تولى أبو يعقوب الإجابة عنها بما يشفي الغليل في الرد على مختلف الفرق سواء المتأصلة أو المنشقة عن الإباضية مثل النكار.
أما كتاب السؤالات فقد أجاب صاحبه عن خمسة وتسعين سؤالا في جميع مسائل الأصول، وهو ثروة فكرية عملية تمكن الإباضية من الاستعداد للإجابة عن أية قضية من القضايا التي كانت تطرح في حلقات المناظرات في ذلكم المحيط الذي تتعايش فيه جميع الفرق دون أن تجد أية مضايقة.
فواضح إذن تعايش التراث الإباضي مع سائر التراث الإسلامي خاصة ومع التراث العالمي تعايشا قويا بناء مستقلا برأيه، معتدا بذلك الرأي فلا يتردد أبو يعقوب مثلا اعتماد فكر الغزالي في علم المكاشفة(85) وفي الثناء على رسائل إخوان الصفاء مع عرض فحواه(86)ا إلا أننا لم نجد إشارة إلى علماء آخرين برزوا في القرن (5 /11) مثل ابن عبد البر (368- 463/ 978- 1071)(87) وفي القرن (6/ 12) مثل الشهرستاني (479- 548/ 1086- 1153) ذلك لأن فكر الأشعري بقي طاغيا.
ولئن استمر الفكر الأشعري في قوته على يد المتكلمين أمثال البيضاوي (ت 685/ 1143)(88) والتفتازاني (712- 793 /1312- 1390)(89) والايجي (756/ 1355)(90) فإن مسح الميورقي لسدراته واستئصال الإباضية من منطقة الجريد أدى إلى تراجع واضح، واهتم هؤلاء بسيرهم وكان ذلك على يد الدرجيني في طباقته (في القرن السابع هـ/ الثالث عشر م) لكنهم لم يسكتوا عن أصولهم فانبرى أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي (ق7/ 23)(91) وهو يشكو من تفريط الناس في علم الأصول: (طويل).
فوضع نونية في اثنتين وثمانين ومائة بيت جمع فيها أصول الدين فذاع صيتها في
ما بعد حتى صارت بمثابة النشيد الرسمي تحفظ وتنشد في عدة مناسبات.
ثم شرحها الجيطالي (ت 750/ 1349) (92)في مجلدين نهج فيهما منهجا تحليليا استدلاليا مقارنا لا يخلو من نزعة دفاعية وقد كتب عقيدة مختصرة عرفت باسمه وأفرد قنطرة من قناطر كتابه الموسوم ط بقناطر الخيرات" لأصول الدين بين أنه عمد فيها إلى الاختصار بناء على توسعه في ذلك في شرح النونية ولا ينبغي أن نغفل عن الباب الأول من أبواب كتابه قواعد الاسلام فهو أيضا عرض دقيق لقضايا التوحيد.
أما عامر الشماخي (792/ 1390) (93)أبرز فقهاء الإباضية فإنه لم يغفل هذا الباب بل اكتنزه في رسالة موجزة عرفت بالديانات بين فيها موقف الإباضية من القضايا الأصولية التسع مفتتحا كل قضية بقوله ندين ويشفع هذا بترجمة ابن جميع (ق8/ 14)(94) لنص العقيدة الذي ألف بالبربرية في القرن الخامس هـ/ الحادي عشر ميلادي فيما يبدو فصار العمدة في العقيدة وهو أول ما يحفظ في جربة ووادي ميزاب إلى جانب القرآن الكريم والحديث الشريف.
ثم يسطع نجم البرادي فيملأ القرن التاسع هـ/ الخامس عشر م(95) برسالة الحقائق عرف فيها المعنى الاصطلاحي لأهم المفاهيم الأصولية وأظهر براعته في هذا الفن وإلمامه به في شرحه للدعائم المسمى " شفاء الحائم على الدعائم" وقد استوفى فيه ما يتعلق بأصول الدين متبعا في ذلك منهجا تحليليا مقارنا مستفيدا من كل وصله من نصوص إباضية وغير إباضية.
بعد أن ألممنا بتراث القرون التي هيأت للمرحلة التي تعنينا أكثر، فلنقف عند المؤلفات الأصولية في هذه المرحلة تفصيلا.
==================
(80) انظر الخريطة 837
(81) أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي(ق6/12) من وادي سوف ولد (قبل 471/1078) لأنه حضر مجالس أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي وهو كثير الرواية عن أبي زكرياء يحي ابن أبي بكر(ق5- 6/11- 12) صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة، وكذلك عن أبي العباس أحمد ابن أبي بكر. رحل إلى وارجلان وإلى بلاد الجريد وإلى طرابلس.
من مؤلفاته: كتاب السؤالات وهو كتاب جامع لقضايا أصولية ولغوية وتاريخية خاصة في سير الإباضية وقد نسب الكتاب لغيره أيضا، والحقيقة أنه كتاب تداولت عديد من الأيدي على وضعه وتوجد منه عدة نسخ في مكتبات الإباضية بجربة ووادي ميزاب ونفوسة.خ مكتبة بوشداخ فاتو عدد صفحاتها 277 بكل صفحة 24 سطرا نسخت سنة 1184 وناسخها عبدالله النفوسي.
رسالة مختصر. في فرق الإباضية ط في الجزائر ضمن مجموعة د.ت
ر. الدرجيني: الطبقات 2/428- 483، الشماخي: السير 440- 441و 524-529 ر. عمرو خليفة النامي: ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها. مجلة الأصالة الجزائر عدد 42/42ص6، صفر- ربيع الأول (1397/فيفري- مارس 1977
ر. محمد حسنك تحقيق سير الشماخي 634/3
(82) أبو عمار عبد الكافي ابن أبي يعقوب التناوتي (ت قبل 570/1174) ولد بناوت إحدى قرى وارجلان وبها نشأ نشأته الأولى، ثم ارتحل إلى تونس في عهد الموحدين فجد في طلب العلم، واستقر بعد ذلك في وارجلان وتفرغ للتأليف والتدريس والفتوى.
والقرن السادس هـ/ الثاني عشر م يعتبر من ازهى عصور الإباضية من حيث الإنتاج الفكري.
وبها توفي قبل أبي يعقوب الوارجلاني إذ تولى هذا الأخير الإجابة عن رسائل وردت على أبي عمار.
ابرز مؤلفاته: الموجز في علم الكلام. حققه عمار الطالبي وط بالجزائر 1398/1978، شرح كتاب الجهالات المنسوب لتبغورين بن عيسى المسلوطي خ بالبارونية(انظر ما يلي 155 تعليق 96
ر. الدرجيني: الطبقات 2/485، الشماخي: السير 441، عمار الطالبيك آراء الخزارج الكلامية1/215، علي يحي معمر: الإباضية في الجزائر: 215
(83) أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني المتوفي(570/1174) ولد بمدينة وارجلان جنوب شرقي الجزائر وإليها ينسب. تفقه بها على منهج الإباضية. ثم ارتحل إلى الأندلس فأقام في قرطبة زمن الموحدين. كما ارتحل إلى عواصم بلاد المشرق وأدى فريضة الحج. ثم توغل في أوسط إفريقيا حيث اكتشف تساوي الليل والنهار. له عدة مؤلفات نكتفي بذكر اثنين منها: " الدليل والبرهان" في ثلاثة أجزاء ط حجرية في مجلد واحد البارونية مصر 1306هـ في أصول الدين، العدل والأنصاف خ. في ثلاثة أجزاء- أصول الفقه حققه عمروالنامي مرقون بمكتبتي وط بعمان 1984 بدون تحقيق .ر. الدرجيني: الطبقات: 2/491، الشماخي: السير443، علي يحيى معمر: الإباضية في الجزائر مكتبة وهبة القاهرة 1399- 1979. عمار الطالبي آراء الخوارج الكلامية 1/216
(84) كوبرلي: الأطروحة 3 الملحق: 23-71
أبو سهل يحي بن إبراهيم بن سليمان بن إبراهيم بن ويجمن(ق6/12): سليل أسرة عريقة في العلم. عاش في ربوع وارجلان زمن ازدهارها العلمي . واخذ خاصة عن أبيه وعن أبي زكرياء يحيى ابن أبي بكر الوارجلاني صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة. اشتهر خاصة بكتابه الموسوم بـ"العقيدة في علم التوحيد والعلم والسير" وقد جعله كوبرلي ملحقا بأطروحته 3/23- 71.ر. الشماخي: السير 507- 508، كوبرلي: الأطروحة 1/158. محمد حسن: تحقيق السير 3/608 وقد اعتبره من علماء القرن 5 هـ/11 ونرجح ما أشرنا إليه أعلاه لاخذه عن أبي زكرياء.
أما كتابه في العقيدة فقد غلب فيه القسم الأخلاقي على القسم العقائدي.
(85) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط1-3/180
(86) نفس المصدر :3/194
(87) ابن عبد البر القرطبي . يقال له حافظ المغرب تهجم على المتكلمين في كتابه " جامع بيان العلم وفضله" .ر. الزركلي: الاعلام10/316
(88) البضاوي: ر. الزركلي: الإعلام 4/248
(89) السعد التفتازاني :ر. الزركلي : الاعلام8/113- 114
(90) عضد الدين الايجي .ر. الزركلي : الاعلام4/66
(91) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي( النصف الأول من ق 7/13) من قرية تملوشايت من جبل نفوسة. اخذ العلم عن خاله أبي يحي زكرياء بن إبراهيم. له عدة قصائد تعليمية نذكر منها القصيدة النونية في أصول الدين. انظر ما يلي: 160 الإشارة إلى شروحها
ر. الشماخي: السير548- 549، الجعبيري: نظام العزابة: 254 ر. محمد حسن: تحقيق سير الشماخي 3/ 662 وقد أخطاء في اعتباره من علماء القرن 6/12 لأن الباروني اعتبره من الطبقة الثالثة عشرة .ر. إسماعيل الجيطالي: قواعد الإسلام 1/89 تعليق 1 للمحقق
(92) إسماعيل الجيطالي: ( ت 750/1349) نشأ في مدينة جيطال بجبل نفوسة. اخذ عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي(ت722/1322) اشتهر بقوة الحافظة. جمع بين العلم والجرأة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لذلك كان كثير التنقل. سجن بطرابلس فسعى آل جربة إلى فك سراحه؛ واستقر في جزيرة جربة بالجامع الكبير إلى أن توفي، وقبره هناك. له عدة مؤلفات نذكر منها: كتاب قناطر الخيرات وقد طبع في 3 أجزاء بالمطبعة البارونية 1307/1889 وحقق عمرو النامي الجزء فصول مهمة في أصول الدين. وكتاب القواعد الإسلام جزآن وقد حققه عبد الرحمان بكلي وطبع بالمطبعة العربية بغرادية الجزائر 1976
وقد جاءت 129 صفحة منه في الأصول ج1 وقد حقق النامي هذا القسم ملحقا بأطروحته كما اعتمد كوبرلي في أطروحته على هذا القسم ( ر. 1/ 104- 245) ر. المراجع المشار إليها مع المصدر المعتمد: الشماخي: السير: 556- 559
(93) عامر الشماخي( ن 792/ 1390) من أجداد أحمد الشماخي صاحب السير. اخذ عن أبي موسى بن عيسى الطرميسي(ن722/ 1322). اشتهر بالاستقامة منذ صغره. جلس للتدريس والتأليفطول حياته. وقد درس بمتيون 13 سنة وتحول إلى يفرن 756هـ/ 1355م. من أبرز تلاميذه البرادي(8 و 9 هـ/14- 15م) صاحب كتاب الجواهر. توفي متقدم السن( 792/1390) له عدة مؤلفات يهمنا منها كتاب الديانات وقد ألفه تلبية لطلب نوح بن سعيد المرساوني( انظر شروح هذا النص في ما يلي 160) وقد ترجمه النامي بأطروحته ص 255 إلى الإنكليزية وترجمة كوبرلي إلى الفرنسية 3/195 الملاحق ر. الشماخي: السير: 559- 561.
(94) هو أبو حفص عمرو بن جميع: يقول عنه الشماخي:" كان اماما مشهورا وكان من العلماء منظورا. إليه تنسب العقيدة التي كانت بالبربرية فأبدلها بلسان العربية وهي اعتماد أهل جربة وغيرهم غير نفوسة في ابتداء الطلبة" السير561. وقد ترجم له الشيخ أبو إسحاق اطفيش في مقدمة تحقيق نص العقيدة واعتبره من علماء النصف الثاني من القرن7/13 ، وقد أدرك بداية القرن 8/14. وغاية ما نعرف عنه أنه درس على أحمد الدرجيني صاحب الطبقات .ر. ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة: 54
" ثم صار كبير المدرسين بجامع تيفروجين من جهة والغ القديمة حيث يوجد قبره" كما يقول الحيلاتي(ت1099/1688) في رسالته عن مشاهد علماء حربة: 6 أما تاريخ وفاته فمجهول ر. الجعبيري: نظام العزابة ص 253.
أما في ما يتعلق بتعريف نص العقيدة فانظر ما يلي 131
(95) أبو الفضل أبو القاسم البرادي( النصف الأول ق9/15) نشأ بجبل دمر – الجنوب التونسي- وتعلم بجبل نفوسة على عامر الشماخي (ت 792/ 1390) وبجربة على يعيش بن موسى الزواغي بمدرسة وادي الزبيب بحومة جعبيرة.
تولى التدريس بعد ذلك بنفس المدرسة التي تعلم بها بجربة واستقر بالجزيرة حيث شارك في عضوية مجلس العزابة. حج إلى بيت الله الحرام سنة 775/1374 وتاريخ وفاته يبقى مجهولا .ر. للمؤلف: نظام العزابة ص 208- 209 وقد اشرت هناك إلى أهم المصادر .ر. سالم العدالي: البرادي: حياته آثاره. أطروحة مرحلة ثالثة نوقشت بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين 1402- 1982 مرقونة بمكتبتي.
ورسالة الحقائق ط . بالجزائر د.ت مع مجموعة من المؤلفات وقد حققها سالم العدالي مرقونة بمكتبتي. أما كتاب شفاء الحائم فما يزال مخطوطا بالمطتبة البارونية الحشان، جربة. ولسالم العدالي نسخة مصورة منه عن النسخة البارونية .ر. سالم العدالي: البرادي حياته آثاره ؛ 122- 147
________________________________________
الإنتاج الإباضي في أصول الدين(1) في القرون
10، 11، 12 هـ/ 16، 17، 18 م
تنطلق التصانيف الإباضية في أصول الدين في هذه الحقبة التي تهمنا بشرح أحمد بن سعيد الشماخي( 928/ 1522) لعقيدة التوحيد لأبي حفص عمور ابن جميع(2) ، وقد أثبت أنه " انتهى من شرحه هذا في أوائل شهر شعبان سنة أربع وتسعمائة/ فيفري 1499. وهو العام الثاني من إخراج المسلمين النصارى من جربة" (3).
وأبو العباس أحمد الشماخي (ت 928/ 1522) هو سلسل أسرة عريقة في العلم سكن يفرن وأخذ عن أبي عفيف صالح بن نوح. تحول بعد وفاة شيخه إلى تطاوين وتلالت بجبل دمر طلبا للعلم، ثم واصل طريقه إلى تونس حيث التقى بملك إفريقية أبي عمر عثمان الحفصي( 839- 893/ 1435- 1488) سنة 891/ 1486، وتحاور معه في مسائل فقهية.
كما التقى في إحدى رحلاته بفقيه إباضي من عمان هو محمد بن عبدالله السمائلي العماني ونقل عنه عدة أخبار عن إباضية المشرق.
وكان يهتم أحيانا بتاريخ مؤلفاته من ذلك ضبطه لتاريخ انتهائه من شرح مقدمة التوحيد وذلك سنة 904/ 1499.
والمشهور كما يروي ذلك مؤرخ جربة المعاصر سالم بن يعقوب أنه توفي بجربة وقبره بحومة تيواجن، وذلك سنة 928/ 1522 على خلاف ما يذكره لويكي.
مؤلفاته:
- شرح عقيدة التوحيد (انظر ما يلي:131)
- سير المشايخ: ط حجرية القاهرة 1301. عرف فيه بنشأة الإباضية وخاصة سير مشائخ المغرب.
- مختصر كتاب العدل والإنصاف لأبي يعقوب الوارجلاني (6/ 12) في أصول الفقه وشرح المختصر خ. بمكتبتي .وقد فرغ من تأليفه 854/ 1489.
- شرح كتاب مرج البحرين في الفلسفة والمنطق لأبى يعقوب الوارجلاني وهو قسم من كتاب الدليل والبرهان. خ بمكتبة سالم بن يعقوب غيزن.
- أعراب مشكل الدعائم، لابن النظر العماني وقد انتهى من تأليفه سنة 888/ 1483 كما أثبت في آخر النسخة البارونية خ. لم يهتم فيه إلا بالقضايا اللغوية والنحوية.."فآثرت مختصرا يتضمن مشكل إعرابه".
- رسالة في الرد على صولة الغدامسي (انظر ما يلي:163 )
- ورسائل أخرى في الفقه (4).
ويبدو أن آخر ما صنف في هذه القرون الثلاثة حاشية يوسف بن محمد المصعبي (ت 1188/ 1774) (5)على كتاب أصول الدين لتبغورين ابن عيسى الملشوطي (ق 6/ 12) (6).
وبين هذا وذاك ألفت عدة تصانيف نرتبها كما يلي: (1) المؤلفات المستقلة. (2) الشروح والحواشي. (3) الردود والأجوبة. (4) المختصرات.
========================
(1) ملاحظة: اننا سنقحم التراجم داخل النص لأنها تعتبر من صلب البحث
(2) انظر ما سبق: 124 تعليق94
(3) أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد :163
(4) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة ص1.سالم بن يعقوب: كراس بمكتبته الخاصة بدون رقم
محمد حسن: نحقيق سير الشماخي:3/480
(5) انظر ما يلي:140
(6) انظر ما سبق: 116تعليق71
________________________________________
المؤلفات الذاتية:
إن التأليف الذاتية في أصول الدين في هذه القرون تكاد تكون منعدمة وإننا لم نعثر إلا على ثلاثة رسائل اثنتين منها لأحمد بن سعيد الشماخي والثالثة لعبدالله السدويكشي (1068/ 1658) (7).
ولعل هذا يرجع إلى أن ما ألف في ما مضى كثير، لذلك لجأ علماء هذه الحقبة إلى الشروح والحواشي لتوضيح ما جاء من إشكال في تلك النصوص التي أقرت العقيدة الإباضية بصفة نهائية.
أ) أما رسالة الشماخي الأولى فقد جاءت موجزة وهي جواب أجاب به (8)أحد الطلبة حول قضية العلاقة بين الاسم والمسمى بالنسبة إلى الله تعالى، وهي مخطوطة بها أربع صفحات تحتوي على مائة سطر بخط مغربي واضح(9) .
وقد بدأها بذكر الفرق بين التسمية والاسم والمسمى لغة ثم بين أن الإباضية يعتبرون أن الاسم هو المسمى مدللا على هذا الاعتبار بعدة آيات من القرآن الكريم وبثلاثة أحاديث.
وقرر بعد ذلك اعتمادا على كلام الوارجلاني أن الخلاف بين الإباضية وغيرهم اعتباري لفظي.
كما أجاب عن بعض الاعتراضات والاستفسارات وانتهى إلى تقرير أن الاسم يدل على المسمى وأن الاباضية يمنعون أن يقال إن الله سمى نفسه في الأزل(10) وتبدو النزعة التعليمية واضحة في هذه الرسالة إذ جاءت في قالب حوار (إن قلت. قلت).
ب) وأما الرسالة الثانية فقد جاءت في منتهى الإيجاز وهي خ. تحتوي على صفحة واحدة بخط مغربي واضح بها ثلاثة وعشرون سطر(11) .
وموضوعها: صفات الله تعالى، وقد برهن بطريقة منطقية جدلية على أن صفات الله الذاتية غير زائدة على الموصوف وكذلك صفاته الفعلية.
وقد بدت النزعة الجدلية بما فيها من تحد واضحة في هذه الرسالة على إيجازها.
وأما الرسالة الثالثة فهي لعبدالله السدويكشي عدد صفحاتها سبعة وبها 134 سطر(12) . وهي موسومة بـ" رسالة في اختلاف العلماء في القرآن المجيد" وقد حدد موضوعها في الخاتمة كما يلي:
" فقد ذكرت ما أمكنني ذكره من احتجاج الفريقين (القرآن مخلوق- القرآن أزلي" فهي مقارنة بين القائلين بالحدوث والقائلين بالقدم وفي ذلك يقول:" وأما القائلون بأن القرآن قديم فهم المالكية والشافعية والحنابلة والحنفية.
وأما القائلون بأن القرآن مخلوق فهم المعتزلة والإباضية والشيعة على اختلاف مذاهبها" (13).
وقد بدت النزعة الجدلية واضحة في كل الرسالة ما دامت كل جماعة تحاول الانتصار لموقفها وقد أورد المصنف حجج الذين يعتبرون أن القرآن قديم ودفاعهم عن موقفهم في العنصر الأول ثم أورد حجج القائلين بخلق القرآن ومنهم الإباضية وقد جاء القسم الثاني أطول وأوضح من القسم الأول ومرجع هذا إلى أن السدويكشي يتبنى موقف القائلين بخلق القرآن.
===============================
(7) انظر ترجمته مع تحليل أهم آثاره:151
(8) خيرنا وضعها هنا لأنها أقرب إلى التأليف الذاتي
(9) المكتبة البارونية ضمن مجموعة آثار أخرى بدون رقم
(10) ر. أحمد الشماخي: رسالة في الاسم والمسمى:4
(11) خ البارونية: ضمن مجموعة من الرسائل بدون رقم
(12) خ البارونية ضمن مجموعة من الرسائل بدون رقم. انظر ترجمة السدويكشي في ما يلي: 151
(13) عبدالله السدويكشي: رسالة في اختلاف العلماء في القرآن المجيد:7
________________________________________
الشروح والحواشي:
1) شروح عقيدة التوحيد لأبي حفص عمرو بن جميع(14) .
أ) شرح أبي العباس أحمد الشماخي(15) .
لقد تتبع الشارح متن العقيدة كلمة كلمة، فتركز الشرح على المحاور التالية: أصل الدين، الإيمان، الكفر، الإسلام، الدين، الولاية والبراءة، الأنبياء، الكتب، الكبيرة، الكلام على القرآن وأسماء الله، الرد على الخوارج والصوفية، نبذة في عقيدة أهل الحق والاستقامة( يعني الإباضية).
وقد بين الشارح الغاية من تأليفها في مقدمة الشرح حيث قال عند وصف المتن:" احتوت على نكت ولطائف يفتقر إلى تعلمها المبتدئ وربما يحتاج إلى إيضاح بعضها المنتهي. فاستخرت الله في شرح ما بدا لي من مشكلة... إسعافا لمن طلب، ومساعدة لمن رغب ولا أزيد على ما يزيل الإبهام إلا نادرا لأنه رحمه الله لم يضعها لتقرير المباحث وتهذيب الأدلة" (16).
والناظر في الشرح يتبين أن الشماخي عمد إلى التوسع أحيانا وإلى الاختصار أحيانا أخرى، كما أنه يكثر من المقارنات بين مواقف الإباضية وغيرهم بطريقة جدلية واضحة، ثم يدعم ما يقرره من الآراء باجتهاد علماء الإباضية المتقدمين دون ذكر المصدر غالبا وإنما يكتفي بذكر أسماء العلماء فقائمة أسماء المصادر لا تتجاوز الست مثل كتاب الجهالات(17) والدليل والبرهان، بينما عدد أسماء العلماء المذكورين لا يقل عن الثلاثين مثل تبغورين بن عيسى الملشوطي صاحب كتاب كتاب الجهلات وأبي يعقوب الوارجلاني صاحب الدليل والبرهان(18)، وهو يسند أيضا آراء غير الإباضية إلى أصحابها وإلى مصادرها أحيانا وقد تردد ذكر الزمخشري (467- 538/ 1079- 1194)(19) والأشعري(20) وغيرهما في غضون الشرح عدة مرات.
ثم إن الشارح إلى جانب التعريفات الأصولية والمناقشات الفكرية لم يغفل عن الشروح اللغوية فهو كثيرا ما يحيل على الزجاج (241- 311/ 855- 923) (21).
ثم إلى جانب هذا فإن تتبع النص فرض على الشارح أن يقف عند كثير من المواضيع الفقهية العلمية مثل الصلاة والزكاة وما إلى ذلك.
فواضح إذن أن شرح الشماخي جاء معتدلا بين الاختصار والطول إذا قورن بشرح أبي سليمان التلاتي (ت 967/ 1560)(22) ، وشرح محمد اطفيش، قطب الأئمة.
وأخيرا فقد جاء هذا الشرح دليلا واضحا على موسوعية الشارح ودقة ملاحظاته وإلمامه بالقضية من جميع جوانبها فهو يشير أحيانا إلى أنه يعمد إلى الاختصار وقوفا عند التزامه في المقدمة(23)، وأحيانا يضطر إلى تحليل بعض المسائل عندما يحس أن الشرح لم يمكنه من استيفاء الغرض فيلمح إليها بإحدى العبارات التالية: تنبيه(24). مسألة(25) . فرع(26). مطلب(27) .
وسيتضح من خلال هذا البحث أن شرحه منطلق أساسي لكل من يريد أن يتعرف على عقيدة الإباضية.
======================
14) انظر ما سبق ص 124 للتعريف بصاحب العقيدة. أما النص فيمكن التعرف على فحواه من خلال الشرح، والشماخي قد لخص المتن كما يلي: "اعلم أن الشيخ رحمه الله تعالى لما صدر كتابه بما لا يسع جهله طرفة عين، ثم ذكر ما يلزم من جهل أو أنكر خصلة من ذلك، ثم ذكر تفسير الدين وما يضاف إليه وأنه الإسلام، ثم عقب بشيء من المفروضات، وذكر الولاية والبراءة، وما يلزم منهما ولهما من الشروط والأقسام، وذكر الملل وأحكامها، وكل ذلك تفسير للجملة، ونذكر من جملة التفسير على وجه الاستطراد جملة الكتب والأنبياء والرسل... لينبه الغافل عن سبيل الاستقامة...": 114.
(15) لقد حقق المتن والشرح أبو إسحاق إبراهيم اطفيش وطبعهما مع شرح أبي سليمان التلاتي بالقاهرة 1353هـ. وقد طبع المتن مع الشرحين طبعه ثانية على نفقة الحاج خليفة بن سعيد الشيباني 1392/1973 وقد جردت من تحقيقات أبي إسحاق اطفيش. وقد اعتمدنا الطبعتين إلا أن الإحالات جاءت على الطبعة الثانية.
(16) الشماخي: شرح العقيدة:18
(17) انظر ما يلي:155
(18) انظر ما سبق:116و119
(19) ر. الزركلي:الاعلام8/55
(20) انظر ما سبق 44 تعليق31
(21) ر. الزركلي:الاعلام1/33
(22) انظر أسفله بــ.
(23) انظر ما سبق:132
(24) أحمد الشماخي: شرح العقيدة:20 و47
(25) نفس المصدر: 38، 48، 122، 132
(26) نفس المصدر:102
(27) نفس المصدر:103
يحسن أن نشير هنا إلى ترجمة موتيلنسكي لنص العقيدة
CF.Motylinski, Laqida Des Abadhites,dans Recueil de Memoires et de texts publie en l honneur du Xlv cogres des orientalistses,Alger,1905.P504/545.
________________________________________
ت) شرح أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي (ت 967/ 1560)
قبل أن نقف عند الشرح يحسن أن نتعرف على صاحبه وتتبع أخباره يعرض صورة واضحة عن متانة العلاقة بين مواطن الإباضية بالمغرب في القرن 10/ 16 والأخبار متوفرة.
نشأته وتعلمه. إننا نجد عنهما تفاصيل يقينية واضحة كما يرويها عنه أحد تلاميذه وهو محمد بن زكرياء الباروني(28) في رسالته في نسبة الدين(29) ومفادها:
1) الدراسة بجبل نفوسة(30) : لقد ارتحل إليه منذ صغره وبعد أن حفظ كتاب الله درس عقيدة التوحيد(31) وغيرها على أبي زكرياء بن عيسى الباروني(32) .
2) رجوعه إلى جربة: لعله رجع زائرا فأقام مدة أراد أن يستفيد فيها فحلق على أبي القاسم بن يونس السدويكشي(33) ، وأبي يحيى زكرياء بن إبراهيم الهواري (34).
3) عودته إلى جبل نفوسة: ثم رجع إلى الجبل فلازم أبا يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي(35) بأجناون- بفتح الهمزة والجيم وتشديد النون وفتح الواو بعدها(36)- إذ يصرح أنه أخذ عنه أكثر مما أخذ عن غيره" (37).
ولما ارتجل شيخه إلى جزيرة جربة(38) انتقل الى بقالة(39) فدرس المنطق والبيان على شيخه إبراهيم أبى الأحباس(40) من تلاميذ يونس ابن تعاريت(41) .
ثم رجع الى جزيرة جربة إلا أنه لم يستقر بها.
4) رحلـته إلى وادي ميزاب: وحال وصوله إلى جربة بلغه صدى دروس أبي مهدي عيسى بن إسماعيل(42) تلميذ سعيد بن علي الجربي(43) فالتحق بمدرسته بمليكة(44) في وادي ميزاب961/ 1554.
نشاطه بجربة: وما أن رجع الى جربة حتى تصدر للتدريس في مسجد القصبيين(45) ثم انتخب رئيسا لمجلس العزابة(46) وصار من أهل الحل والعقد ومما يثبت ذلك قول ابن تعاريت (1289/ 1872) :" وساد بجربة وتولى مجلسها- أي تولى رئاسة مجلس الحكم فيها انذاك- واليه يرجع الأمر في زمانه" (47)، ومخاطبة درغوث باشا حين هجم على الجزيرة:" نحن جماعة العزابة"(48) .
وقد كان مجاهدا مجتهدا في العلم والدعوة الى الحق فتصدى لدرغوث باشا وقال له في صيغة رد: " بل الفساد من قبلك لتقديمك الأسافل"(49) عندما طعن درغوث في عزابة جربة. فما كان من درغوث باشا إلا أن أخذه خدعة وسجنه شهرا ثم قتله سنة 967/ 1560.
وقبره معروف الى الآن في حومة بركوك (50)، وما يزال أهل قرية تلات(51)- التي ينسب إليها- يقيمون زيارة سنوية لهذا القبر إحياء لذكراه.
وهكذا نتبين أنه مات حديث السن دون أن يفيد كثيرا من العلم الذي حصله في شبابه فخمس سنوات على أقصى تقدير غير كافية لتكوين جيل. وأشهر تلاميذه محمد بن زكرياء الباروني الذي نقل عنه نسبة الدين(52).
مؤلفاته:(53) يقول أبو اسحاق اطفيش:" ولأبي سليمان مصنفات نفع الله بها كثيرا من عباده المؤمنين منها شرحه على متن ايساغوجي(54) في المنطق مقرر بالجامع الأعظم الزيتونة بتونس.
- شرحه على الآجرومية(55).... لم نطلع عليه.
- شرح عقيدة التوحيد:" قل أن نجد ممن أدركناه من العلماء أو التلاميذ من لم يكن من محفوظاته وذلك في بلادنا- وادي ميزاب- ولعل الحال في الجزيرة ونفوسة كذلك"(56) .
وهذا أبو سليمان نفسه يضبط منهجه في شرح العقيدة في المقدمة كما يلي:" ....فهذه تذكرة لشيء من المسائل على بعض كلمات العقيدة عقيدة التوحيد من حدود وآيات وأحاديث وآثار. مناسبة لتلك الكلمات كان التلاميذ في بعض المجالس يكتبونها كما يكتبون العقيدة (57).
وقد جاء الشرح وفيا للمنهج المقترح في الخطبة ذاك أنه اصطبغ بصبغة وعظية واضحة بعيدة عن النزعة الجدلية والاحتجاج العقلي.
فطريقة هذا الشرح حينئذ نقلية توفر للقارئ ما يحتاج إليه من الآيات والأحاديث للتأكد من مفهوم المتن وقيمته مع عدم الاستغناء عن بعض الشروح اللغوية والاصطلاحية عندما يلزم الأمر لفهم النص المشروح.
========================
(28) أنظر ما يلي: 169
(29) ملحق سير الشماخي: 579
(30) جبل نفوسة: منطقة جبلية تقع جنوب غربي مدينة طرابلس بالقطر الليبي ونفوسة هي القبيلة البربرية التي عمرت هذه المنطقة فعرف الجبل بها لشهرتها رغم أنه عمرته قبائل بربرية أخرى. لزيادة التوسع ر. ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/296- 297
(31) ملحق سير الشماخي: 579
(32) لم نجد إشارة إليه في رسالة ابن تعاريت وواضح أنه مقرئي ق 10/16 بجبل نفوسة . ويحسن أن نعرف بصاحب الرسالة لأننا سنعتمد كثيرا على رسالته في هذا الفصل. وهو سعيد بن الحاج علي ابن تعاريت (ت1289/1872)
لقد ذكر نسبته بنفسه كما يلي: سعيد بن الحاج علي بن عمر بن سعيد بن يحيى ابن الحاج عبد الرحمن بن صالح بن أحمد بن الحاج المعز بن يوسف ابن يحيى ابن الشيخ أبي النجاة يونس بن سعيد بن يحيى ابن تعاريت. في أخر خ نسبة الدين لسليمان الحيلاتي بخطه. البارونية.
ويذكر أنه أخذ عن عيسى ابن أبي القاسم الباروني وقد نسخ رسالته في الرد على الغدامسي وذكر أن الباروني كتبها 1210/1795).
وقد اخذ عنه سعيد بن عبدالله الباروني كما يذكر ذلك في نسخه لعدة مخطوطات أنه نسخها لشيخه ابن تعاريت.
وقد سمى رسالته التي بينت ما لديه من وثائق مهمة ، منها ما لم نعثر عليه بعد:" في تراجم علماء الجزيرة وذكر أمرائها السمومني وبني الجلود" ويذكر أنه فرغ منها في صفر 1274/1799.
وقد رحل إلى مصر في آخر حياته إذ توفي بالاسكندرية سنة 1289/1872
(33) وأبو القاسم بن يونس السدويكشي (ق 10/16) ذكر سعيد بن تعريت أنه تلميذ أبي يوسف يعقوب التندميرتي سيخ أحمد الشماخي صاحب السير كما يقول إنه "جازت به سلسلة نسب الدين". رسالة في تراجم علماء جربة. خ بمكتبة سالم بن يعقوب غيزن جربة: 48و 40
(34) أبو يحي زكرياء بن إبراهيم الهواري(ق 10/16) ذكر ابن تعاريت أنه اخذ العلم عن أحمد الشماخي صاحب السير ولم يفصل في ذكر أخباره – رسالة في تراجم علماء جربة:3
(35) أبو يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي (ق9/15) لا نعرف عنه سوى أنه شيخ أحمد الشماخي صاحب السير، وأنه اخذ عن أبي النجاة يونس التعاريتي. معنى ذلك أنه عاش بين جربة وجبل نفوسة.ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:27
(36) اجناون: مدينة غناء تسلقي في دلال على أقدام جبل أشم تضم القرى التالية نموقت في وسط الجبل القصير- على جانب الجبل الأيمن- مزو ويوجلين – على كتفي الجبل وتقابهما الجماري ومزغورة .ر. علي يحيى معمر: الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الثانية القسم الثاني: 93 وقد جاء النص في قالب ادبي فقدمناه في أسلوب علمي مكتبة وهبة . القاهرة 1384
(37) ر. محمد زكرياء الباروني نسبة الدين ط ملحقا بسير الشماخي: 579.
(38) ر. أبو إسحاق اطفيش: مقدمة شرح العقيدة :8
(39) محمد بن زكرياء الباروني: نسبة الدين ط ملحقا بسير الشماخي : 579
(40) إبراهيم بن احمد أبو الأحباس(ق 10/16) يذكر ابن تعريت أنه أخذ عن أبي النجاة يونس التعاريتي، معنى ذلك أنه عاش في القرن 10/16 وتعلم بجربة وهو من جبل نفوسة. رسالة في تراجم علماء جربة: 27
(41) أبو النجاة يونس بن تعاريت : (ق 10/16). تتلمذ بجربة على شيخه زكرياء الصدغياني. رحل إلى جبل نفوسة حيث درس على أبي عفيف صالح ابن نوح التندميرتي. درس بجامع تاجديت بحومة فاتو، تخرج على يديه عدة تلاميذ أبرزهم سعيد الجربي مصلح وادي ميزاب في القرن 10هـ. ترأس حلقة العزابة بجربة، وقاد الجيش الجربي سنة 916/1511 ضد حملة النصارى على جربة.ر. فرحات الجعبيري: نظام العزابة: 215
(42) أنظر ما يلي: 165
(43) أنظر ما يلي: 165 تعليق 108
(44) مليكة: إحدى قرى وادي ميزاب. انظر الخريطة ص
(45) بحومة قلالة قرب تلات( انظر الخريطة)835
(46) انظر بحثنا عن نظام العزابة المطبعة العصرية تونس 1975/218- 219.
(47) سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:43
(48) محمد بن زكرياء الباروني نسبة الدين ملحقا بسير الشماخي: 583
(49) محمد بن زكرياء الباروني نسبة الدين ملحقا بسير الشماخي: 583
(50) انظر الخريطة
(51) انظر الخريطة
(52) انظر للتعريف به ما يلي: 169
(53) ر. فرحات الجعبيري، نظام العزابة 271. (لزيادة التعرف على هذه المؤلفات)
(54) الحقيقة أن هذا الشرح يجب أن ينسب لأبي الربيع سليمان الجربي المدني من حومة بازيم من جربة كما ذكر ذلك سعيد ابن تعاريت : رسالة في تراجم علماء جربة: 84، ونص الشرح مطبوع وقد وردت إشارة في مقدمته إلى أن سليمان هذا نقل فيه الشرح عن درس لأحد شيوخ الأزهر . والتلاتي لم يرحل إلى مصر ولقد تسرب الخطأ لأبي إسحاق اطفيش من الاتفاق في الاسم. وشرح ايساغوجي لأثير الدين الأبهري في المنطق ط بالمطبعة الأهلية بتونس سنة 1321/1903 في 32 صفحة متوسط الحجم وطبع عدة مرات. يذكر في المقدمة أنه أخذ هذا الشرح عن الشيخ الأبهري ثم يحدد التاريخ كما يلي:" وكان أول مجلس سمحت به الأيام في قراءتي لهذه الرسالة في يوم الأربعاء ثاني عشر صفر المبارك ثاني شهور سنة ثلاث عشرة بعد التسعمائة من الهجرة النبوية( 12 صفر 913/22 افريل 1507) على صاحبها أفضل الصلاة وازكى التحية وذلك بالمدرسة الجيعانية بشاطئ بحر النيل ببولاق من أعمال مصر المحروسة".
(55) والآجرومية متن نثري في النحو من تأليف أبي عبدالله محمد بن آجروم مطبعة المنار تونس د.ت
(56) أبو إسحاق اطفيش: مقدمة لشرحي العقيدة ص10 ونلاحظ أن أهل نفوسة كانوا يحفظون نصا آخر شهر بعقيدة نفوسة لأبي زكرياء الجناوني.
(57) داود التلاتي: شرح العقيدة:17
برهان
10-20-2009, 05:55 AM
ث) نظم التحقيق في عقود التعليق لعمرو بن رمضان التلاتي: وهو شرح لشرح أبي العباس الشماخي لعقيدة التوحيد التي ترجمها ابن جميع(58) عن البربرية.
وهذا التلاتي نفسه يشير إلى غرضه من هذا الشرح:"... مزيل لما فيه من الصعوبة الشديدة ومشيد لما فيه من الفوائد الأنيقة يرتاح له أولو الألباب السالمة صدورهم من الحقد، لعذوبة لفظه المتين وما حواه من التدقيق والتبيين" (59).
والناظر في هذا الشرح يدرك أن التلاتي قصد الشرح اللغوي، عدا بعض الإشارات السريعة للتعريفات الأصولية كما يلاحظ أنه لم يفرد فصولا لبعض القضايا كما يفعل عادة في الشروح الأخرى.
والنص مخطوط بالمكتبة البارونية بحومة الحشان جربة بخط مغربي واضح. لم يذكر الناسخ ويقول مؤلفه في آخره إنه فرغ منه في 28 ذي القعدة 1181/ افريل 1768.
وأخيرا يشير التلاتي في مختصره نخبة المتين إلى أنه شرح عقيدة ابن جميع شرحا سماه اللؤلؤة المضيئة على متن العقيدة(60) إلا أننا لم نعثر عليه. كما يشير كوبرلي في قائمة المصادر والمراجع(61) إلى أن للتلاتي شرحا مختصرا لنفس النص بعنوان عمدة المريد لنكتة التوحيد كذلك لم نتمكن من الحصول عليه.
ومن عقيدة التوحيد الى حاشية المصعبي على أصول تبغورين
2) حاشية أبي يعقوب يوسف المصعبي (1188/ 1774) على كتاب أصول الدين لتبغورين (ق 6/12) (62).
ويحسن أن نتعرف على صاحب الحاشية قبل الحاشية فمن هو أبو يعقوب هذا؟ هو أبو يعقوب يوسف بن محمد المصعبي المليكي.
ويرجع نسبه إلى آل ويرو بملكية التي ولد بها واليها ينسب أحيانا لكن غلبت عليه النسبة الى جبال بني مصعب- المصعبي- وقد انتقل مع والده(63) من وادي ميزاب الى جزيرة جربة واستقر بها. وهناك أخذ العلم عن سعيد بن يحيى الجادوي(64) وعن عمر الويراني السدويكشي(65) .
ونجد ذكره في كتب التراجم في أحداث الجزيرة منذ سنة 1103/ 1692 إذ مثل جربة في هذا التاريخ بالاجتماع العلمي الذي انعقد بمدينة لالوت(66) ويذكر ابن تعاريت انه كان مفتي جربة، ورئيس مجلس الحكم فيها، وله مجالس للتدريس في كثير من المساجد غير الجامع الكبير(67) الذي هو محط رحلة وكبير المدرسين به. (68)"
فراره الى طرابلس 1140- 1147/ 1717- 1734: لما ثبت أن عبد الرحمن اليونسي(69) من حومة قشعيين(70) يطعن في الدين ويتجسس على المسلمين اجتمعوا للنظر في أمره.
ولما ثبت عندهم ذلك أهدروا دمه دون تعيين القاتل فتصدى أحد الأنصار لقتله فخشي الشيخ يوسف والشيخ سعيد الجادوي على حياتهما ففرا إلى طرابلس سنة 1140/ 1717 حيث أقاما سبع سنوات ولم يرجعا إلا عند استيلاء علي باشا على تونس 1147/ 1743 (71).
الدفاع عن شرعية شهادة الجربيين: وبين أيدينا وثيقة مهمة(72) سنتعرض لها في عنصر الردود والأجوبة تتمثل في مراسلة أحمد باشا وإلى طرابلس سنة 1169/ 1756 للرد على من طعن في ثبوت شهادة الإباضية من فقهاء طرابلس وفعلا فقد لبى الوالي طلبه وأقر هذه الشهادة.(73)
=========================
(58) انظر ما سبق 124 تعليق 94.
(59) ص 1 من نفس الكتاب
(60) عمرو التلاتي: نخبة المتين في أصول تبغورين. ضمن مجموعة بعنوان: العقيدة المباركة القاهرة د.ت: 148
(61) كوبرلي: الأطروحة: 595
(62) انظر ترجمة تبغورين في ما سبق 116 تعليق 71، أما كتاب أصول الدين فقد حققه النامي تحقيقا علميا بأطروحته ما يزال مرقونا وبه 76 صفحة ويقول تبغورين في خطبته ما يلي: "سألتني رحمك الله أن اكتب لك كتابا أبين فيه أصول الدين الذي اختلفت في الأمة حتى صاروا طرائق قددا، وفرقا مختلفة ... وسأكتب لك من ذلك إن شاء الله ما لا يعتري معتر معه الشكوك ولا يعتذر على المبتدئ حفظه بأبلغ ما أحضرني من البيان...
ثم بين فضل الله على الأمة بالقرآن الكريم إذ لا سبيل إلى الخروج من الخلاف إلا عن طريقه، ولذلك قال المصنف:" إن أولى الناس بالحق من اتبع كتاب الله ، وجعل محكمة إماما لمتشابهه، ولم يؤثر عليه القياس وما تهوى الأنفس".
وقد اعتبر أصول الدين عشرة( انظر ضمن البحث): 61
ثم وقف عند خمس مسائل :1في الحجة، 2 في الاستطاعة، 3 في العون والعصمة، 4 في القرآن والكلام، 5 في الرؤية.
وختم الكتاب بالحديث عن الشفاعة والميزان والصراط وضغطة القبر وعذابه وفي حكم من أكل الحرام هل أكل زرقه أم لا؟.
وقد سلك منهجا واحدا في كل هذه القضايا حيث ينطلق بعرض ما اتفقت عليه الأمة، ثم يتعرض للفرق التي نقضت هذا الإجماع وهي: المجسمة والمشبهة والمعتزلة والمجبرة والمرجئة والحشوية والشكاك والجهمية والرافضة والصفرية والمزيلة. ثم يرد عليها فرقة مبينا موقف الإباضية منها. مدعما ذلك بالقرآن والحديث. كما لا يغفل عن الرد على الملحدين والدهرية والثنوية والمجوس.
فجاء الكتاب في لغة خالية من التعقيد، لجأ فيه صاحبه إلى الاختصار قدر الإمكان "تركته إرادة الاختصار" ولنا في هذا حجج كثيرة تركناها مخافة أن يطول الكتاب" :2. 12. 19 إلا أن هذا الاختصار لم يكن مخلا بالمقصود، وكثيرا ما عمد المصنف إلى لهجة جدلية تحتد في بعض الأحيان في تفنيد حجج المخالفين لتقرر حجج الإباضية.
(63) هو محمد المصعبي.
(64) انظر ما يلي: 171
(65) أبو حفص عمر بن علي بن ويران(ق 11/17)، يذكر ابن تعاريت أنه من حومة سدوكش. كما يقول إنه اخذ عن محمد بن زكرياء الباروني صاحب نسبة الدين الملحقة بسير الشماخي. معنى ذلك أنه درس بجبل نفوسة . ويستفاد من ذلك أيضا أنه من علماء ق 11/17.
ويذكر من مؤلقاته: كتاب مناسك الحج ط. مع مجموعة بعنوان : العقيدة المباركة مطبعة الفجالة القاهرة د.ت :من 19 إلى 109.
وحاشية على كتاب البيوع من كتاب الإيضاح لعامر الشماخي وحاشية على كتاب النكاح للجناوني، والحاشيتان خ، ر. سعيد بن تعريت: رسالة في تراجم جربة: 44
(66) دفتر رقم 1: 63 مكتبة سالم بن يعقوب جربة.
(67) انظر الخريطة 836
(68) سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:107
(69) تفهم من رسالة ابن تعاريت أنه أحد الإباضية وقد كان يتجسس على المشائخ ويطعن في الدين لذلك أهدروا دمه على غرار ما فعل جابر بن زيد بخردلة ر. في قضية خردلة : إسماعيل الجيطالي : كتاب قواعد الإسلام 1/74
(70) انظر الخريطة 835
(71) سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:101
(72) مخطوطة ضمن مجموعة. البارونية بدون رقم.
(73) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة: 101
________________________________________
وأخيرا يذكر ابن تعاريت أنه كان مهاب الجانب يعظ الأمراء والحكام ولا يخشى في الله لومة لائم(74).
وتوفي سنة 1188/ 1774- 1775 وقبره معروف في روضة الجامع الكبير(75) ويذكر أبو اليقظان أنه تخرج عليه عدة تلاميذ أبرزهم أبو زكرياء يحيى بن صالح الذي أحيى وادي ميزاب(76) .
وترك مالا يقل عن عشرين مؤلفا بين رسائل وحواش (77).
وهذا تعريف الحاشية(78) : لقد تتبع يوسف المصعبي كتاب أصول الدين من أوله إلى آخره فكان يقف عند ما يبدو له غاضبا إذ كثير ما يتجاوز مالا يحتاج إلى الشرح ويبدو أنه اعتمد حاشية المحشي اعتمادا كليا إذ لا تخلو صفحة من ذكر قول من أقوال المحشي بل يجعلها في كثير من الأحيان منطلقا للشرح والتحليل وقد ذكر المحشي مالا يقل عن مائة مرة.
وحرص الشارح على الوقوف على جميع أبواب الكتاب وهي الأصول العشرة المختلف فيها كل ذلك توضيحا لموقف الإباضية ويستشهد لـه بنصوص شتى من الأمهات وقد بلغ عدد الإحالات على المصادر الإباضية الى ثلاثين إحالة نذكر منها تفسير هود بن محكم الهواري(79) رسالة لأبي خزريغلا بن زلتاف في الرد على جميع المخالفين وكتاب الموجز أبي عمار عبد الكافي وكتاب الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني وشروح عقيدة التوحيد الخ... وقد تقصر هذه الاستشهادات وقد تطول حسب الحاجة إلى ذلك.
والملاحظ أنه يقارن بين مختلف النصوص وينقدها حينا، ويزكيها أحيانا أخرى مرجحا ما يراه مستقيما وكثيرا ما يصلح عبارة المصنف، أو عبارة هذه المصادر.
كما أنه يرد على مختلف الفرق، ونكاد نجزم بأنه تعرض لجل الفرق المعروفة من أشاعرة ومعتزلة وخوارج وشيعة الخ...
وفي كل هذا كان لا يتردد عن الإحالة على المصادر غير الإباضية وقد بلغت عدد هذه الإحالات الى ست وثلاثين إحالة نذكر منها تفسير الزمخشري وتفسير البيضاوي.
وكثيرا ما ينتخب من هذه المصادر ما يتفق وآراء الإباضية ليدعم به موقفهم كما لا يغفل عادة عن شرح ما ينبغي شرحه من الألفاظ شرحا لغويا معتمدا على القاموس وعلى مختصر العين. وفي الأثناء يتعرض الى الصيغ الصرفية والنكت البلاغية.
كما حرص على تفسير ما ورد في المتن من آيات قرآنية ومن أحاديث الرسول عليه السلام واعتماده في القرآن على تفسير هود بن محكم والبيضاوي والزمخشري أما في الحديث فيحيل على حاشية المحشي على مسند الربيع بن حبيب(80) مع الإشارة إلى أنه لم يحل على الصحاح الأخرى.
ثم إن النزعة الجدلية تبدو واضحة في كثير من المواطن حيث يناقش آراء مختلف الفرق ويتحرى في نسبة النصوص إلى أصحابها فإن لم يتمكن من ذلك ينبه إلى أن ذلك مما بقي في حفظه.
ونلمس كذلك أنه يعمد إلى حوصلة بعض المعاني الأساسية بعد التحليل ليقرب المعاني إلى القارئ.
كما نلاحظ أنه ينبه الى تحريف الناسخ معتمدا على عدة نسخ من المتن.
ورغم هذا الاعتناء فإنه كثيرا ما يقع في توضيح ما يبدو واضحا ولعل هذا يرجع الى طغيان النزعة التعليمية عليه، كما أن إحالاته تأتي أحيانا عامة "كما هو مشهور" ،" في بعض كتب قومنا"، " كما بين في المطولات".
ونلمس كذلك أنه يمر على المعنى المقصود عند تحليل بعض القضايا دون أن يلح عليه، وقد يقع في بعض الغموض مما يجعل الاستفادة من المتن أيسر من الاستفادة من الشرح.
كما أنه مر على الفصول الأخيرة (الصراط، الميزان، عذاب القبر) بسرعة غير متناظرة.
ومهما يكن من أمر يبقى هذا الشرح عملا رصينا يدل على سعة اطلاع صاحبه وثراء المكتبة الإسلامية التي بين يديه.
ويحسن أن ننبه إلى أن هذا النص قد اشار عمرو التلاتي الى أنه شرحه لكننا لم نحصل على هذا الشرح(81) .
=====================
(74) نفس المصدر :102
(75) ر. سليمان الحيلاتي رسالة في مشاهد علماء جربة ص8. وسليمان بن أحمد الحيلاتي(ت1099/1688)من أسرة عريقة في العلم .ولد بحومة جعبيرة – أخذ العلم خاصة عن شيخه قاسم بن سعيد اليونسي (ت1036/1627). لقد اعتنى اعتناء جديا بأخبار الجزيرة وعلمائها وأمرائها وما وقع فيها من حروب، لم يجمع كل هذه الملاحظلت في كتاب وإنما بقيت في رسائل متفرقة، وقد استفاد منها استفادة كلية سعيد ابن تعاريت في رسالته عن تراجم علماء جربة.
وما تزال بعض الرسائل موجودة بالبارونية. وقد حققنا رسالته في شيوخ العزابة في الجزيرة(ر. الملحق الأول نظام العزابة 324. وما زلنا في صدد تحقيق رسالته في مشاهد علماء الجزيرة.
توفي سليمان الحيلاتي سنة1099/1688 وقبره بجامع بوليمان بحومة جعبيرة.
(76) إبراهيم أبو اليقظان: ملحق لسير الشماخي خ . ملك ورثته بالقرارة :52
(77) سعيد ابن تعاريت : رسالة من علماء جربة: 102
(78) تحصلنا على ثلاثة نسخ من هذه الحاشية وثلاثتها بخط واضح ومتوفرة في مكتبتي.
1-تضم 125 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 21 سطرا نسخها مهني بن يحيى التلاتي1314/1896. وهي التي نحيل عليها في هذا البحث لأنها أول ما توفر لدينا.
2- تضم 51 ورقة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 24 سطرا نسخها عبدالله بن سليمان الباروني 1184/1770 مسطرتها 17 x5،12 صم
3- تضم 48 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 24 سطرا إلا أن خطها أكثر دقة وقد نسخها مهني بن يحيى التلاتي 1315/1897. مسطرتها 18 x 10،5صم.
(79) هود بن محكم الهواري(ق2و3/8و9): هو قاضي الإمام عبد الوهاب ثاني أئمة الرستميين بتاهرت، وله تفسير للقرآن الكريم ج وهو بصدد التحقيق في وادي ميزاب.ر. بحثنا : نظام العزابة:273.
(80) محمد بن عمر ابن أبي ستة: حاشية على مسند الربيع بن حبيب ط بعمان في 8أجزاء من 1982-1983 وتوجد منها خ بالبارونية .وعرفت" بحاشية الترتيب"
(81) انظر ما يلي:174
________________________________________
3) حاشية المحشي على كتاب الوضع "مختصر في الأصول والفقه لأبى زكرياء يحيى الجناوني (5/ 11)(82 ).
والمحشي هو أبو عبدالله محمد بن عمر ابن أبي ستة القصبي السدويكشي (1022- 1088/ 1614- 1679).
نشأته بمصر: ولد بجربة سنة 1022/ 1614 ثم سافر الى مصر بعد أن حفظ القرآن الكريم ليتعلم بجامع الأزهر بالقاهرة وبالمدرسة الإباضية هناك وذلك سنة 1040/ 1631.
وبقي هناك ثماني وعشرين سنة تلميذا نشطا في أول الأمر ثم تولى التدريس بالمدرسة الإباضية بحي طولون وبالأزهر حيث يشار إليه بالبدر.
نشاطة بجربة: لقد رجع إليها سنة 1068/ 1658 وأدرك شيخه عبدالله السدويكشي(83) في آخر عمره.
وما أن توفي شيخه سنة 1068/ 1658 حتى أسندت إليه رئاسة الحلقة ومهما التدريس فاضطلع بمهمته أحسن اضطلاع.
كل مؤلفاته حواش على المصادر الإباضية ولذلك اشتهر بالمحشي، ويبلغ عددها العشرين تقريبا وقد جمع هذه الحواشي تلميذ علي ابن بيان (11/ 17) (84).
وتوفي بجربة سنة 1088/ 1679 وعمره 65 سنة وقبره معروف بالمحشي بورسيغن من حومة سدويكش (85).
لقد تتبع المحشي قسم الأصول من كتاب الوضع جملة جملة فحلل ما ينبغي تحليله وعرف ما يجب تعريفه.
فوقف أثناء تحليل خطبة الكتاب عند مفهوم الرضا والاستعانة والتصلية والدين موضحا مراتب التقوى، ومعرفا أصول الدين، ومبينا قيمة الكتاب بالنسبة الى بعض الكتب الإباضية الأخرى، مشيرا الى أن البرادي نسبه إلى ابي زكرياء إلا أن هناك من نسبه الى الفقيه ابي زكرياء يحيى بن إبراهيم غير مرجح هذه النسبة أو تلك غير أنه لم يعثر على اسم هذا الأخير في سير الشماخي.
ثم تعرض الى التوحيد من حيث مفهومه وما يتصل به من أحكام ففسر سورة الإخلاص ووقف عند اسم الجلالة وصفات الله الذاتية كما وضح مفهوم الشرك وأقسامه.
ثم حدد التطابق بين مفهوم الدين والإسلام والايمان عند الإباضية ملحا على ضرورة الجمع بين القول والعمل.
ثم بين أن الأشياء محدثة وأن وسائل المعرفة الحس والعقل والشرع.
ثم توسع في الوقوف عند الأصول التي اختلفت فيها الأمة كما ضبط مفاهيم الإيمان والكفر والنفاق لغة واصطلاحا.
كما حلل حديث الرسول عليه السلام في شأن افتراق اليهود والنصارى والمسلمين الى فرق شتى.
ثم ذكر قوائم الدين وأركانه ومسالكه ومجاريه وحدوده وإفرازه وإحرازه كما يحددها الإباضية في كتب العقيدة.
ثم عدد مالا يسع جهله من العلوم طرفة عين وعرف التكليف لغة وشرعا وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما يتعلق بهما.
كما وضح ما يجب في حق الله تعالى وفي حق الرسول عليه السلام وما يستحيل في حقهما وما يجوز.
ثم عاد إلى أحكام الولاية والبراءة وعرف أحكام الخوف والرجاء وحكم المن والدلائل فحدد مفهوم القياس وتعرض الى تعريف العقل.
وأنهى الباب بتحديد ما يسع جهله للورود (حتى يقع) ومالا يسع جهله أبدا.
وقد جاء منهجه استقرائيا حيث يتعرض لكل قضية من جميع وجوهها معتمدا على الشروح اللغوية وقد يعمد الى فقه اللغة أحيانا كما يحقق وجوه الخلاف فيها مقارنا بين آراء الفرق الإسلامية منتقدا ما يرى ضرورة انتقاده بقوله:و" المناسب أن يقول".
وقد تجلت النزعة المنطقية في تحليله لبعض المسائل كما أنه لا يتردد في مناقشة بعض المسائل ليرجح ما يراه صوابا وهو في أغلب الأحيان يحيل على المصادر المعتمدة الإباضية منها وغير الإباضية ناسبا إياها بوضوح إلى أصحابها.
وفي كل هذا تتضح نزعة المحشي التعليمية حيث يريد أن يقرب المفاهيم الى المتعلم دون أن يثقل عليه الرجوع الى الأمهات.
تلك هي حاشية المحشي على أصول الدين من كتاب الوضع وذاك هو منهجه فيها(86) .
أما حاشيته على باب التوحيد من كتاب قواعد الاسلام لإسماعيل الجيطالي فيشير تلميذه علي ابن بيان الى أنه ألفها سنة 1057/ 1647 وأنها أول حواشيه. وفعلا إن الناظر في هذه الحاشية يتبين أنها دون حاشيته على الوضع بكثير لكنها لا تخلو من فائدة وقد بلغ عدد صفحاتها 100 من الحجم المتوسط وبكل صفحة 23 سطرا. والمخطوطة موجودة بجامع الملاق بجربة وتاريخ نسخها قريب من تاريخ وفاة الشارح إذ نسخت سنة 1109/ 1697 والناسخ هو أحمد بن عمر بن داود يقول إنه نسخها من نسخة بخط علي ابن بيان نفسه.
ولم نعتمد هذه الحاشية كثيرا لأن المسائل تتكرر بنفس الصيغة تقريبا في حاشية الوضع لذلك لم نحل عليها إلا مرات معدودات. ومنهج المحشي هو نفسه في الحاشيتين.
==============================
(82) انظر ترجمة الجناوني في ما سبق: 116 تعليق74
أأما كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، فقد حققه أبو اسحاق إبراهيم اطفيش وطبع ط أولى بالقاهرة مطبعة الفجالة الجديدة د.ت. وطبع ط. ثانية بالجزائر د.ت وثالثة بعمان. الاستقامة د.ت وأهم أبواب الكتاب: التوحيد ، الطاهرة، الصلاة، الصوم، الزكاة، الإيمان.
وقد ضم باب التوحيد 36 صفحة ألم فيها المؤلف بكل قضايا التوحيد إلمام دقيقا وشاملا مدعما كل ما يقرره بالحجج النقلية والعقلية.
ويقول المصنف في هذا الشأن:" ...وسألني( راغب من إخواني في الله)تلخيص أبواب من أصول الدين والمسائل الشرعيات ليكون له مفزعا يحور إليه عند الملمات فأسعفت مراده":17
وأبرز ما يلفت الانتباه أسلوب المؤلف الأدبي، واعتماده أسلوب إحصاء المسائل وتفريعها عن بعضها لتيسير حفظها واستيعابها.
وقد نسب بعض أصحابنا هذا الكتاب إلى أبي زكرياء يحي بن إبراهيم وذكر البدر الشماخي أن بعضهم نسبه لأبي زكرياء يحي الجادوي والتحقيق ما ذكره أبو القاسم البرادي رحمه الله أنه لأبي زكرياء اللجناوني مختصر الوضع:4
(83) انظر ما يلي:151
(84) انظر ما يلي:158
(85) الجعبيري: نظام العزابة: 226-227 هناك تجد الإشارة إلى المصادر المعتمدة وإلى حواشي المحشي.
(86) أما القسم المتعلق بالفقه فهو أوسع
________________________________________
4) حواش على كتاب الديانات:
أ) حاشية على كتاب الديانات (87) للسدويكشي ويوسف المصعبي: والسدويكشي هو أبو محمد عبدالله بن سعيد بن أحمد بن عبد الملك السدويكشي (ت بعد 1068/ 1658)
نشأته الأولى ما تزال مجهولة لكن نعلم أنه تولى رئاسة مجلس العزابة سنة 1034/ 1625 سنة وفاة رئيس السابق سعيد التغزويسني (88) وهذا يدل على تقدم سنه لأن رئاسة الحلقة يتولاها أقدم الجماعة انتسابا.
وتشير المصادر إلى أنه كان يتولى الإفتاء والفصل بين المتخاصمين في مسجد بني لاكين (89) .
كان جريئا في قول الحق لذلك اضطهد من قبل أمير جربة ولم تحدد المصادر اسم هذا الأمير.
ويقول سعيد ابن تعاريت:" له في علم الكلام اليد العليا وتبخر في أصوله وفروعه وله مؤلفات عديدة" (90) يهمنا منها خاصة: حاشيته على كتاب الديانات.
وقد حج في آخر عمره فتوفي بمكة المكرمة وذلك بعد 1068/ 1658 (91) .
لقد انطلق السدويكشي في الشرح إلا أنه لم ينتبه منه إذ وصل الى قول عامر الشماخي:" وندين بأن الله خالق كلامه ووحيه ومحدثه وجاعله ومنزله " (92) .
أما القضايا التي وقف عندها فهي: ذات الله تعالى وهو ليس كمثله شيء، موضوع نفي رؤية الله تعالى، قضية علاقة الصفات بالذات ، قضية الكسب، قضية خلق القرآن.
وقد اعتمد السدويكشي منهجا مقارنا مع الإلحاح على إبراز آراء الإباضية وتفنيد حجج الفرق الأخرى وإشارته إلى آراء الإباضية تظهر بصيغة "أجيب" أو " نحن" أو "أصحابنا" أو "المتأخرين من أصحابنا" أو " أهل الحق".
والملاحظ أن السدويكشي لا يعتمد على الاستشهاد كثيرا بل منهجه جدلي استلالي يقوم على تعديد المسائل بصفة واضحة ودقيقة وفي هذا دليل على سيطرته على القضايا التي يعرضها، وحجته في ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع اعتما الحجج العقلية عند الحاجة الى ذلك.
والمخطوطة بالبارونية تقع في 49 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا وقد ذكر الناسخ لقبه وهو ابن اسماعيل وأشار الى التاريخ برمز لم نتمكن من فهمه.
ب) هذا عن القسم الذي وقف عنده السدويكشي فماذا عن حاشية يوسف المصعبي (93) على بقية كتاب الديانات؟
يذكر يوسف المصعبي في آخر الحاشية أنه أتمه ليستغني الطالب عن كدح خاطره في مراجعة المطولات تلبية لرغبة الطلبة.
وقد عالج في شرحه القضايا التالية: الولاية والبراءة، والوقوف مع الإلحاح على الولاية والبراءة من الأشخاص وذكر شروطها ومع الوقوف خاصة عند الولاية والبراءة من أئمة الحكم، قضية الإمامة وقد تعرض لها ضمن تحليل مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوعد والوعيد والرد على من يقول بإخلاف الوعيد، قضية خلود أهل الكبائر، قضية الشفاعة ، قضية الأدلة على وجود الآخرة وهل الجنة والنار مخلوقتان الآن أم لا ، تعريف النفاق والكبائر والصغائر، ثم أخيرا رد على من ينكر السنة والرأي، وميز بين العلم والجهل.
إن منهج يوسف المصعبي يختلف اختلافا كليا عن منهج السدويكشي، إذ بقدر ما يقلل السدويكشي من الاستشهادات يعتمد المصعبي اعتمادا كليا على الاستشهاد فيدعم مواقف الإباضية من القضايا المطروحة بمنقول طويلة قد تتجاوز الصفحتين مع ذكر المصادر ومؤلفيها وقد ورد ذكر مالا يقل عن ثلاثين مصنفا من مصنفات الإباضية وأثنى عشر مصنفا لغير الإباضية.
وفي كل هذا لا يغفل عن عرض آراء جل الفرق الإسلامية مع الاجتهاد في الرد على مواقفها التي لا تتفق وآراء الإباضية وإثبات ما يتفق والموقف الإباضي.
وفعلا فقد جاء الشرح موافقا لملاحظة الختام التي أشرنا اليها إذ يغني عن الرجوع الى المصادر ويضع بين يدي القارئ ما يحتاج إليه من نصوص في شأن كل قضية مع الترجيح بين مختلف المواقف اعتمادا على موقفه الشخصي ويشير إليه بصراحة بقوله " وعندي".
والمخطوطة موجودة بالبارونية تحتوي على 27 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 25 سطرا وقد جاء في ص 27 أن سبب إتمام الشرح يرجح الى اقتراح عرض في مسجد ابي كثير (انظر الخريطة) بجربة إثر قراءة بداية الشرح وقد نسخ هذه المخطوطة سعيد بن عيسى الباروني في 1213/ 1799.
أ) اللآلي المنظومات في عقود الديانات،وهو شرح عمرو التلاتي (1187/ 1173) (94) :
أن هذا الشرح مختصر بالنسبة الى ما سبق لكنه لا يخلو من فائدة، وقد أطلق بشرح لغوي واصطلاحي للمفردات الأساسية ثم تتبع الأصول التسعة الخلافية أصلا أصلا، وفي كل أصل يقارن بين رأي الإباضية ويشير إليه بعبارات مثل" نعتقد نحن معاشر أهل الحق أو أهل الصواب" أو " معاشر المسلمين " أو " عندنا" وبين آراء الفرق الأخرى مع ضبط مواطن الاختلاف والاتفاق.
وبما أن المنهج يقوم على الاختصار لا يغفل الشارح عن الإشارة الى كتبه الأخرى حيث أشبع القضايا تحليلا مثل شرحه لنونية أبي نصر فتح ابن نوح الملوشائي (95) ، كما أن الشارح سلك مسلكا تحليليا خاليا من النزعة الجدلية إذ يعرض الآراء على أنها من المسلمات دون الاحتجاج لها لا نقلا ولا عقلا وإلى جانب هذا فإنه لا يغفل أحيانا عن التعرض إلى وجوه البلاغة إذا كانت خادمة للمعنى المقرر.
والمهم أن المتتبع لهذا الشرح الموجز يستطيع أن يتبين آراء الإباضية في أصول الدين بدون كبير عناء لما في النص من اختصار غير مخل بالمعاني.
إن كان هذا هو حظ كتاب الديانات في الشرح فما هو نصيب كتاب الجهالات من ذلك؟
=======================
(87) وكتاب الديانات لعامر الشماخي( انظر ترجمة حياته في ما سبق123) في أصول الدين وهو رسالة في منتهى الدقة والاختصار، طبعها محمد خليفة مادي بمطبعة الفجالة الجديدة بالقاهرة د.ت. ضمن مجموعة نصوص أخرى:45.44.43 لقد عرف فيها الشماخي موقف الإباضية من المسائل التسع التي وقع الخلاف فيها بين الأمة. وسميت بالديانات لنه كرر فيها فعل ندين 48 مرة مثل قوله في أولها :" ندين بأن الله واحد ليس كمثله شيء في صفة ولا في ذات ولا في فعل" :43 وقوله في آخرها:" ندين بأن معرفة الله لا تنال بالتفكير ولا بالاضطرار وإنما تنال للاكتساب والتعليم وذلك يصح بعد مخبر ومنبه على ذلك":45
وقد ترجمها كوبرلي إلى الفرنسية: الأطروحة3/195
(88) سعيد بن محمد التغزويسني( 1034/1625): نجد إشارتين عنه تثبتان أنه من علماء(ق11/17):
الأولى أنه نسخ كتاب الصلاة من تأليف مشائخ نفوسة سنة 999/1590" ( مكتبة الشيخ حمو بغرداية ميزاب).
والثانية: يذكر ابن تعاريت أنه كان مدرسا في جامع وادي الزبيب بجربة وكان عضوا بمجلس العزابة( دفتر رقم 1 مكتبة سالم بن يعقوب: 58)
وتوفي سنة 1034/1625.ر. الجعبيري: نظام العزابة: 223
(89) انظر الخريطة 836
(90) سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:88
(91) ر. الجعبيري: نظام العزابة:224
(92) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 44
(93) انظر ترجمته في ما سبق: 140
(94) انظر ما يلي: ترجمة عمرو التلاتي:160 والنص ط ضمن مجموع بعنوان" العقيدة المباركة" ترتيب محمد خليفة مادي.ط الفجالة. القاهرة.د.ت:46-78
(95) انظر ترجمة حياته في ما سبق:122 تعليق91
________________________________________
5)الحاشية المشتركة على شرح كتاب الجهالات (96) :
لقد اعتنى ثلاثة من علماء جربة بوضع حاشية على كتاب شرح كتاب الجهالات كل بمفرده، إلا أن عالما رابعا هو علي ابن بيان حرص على جمعها وجعل منها حاشية واحدة وقد رمز الى كل حاشية بما يذكر باسم صاحبها.
فاختار رمز "مد" للمحشي، ورمز " س ن" لبي الربيع سليمان بن أحمد ابن أبي ستة، ورمز " ز" لأبي زيد بن أحمد ابن أبي ستة.
1) أبو الربيع سليمان بن أحمد بن محمد ابن أبي ستة ( ق 11 /17): يذكر ابن تعاريت أنه كان قوي الحافظة ويذكر الحيلاتي أنه غزير الفهم في جميع العلوم كانت نشأته في محيط أسرته العلمية وهو ابن عم المحشي، له مجموعة من الفتاوي الفقهية ورسالة في أسماء الله وصفاته لم نعثر إلا على بدايتها (دفتر رقم 1 ص63 مكتبة سالم بن يعقوب. غيزن، جربة) فلم نتمكن من الاستفادة منه.
توفي بعد المحشي وقبره شرقي زاويته بسدويكش (97) .
2) أبو زيد بن أحمد ابن أبي ستة (ت 1100/ 1688): نشأ في محيط أسرته وأخذ عن المحشي ثم سافر الى مصر ودرس بالمدرسة الإباضية هناك وبالأزهر ثم رجع الى جربة وساد بها وكان لـه درس خاص لمن دونه من علماء جربة... يلقون السؤالات فيتحرى الصواب.
وقد وردت رسالة من وادي ميزاب سنة 1100/ 1688 فوضعته على رأس علماء جربة (دفتر رقم واحد مكتبة سالم بن يعقوب: ص16).
وفي آخر عمره ذهب الى الحج وتوفي في الطريق راجعا (98) .
3) أبو الحسن علي بن سالم ابن بيان اليديسي الجربي (ت بعد 1103/ 1692) من حومة الأرباح من جربة لازم المحشي وكان من أنجب تلاميذه لولاه لضاعت حواشي المحشي.
وإلى جانب هذا كان مشهورا بجمال الخط، ونساخا بارعا، كما له أسئلة كثيرة موجهة إلي شيخه، ونسب إليه سعيد ابن تعاريت رسالة في التوحيد علق عليها شيخه المحشي، ورسالة قيد فيها بعض حوادث جربة وأحوالها وما وقع فيها من تاريخ الخمسين الثانية من ق 9/ 15هـ. إلى الآن. وهو تمام المائة الحادية عشر 1100/ 1689. أم نعثر عليهما إلى الآن. كما أن له مرثية سينية في شيخه المحشي وفتاوي. ويشير ابن تعاريت أيضا إلى أنه حضر الاجتماع العلمي المنعقد بلالوت بليبيا سنة 1103/ 1692 للنظر في قضية شهادة الشهود.
توفي في أوائل المائة الثانية أي بعد 1103/ 1692 (99) .
التعريف بالحاشية: لقد اجتهد هؤلاء في تبسيط ما بدا لهم غامضا في الشرح من أوله إلى آخره إذ لم يتتبعوا النص جملة جملة. وقد جاءت هذه الحواشي ملمة بجل مواضيع المتن والشرح ويمكن أن نضبطها في المحاور التالية:
1) السؤال : قيمته ، آدابه.
2) الدليل والاستدلال وقيمتهما في المناظرات وفي توضيح ما يتعلق بالحدوث والخلق والجوهر والعرض.
3) الله تعالى: وجوده، أزليته، وحدانيته، أسماؤه وصفاته، استحالة رؤيته، كلامه.
4) تبيين أفعال العباد: الأفعال، الطاعة، التوكل، الكسب، الصلة بين العقل والقلب وبين العقل والجسم...
5) الصلة بين الخالق والمخلوق: التكليف، الأمر والنهي، الطاعة والمعصية، الوعد والوعيد، الثواب والعقاب.
6) الصلة بين الناس: الولاية والبراءة والوقوف.
وقد جاء الكلام في هذه القضايا مقتضيا في الغالب مكملا للشرح إلا في بعض المواطن حيث تقع الإطالة بالاستشهادات أو في الردود على الفرق المخالفة للإباضية.
وقد جاءت هذه الحواشي مدعمة بإحالات على أهم مصادر الإباضية في الأصول والمصادر غير الإباضية (100) .
والمنهج المقارن متبع أيضا للتمييز بين آراء الإباضية وبين آراء بقية الفرق.
والى جانب هذا نلمس اعتناء كبيرا بالشروح اللغوية وبالإعراب وبالنكت البلاغية، كما لا يغفل أصحاب هذا العمل عادة عن تحقيق ما ينبغي تحقيقه وذلك عن طريق المقارنة بين عدة نسخ من كتاب شرح الجهالات فيرجحون ما ينبغي ترجيحه بقولهم:" واللائق أن يقال" ويخطئون ما يتضح أنه بعيد عن الصواب.
وتجلى كذلك في هذا العمل النزعة التعليمية إذ تتمثل رغبتهم في تقريب المتن والشرح للقارئ مع إراحته من عناء الرجوع الى القواميس وإلى المصادر إلا للاستزادة في التعمق لكن هذا يؤديهم في كثير من الأحيان الى التكلف بحيث يلمس القارئ أن كلام المتن والشرح أوضح بكثير مما ورد في الحواشي.
والملاحظ أخيرا أن حاشية أبي الربيع وأبي زيد توقفتا عند الصفحة 64 لينهي البقية المحشي وقد جاءت الصفحات الأخيرة سريعة ولعل مرجعه ذلك الى استيفاء المسائل في البداية.
والمخطوطة موجودة في البارونية بها 77 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 25 سطرا وقد نسخها سعيد بن عبدالله الباروني لشيخه سعيد ابن تعاريت سنة 1259/ 1843.
وإن لاحظنا مثل هذا الاعتناء بهذه المتون فقد اعتنى الإباضية بمتن آخر جاء شعرا ألا وهو القصيدة النونية فماذا عن هذا الاعتناء؟
====================
96) ينسب إلى تبغورين( انظر ما سبق116). لقد ألم المؤلف في كتاب الجهالات بأهم قضايا أصول الدين: الله تعالى وجوده وصفاته الذاتية كلام الله أسماؤه، الأنبياء والرسل والملائكة، الولاية والبراءة ثم ألح على العلاقة بين الدين والإسلام والإيمان والتوحيد معتمدا على العلاقة بين الخصوص والعموم أو العكس، كما يبين حكم الرادين على الله ورسوله والكاذبين عليهما والمستحلين لما حرم الله وحكم من يدفع الإجماع، كما وضح مختلف معاني الكفر والشرك والنفاق ومقابلتها للإيمان، وحدد أيضا مالا يسع جهله وما يسع جهله.
وقد انطلق المؤلف للنظر في كل القضايا من السؤال التالي:" ما دليلك على أنك مخلوق؟ ثم تدرج من المخلوق إلى الخالق.
أما المنهج المتبع فهو منهج تعليمي قائم على السؤال والجواب بمثل هذه الصيغ" إن سألت سائل"." ما دليلك على أنك مخلوق؟" ،" ما الفرق بين الكفر والشرك؟" ،" سألت عن"، " فإن قال فقل"،" وإذا قيل لك فإنك تقول"،"فإن قال قائل فقل".
وتتجلى من خلال هذه الطريقة النزعة التعليمية فكأن المصنف يهيء تلامذته لمناظر الآخرين فيقلب جميع وجوه السؤال حول القضية الواحدة ويرجع إليها في مواطن عدة فيشرح الألفاظ شرحا لغويا واصطلاحيا ويذكر بعض الافتراضات التعجيزية، وفي كل ذلك يضع الجواب المناسب حسب الأصول الإباضية دون أن يحيل على المصادر إلا نادرا.
وختم النص بفصل سمي كتاب الدلائل نسبه أبو عمار عبد الكافي إلى غير تبغورين ومحوره المطالبة بالتدليل على صفات الله تعالى مثل العلم والقدرة والكلام الخ...
والتحليل الداخلي للنص يجعل القارئ يرجح أن الكتاب تداولت على تأليفه عدة أقلام يصعب التعرف على أصحابها.
وبالبارونية نسخة خ منه عدد صفحاتها 35 وبكل صفحة23سطرا.
وقد نسخها سعيد بن عبدالله الباروني لشيخه سعيد بن تعاريت صاحب الرسالة في تراجم علماء جربة سنة1259/1843.
وقد شرح هذا المتن أبو عمار عبد الكافي شرحا مفصلا فتتبعه جملة جملة وحقق جميع مسائله تحقيقا معمقا من القرآن والسنة ورأي يحيى بن أبي بكر صاحب كتاب السيرة وأخبار الأئمة.
كما أنه يقرر دائما رأي الإباضية مشيرا إليه بقوله:" قال أصحابنا" ثم يرد على الآراء المخالفة منبها إليها بقوله:" عند أهل الخلاف"" الجاهلون"، "أهل الباطل" ويذكر من بين هؤلاء الروافض والمعتزلة والجهمية والمشبهة.
كما يرد على بعض المخالفين من الإباضية.
ونلمس في هذا الشرح اعتمادا كبيرا على الشروخ اللغوية في فهم بعض الصيغ التي تحتاج إلى التأويل، أما عن النزعة الجدلية فهي واضحة في كامل الشرح.
وتوجد مخطوطة منه بالبارونية بها 178 صفحة بكل صفحة 25 سطرا وهي من الحجم المتوسط وقد نسخها يحيى القناص اليفرني بتاريخ 1123/1808 وقد شرع في تحقيقها عمر ونيس لإعداد دكتوراه مرحلة ثالثة بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين. ( نوقشت هذه الأطروحة في ماي 1986)
(97) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:79
(98) نفس المصدر:82
(99) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:80
(100) لا فائدة في إعادة ذكر المصادر التي ذكرت من قبل.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 05:58 AM
) شروح القصيدة النونية (101) :
يهمنا خاصة شرح عمرو التلاتي (1187/ 1773) الموسوم بـ " اللآلي الميمونة على المنظومة النونية".
وعمرو بن رمضان التلاتي (ت 1187/ 1773) ولد بجربة في حومة تلات وإليه تنسب أسرته التلاتي ولعله أخذ عن أبي الربيع سليمان الحيلاتي (ت 1099/ 1688) قبل سفره الى مصر.
ويذكر سالم بن يعقوب أنه سافر الى مصر مع أسرة الغول دون أن يستأذن أهله خشية أن يمنع من السفر.
واستقر في القاهرة يدرس في المدرسة الإباضية بطولون كما كان يلقي دروسا تطوعية بالأزهر.
ونتيجة لإباحته تعاطي السعوط وقعت جفوة بينه وبين علماء عصره ومن بينهم تلميذه رمضان بن أحمد الغول وقد أرسل إليه قصيدة من مصر يعاتبه على موقفه.
وكان كثير الشكوى من الفقر، ولم يتزوج.
له عديد من الحواشي والمختصرات كما له ديوان شعر في شتى أغراض الشعر. نذكر منها هنا أهمها وهي شرحه لنونية أبي نصر فتح بن نوح الملوشائي (7/ 13) ويذكر أنه شرح أصول تبغورين بن عيسى الملشوطي (6/ 12) وسماه: شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح والتبيين.
وقد ذكرنا من قبل شرحه لكتاب الديانات لعامر الشماخي (8/14) وشرحه لشرح الشماخي لعقيدة التوحيد لغويا بحتا.
وسنقف عند مختصره لشرح أصول تبغورين (102) وبعد تعريف الشارح نقف عند الشرح.
لقد بين الشارح أنه استفاد من شرح الجيطالي للنونية إلا أنه آخذه ببعض المآخذ حاول أن يتلافاها في هذا الشرح وتتمثل في:
1) كثرة التكرار.
2) جمع مالا يناسب الفن من الكلمات اللغوية والأشعار العربية.
3) تقديم شروح هذه المعاني على ما له صلة بالموضوع.
4) نوع من التفكك في الربط بين المعاني.
ثم يعتذر للجيطالي وينطلق في شرحه، ومنهجه في ذلك وهو أن يلم بكل ما في البيت شكلا ومضمونا ثم يختم بحوصلة يشير إليها بقوله:" وحاصل معنى البيت وزيادة".
وهذا عبد العزيز الثميني (103) ينوه بهذا الشرح عندما أراد تشذيبه مما فيه من تكرار مع إضافة معان مناسبة لمحلها فيقول:" فوجدته شرحا جامعا للمقصود بالذات وبالقصد الأول من فوائد العقائد الدينية، وحاويا للمقصود بالغرض، وبالقصد الثاني من موائد القواعد النحوية ولطائف الأسرار المعانية وكاشفا عن وجوه المخدرات البيانية، وجيدا بجواهر من المحسنات البديعية، ودرر من القوانين المنطقية وكنوز عزيزة من المسائل الفقهية، واضعا للكل على طرف التمام بحيث يجتنيه منه طالبه بأدنى إلمام" (104) .
ونضيف الى هذا التعريف التنبيه إلى أن التلاتي اعتمد على منهج تحليلي مقارن يورد فيه الأقوال مدعمة بأدلتها منسوبة الى أصحابها سواء أكانوا من الإباضية أم غير الإباضية.
وقد اتبع التلاتي منهجا موحدا مع كل الأبيات ويتمثل في أن ينطلق من الشرح اللغوي والإعراب ثم بعد ذلك يحوصل معنى البيت بقوله:" وحاصل معنى البيت وزيادة" وبعد ذلك يحلل القضايا الأصولية تحليلا مستوفى بقدر الإمكان.
والمخطوطة متوفرة في البارونية بخط واضح عدد ورقاتها 236 ورقة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا. ويذكر في آخرها أنه فرغ من التأليف 1172/ 1759. أما النسخ فتم بجامع بني لاكين بتاريخ جمادى الأولى 1265/ افريل 1848 على يد صالح بن سعيد الباروني.
من خلال هذا العرض للشروح والحواشي نلمس بوضوح غزارتها بالنسبة الى المؤلفات الذاتية لكن قبل أن نصل الى الاستنتاج العام يحسن أن نقف عند الأجوبة والردود.
الردود والأجوبة: لقد وردت على الإباضية في هذه المرحلة تهجمات عديدة وذلك نتيجة لتقلص عدد الإباضية في عدة مواطن مثل مدينة غدامس وهذا اضطر علماءهم الى أن يدافعوا عن مبادئهم.
كما أن علماء الإباضية كثفوا في ما بينهم التساؤل عن القضايا الخلافية العقائدية وذلك حتى يستحثوا بعضهم على توفير أجوبة مختصرة تمكن من الدفاع عن المبدأ عند الحاجة.
ولنبدأ بعرض رد أحمد الشماخي على رسالة لصولة الغدامسي.
1) رد أحمد الشماخي على صولة الغدامسي (105) : إن نص الرد مخطوط بالبارونية بجربة ويحتوي على 52 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة منها 24 سطرا ولم يذكر تاريخ النسخ.
وبقدر حدة الرسالة جاء الرد عنيفا ومن ذلك يقول في المقدمة:" زخرفت الخط وبالخطأ، وخفي عنك ما تحت الغطا... وما ألجأك إلى التأليف وأنت لا تحسن الترصيف..." (106) ثم يبين أنه يسلك في الرد مسلك الاختصار لأنه تتبع جميعها يستدعي مجلدا.
ثم تتبع في جوهر الرسالة القضايا المطروحة قضية قضية مع الانطلاق من صيغ الغدامسي مشيرا إليها بـ " قولك".
وقد سعى الشماخي الى دحض جميع حجج الغدامسي معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والسنة الشريفة والإجماع وانطلاقا من مصنفات الماتريدية والأشاعرة لتبيين الاختلافات داخل المذاهب الأربعة، وهو في كل هذا ينبه الى أن جل ما ورد عنه الإباضية قال به بعض الأشاعرة أو بعض الماتريدية مع الإحالة كذلك على النصوص الإباضية المعتمدة في أصول الدين.
والمتتبع للرد يتبين سعة اطلاع الشماخي وقدرته على توجيه النصوص انطلاقا من مصادر معتمدة لدى الخصم.
ولا يخلو هذا الرد من الاحتجاج المنطقي إلا أن لهجته اتسمت غالبا بالجدة والتهجمات السليطة، كنا نود لو ترفع عنها الشماخي لسعة أفقه، ومع ذلك لم يغفل عن غرضه المرسوم المتمثل في تحليل مواقف الإباضية وقد عرفنا رصانته العلمية في شرحه لعقيدة التوحيد لابن جميع.
وتأتي بعد هذا الرد رسائل أبي مهدي عيسى بن إسماعيل.
2) ردود أبي مهدي وأجوبته: أما أبو مهدي عيسى بن اسماعيل (ت 971/ 1564) فله مجموعة من الأجوبة والردود، وقبل أن نتعرف على إنتاجه الفكري يحسن أن نتعرف على المؤلف.
أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: يذكر علي يحيى معمر نقلا عن شيخه إبراهيم أبي اليقظان أن أبا مهدي يرجع الى عرش أولاد نائل نشأ على المذهب المالكي ثم تحول إلى الإباضية فصار من أعلامها، وممن تمر بهم نسبة الدّين إذ أخذ عنه محمد بن زكرياء الباروني من نفوسة وداود التلاتي من جربة (107) ومجموعة من علماء وادي ميزاب.
أما أبو مهدي فقد أخذ عن عمي سعيد بن علي الجربي (108) واستقر بمدينة مليكة وبها توفي سنة 971/ 1564 وإليه تنسب المقبرة المعروفة باسمه (مقبرة سيدي عيسى) هناك (109) .
ومعايشته للبيئة المالكية والإباضية ستجعله أكثر قدرة من غيره على الردود لأنه تحول عن اقتناع. وهذا رده على أبي الحسن البهلولي الذي كفر الإباضية واعتبرهم مكذبين بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
=================
(101) انظر ترجمة صاحبها:85 وهي متن يحتوي على 128 بيتا شمل جميع مواضيع العقيدة وقد شرح عدة مرات من ذلك. شرح إسماعيل الجيطالي (750/1349).
شرح عمرو الويراني(10-11هـ) 16-17م) سماه المصرح وقد شرحه يوسف المصعبي(ر. النامي: الأطروحة ص303)(لم نتمكن من الحصول عليها)
شرح عبد العزيز الثميني( 1223/1808) سماه النور.ط. بالبارونية بمصر1306 وصول من جديد بوادي ميزاب المطبعة العربية غرداية1981.
(102) انظر ما يلي:174
(103) عبد العزيز بن الحاج إبراهيم الثميني(1130-1223/1718-1808) ولد بمدينة بن يسجن- إحدى مدن وادي ميزاب- وبها ترعرع وحفظ القرآن الكريم ثم تفرغ لتدبير أملاك والده ولم يرجع إلى طلب العلم إلا في الثلاثين من عمره فأخذ عن شيخه أبي زكرياء يحي بن صالح الأفضلي (1202/1787) اعتزل الناس طيلة ثمانية عشر عاما تفرغ فيها للتأليف أنتج فيها أحد عشر مؤلفا عدا فتاويه العديدة نكتفي بذكر كتاب "النور" شرح القصيدة النونية هذب فيه شرح عمر التلاتي . هنالك فهم قومه مكانته العلمية فأسندوا إليه مشيخة المسجد ببلدته سنة1201/1786 ثم مشيخة ميزاب أي رئاسة مجلس عمي سعيد، المجلس الأعلى لعزابة وادي ميزاب . توفي ببلدته سنة 1223/1808.
ر. مقدمة كتاب النيل ط2 المطبعة العربية بالجزائر 1387/1967 تحقيق عبد الرحمن بكلي: 12- 17 وقد ذكر أهم المصادر التي استفاد منها.
(104) عبد العزيز الثميني: النور: 3
(105) لم نتمكن من التعرف على ترجمة صولة الغدامسي إلا أن رسالته موجودة خ بالبارونية تضم 23 صفحة من الحجم المتوسط بالصفحة 23 سطرا وقد اتبع فيها صاحبها منهجا تهجميا، فبين أنه يرد على سخافات عثر عليها في ورقات اتضح له أنها في القضايا الخلافية بين الإباضية والمالكية وهي: خلق القرآن، استحالة الرؤية ،
، حقيقة الإيمان ، الخلود، المنزلة بين المنزلتين ، والشفاعة. أما المنهج المتبع فيتمثل في دحض ما ورد من حجج في الرسالة مع تحميل نفس النصوص مفهوما مغايرا ويختم كل مسألة بشيء من التشنيع على الإباضية . كما فعل في المقدمة العامة وفي الخاتمة العامة ومن ذلك قوله : " ورد علي من بعض الإباضية أوراق ...باح فيها(صاحبها) بما أوجب الخزي عليه وعلى قدوته من سالفته، وقد كذب على الله واجترأ، وتجاسر على نبيه صلى الله عليه وسلم وافترى"1
(106) نص الرسالة :1
(107) انظر ما يلي169 ما يسبق:133.
(108) سعيد بن علي الخيري الجربي(ق10/16) نشأ في قرية آجيم- وهذا معنى الخيري – أخذ عن شيخه ابي النجاة يونس التعاريتي، وانتخب ليصلح مجتمع وادي ميزاب الذي دب إليه الفساد.
وفعلا فقد قام بالمهمة أحسن قيام، وأهل ميزاب إلى لأن يعتبرون أنه باعث نهضتهم الحالية .
ر. إبراهيم أبو اليقظان: ملحق لسير الشماخي خ ملك ورثته بالقرارة ص 5 وقد انطلق في عمله بترجمة عمي سعيد.
ر. الجعبيري: نظام العزابة: 269-271و 290-291
ر. محمد محفوظ : تراجم المؤلفين التونسيين ط دار الغرب الإسلامي لبنان ط 19821 2/280-281 ولم نضعه في المتن لأننا لم نعثر له على كتابات في أصول الدين.
(109) ر. علي يحيى معمر: الإباضية في الجزائر: 242
________________________________________
أ) رد أبي مهدي على البهلولي: لقد بين في مقدمة هذا الرد فضائل المذهب الإباضي وأسبقيته التاريخية وختمها بقوله:" والذي يظهر من قولك أنك لم تطلع على المذاهب وأصول الاختلاف فكتبنا لك هذا الكتاب ليتبين لك الخطأ من الصواب مشتملا على العقيدة الوهبية الإباضية ومتضمنا للجواب على المسائل الآتية بالأدلة القاطعة والبراهين الواضحة والحجج المنيرة الساطعة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة (110) .
وفعلا فقد تتبع هذا المنهج فبين أسس العقيدة الإباضية وحلل حديث افتراق الأمة ثم تناول القضايا الخلافية، مثل موقف الإباضية من الصحابة ومن خلق الأفعال، والوعد والوعيد، والخلود والشفاعة واستحالة الرؤية ومن خلق القرآن.
وقد اعتمد أبو مهدي على منهج مقارن مقتبسا حججه من أمهات مصادر الإباضية مثل موجز أبي عمار، ودليل أبي يعقوب يوسف الوارجلاني.
وجاءت في كل هذا لهجته بين الحدة والرصانة وقد دلت دلالة واضحة على اقتناعه الكامل بما اختاره لنفسه بنفسه.
وقد اعتمدنا نسخة مطبوعة حجرية طبعت بتونس سنة 1321/ 1903 على ذمة الحاج محمد بن الحاج صالح بن عيسى اليسجني المزابي ضمن مجموعة ونص الرّد جاء من ص 106 إلى ص 187 من الحجم المتوسط وعلى هذه النسخة نحيل في بحثنا هذا.
وإلى جانب هذا نجد لأبي مهدي عددا من الرسائل.
ب) أجوبة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل (111) :
رسالة في إعراب كلمة الشهادة: يخال قارئ العنوان أنه سيفوز بشيء من الأصول ضمن الإعراب لكن تتبعها يثبت أنها درس تطبيقي في النحو إذ حرص صاحبها على جمع ما بين يديه من الروايات ووجوه الاختلاف بين اللغويين في شأن الإعراب.
رسالة في معنى التوحيد والوحدانية والإلهية والربوبية: لقد سلك أبو مهدي مسلك السلف في جمع الآراء حول ما يسع جهله ومالا يسع جهله وهو في ذلك يميز بين الإيمان والتوحيد.
والرسالة استيعاب وإعادة لما ورد عند السلف وترى المؤلف يسند التعريفات إلى أصحابها من أمثال أبي عمار وأبي يعقوب وأبي عمرو السوفي وأبي نصر وابن جميع.
فوظيفة الرسالة لا تتمثل في الاستنباط وإنما تقوم على توفير النصوص الإباضية في موضوع واحد بين يدي السائل.
ونرى المؤلف واعيا بذلك إذ يقول:" وإنما حملني على تكرير المسائل وتقرير الأدلة للسائل مع أن الجواب في بعضها رغبة في نيل فضل الفكر، ولذة الذكر، فالمتفكر به في النعيم الدائم والصلاح القائم ولأن في التكرير تقرير المعاني في الأنفس وتثبيتا لها في الصدور...".
جواب لأهل عمان: لقد وردت على أبي مهدي رسالة من أهل عمان سنة 913/ 1507 تتضمن أسئلة في الأصول والفروع، وقد جاء الرد موسعا إذ يتضمن 33 صفحة جاءت ضمن مجموع خ بالبارونية ويمتد من ص 63 إلى 96 صفحاته من الحجم المتوسط ويبلغ عدد الأسطر 21 سطرا بالصفحة.
ومراحل الرسالة تتمثل في: تقديم يذكر بورود الرسالة: ضبط نص الرسالة الواردة. شرح مقدمتها شكلا ومضمونا ثم الإجابة عن الأسئلة. ويهمنا خاصة السؤال الأول وهو في الولاية وقد وردت فيه تعريفات لعدة قضايا مثل الشفاعة وخلق القرآن.
والملاحظ أن أبا مهدي يعتمد اعتمادا كليا في تحليل القضايا على المصادر الإباضية وهذا طبيعي إذ الخطاب موجه للإباضية بعمان.
كما نجد ضمن هذا المجموع 8 صفحات من 2 إلى 9 لم تسند إلى صاحبها لضياع بداية النص، والمقارنة مع رد أبي مهدي علي البهلولي تجعلنا نرجح أنها من تأليفه إذ يكاد يكون النص واحدا، إلا أن اللهجة جاءت تقريرية لاختلاف المخاطب.
وقد عالج المؤلف فيها قضيتين:
قضية خلق القرآن : واعتمد أدلة من القرآن تثبت أنه مخلوق منها: الجعل، والنزول، والذهاب، والتفاضل، وقضية الحكاية والمحكي، وقد استفاد كثيرا من رسالة متقدمة في الموضوع لأبي اليقظان الرستمي (112) .
قضية استحالة رؤية الله تعالى: فأورد أدلة من القرآن والسنة ومن أقوال الصحابة مع التذكير ببعض حجج علماء الإباضية وغيرهم ممن قالوا بالرؤية.
والمتأمل في هذه الصفحات على اختصارها يتبين أنها استوعبت القضية استيعابا مقبولا.
ذلك هو بعض ما وصلنا من رسائل أبي مهدي يدل دلالة واضحة على تعايشه المخلص مع الفكر الإباضي فماذا عن جواب محمد بن زكرياء الباروني؟
1) جواب محمد بن زكرياء الباروني النفوسي: هو أبو عبدالله محمد ابن زكرياء بن عبد الرحمن بن موسى الباروني( ت997/ 1589) من علماء جبل نفوسة نشأته الأولى بيفرن ثم رحل الى جربة فأخذ عن أبي سليمان التلاتي (967/ 1560).
وقد كتبت نسبة الدين نثرا وشعرا وهما ملحقان بآخر سير الشماخي وقد عرضها على شيخه التلاتي فاستحسنها.
وقد اخذ عنه عمر بن علي بن ويران السدويكشي.
وقتل مع جماعة من العلماء بقلعتهم بيفرن عند هجوم الثائر يحيى بن يحيى السويدي سنة 997/ 1589 (113) .
وقد عالجت الرسالة عدة قضايا فقهية لكنها بسطت القول في قضيتين من قضايا الأصول هما استحالة الرؤية وخلق القرآن وجاء الاحتجاج على طريقة السلف ليس فيه أي ابتكار وتتمثل قيمة الرسالة في تقريب هاتين القضيتين من السائل أو ممن لم تتوفر بين يديه أمهات المصادر في هذا الباب.
والمخطوطة بالبارونية تضم 5 ورقات من الحجم المتوسط بخط دقيق وعدد الأسطر 39 بالصفحة. لم يذكر الناسخ في آخرها . إلا أن المؤلف أشار بوضوح الى أنه انتهى من تأليفها في جمادى الأولى سنة 966/ فيفري 1559 في يفرن بمنزلهم في القلعة. وقد ذكر في آخرها القتال الذي كان يدور بين الأتراك والعرب آنذاك في جبل نفوسة.
ثم الى جانب هذا النوع من الردود والرسائل نجد رسائل موجهة الى أولي الأمر عن مواقف الإباضية ومصالحهم الحياتية ومن ذلك رسالة يوسف المصعبي الى والي طرابلس.
2) رسالة يوسف المصعبي للدفاع عن شهادة الإباضية: رفعت قضية سنة 1155/ 1742 الى القضاء في طرابلس فرأى بعض القضاة رد شهادة بعض الشهود لأنهم إباضية ولم تذكر الوثيقة اسم القاضي إلا أنها ذكرت أن ذلك حدث زمن احمد باشا (1123- 1158/ 1711- 1745).
وأمام هذا التحدي السافر كاتب إباضية نفوسة يوسف المصعبي وقد كان التجأ إليهم من قبل سنة 1140/ 1727، وحضر معهم الاجتماع العلمي المنعقد بلالوت سنة 1103/ 1691، ليبين عقيدة الإباضية وليدافع عن صحة شهادتهم فلبى طلبهم ووجه رسالة الى والي طرابلي أحمد باشا تحتوي على 14 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 24 سطرا . خ البارونية بدون رقم و د. ت (114) فبين في مقدمتها سبب الشكوى وقد أشرنا إليه من قبل ثم بناها على أصل وفرع وخاتمة.
أما الأصل فبين فيه حقيقة الإباضية في لهجة رصينة، فجاءت مختصرة واضحة من نوع المتون التي تحرر ليحفظها المبتدئون.
وأما الفرع فوضح فيه اعتمادا على أقوال علماء المالكية ضرورة قبول شهادة أهل القبلة وعدم تكفيرهم.
وأما الخاتمة فطرح فيها أسئلة تثير قضايا عقلية ونقلية في علم المناظرة وعلم الفرائض وما إلى ذلك مبينا أنها موجهة إلى الوشاة لا لغيرهم، وفي هذه الأسئلة ضرب من التعجيز لهؤلاء حتى يقلعوا عن غرورهم.
وقد جاءت بداية الرسالة طافحة بالشكوى والأسى والتأسف على ما وقع بين المسلمين. أما بقية الرسالة فبينت سعة اطلاع المصعبي، وقدرته على اعتماد حجج من غير المصادر الإباضية تخدم قضيته وتنصف أصحابه، وفعلا فقد آتت الرسالة كلها وأقرت بعد ذلك شهادة الإباضية في طرابلس هذا عن رسالة المصعبي فماذا عن رسالة الجادوي إلى مراكش؟
=======================
(110) نص الرد:113
(111) الرسالتان خ بالبارونية ضمن مجموعة به ثلاث رسائل لأبي مهدي: الأولى والثانية هما الرسالتان المذكورتان، والثالثة موعظة موجهة لأهل وارجلان لا علاقة لها بموضوعنا. ويحتوي المجموع على 29 صفحة بخط واضح ولم يذكر بها لا تاريخ الكتابة ولا تاريخ النسخ. وتضم الصفحة 22 سطرا والأولى تمتد من ص1-8 والثانية من ص9-21، والثالثة من 21-29
(112) انظر ما يلي:353تعليق30
(113) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:44
(114) وطبعت ضمن مجموعة رسائل بالجزائر، د.ت من ص86 إلى106، اعتمدنا النسخة المخطوطة لأن المطبوعة لأن المطبوعة لم تتوفر لدينا إلا في وقت متأخر.
________________________________________
5) رسالة سعيد بن يحيى الجادوي (ت بعد 1103/ 1693) الى سلطان مراكش إسماعيل بن شريف (1082- 1139/ 1672- 1727) (115) .
أما الجادوي فهو سعيد بن يحيى الجادوي الآجيمي من حومة آجيم بجربة. أخذ العلم عن أبي الربيع سليمان ابن أبي ستة (116) وتتلمذ عليه يوسف المصعبي وسعيد بن عيسى الباروني صاحب رسالة في تراجم علماء جربة (ت 1289/ 1872).
ويقول عنه تلميذه الباروني:" الفائق في العلوم المنقولة والمعقولة" ص 90 وقد شارك مع الوفد الجربي في الاجتماع العلمي الذي انعقد في لالوت سنة 1103/ 1692 للتثبت في موضوع شهادة الشهود.
وله مجموعة فتاوي (دفتر 2 بمقبرتهم بطرف منزل سكناهم على الجادة المارة من مسجد ليمس الى المرسى بحومة آجيم (117) .
وأما رسالته فقد ثبت أن بعض الوشاة طعن في الإباضية وذكر أنهم يبغضون الشيخين فاتخذ اسماعيل بن شريف موقفا ضد الجربيين، ومنعهم من تعاطي التجارة في البلدان التي يحكمها فتصدى سعيد الجادوي للقضية وكاتب السلطان مبينا موقف الإباضية من أبي بكر وعمر بأدلة من الحديث والسيرة ونوه بنزاهة الجربيين وأمانتهم.
وقد جاءت الرسالة في غاية الهدوء والتلطف ومعلوم أن الإباضية يرضون بالإجماع على أبي بكر وعمر بل يرون أن خلافتهما مع عمر بن عبد العزيز رمز الخلافة الراشدة.
والرسالة خ بخط سالم بن سيعقوب في مكتبته تحتوي على صفحتين من كراس ضمن رسائل أخرى.
وواضح من خلال هذه الرسائل أن الكتابة تكثفت في هذا الصدد لكن لم تخل القرون الأخرى من مثل هذه الرسائل فماذا عن هذه الأجوبة؟
6) رسائل وردود أخرى: وتأتي في هذا النسق رسالة لأبي عبدالله الصدغياني مؤسس جامع وادي الزبيب ق 7/ (118) 13 :
- موجهة لأهل وارجلان- يعرفهم حقيقة المذهب لأن أهل الخلاف في ذلك الزمان يحاجونهم ويعانتونهم.
وهي خ تحتوي على 22 صفحة من الحجم المتوسط بكل صفحة 25 سطرا موجودة بالبارونية. نسخت 1226/ 1811.
وقد عالجت الرسالة أهم قضايا أصول الدين: الله لا تبدو لـه البدوات، الكفر والإيمان ،الخلود، الوعد والوعيد، حكم أهل الكبائر. كما تعرضت إلى موقف الإباضية من الفتنة الكبرى ومن الأمويين والعباسيين، وعرفت بإباضية عمان والمغرب.
وقد جاءت عناصرها مضطربة لأنها كثيرا ما ترجع إلى القضايا عدة مرات.
وإلى جانب هذه الرسالة يجدر أن نذكر رسالة محمد ابن أبي القاسم الباروني في الرد على صحائف من مزونة من الجزائر وقد طبعت ضمن مجموعة بالجزائر د. ت. من ص70- 86.
وانطلقت الرسالة بالتعريف بعقيدة الإباضية ثم دافعت عما اتهم به بنو ميزاب مثل موقفهم من الصحابة، ثم تعرض صاحبها لقضايا لغوية، وعرض مجموعة من الأسئلة وهي ضرب من التعجيز (لعلها ترجع إلى مطلع ق 13/ 19).
كما يمكن أن نذكر رسالة عيسى ابن أبي القاسم الباروني وقد كتبها سنة (1210/ 1795) ردا على فقهاء غدامس وهي رد على رسالة واردة من لالوت. وهي خ بالبارونية تحتوي على 40 صفحة من الحجم المتوسط وبكل صفحة 22 سطرا. ناقصة في آخرها ولا نعرف لا الناسخ ولا تاريخ النسخ.
وقد عرف فيها أسس عقيدة الإباضية وموقفهم من الفروض والمحرمات،كما بين موقف الإباضية من الصحابة، وأورد نبذة من الأحاديث عن الفرق الضالة ونوه بأئمة الإباضية ثم جاء رده عنيفا حيث بين ما في أهل غدامس من عيوب ورد على الأسئلة الموجهة في موضوع صلاة الجمعة والصحابة والبعث.
وأما المنهج المتبع فهو قائم على الاختصار، ويورد نص الرسالة كاملا ثم يحلله ويرد عليه شيئا فشيئا.
مع الملاحظ أن العنصر الثالث ناقص من المخطوطة التي بين أيدينا.
كما يمكن أن نذكر كتاب المسلك المحمود لمعرفة الردود لسعيد بن تعاريت(انظر ص83 وقد جاء ردا على ما عرف بالفتوى الكاملية التي طعن فيها صاحبها في الإباضية (119) .
==================
(115) إسماعيل بن شريف سلطان مراكش(11ذي الحجة 1082-27رجب1139/14افريل1972-30مارس1727) ثاني سلاطين العلويين بالمغرب ر.دائرة المعارف الإسلام كعربية:2/183.
(116) انظر ما سبق:157
(117) ر. سعيد ابن تعاريت: رسالة في تراجم علماء جربة:90
(118) كتاب: نظام العزابة:247.
(119) وقد ذكر النامي نصوصا أخرى منها ما توفر لدينا ومنها مالم يتوفر لدينا ر. النامي الأطروحة:299-309
________________________________________
وبعد الأجوبة والردود لم يبق إلا أن نعرف بالمختصرات وهي مختصر واحد فما هو؟
المختصرات: إن كثر عدد الشروح والحواشي، فإن نصيب المختصرات دون نصيب المؤلفات الذاتية ولعل ذلك يرجع الى توفر عدد طيب من المتون التي تقرب العقيدة من المبتدئين وقد ذكرناها من قبل ولم نعثر إلا على مختصر واحد وهو:
1) نخبة المتين من أصول تبغورين لعمرو التلاتي: نلمس من مقدمة النص أن التلاتي شرح كتاب أصول الدين لتبغورين بن عيسى الملشوطي شرحا موسعا، ووسمه بـ" شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح والتبيين" (120) ثم رغبة في التخفيف على القارئ اختصره بعنوان:" نخبة المتين من أصول تبغورين" وفي ذلك يقول:" لما فرغت من شرح أصول تبغورين حوى الإيضاح والتبيين سنح لي أن ألخص ما فيه من خصائص المذهب، وأحررها بذكر الصواب وترك ما فيها من الجدل الذي لا داعي إليه الآن لانعدام الهمم واستيلاء الزمان، فحررتها في عبارات بليغة وألفاظ فصيحة أنيقة ليسهل الرجوع إليها عند الحاجة ولثم عرائسها الفتاكة وسميتها " نخبة المتين من أصول تبغورين" ص 144.
وقد تتبع التلاتي في هذا المختصر- تبعا للمنهج المحدد في المقدمة- أهم ما ورد في الشرح من تحليل للقضايا الأصولية ونحن نعلم أن المتن ألم بها كلها.
وقد حرص على أن يقرب المفاهيم للقارئ بأيسر السبل حيث يشير الى كل قضية بقوله:" اتفق أئمتنا" " واتفقوا أيضا"... وقد بلغ عدد القضايا المطروحة الى ثلاث وستين أولها أن الله موجود وآخرها تبين أفعال العباد.
وهو في كل هذا يميز باختصار غير مخل بين رأي الإباضية وبين رأي الأشاعرة بصفة خاصة، ويحيل أحيانا على شروحه المطولة مثل شرح النونية أو على كتب العمانيين أو على عبدالله السدويكشي.
كما أنه لم يتعرض الى الشروح اللغوية أو النكت البلاغية رغم ميله الى ذلك، وإنما حرص على أن يكون عمله اختصارا مستوفيا لأهم القضايا.
وقد طبع هذا المختصر مع مجموعة من النصوص بعنوان " العقيدة المباركة" ترتيب محمد خليفة مادي. ط الفجالة الجديدة القاهرة د. ت. وذلك من ص 144- 168.
وبهذا نكون قد استوفينا تعريف ما تمكنا من الحصول عليه من التراث الكلامي عند الإباضية بعد التعرف على الإطار التاريخي الذي يتنزل فيه ولم يبق إلا أن نقف عند البعد الحضاري لهذا التراث.
إن المتتبع للتراث الإباضي يتبين بوضوح أن خوضه في قضايا العقيدة كان من وقت مبكر، وذلك لأن أئمة الإباضية عايشوا أحداث الفتنة الكبرى من قريب، وموقفهم كان واضحا في شأنها وقد كلفهم هذا الموقف كبير عناء في حياتهم وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى أتباعهم عبر التاريخ.
وما كاد يدخل العقد الثاني من النصف الثاني للقرن الأول هـ وبالضبط سنة 64/ 683 حتى اتضح موقفهم من مرتكب الكبيرة على لسان إمامهم عبدالله بن إباض الذي كان يتعاون مع الإمام جابر بن زيد حيث اعتزل موقف القائلين بالخروج المطلق على أساس أن الموحد يجب أن يعامل معاملة خاصة إن ظهرت عليه المعصية، وانطلاقا من هذا الموقف المبكر توسعت النصوص الإباضية في التمييز بين الكفر والشرك وكفر النعمة كما سنوضح ذلك في الباب الثالث من أبواب هذا البحث وهم في هذا يختلفون عن المعتزلة الذين لم يتضح قولهم بالمنزلة بين المنزلتين إلا في أوائل القرن الثاني للهجرة، كما يتميزون عن القائلين بالإرجاء.
أما موقفهم من الإمامة- ويعالج عادة مع القضايا الأصولية وإن كان الى الأصول الاجتماعية أقرب- فقد اتضح من تعيين الإمام عبدالله بن وهب الراسبي بصفة عملية فهو لا ينتمي لآل البيت ولا لقريش وكان انتخابه شورى بين المسلمين الذين عرفهم التاريخ بالمحكمة. هذا قبل خروج جماعة عن مبادئ المحكمة. أما بعد ذلك فرسالة عبدالله بن إباض الى عبد الملك ابن مروان جاءت أحسن دليل على عدم اعترافهم بملك بني أمية الوراثي.
وفي هذا الخضم السياسي العقدي المتموج بدأت تتضح ملامح علم الكلام شيئا فشيئا فلم يكن التراث الإباضي خاليا منها بل يتضح من خلال ما جاء من رسائل وخطب ومناظرات أن الإباضية اعتبروا العمل جزء لا يتجزأ من الإيمان كما تسربت الى حلقات أبي عبيدة والربيع مواقف من بعض الإباضية تتبنى قول المعتزلة في القدر فتصديا لها بقوة وأعلنا البراءة من أصحابها.
ويصل صدى هذا الموقف إلي مصر فيكتب عيسى بن علقمة المصري كتابه التوحيد الكبير ليرد على عبدالله بن يزيد الفزاري في هذه القضية وفي قضية الأسماء والصفات كما يشير إلى ذلك أبو عمار عبد الكافي في شرحه لكتاب الجهالات والكتاب لم يسعف الزمن به بعد.
ومن هنالك يرتبط تراث الإباضية بالمغرب بتراثهم بالمشرق وتنطلق المدرسة المغربية في الإنتاج، فتأتي رسالة أبي اليقضان الرستمي في خلق القرآن ورسالة عمروس بن فتح الموسومة " بالدينونة الصافية" في أهم قضايا أصول الدين.
ولم يظهر الأشعري والماتريدي في القرن الرابع هجري إلا بعد أن اتضحت مواقف الإباضية في أبواب العقيدة، لكن الأشعري حشرهم في زمرة الخوارج ونسب إليهم من الفرق مالم يرد ذكره في مصادرهم، ولم يحل على هذه المصادر رغم وفرتها آنذاك في ما نتصور، وإن يذكر بعضا من مواقفهم التي يرتضونها. ومعلوم أن الأشعري كان منطلقا أساسيا لما عرف في ما بعد بالأشاعرة أو بأهل السنة فغطى التراث الإباضي لأن الناس ظلوا يحترسون من هؤلاء الذي يكفرون غيرهم. وفعلا قد جاءت كتب المقالات في ما بعد مكررة ما قاله الأشعري أحيانا بنصه وأحيانا بشيء من التصرف.
وفي هذا المحيط ظلت تنمو المدرسة الإباضية بالمغرب طيلة القرن الرابع والخامس هـ الى أن رسخت قدمها رسوخا متينا في مدينة وارجلان في القرن السادس هـ خاصة مع أبي عمار عبد الكافي في كتاب الموجز وفي كتاب شرح الجهالات وفي كتاب أبي يعقوب الوارجلاني الدليل والبرهان، وفعلا فقد تصديا للردود على الفلسفات الإلحادية من جهة، وعلى جميع الفرق الإسلامية من جهة أخرى، وقد وقع التركيز خاصة على المدرسة الأشعرية في جميع قضايا أصول الدين مما وقع فيه الخلاف بين المدرستين.
وبعد هذا القرن الذي يعتبر العصر الذهبي بالنسبة الى الإبداع في علم الأصول تحول مسلك التراث الإباضي الى المختصرات والشروح فهذا عامر الشماخي يولي اهتماما كبيرا بالفقه ولا يكتب إلا مختصرا في العقيدة سماه كتاب الديانات، وهو عبارة عن مذكرة شاملة لعقيدة الإباضية، وكذلك فعل إسماعيل الجيطالي في الباب الأول من كتاب قواعد الاسلام وفي قسم من كتاب القناطر وإن توسع في التحليل على شرح النونية وعلى هذا المنوال ينسج البرادي في القرن التاسع هـ في شرحه لكتاب الدعائم لابن النظر العماني.
فخلاصة الحديث عن هذه القرون التسعة أن التراث الإباضي فيها حرص على رعاية البذرات الأولى في أصول الدين النابعة من فهم الأئمة لكتاب الله تعالى ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . فظلت هذه البذرة تنمو من القرن الأول هـ شيئا فشيئا إلى أن آتت أكلها في القرن السادس هـ. وقد استطاعت وارجلان عاصمة الإباضية الثانية بعد سقوط تاهرت أن تباهي العواصم الإسلامية الأخرى بما ظهر فيها من شتى العلوم،ويهمنا منها في هذا البحث خاصة علم أصول الدين، وفعلا يعتبر هذا القرن قمة مرحلة من مراحل الفكر الإباضي في أصول الدين وبداية مرحلة جديدة ذلك لأن أسس هذا الفكر تكاملت حججه النقلية والعقلية، والناظر في التراث الذي جاء بعد القرن السادس هـ يدرك حقيقة ما نقول، إذ لا يخلو مصدر من مصادره من الإحالة على كتاب الموجز أو الدليل والبرهان.
أما المرحلة الموالية- من القرن السادس هـ الى نهاية القرن التاسع- فقد اهتم فيها الإباضية خاصة بسيرهم وفقههم وإن لم يسكتوا عن أصول الدين، ورأوا أن المختصرات فيها تقرب ما جاء منظرا محللا في ما سبق، مع شرحين موسعين في الأصول هما شرح الجيطالي لنونية أبي نصر وقد انتقد في ما بعد بأنه اشتغل بالقضايا الأدبية اللغوية أكثر من اشتغاله بالقضايا الأصولية وشرح البرادي للدعائم وعليه نحيل في تعريف الإباضية لعلم الكلام، والبرادي ظهر حذقه في الحرص على التعريف المدقق للمصطلحات وفي هذا المحيط تتنزل رسالته الموسومة بـ " رسالة الحقائق" وهي على اختصارها قد أمدت المدرسة الإباضية بقاموس مهم في التعريفات ويهمنا خاصة تعريف المصطلحات الأصولية وقد وجدنا أن كل التراث الذي جاء بعد هذه المرحلة يعتمد على هذه التعريفات اعتمادا كليا وصريحا.
=======================
(120) لم نتمكن من الحصول على هذا الشرح الموسع، ونعتقد أنه لا يخل بالعمل إذ نظرنا في شرح التلاتي الموسع للنونية والقضايا هي نفسها تتكرر هنا وهناك وللتعرف على التلاتي ر. ما سبق:160
________________________________________
تلك ملاحظاتنا عن هذه القرون التسعة فماذا عن القرون التي توسعنا في تحليل تراثها وهي القرون الثلاثة الموالية العاشر والحادي عشر والثاني عشر هجري؟
إن لاحظنا أن قطب الإشعاع كان مدينة وارجلان في القرن السادس هجري فإن تقصينا في التعرف على مؤلفي هذا التراث يثبت أن جزيرة جربة كانت قطب الدائرة في الحركية العلمية في هذه المرحلة. فالشماخي وإن كان من جبل نفوسة فإنه حط رحله بالجزيرة وحتى عندما أرخ لشرحه للعقيدة انطلق من حدث هام من أحداث الجزيرة وأما أبو سليمان التلاتي فكان منطلقه من الجزيرة واليها رجع، وبها ألف، ومنها أشع وناضل بالقول والعمل إلى أن مات شهيدا لجرأته في قول الحق وأما السدويكشي فقد نهل في ربوع الجزيرة وفي مدارسها العلمية المعارف، فاتضحت قدرته الكلامية- وإن لم يكتب كثيرا- في اعتداده بعقله وبقلة إحالاته على من سبق وأما المحشي- ولقبه غلب على اسمه لكثرة حواشيه- فقد استفاد من إقامته بالمدرسة الإباضية بالقاهرة بالإضافة الى نشأته في جربة، فاتضح طول باعه لا في علم الأصول فحسب بل في جل فنون العلوم الإسلامية، وفعلا فقد أشعت أسرة أبي ستة على الفكر الإباضي عامة أيما إشعاع ولوالد المحشي رسالة بعنوان :" المجموع المعول في ما عليه السلف الأول" تدل على المناخ العلمي الذي نشأ فيه المحشي وابنا عمه سليمان وأبو زيد وقد أثبتت حاشية كل منهم على " كتاب شرح الجهالات" وفرة المصادر والمراجع التي بين أيديهم والحرص على حسن استغلالها والفضل في جمع كل هذا الشتات يرجع إلى تلميذهم علي ابن بيان، ولولاه لصعبت الاستفادة من هذه الحواشي.
ويفد على الجزيرة في أواخر القرن الحادي عشر هـ يوسف المصعبي متعلما فيطيب له المناخ العلمي، ويستقر بها إلى الوفاة، فيسلك مسلك المحشي في تتبع النصوص الإباضية وشرحه لأصول تبغورين هو أقرب ما يكون لما يسمى بالتحقيق العلمي الآن، ومعه يتحول الثقل من جنوب الجزيرة بحومة سدويكش الى شمالها في مدرسة الجامع الكبير. ويشع في هذا القرن أيضا عمرو التلاتي وقد حط رحله بالمدرسة الإباضية بوكالة الجاموس بطولون بالقاهرة وقد استطاع بفضل ما فيه من مصادر إباضية أن يقف طويلا عند الأصول الإباضية فشرح وحشى واختصر وتفنن في ذلك وإن لم تتوفر جميع نصوصه بين أيدينا فإن استيعابه لقضايا الأصول واضح، ودفاعه عن العقيدة بين في ما اطلعنا عليه من كتاباته وإن قدح معاصروه في سيرته.
كل هذا يؤكد ما ذكرنا، بالإضافة إلى أن ما وجد في جبل نفوسة وفي وادي ميزاب يعتبر منطلقه من جربة فأبو مهدي عيسى بن اسماعيل أخذ عن عمي سعيد الجربي الذي أوفدته الجزيرة لأصلاح الوادي، وفضل أبي مهدي على الفكر الإباضي عامة لا ينسى لأن ردوده كانت منطلقة من اقتناع بعد اطلاع، إذ نشأته الأولى كانت أشعرية وكذلك محمد بن زكرياء الباروني، وقد برز في باب التاريخ أكثر من بروزه في باب الأصول فإنه يذكر فضل شيخه أبي داود التلاتي عليه.
إن مثل هذه الملاحظات لا تحط من قيمة المواطن الإباضية الأخرى في المغرب وإنما تبين التعاون المخلص بين هذه المواطن فإن أشعت نفوسة في المنطلق فقد رفعت المشعل تاهرت ووارجلان في ما بعد مع الجنوب التونسي وقصطيلية منطقة الجريد حاليا. وقد كانت هذه القرون 10، 11 و 12 هـ من نصيب الجزيرة ليرفع المشعل في ما بعد وزادي ميزاب وما يزال. ومن يزور الوادي الآن يحس بالنفس الإباضي على حقيقته. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن إشعاع موطن ليس معناه أن المواطن الأخرى موات وإنما تجد فيها سعيا إلى التجدد وإلى النهوض، ويكون ذلك عن طريق التزاور والرحلة الى طلب العلم والمتتبع سلسلة نسب الدين عند الإباضية بالمغرب يستحيل عليه أن يفصل بين علماء هذه المواطن.
وبعد بسط البعد الحضاري المتعلق بالمؤلفين يحسن أن نبين ذلك بالنسبة الى مؤلفاتهم.
يعتبر من نفل القول أن نشير إلى قلة الإنتاج الذاتي والمختصرات ووفرة الشروح والحواشي والأجوبة والردود فما هو السبب في ذلك يا ترى؟
إن هذه الظاهرة ليست خاصة بالإباضية بل هي عامة في التراث الإسلامي وكأن المسلمين أحسوا بأنه ليس في الإمكان أكثر مما كان فعكفوا على ما عندهم مع توقف ملكة الابتكار إلا في القلي النادر. واضح أن مثل هذا التفسير يقلل من قيمة الشروح والحواشي لكن أليست هذه الشروح والحواشي عملا فكريا؟ أو ليس اختيار المرء جزء من كيانه؟ ألا يستطيع الشارح أن يبدع أثناء الشرح وأن يتفطن إلى قضايا لم ينتبه اليها المؤلف وهل عرف الناس فكر أرسطو مثلا إلا عن طريق شراحه؟
وفي هذا المحيط تتنزل الشروح والحواشي التي كتبت في أصول الدين في هذه القرون فجعلها يدل على استيعاب واضح لما نظر في ما سبق مع فهم له وحسن استعمال فالمحشي والمصعبي والتلاتي ليسوا مجرد نقلة للنصوص وإنما يقارنون بين أقوال سلفهم ويرجحون قول هذا على ذاك. وهذا المنهج تتميز به عادة هذه الشروح على النصوص الأصلية لأنها تتخذ في الغالب منهجا واحدا من بدايتها الى نهايتها خاصة في القضايا التي ظهرت فيها مواقف متباينة عند الإباضية أنفسهم مثل قضية خلق القرآن وسنفصل فيها الحديث في الباب الثاني من هذا البحث. فالشروح حينئذ توفر بين يدي الباحث مجموعة من النصوص المتفرقة الى جانب موقف الشارح وهذا من شأنه أن ييسر على القارئ القدرة على الاستيعاب والاستنتاج وهؤلاء الشراح لا يكتفون بالإحالة على المصادر بل في أغلب الأحيان ينقلون كامل النص المقصود.
كما أن هذه الشروح لا تغفل عادة عن المقارنة بين نصوص الإباضية ونصوص غيرهم مما لم تشر إليه النصوص المشروحة والتراث الإباضي في أصول الدين وفي بقية العلوم الإسلامية يتميز بهذا المنهج وهذا يفهم حضاريا لأن الإباضية ظلوا طول حياتهم أقلية وسط أكثرية أشعرية غالبا، فلذلك يفرض عليهم تعايشهم مع الفرق الأخرى أن يكونوا مطلعين على المسائل الخلافية حتى يبصروا بها أتباعهم ليحافظوا على عقيدتهم وسط التيار العام، وهذا ما يكاد ينعدم في المدرسة الأشعرية لأن أصحابها لا يشعرون بنفس المضايقة، وإنما تأتي ردودهم على ما يسمونهم بأهل البدع والأهواء عادة. وحتى في فترات ازدهارهم لم يلجأ الإباضية الى مسلك الانغلاق كما أشرنا الى ذلك في الفصل الأول من هذا الباب وفعلا فبفضل هذا المنهج المقارن المزدوج بين علماء الإباضية في ما بينهم وبين مختلف الفرق تمكن هذه الشروح القارئ من اطلاع واسع على عقائد جل الفرق الإسلامية وفعلا فقد فرضت علي هذه الشروح الرجوع الى عشرات من النصوص غير الإباضية وهذا سيتجلى أثناء التحليل للقضايا في ما يلي.
ثم إزاء هذا فإن هؤلاء الشراح كانوا شيوخا مدرسين يتداول عليهم الطلبة صباح مساء، ومن كل المستويات، لذلك جاءت شروحهم مفعمة بنزعة تعليمية واضحة، فهم لا يقتصرون على تحليل القضايا الأصولية بل يتوسعون في الشروح اللغوية والبلاغية الى أبعد حد، بل وجدنا من يقتصر أحيانا على هذا النوع من الشرح فقط، وفي هذا دلالة على طول باع هؤلاء في فنون اللغة وقد بلغ عمرو التلاتي في ذلك شأوا بعيدا. كما أن هذه النزعة التعليمية تتجلى أحيانا في طرح القضايا بمنهج يقوم على السؤال والجواب، مما يسر على المتعلم رد الحجة بمثلها عند الحاجة الى ذلك وإن كان هذا المنهج يتضح أكثر في الأجوبة والردود.
فهذا المسلك في الشرح والحواشي لا يبعد عما يسمى في المناهج العصرية بالتحقيق العلمي لأن الشراح كثيرا ما يضعون النصوص في إطارها التاريخي وقد اقتبسنا كثيرا من الملاحظات الحضارية من هذه الشروح، خاصة في ما يتعلق بسير الإباضية وبتعريف العلماء فمن ذلك أن يوسف المصعبي يشير إلى أن حاشية السدويكشي كانت منطلقا لدرس في جامع أبي كثير وهنالك أشار عليه الحاضرون بأن يتم هذه الحاشية فهذه الإشارة تعتبر منطلقا للبحث عن قيمة هذا الجامع التاريخية وعن أولئك الذين كانوا حول يوسف المصعبي كما يفهم من الطلب أنه أعلم الحاضرين وما إلى ذلك من الاستنتاجات بعيدة الفائدة والحقيقة في النهاية أن من يريد تحقيق هذه النصوص المشروحة تحقيقا علميا لا يمكن له أن يستغني عن هذه الشروح إذ هي لبنة من لبنات البناء الحضاري لهذا التراث.
________________________________________
كما أن هذه الشروح بما فيها من إحالات على مصادر ومراجع متنوعة تدل دلالة واضحة على ثراء المكتبة الإسلامية عامة والإباضية خاصة في جزيرة جربة وفي سائر المواطن الإباضية آنذاك وفي هذا دلالة واضحة على حركة علمية نشيطة وعلى توفر عدد لا يستهان به من الناسخ وكثيرا ما اهتدينا الى معميات عن طريق الناسخ أو عن طريق تاريخ النسخ للنصوص الإباضية وللنصوص غير الإباضية، فمن ذلك أننا استطعنا أن نضع محمد التغزويسني في إطاره التاريخي اعتمادا على مخطوطة أثبت أنه نسخها سنة 999/ 1591.
وفعلا إن التأمل في الثروة العلمية في أصول الدين وفي بقية التراث الإسلامي يمكن من تصور الحياة الثقافية في هذه القرون في جميع مواطن الإباضية ومدى تعايشها في ما بينها وتعاونها على توفير الكتاب دون أن يكون لها مدد من سلطة حاكمة توفر لها ما تحتاج إليه من الأمن والمال بل منطلق الأمر مجهود أفراد الجماعة من المثقفين ومن غير المثقفين.
هذا عن بعض الأبعاد الحضارية لهذه الشروح والحواشي فماذا عن الأجوبة والردود؟
لئن كانت الحواشي والشروح من الأعمال التلقائية التي توحي بها حاجة الأمة الى ذلك معبرة عن بعض الأبعاد الحضارية فإن الردود والأجوبة أكثر اتصالا بواقع الإباضية المعاش.
فجذور المراسلات والردود ترجع إلى إمامي الإباضية الأولين وهما جابر ابن زيد ورسائله وأجوبته ولم تدرس بعد دراسة علمية وإن حقق عمرو النامي شيئا منها- لكن القدر حال دون الاستفادة من هذا القسم المحقق- وطبعت عمان قسما من أجوبته الفقهية بترتيب سعيد بن خلف الخروصي سنة 1404/ 1984 وعبدالله بن إباض ورده على عبد الملك بن مروان مشهور. والإباضية وضعهم التاريخ بسرعة في قفص الاتهام لكن عندما تقوى دولتهم وتشع ثقافتهم تخف عنهم الهجومات فتنقطع كتاباتهم في الردود ويقيمون مقامها الكتابات الرصينة التي تعتمد على المنهج المقارن ولا يخلو هذا المنهج من موقف دفاعي هادئ بينما يختلف المر عن ذلك عندما تموت دولتهم.
وفعلا ما أن تقلص المد الإباضي في وارجلان في القرن السابع هـ حتى تجلت تهجمات على إباضيتها من قبل الفرق الأخرى وقد جاءت رسالة أبي عبدالله الصدغياني من جربة تلبية لأهل وارجلان في الرد على من يطعن في عقيدة الإباضية.
أما الردود الواردة في القرون 10، 11، 12 هجري فسببها تقلص ظل الإباضية من مدينة غدامس وغلبة الطرف المالكي عليها وواضح أن التهجمات لم تكن واردة من مشاهير علماء المالكية فصولة الغدامسي لولا تهجمه على الإباضية لما حفظ التاريخ أسمه ومهما يكن من أمر فتهجمه كان منطلقا لرد أحمد الشماخي الذي جاء معبرا تعبيرا صريحا عنيفا عن نقط الخلاف بين الأشاعرة وبين الإباضية في قضايا أصولية نظرية، وقد دفعت هذه الردود الإباضية الى مزيد من الإطلاع على مصادر الفرق الإسلامية وخاصة ما اشتهر عند الناس بأهل السنة وألحت هذه الردود على أن المنتمين إلى هذا اللواء يختلفون في بعض القضايا في ما بينهم أكثر من اختلاف بعضهم مع الإباضية.
وإن دلت هذه الردود على شيء فأنها تدل على التنافر الطارئ بين الفرق الإسلامية انطلاقا من اختلاف مواقفهم تجاه القرآن والسنة، ونحن نعلم أن هذا التنافر عزف عليه أهل السياسة عزفا قويا من وقت مبكر، وقد بينا في الفصل الأول كيف أن وضع الإباضية تحت عنوان الخوارج جنى عليهم جناية ظلوا يتحملون تبعاتها الى يومنا هذا.
ووددنا لو سلك الشماخي مسلكا أكثر رصانة- لقدرته العلمية- واستغل النقط التي تقرب بين مختلف الفرق، مع توضيح أن الخلاف الاجتهادي لا ينبغي أن يؤدي إلى صراع وتنابز لكن أنى له ذلك والإباضية تفتك مساجدهم ويجلون عن ديارهم.
ومما يؤيد ذلك أن قضاة طرابلس أعلنوا رفضهم لشهادة الإباضية سنة 1155 هـ لا لشيء إلا لأنهم إباضية، فانبرى يوسف المصعبي بلهجة رصينة هادئة فحاج هؤلاء الفقهاء بمصادرهم، وكاتب واليهم أحمد باشا مما اضطرهم إلى التراجع عن موقفهم وقبول شهادة الإباضية من جديد وقد عثرنا على رد عن شكوى الإباضية بختم حسين باي تونس (1117- 1153/ 1705- 1740) مفاده إقرار " شهادة الإباضية سنة 1120/ 1709 لأن شهادة من أتى بالقول والعمل أصح ممن أتى القول وضيع العمل" (121) ولم نعثر على الشكوى والراجح أن موجهها يوسف المصعبي نفسه. وقد سلك سعيد الجادوي نفس المسلك عندما قرر سلطان مراكش اسماعيل بن شريف منع الإباضية من تعاطي التجارة في مملكته لأنهم يطعنون في الخليفتين أبي بكر وعمر.
إن مجموعة هذه الردود بينت أن الصراع لم يبق صراعا فكريا نظريا وإنما تحول إلى إصدار أحكام قاسية ضد الإباضية تمنعهم من حق من حقوقهم المدنية، ولا نغفل عن أن الإباضية يعتمدون على التجارة طول حياتهم ولم يكونوا الى الوظيف إلا في الفترة المتأخرة.
وإلى جانب هذا جاء رد أبي مهدي على البهلولي وكأنه صراع شخصي لكنه اكتسى صبغة إباضية عامة ذلك أن البهلولي عاب على أبي مهدي تحوله الى الإباضية واتهم من وراء ذلك أهل ميزاب بالتهم المعهودة- مثل القول بنفي رؤية الله تعالى- فجاء الرد في سياق عام تمثلت وظيفته خاصة في توفير نصوص إباضية في أهم قضايا أصول الدين.
أما الأجوبة فجاءت معبرة عن حسن العلاقة والتعاون بين إباضية المغرب في ما بينهم ، وبينهم وبين إباضية عمان وقد تميزت هذه الردود والأجوبة بنزعة جدلية واضحة تتردد لهجتها بين العنف واللطف حسب مقتضيات الحال.
وخلاصة القول إن هذه الأجوبة والردود جاءت معبرة عن واقع حضاري مترد تدرج فيه تقلص الإباضية شيئا فشيئا ليستقروا حيث استقروا في جربة ونفوسة ووادي ميزاب ورغم جهود هؤلاء العلماء فقد انتهت الإباضية من غدامس ومن الجنوب التونسي.
وقد استمرت نزعة الردود بعد هذه المرحلة ولعل آخر ما كتب في هذا الصدد فصول من كتاب علي يحيى معمر " الإباضية بين الفرق الإسلامية" ط. القاهرة 1396/ 1976.
أما عن الإنتاج الذاتي، وقد بينا أنه يكاد يكون منعدما ولذلك اعتمدنا رسالتي أحمد الشماخي في صلب تحليلنا لقضيتي الأسماء والصفات، اعتمادا كبيرا وكذلك فعلنا مع رسالة السدويكشي في المقارنة بين القائلين بقدم القرآن والقائلين بخلقه.
أما نخبة المتين لعمرو التلاتي فقيمته الحضارية تتجلى في عرضه لقضايا الأصول عرضا مختصرا مع المقارنة بمواقف الأشاعرة.
فواضح إذن من خلال هذا التحليل أن تراث هذه المرحلة لم يقم على النزعة التأليفية وإنما غلب عليه طابع التجميع والتحليل وكأنه بهذا هيأ المناخ للمرحلة اللاحقة التي ستتحلى فيها النزعة التأليفية صريحة خاصة مع قطبي الإباضية بوادي ميزاب عبد العزيز الثميني ثم محمد اطفيش.
وفي الأخير إن تراث هذه المرحلة وإن لم يأت بالجديد، فإنه دعم التراث السابق، وضمن استمراريته ودفع من جاء بعده الى الاستفادة من الكل وبث نفس جديد في روح هذا التراث وعسى أن ينتبه الإباضية الآن إلى عرض حصيلة هذا التراث حسب المناهج العصرية حتى يطلع الناس على هذا التراث الذي كثيرا ما اتهم أصحابه بأنهم لا تراث لهم.
وما البابان اللاحقان من هذا البحث إلا محاولة من هذا النوع سنسعى خلالهما إلى إبراز البعد الحضاري لهذا التراث العقدي.
فإلى الباب الثاني من هذا البحث ومحوره تحليل المباحث الكلامية المتعلقة بالله تعالى.
========================
(121) ر. الجعبيري: نظام العزابة : 309
البــاب الثاني: الإلــــــــــهيــات. الفصل الأول: الإباضية والمحكم
تمهيد:
إن من المحاور الكلامية في الإلهيات ما يغلب عليه طابع الانطلاق مما جاء محكما في القرآن الكريم، ومنها ما يغلب عليه الاعتماد على المتشابه، ولذلك سنطلق من القضايا الأولى وتتمثل في: وجود الله تعالى . ذاته . أسمائه . صفاته . ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حقه عز وجل. فماذا عن وجود الله تعالى؟
وجود الله تعالى:
إن الإسلام يثبت أن الإنسان الأول- وهو آدم عليه السلام- نبي مقر بوجود من تاب عليه وأنزله إلى الأرض للابتلاء ألا وهو الله (1) .
لكن إذا تأملنا في التراث الإنساني فإننا نلمس بجلاء أن العقل البشري لم يستقر على رأي في تصوره الوجودي، ونظرة أولية في تاريخ الأديان (2) وفي علم الديان المقارن (3) ، تبين أن الإنسان ما قبل التاريخ تصوره الوجودي الخاص، وكذا أهل الصين والهند واليونان وحتى أصحاب الرسالات السماوية- أهل الكتاب- يختلف تصورهم في ما بينهم في هذا الشأن.
فماذا قال علم الكلام عامة، وعند الإباضية خاصة في هذه القضية؟
إن هذه القضية- وجود الخالق- لا يمكن أن تحير علماء الكلام المسلمين بأية حال لأننا نعلم كما وضح ابن خلدون (4) ذلك أن المتكلم يختلف عن الفيلسوف اختلافا جوهريا فإن كان الفيلسوف ينطلق من الشك المطلق عسى أن يقترب من اليقين أو يدركه فالمتكلم ينطلق من العقيدة ليبحث عن الأدلة.
وقد ذكر الغزالي عند التدليل على وجود الله تعالى أن في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان (5) كما ذكر الوارجلاني أنه لم يختلف :" اثنان بعد ثبوت الحدث أن له محدثا. ثم يقول: فعلم هذا ضروري...وإنما وقع التشابط والتخابط بين الموحدة والدهرية في حدوث المحدث ولسنا والأشعرية مختلفين في شيء من هذا" (6) .
وحتى المعتزلة الذين يعتبرون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر لا يشذون عن بقية الفرق، والدليل على ذلك توضيح القاضي عبد الجبار هذه المسألة بما يلي:" إن سأل سائل فقال: ما أول ما أوجب الله عليك؟ فقل: النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، لأنه تعالى لا يعرف ضرورة ولا بمشاهدة" (7) .
فول كان الانطلاق من الجحود أو الشك لما صح أن يكون السؤال:" ما أوجب الله عليك" لأن هذا السؤال يتضمن الإقرار بوجود الله (8) .
أما الماتريدي فقد بسط أدلته على وجود الخالق في " كتاب التوحيد" وأوصلها إلى أثنى عشر دليلا، محورها دلالة المحدَث على المحدِث وتوجها بان خلق الإنسان أعظم آية على وجود الله (9) .
والناظر في التراث الإباضي انطلاقا من كلام الوارجلاني المشار إليه آنفا يفهم أن اعتناء متكلمي الإباضية بالتدليل على وجود الله لم يكن من جراء خلاف داخلي بين التيارات الإسلامية وإنما كان دفاعيا ضد المقولات الفلسفية المخالفة للاسلام.
وقد جاءت الأدلة في الرد على هؤلاء عقلية محضا لأنهم ينكرون وجود الخالق فضلا عن الوحي وتتلخص محاورها في ما يلي:
1) العالم حادث: - لأنه محصور في الأجسام والأعراض والعلاقة بين الأجسام والأعراض تفرض الحدوث.
- لأن ما فيه من أجسام وأفلاك متحرك.
-لأن الإنسان وهو جزء من العالم متطور.
إذا ثبت أنه حادث فمن الضروري أن يكون لـه محدث، وهذا المحدث لابد أن يكون واحدا لا يشبه ما أحدثه (10) بوجه من الوجوه إذ لو أشبهه لوجب التسلسل فوجب أن يكون المحدث قديما واحدا لا شبيه له (11) .
وتضرب لتوضيح هذا أمثلة ملموسة مثل دلالة البناء على الباني، والكتابة على الكاتب (12) .
ويؤازر هذا الدليل العقلي الدليل اللغوي ويتمثل في أنه لابد للمفعول من فاعل (13) .
2) إن الأجرام العلوية لا يمكن أن تؤثر في الأرض إذ الإنسان وهو كائن حي أولى بالتأثير في النجوم (14) .
3) إن إنكار الحقيقة حقيقة ، وفي هذا يتجلى تناقض السفسطائيين (15) .
كما تعرض المصادر الإباضية في المرحلة المقررة إلى هذه القضية الأساسية التي تقوم عليها جميع قضايا الدين الأخرى عند تعداد مالا يسع جهله (16) طرفة عين، وعند تحليل الأساس الأول من أسس التوحيد وهو إفراد الله تعالى وعند تعريف التكليف وعند تبيين أن حجة الله على الخلق الرسل بصفة خاصة.
وقل أن تغفل هذه المصادر عند تعرضها لهذه القضية عن الاستشهاد بقول صاحب كتاب الديانات:
" وندين بأن حجة الله على عباده الكتب والرسل،... وندين بأن معرفة الله لا تنال بالتفكير ولا بالاضطرار وإنما تنال بالاكتساب والتعليم وذلك يصح بعد مخبر ومنبه على ذلك" (17) .
ثم تتوسع في تحليل هذا المبدأ مع الرد على الفرق التي تتبنى غير هذا الموقف.
يقول الشماخي: " واعلم أن أول ما يجب على العبد معرفة معبوده " (18) .
كما يتبع المحشي الجيطالي في حاشيته على كتاب القواعد فيضع الفصل الأول من فصول باب مالا يسع جهله بعنوان " في معرفة الله عز وجل" ويضيف " لو زاد والإقرار به لكان أظهر، إذ المعرفة بالقلب لا تغني عن الإقرار باللسان" (19) .
كما يوضح المحشي قول الجناوني: "فأما علم مالا يسع جهله طرفة عين فهو معرفة التوحيد والشرك لا يسع جهلهما لأن من جهله الشرك لم يعلم التوحيد، فوجبت معرفتها مع أول البلوغ".
فيقول:" خصال التوحيد التي لابد من معرفتها كثيرة كما هو معلوم لكن الذي يجب عليه أن يعلمه بعنوان كونه توحيدا هو قول لا إله إلا الله"... (20)
معنى ذلك الاكتفاء بمعرفة الله من بقية أبواب التوحيد (21) كما بين أن قصد الجناوني من قوله :" يعرف الله بثلاثة: واجب وجائز ومستحيل، فالواجب: الألوهية والربيوبية والوحدانية، والجائز : الخلق والإفناء والإعادة، والمستحيل: الشريك والصاحبة والولد". الإشارة إلى الأحكام العقلية بالنظر إلى الله تعالى، يعني فالثلاثة الأول مما لا يتصور في العقل عدمها، ويجب على الإنسان عند أول بلوغه أن يعتقدها وذلك بان يعلم أن الله إله واحد رب، والثلاثة الوسطى مما يجوز في حق الله، ويجب على الإنسان أن يعتقد ذلك عند أول بلوغه أي بالنظر إلى حكم العقل، مع قطع النظر عن إخبار الله بذلك وأما بالنظر إليه فإنه لابد من اعتقاد وجودها كما هو معلوم فصارت واجبة الوجود أيضا إلا أنها لغيرها لا لذاتها بخلاف الثلاثة الأولى والثلاثة الأخيرة مما لا يتصور في العقل وجودها ويجب على الإنسان عند أول بلوغه أن يعتقد ذلك" (22) .
فواضح من كلام المحشي أن الحجة في معرفة الجائز العقل دون الأخبار، بينما معرفة الواجب والمستحيل مما لا يتصور في العقل يحتاج إلى إخبار، فكيف يمكن التوفيق بين هذا الموقف وما ذكر من قبل من أن معرفة الله على الإطلاق لا تنال إلا بالاكتساب؟ (23) والمحشي نفسه قد أورد هذا النص بعينه (24) .
=================
(1) (البقرة 30-37). (7 الأعراف 19-25). (20 طه 15- 122) ومن ذلك قوله تعالى :) فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ، إنه هو التواب الرحيم( (2 البقرة37).
(2) ر. عادل العوا : علم الأديان وبنية الفكر الإسلامي : مترجم عن المستشرق جيب – منشورات عويدات بيروت باريس ، أكتوبر 1977.
(3) ر. عادل العوا : علم الأديان وبنية الفكر الإسلامي : مترجم عن المستشرق جيب – منشورات عويدات بيروت باريس ، أكتوبر 1977.
(4) ابن خلدون : المقدمة : 836
(5) أبو حامد الغزالي : الإحياء. مطبعة الشعب د.ت 1/183
(6) أبو يعقوب الوارجلاني : الدليل 1/44
(7) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة . تحقيق عبد الكريم عثمان . القاهرة 1384/1965: 39.
(8) ذكرنا هذا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر إذ نشك في أن الشيعة والخوارج سلكوا مثل هذا المسلك إذ القرآن نفسه يدعو إلى النظر في الخلق للإقرار بوجود الخالق قال تعالى:( ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طبقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا) (71 نوح15).
(9) بالقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية. أطروحة مرحلة ثالثة نوقشت بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس سنة 1402/1982 مرقونة 128-163
(10) ر. أبو يعقوب الوارجلاني : الدليل ط1: 1/44 و3/5.
(11) أن مثل هذا التدليل ، وإن خلا من النصوص الشرعية فإنه يقوم على رصيد قرآني، وأبو يعقوب الوارجلاني يذكر ذلك بوضوح: الدليل والبرهان ط1/44. ر. أبو عمار عبد الكافي : الموجز 1/269- 271.
(12) ر. أبو يعقوب الوارجلاني : الدليل ط1: 1/44.
(13) نفس المصدر والصفحة
(14) ر. أبو عمار عبد الكافي : الموجز 1/271
(15) نفس المصدر : 280
(16) ويفسر المحشي هذه العبارة بما يلي:" معناه أنه لا يحل ولا يجمل" . حاشية على كتاب قواعد الإسلام ص 14، وحاشية على كتاب الوضع ص102
(17) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 45
(18) أحمد الشماخي: شرح العقيدة: 157
(19) المحشي: حاشية على كتاب قواعد الإسلام:14
(20) المحشي: حاشية على كتاب الوضع :101.
(21) هذا ما يعنينا في هذا الفصل، والحقيقة أن هذا مرتبط بما عرف بالجمل الثلاث أي لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن ما جاء به الحق من عند الله.ر. عمر ابن جميع: عقيدة التوحيد. ط2: 34-37
(22) المحشي: حاشية على كتاب الوضع :105
(23) وسيأتي تعريف الواجب والجائز والمستحيل في حق الله تعالى: 250 انظر ما سبق نص كتاب الديانات: 195
(24) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع :195
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:01 AM
إن النظر في تعريف هذه المصادر للعقل وتمييزها بين العقل الغريزي والعقل المكتسب يمكن من التوفيق بين النصين.
فهذا المحشي يختصر ما جاء في كتاب السؤالات عن تعريف العقل كما يلي:" ثم ذكر أن جمهور أصحابنا (25) على أنه قوة وبصيرة في القلب منزلة منه منزلة البصر من العين" (26) .
ثم يميز بين العقل الغريزي والعقل المكتسب " فالعقل الغريزي هو القدر الأصلي الذي يتعلق به التكليف، والعقل الكسبي هو قدر زائد على ما يتعلق به التكليف " (27) .
وقد جاء كلام عمرو التلاتي في نفس النسق إلا أنه تميز بذكر آراء كثير من علماء غير الإباضية للتوضيح مع الإشارة إلى كثيرة الاختلاف في هذا التعريف (28) .
فإذا توفر في الإنسان هذا العقل الغريزي وأدرك سن البلوغ وجب عليه أن يعرف الله تعالى وإلى هذا المعنى يشير المحشي (29) بقوله :" فمن واجبات العقل، معناها ن ضرورياته أي أن العقل يحكم ضرورة بأن هذه الصنعة لابد لها من صنائع وهذا المحدث لابد له من محدث لا يمكن في العقل خلاف ذلك" (30) .
وألح على نفس المعنى عند توضيح المدركات العقلية حيث بين أن منها الواجب كمعرفة أن للفعل بعد ثبوته فاعلا (31) .
ونفس هذا المعنى جاء في الحواشي على شرح كتاب الجهلات حيث ذكر سليمان ابن أبي ستة أن صاحب الأصل (32) سأل عن حكمة المفعول في قوله:" ما دليلك على انك مخلوق" وأورد حكمة الفاعل يعني لك صانعا وفي هذا إشارة إلى بداهة المقدمة القائلة كل حادث لابد له من محدث وذلك لأن الحادث قد اتصف بالوجود بعد العدم فهو قابل لهما، فيكون ممكنا، وكل ممكن يحتاج في ترجيح وجوده على عدمه إلى مؤثر" (33) .
كما أن المصعبي عند شرحه لعبارة صاحب كتاب الديانات المذكورة آنفا في أن حجة الله على الناس الرسل ذكر أن " هذا لا ينافي أن العقل أيضا حجة ودليل على وجود الصانع وعلى وحدانيته كأن يقال في ترتيب الدليل العقلي على وجود الصانع إن وجود الأشياء ليس من ذاتها بل من غيرها، وإلا لزم المحال وهو اجتماع أمرين متنافيين وهما الاستواء والرجحان بلا مرجح. (بيانه) أن وجود كل فرد من أفراد العالم مساو لعدمه وزمان وجوده مساو لغيره من الأمكنة وصفته التي خصصت به مساوية لعيرها من الصفات فهذه أنواع كل واحد منها فيه أمران متساويان فلو وجد أحدهما بنفسه بلا محدث لترجح على مقابله مع أنه مساو له إذ قبول كل جرم لهما على حد سواء وقد لزم أن وجد شيء ن العالم بنفسه بلا موجد اجتماع الاستواء والرجحان المتنافيين وذلك محال فثبت أن غيرها هو الحق جل وعلا هو الذي خص كل فرد من أفراد العالم بما اختص به، فلولاه ما جد شيء من العالم للمحال المذكور فسبحان من أفصح بوجوب وجوده افتقار الكائنات كلها إليه" (34) .
وعلى هذا الأساس يمكن أن نفهم أن هذه المصادر توجب معرفة الله على كل من توفر فيه هذا القدر من العقل الغريزي وإن كان في جزيرة من الجزر الخالدات (35) بل يذهب المحشي إلى أكثر من هذا فلا يشترط في ذلك دوام صحة العقل " فإن صحت غزيرة العقل في تلك الحال، وليس مستحضرا لمعرفة الله عز وجل، ولا لما يسع جهله فهو مشرك وإن تجنن بعد ذلك سريعا" (36) .
إلا أن هذه المصادر وإن نبهت إلى هذا المعنى في معرفة الله تعالى فإنها تلح على أن المعرفة التي ينبني عليها التكليف لا تتم إلا بالاكتساب والتعليم، والعقل وحده لا يكون حجة لولا بعثه الرسل خلافا لأهل الفكر (37) .
ويستمر الفكر الإباضي على هذا النسق إلى هذا العصر كما جاء ذلك عند محمد اطفيش في شرح عقيدة التوحيد. ط 2 بعمان . 1403/ 1983 ص 37 وعند عبدالله السالمي (38) في كتاب مشارق أنوار العقول ط2 بعمان، تعليق وتصحيح أحمد الخليلي ص 148.
واضح من خلال هذا التحليل للنصوص المتأخرة مدى استفادتها من تراث السلف لكنها خرجت من وطأة الردود على الدهريين وأمثالهم لتبين حدود العقل في هذه القضية وفي هذا تفاوت بين العلماء بين الاضطرار الفطري والاكتساب وظلت في كل هذا بعيدة عن حيرة الفلاسفة وقلقهم. ويقرر علماء الإباضية مثل علماء جل الفرق الإسلامية- عدا أصحاب العدل والشيعة الامامية- (39) إن إثبات وجود الله عقلا ومعرفته لا يترتب عنهما تكليف.
وبهذا نفهم أن الفرق الإسلامية أجمعت على أن الله موجود- وهذا بديهي- فهل سيجمعون على موقف واحد عند الحديث عن ذاته وأسمائه وصفاته؟
=======================
(25) يقصد الإباضية.
(26) المحشي : حاشية على كتاب قواعد الإسلام :3. حاشية على كتاب الوضع: 24
(27) المصدران السابقان: 8 و 24. أما امحمد اطفيش فبعد ـن فسر مفهوم العقل قال:" وقال غيري العقل الذي يزيد وينقص هو المكتسب فعندي أن العقل واحد مغروز في الإنسان، فهو يربو فيه إلى ما شاء الله " كتاب شامل الأصل والفرع المطبعة السلفية مصر 1348، 1/8 والنص يبين صعوبة التمييز بين العقل الغريزي والعقل المكتسب.
(28) ر . عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 21 قفا، وورقة 22 وجه.
(29) وذلك عند تعليق أبي زكرياء الجناوني على كلام العرابي الذي سئل عن الدليل على أن للعالم صانعا فقال: البعرة تدل على البعير ، وأثر القدم يدل على المثير، فهيكل (استعمل بمعنى الجرم ) علوي بهذه اللطافة (أي الدقة) ومركز سفليبهذه الكثافة( الثخانة ، وكبر الجرم) أما يدلان على الصانع الخبير ، وعلى هذه الأبيات لأبي العتاهية (130-211/748-826) إسماعيل بن القاسم ر. الزركلي الإعلام 1/318) (متقارب).
أيا عجبا كيف يعصى الإله
-------------أم كيف يجحده الجاحد
وفـــــي كــــــــل شــــيء له آية
-------------تدل على أنه واحد
ولله في كل تحريكة
-------------وتسكينة أبدا شاهد
بقوله(أي الجناوني): " وهذه الحجة من واجبات ( الواجب ما لا يتصور في العقل عدمه) العقل التي لا خلاف بين أهل العقول فيها .ر. أبو زكرياء الجناوني: كتاب الوضع: 17- 18
(30) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:19
(31) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع:25
(32) أي تبغورين بن عيسى الملشوطي
(33) سليمان ابن أبي ستة: حواش على شرح كتاب الجهالات:9
(34) يوسف المصعبي:حاشية على كتاب الديانات:25
(35) الجزائر الخالدات: مجموعة من الجزر تقع في الساحل الغربي الأفريقي .ر.دائرة المعارف الإسلامية ط2:2/535
(36) المحشي : حاشية على كتاب قواعد الإسلام :14
(37) ر. يوسف المصعبي حاشية على كتاب الديانات: 25 ويقصد بأهل الفكر: المعتزلة. وقد وضع عبدالله السالمي ذلك حيث بين ألا تنافر بين العقل والسماع فقال:" واعلم أن كل ما كان حجته من طريق العقل تقوم حجته بالسماع ولا عكس ، أي ليس كل ما تقوم حجته بالسماع تقوم بالعقل، وذلك أن طريق السماع طريق قوي لا يكاد يخفى على أحد يفهم معنى اللفظ وطريق العقل خفي لا يكاد يدركه إلا ذكي". عبدالله السالمي: الشارق: 148.
(38) عبدالله السالمي (1286- 1332/ 1869- 1914) ولد بمدينة الرستاق ببلد عمان وبها حفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الإسلامية من أصول وفقه ولغة وظهر نبوغه من السابعة عشرة من عمره وذلك لما آتاه الله من جودة الحفظ مع ذكاء نادر. ثم انتقل إلى بلدة المضيبي. ثم استقر ببلدة القابل وتفرغ للتدريس والتأليف والفتوى. وقد حدثنا ابنه محمد أثناء رحلتنا إلى عمان عما اتسعت به حركتيه من انضباط في الحل والترحال مع سعة الأفق والرغبة في المقارنة بين أقوال الإباضية وأقوال غيرهم، وزائر المكتبة التي خلفها يتبين تنوع المصادر الإسلامية على تنظيمها تنظيما عصريا ييسر الاستفادة منها. كما صور لنا متانة العلاقة بينه وبين إباضية المغرب وخاصة من خلال مراسلاته المستمرة مع امحمد اطفيش.
إن مثل هذا النشاط العلمي مألوف بالنسبة إلى رجل ضرير إلا أن غير المألوف يتمثل في الحركية العملية التي إنتهت بإحياء افمامة في عمان على يد الإمام سالم بن راشد.
وقد تخرج على يديه عدد كبير من التلاميذ نذكر منهم الإمامين محمد ابن عبدالله الخليلي والإمام سالم بن راشد.
كما ترك ثمانية وعشرين مؤلفا نذكر منها قصيدته" أنوار العقول في الأصول " وقد شرحها في كتاب سماه" مشارق أنوار العقول".
وتوفي سنة 1332/ 1914 وقبره ببلدة تنوف بسفح الجبل الأخضر .
ر. عبدالله السالمي: المشارق(ص: ث.ذ) وترجمة المؤلف وضعها خالد بن مهنا البطاشي.
ر. عبدالله السالمي:" كتاب جوهر النظام" مصور عن ط 1 بتحقيق إبراهيم اطفيش.
وترجمه المؤلف من وضع المحقق.
(39) ر. محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي. منشورات المكتبة العصرية بيروت د.ت: ما جاء في شأن مناقشة حجج الأشاعرة في الرد على المعتزلة والإمامة باستقلال العقل بوجود معرفة الله : 61- 64.
________________________________________
ذات الله تعالى:
تعريف كلمة الذات لغة واصطلاحا: كيف يمكن الحديث عن ذات الله تعالى أو الإحاطة بها ونحن نعلم ( أن ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك) وأن العجز عن إدراكه إدراك كما يقول صالح بن عمر: (رجز)
ومع هذا فإن المصادر الإباضية تعرضت إلى ذكر ذات الله تعالى بما تستحق.
وقبل أن نقف عند ما ذكرته هذه المصادر رأينا من الصالح أن نقف عند تفسير كلمة الذات اعتمادا على ما بينه ناصر بن سالم الرواحي في كتاب نثار الجوهر (41) لأن مصادر الحقبة التي تعنينا لم تقف عند هذا الشرح على حد علمنا:
" علم أن كل شيء حصل به أمر من الأمور فإن كان اللفظ الدال على ذلك الشيء مذكرا قيل إنه ذلك الأمر وإن كان مؤنثا قيل إنها ذات ذلك.
فهذه اللفظة وضعت لإفادة هذه النسبة والدلالة على ثبوت هذه الإضافة.
إذا عرفت هذا فنقول إنه من المحال أن تثبت هذه الصفة لصفة ثانية وتلك الصفة لصفة ثالثة وهكذا إلى غير نهاية، بل لابد وان ينتهي إلى حقيقة بنفسها مستقلة بماهيتها وحينئذ يصدق على تلك الحقيقة أنها ذات تلك الصفات.
فقولنا إنها ذات كذا وكذا إنما يصدق في الحقيقة على تلك الماهية فلهذا السبب جعل لفظ الذات اسما للحقيقة القائمة بنفسها، وجعلوا هذه اللفظة كاللفظة المفردة الدالة على هذه الحقيقة.
ولما كان الحق تعالى قيوما في ذاته كان إطلاق اسم الذات عليه حقا وصدقا.
وبعبارة أخرى الذات هو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه، منقول عن مؤنث ذي بمعنى الصاحب لأن المعنى القائم بنفسه بالنسبة إلى ما يقوم به يستحق الصاحية والمالكية، ولمكان النقل لم يعتبروا أن التاء للتأنيث عوضا عن اللام المحذوفة فأجروها مجرى الأسماء المستقلة فقالوا ذات قديم وذات محدث.
وقيل فيه كالتاء في الوقت والموت فلا معنى لتوهم التأنيث.
وقد يطلق الذات ويراد به الحقيقة وقد يطلق ويراد به ما قام بذاته وقد يطلق ويراد به المستقبل بالمفهومية، ويقابله الصفة بمعنى أنها غير مستقل بالمفهومية، وقد يستعمل استعمال النفس والشيء فيجوز تأنيثه وتذكيره.
ولفظ الذات وإن لم يرد به التوقف لكنه بمعنى ما ورد به التوقيف وهو الشيء والنفس إذ معنى النفس في حقه تعالى الموجود الذي يوصف بصفات الكمال، فلا حاجة إلى اعتبار المشاكلة في قوله تعالى ( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ )(5 المائدة 116) بعد ورود الشرع فيجوز إطلاق اسم الشيء (42) والموجود (43) والذات لله تعالى.
والمختار في ذات الله عدم انحلاله إلى الماهية الكلية والتعيين بل هو متعين بذاته.
والموجود حقيقته هو الذات المتصفة بالقدرة والإرادة والعلم والحياة وجميع الصفات المتعلقة مصححة لحصول الآثار من الذات كل بحسبه.. (44)
... قال جار الله (45) : الذات مقحمة تزيينا للكلام والحق أنه من إضافة العام إلى الخاص...
... وبعبارة ذات الشيء حقيقته وماهيته.
قال في المصباح (46) : وأما قولهم في ذات الله فهو قولهم في جنب الله ولوجه الله وأنكر بعضهم أن يكون في ذلك الكلام القديم، ولأجل ذلك قال ابن برهان (47) : قول المتكلمين ذات الله جهل لأن أسماءه تعالى لا يلحقها تاء التأنيث فلا يقال علامة وإن كان أعلم العالمين.
قال الراغب (48) : وقد استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوها عبارة عن عين الشيء جوهرا كان أو عرضا واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر وبالألف واللام، وأجروها مجرى النفس فقالوا ذاته، ونفسه وخاصته وليس ذلك من كلام العرب فكلام أصحابنا رحمهم الله جرى على العرف في استعمالها (الذات) بمعنى النفس، وإلا فالتحقيق ما رأيت والله أعلم" (49) .
لقد نقلنا هذا التعريف على طوله لأن صاحبه ألم بما قيل عن الذات إلماما واسعا وسلك في ذلك مسلكا مقارنا ورأينا أن يفي بحاجتنا.
كتب الأصول وكلمة الذات: لقد تعرضت كتب الأصول لهذه القضية من خلال الردود على كل من قال بالتشبيه والتجسيم.
ونحن نعلم أن الجدل في هذا الموضوع لا يمكن أن يقوم إلا مع المقرين بوجود الله تعالى، ومن هؤلاء أهل الكتاب.
قاليهود مثلا أسرفوا في تسبيه الله بالإنسان- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وذلك لأنهم وجدوا التوراة ملئت بالمتشابهات مثل: الصورة والمشافهة، والتكلم جهرا، والنزول من طور سيناء انتقالا والاستواء على العرش استقرارا (50) .
والنصارى في إقامتهم عقيدتهم على الأقانيم الثلاثة ما يوحي بالتجسيم أيضا، وإن كان النصارى أنفسهم يتعجبون من نسبة هذا الأمر إليهم إذ يعتبرون هذه الأقانيم من باب الصفات (51) .
ويقول أبو عمار:" وإن هذه الفرق النصرانية تزعم أن الابن كلمة الأب الأزلي وأن الأب إنما يعلم الأشياء بكلمته، وأن روح القدس هو الحياة التي من أجلها وجب أن يكون الأب حيا..." (52)
كما أن هؤلاء يعتبرون أن الله جوهر على أساس تعريف الجوهر أنه قائم بنفسه (53) .
======================
(40) صالح بن عمر(1347/ 1928) نشأ في يسجن بوادي ميزاب تتلمذ على امحمد اطفيش. خلاصة مراقي العوام مع مجموعة متون د.ت: 29 وقد جاءت الأبيات نثرا من قبل عند المحشي: حاشية على كتاب قواعد الإسلام:11
(41) أبو مسلم ناصر بن سالم الرواحي(1273- 1339/ 1857- 1920) كانت نشأته الأولى ببلدة محرم حيث اخذ عن أحمد سعيد بن خلفان الخليلي. انتقل إلى جزيرة زنجبار جنوب شرقي إفريقيا( قسم من تنزانيا حاليا) حيث كان أبوه يتولى القضاء لسكانها، وبعد عودة دامت خمس سنوات إلى عمان استقر بزنجبار وخلف أباه في القضاء وعكف على التدريس والتأليف. جمع بين العلوم الشرعية والبراعة الأدبية . توفي بزنجبار سنة 1339/1920.
أهم مؤلفاته " كتاب نثار الجوهر في علم الشرع الأزهر " صور عن نسخة بخط المؤلف في 3 أجزاء بعمان 1399/ 1979 وهو شرح لكتاب " جوهر النظام" لعبد الله السالمي، ولقد حلل في المسائل تحليلا موسعا يدل على سعة الاطلاع والقدرة على الترتيب( ويهمنا القسم الأول من 21- 73. وله مؤلفات أخرى .
ر. مقدمة نثار الجوهر ج1 والتعريف قام به سالم بن حمود السيابي وأحمد ابن سعود السيابي : 1/33.
(42) حقيقة الشيء عندنا هو الخبر عنه، وعند الأشعرية هو الموجود والمعدوم عندهم ليس بشيء، وعندنا بشيء معدوم والعدم عندنا ليس بشيء" البرادي: رسالة الحقائق ص35. وفي هذا المعنى يقول أبو زيد ابن أبي ستة:ط فالشيء حينئذ أعم من الموجود على ما ذهب إليه أصحابنا وهو الذي تقتضيه اللغة" . حاشية شرح كتاب الجهالات ص2. وقد أورد الأشعري في المقالات آراء الفرق الإسلامية في معنى قولهم إن الله شيء. المقالات 1/ 281و 2/ 202. ويقول بلقاسم بن حسن:" ويبدو أن اغلب مفكري الإسلام يجيزون إطلاق لفظ الشيء على اسمك الله ولكنهم يجمعون على نفي الجسمية عنه نفيا قاطعا في أي شكل من الأشكال".
آراء الماتريدي الكلامية: 195.
(43) حقيقة الموجود: الحاضر الآن: البرادي رسالة الحقائق: 35
(44) ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 27
(45) جار الله : الزمخشري
(46) المصباح المنير تأليف أحمد بن محمد المقري( 770/ 1368) ط5 الأميرية. القاهرة 1922
(47): ابن برهان أحمد بن برهان( 518/ 1124) فقيه بغدادي غلب عليه علم الأصول .ر. الزركلي: الأعلام1/ 279
(48) الراغب الاصفهاني(502/1108) الحسين بن محمد المعروف بالراغب أديب من الحكماء والعلماء سكن بغداد .ر. الزركلي: الأعلام 2/279
(49) ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 28
(50) ر. الشهرستاني: الملل والنحل. ط القاهرة ثم كلم الله موسى، وقال له أنا1968 2/18. وجاء في العهد القديم الاصلاح السادس: .الرب ، وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحاق بأني الإله القادر على كل شيء
ط. دار الكتاب المقدس د.ت
(51) ر. محمد ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي: 10 والنصاري مجمعون على أن الله تعالى واحد بالذات ويريدون بالأقانيم الصفات مع الذات، ويعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس ويريدون بالابن الذات مع الوجود وبالابن الذات مع العلم ويطلقون عليه اسم الكلمة ويريدون بروح القدس الذات مع الحياة.( حوار مع جان فوتان. معهد الآباء البيض تونس)- جويلية 1982.
(52) أبو عمار عبد الكافي: الموجز 1/ 346
(53) ر. عبد المجيد الشرقي: الفكر الإسلامي في الرد على النصارى. أطروحة دكتوراه دولة نوقشت بكلية الآداب بتونس سنة 1982. تعريف الجوهرك 205 تعريف التجسيد: 365، تعريف الأقانيم 208
________________________________________
أما المشبهة فهم الذين شبهوا الله بخلقه وهم ثلاث أصناف:
1) المجسمة: " زعموا أن معبودهم جسم كالأجسام لحم ودم يختلف معهم (الناس) في الأسواق ولا يعرفهم، وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه ويقول أنا ربكم الأعلى ولا ينكرونه بشرط أن يكون وسيما قسيما جميلا جليلا لا قبيحا ولا ذميما تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا" (54) .
2) القول بالتجسيم دون إثبات معاني الأجسام ويزعمون أنه جسم لا كالأجسام.
3)الغالطون في تأويل متشابه القرآن، وهم يستنكفون عن عبارة التجسيم (55) .
وخلاصة الاستدلال في ذلك تتمثل في ما يلي:
أ) لو كان جسما لكان مركبا من المادة والصورة الخارجتين لاستحالة الجزء الذي لا يتجزأ وقد ثبت أنه ليس بمركب لا من أجزاء عقلية ولا خارجية مقدارية أو غير مقدارية.
ب) لو كان جسما لكان مقتسما في الطول، والعرض، والعمق ولو كان كذلك لاحتاج إلى مكان يقوم فيه، والحاجة تستلزم إمكانه فيخرج من كونه واجبا وتلزم المخالفة لمبدأ اليهودية.
أ)لو كان جسما لكان محلا للحوادث من الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، وما إلى ذلك، وكل ما هو محل للحوادث (56) لا يصح أن يكون إليها.
ثم إن الإباضية يقرون أن الله ليس بجسم، ولا بجوهر ، ولا عرض (57) ، ولا بذي طول ولا عرض، ولا بذي صورة ولا شكل، ولا هيئة ولا مثال (58) وإنما هو شيء (59) هو أعظم الأشياء وأفضلها (60) وليس يشبهه شيء، ويردون في ذلك على الجهمية والمشبهة الذين يعتبرون الشيء والجسم بمعنى واحد ثم يختلفون، فيذهب الجهمية إلى نفي الشيئية عن الله (61) فيعطلون وبهذه المشبهة إلى إقرار الشيئية فيجسمون.
وخطؤهم ناجم عن خلط لغوي ذلك أن اللغة تميز بين الشيء والجسم وتعتبر الشيء أهم من الجسم لأن كل جسم شيء وليس كل شيء جسما.
قال تعالى: ( لقد جئتم شيئا إدا)(19 مريم 89) يعني قولهم وفعلهم وهو ليس بجسم (62) .
والملاحظ أن هذه المصادر لا تطيل الحديث عن تعريف ذات الله وتكتفي غالبا بالتنزيه وعلى هذا النسق جاءت إشارات كتب ق 10- 11- 12 بل توقفت عن الردود على المشبهة وعلى أهل الكتاب وتعلقت خاصة بالآيات المتشابهات التي توحي بالتجسيم مبينة موقف الإباضية منها.
فهذا عرو التلاتي يذكر" أن ذاته العلية لا يعلمها إلا هو " (63) كما يبين أنه " واجب الوجود لذاته" (64) " وأن ذاته لا تقبل الانقسام بوجه (65) وأنها غير مشبهة بالذوات ولا معطلة من الصفات" (66) .
كما أن السدويكشي ينحو نفس المنهج فيقول:" ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن ذاته سبحانه وتعالى مخالفة لسائر الذوات فهو تعالى منزه عن المثل أي المشارك في تمام الماهية. (67) "
ودليلهم على هذا التنزيه كما يذكر التلاتي سورة الإخلاص وقوله تعالى (ليس كمثله شيء )(42 الشورى 11) (68) .
ولعله يحسن ألا نستوفي الحديث عن هذه السورة وهذا الجزء من الآية الآن لأن ما جاء فيهما من الحديث عن الذات قليل بالنسبة إلى ما جاء عن الصفات.
فهذا التلاتي يكتفي بذكر ما أوردناه مع إضافة قوله:" لا يماثله شيء من الأشياء لا في ذاته...." (69) .
كما أن المحشي يكتفي بقوله:" ليس كمثله شيء فهو عموم فمن ادعى فيه الخصوص فعليه بالدليل" (70) .
أما المصعبي فخلال تحليل طويل أشار إلى أن " مثل" تفيد الذات وبالتالي فالجملة ( ليس كمثله أحد) نفت الأشباه عن ذات الله تعالى، كما ذكر أن هذه الجملة " تنتظم التوحيد لا غير" (71) .
وحاصر القول إن ذاته تعالى هي حقيقته الخاصة التي لا يمكن أن يعلمها أحد من مخلوقاته (72) وإنه ليس بجوهر ولا بعرض وإنما هو أعظم الأشياء وأفضلها وإنه جل شأنه منزه في ذاته عن الأنداد والنظراء والأضداد ليس كمثله شيء.
=================================
(54) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1 –1/41
ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 1/ 351
(55) سنحلل هذه القضية في موقف الإباضية من المتشابه انظر: 273
(56) ر. محمد ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي:110
(57) " حقيقة الجوهر: هو المتحيز
حقيقة الجسم: هو المنقسم على حقيقة القوم(الاشاعرة) ، وهو المتحيز على أصولنا ولا فرق بينه وبين الجوهر عندنا.
حقيقة العرض: هو ما لا يقوم بنفسه مثل حركة المتحرك، وسكون الساكن وحياة الحي وموت الميت." البرادي: رسالة الحقائق ص 34
(58) ر. إسماعيل الجيطالي: كتاب قواعد الإسلام 1/8
(59) انظر ما سبق : 166
(60) ولا يقال شيء من الأشياء ولا لا من الأشياء إلا أن تصل فتقول: لا من الأشياء المحدثات.
والإباضية يعبرون أن الجسم بمعنى الجوهر ولذلك جاءت الردود على المجسمة مثل الردود على من يعتبرون أن الله جوهر.
ر. إسماعيل الجيطالي: قناطر الخيرات. تحقيق عمرو النامي. مكتبة وهبة القاهرة 1385/1965.1/293 والشبه في التحليل واضح مع أبي حامد الغزالي الاحياء 1/185
(61) جهم بن صفوان لا يطلق لفظ شيء على الله" الأشعري: المقالات 2/332 والجهمية نسبة إلى جهم بن صفوان(128/745) فرقة غريبة حسب مقال دائرة المعارف الإسلامية إذ يصعب العثور على اتباع باتم معنى الكلمة لجهم ابن صفوان. المبادئ المنسوبة إليهم هي: القول بالجبر، خلق القرآن. اتهموا بالقول بالتعطيل في الصفات يقولون بتأويل المتشابه.EI2 Tome 2 398
(62) ر. أبو عمار عبد الكافي:حاشية على كتاب الجهالات: 157- 158
ر. أبو خزر: رسالة في الرد على جميع المخالفين: 74- 75.
(63) عمرو التلاتي :حاشية على كتاب الديانات:49.
وهذا المعنى هو الذي ذكره السالمي في المشارق:170
"ذاته تعالى أي حقيقة الخاصة التي لا يمكن أن يعلمها أحد من مخلوقاته" وجاء في نفس الصفحة أيضا: الموجودة المتصف بصفات الكمال.
قال المناوي(952- 1031/1545- 1622) الذات العلمية هي الحقيقة العظمى، والعين القيومية المستلزمة لكل سبوحية قدوسية في كل جلال وجمال استلزاما لا يقبل الانفكاك البته( وعن المحقق المناوي ر. الزركلي: الأعلام7/75- 76
(64) عمرو التلاتي :حاشية على كتاب الديانات:49.
(65) عمرو التلاتي :حاشية على كتاب الديانات:49.
(66) عمرو التلاتي :حاشية على كتاب الديانات:49.
(67) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:1
(68) ر. عمرو التلاتي : نخبة المتين:145 ، انظر ما يلي 261
(69) ر. عمرو التلاتي : نخبة المتين: 1
(70) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:70
(71) ر.يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:4
(72) ر . عبدالله السالمي: المشارق:170 تعليق 1
________________________________________
أسماء الله تعالى
إن كانت المعلومات قليلة في ما يتعلق بذات الله تعالى فهي متوفرة نسبيا في هذا المبحث وهي تدور حول المحاور التالية:
1) الاسم لغة واصطلاحا.
2) علاقة الاسم بالمسمى.
3) اسم الجلالة.
4) أسماء الله الحسنى.
: 1) الاسم لغة (1) واصطلاحا
أ-المدلول اللغوي:
قال المحشي:" والخلاف فيه" (اشتقاق لفظ الاسم) مشهور هل هو مشتق من السمو وهو العلو والارتفاع وهو مذهب البصريين أو من السمة وهو العلامة وهو مذهب الكوفيين.
وذكر في السؤالات أن القول الأول هو الصحيح وهو قولنا وأن الثاني قول غيرنا (2) .
قال شيخنا (3) رحمه الله قوله:" وهذا هو الصحيح" فيه إشارة إلى أن الخلاف معنوي، فإن من قال إنه مشتق من السمو وهو العلو يقول لم يزل الله تعالى مسمى وموصوفا قبل وجود الخلق وبعد وجودهم وبعد فنائهم، ولا تأثير لهم في أسمائه وصفاته وهذا قولنا ومعتقدنا وقد وافقنا على ذلك الأشعرية.
ومن قال مشتق من السمة وهي العلامة يقول كان الله تعالى في الأزل بلا اسم ولا صفة خلق الخلق جعلوا له أسماء وصفات فلما أفناهم بقي بلا اسم ولا صفة وهو قول النكار (4) والمعتزلة وهذا خطأ فاحش " (5)
واضح من خلال التعريف اللغوي تداخله مع التعريف الاصطلاحي إذ كل يعزز موقفه من المنطلق اللغوي فماذا عن المصطلح؟
أ) المدلول الاصطلاحي:
والاسم في حق الله تعالى " يدل على المسمى الذي اقتضى الصفة بنفسه" كما يقول الشماخي (6) أو بعبارة أخرى الاسم هو ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات، وهذا معنى قول علماء الإباضية إن أسماء الله تعالى هي عين ذاته أي ليس هنالك أمر ثان غير الذات العلية (7) .
ويقول عمرو التلاتي في هذا الصدد:" أسماء الله تعالى، أي المعاني الدال عليها نحو: لفظ الله، ولفظ العالم، والقادر، والمريد، التي هي الذات العلية والواجبة الوجود بذاتها، والذات العالمة والذات القادرة والذات المريدة" (8) .
وقد عرفها البرادي في رسالة الحقائق كما يلي:
" حقيقة الاسم: ما عرف به عين أو معنى (9) وحقيقة المسمى: المستوجب للاسم" (10) .
أما تبغورين فقد بين أن أسماء الأشياء كلها على أربعة أوجه: أسماء البنية التي بنيت عليها طبيعة الأشياء، مثل : جسم ومحدث وأشباه ذلك.وأسماء استحقها الشيء بمعنى حل فيه، وتداول عليه مثل: حي وميت ومتحرك وساكن. وأسماء استحقها بخواتم عمله وما تصير إليه عاقبته مثل: مؤمن كافر. وأسماء لقب يلقيها الناس على بعضهم بعضا وينزعونها إن شاءوا ولا معنى لها تتعلق إليه بل هي معارف بينهم. وأسماء الله تعالى أسماء ذاته، لا يقال استحقها لأفعال فعلها تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (11)
هذا في شأن التعريف الاصطلاحي إلا أن المشكلة لا تكمن في التعريف وإنما تبدو في شأن العلاقة بين الاسم والمسمى.
2) علاقة الاسم بالمسمى:
أما الشماخي فيوضح القضية من مطلع رسالته في الأسماء كما يلي:
" فإن قلت: ما الفرق بين التسمية والاسم والمسمى؟
قلت : التسمية: فعل المسمى، المعنى الموضوع له.
والاسم: ما وضع ليتميز به المسمى من غيره، ويتعين أتم تعيين بدليل قوله تعالى ( هو سماكم المسلمين من قبل) (22 الحج 78).
فالله = مسم، والمخاطبون = مسمون، والمسلمون = هو الاسم" (12) .
وتذكر المصادر أن الاسم هو المسمى ولذلك يقول السدويكشي:
" وذهب أكثر أصحابنا إلى أن التسمية هي نفس الأقوال الدالة على المسمى وأن الاسم هو نفس المدلول.
ثم يورد موقف ابن فورك (13) الذي يذهب إلى " أن كل اسم هو نفس المسمى بعينه فقولك الله قول دال على اسم المسمى وكذلك قولك عالم أو خالق فإنه يدل على الذات الموصوف بكونه عالما خالقا ثم يذكر أن ما ذهب إليه ابن فورك هو مقتضى إطلاق أصحابنا ثم يستشهد بكلام أحمد بن سعيد (14) فيقول:
" والخلاف لفظي وقيل بل معنوي وذلك أنك إذا سميت شيئا باسمه فالنظر في ثلاثة أسماء : ذلك الاسم وهو اللفظ ومعناه قبل التسمية ومعناه بعد التسمية هو الذات التي أطلق عليها لفظ والذات واللفظ متغايران قطعا.
والنحاة إنما يطلقون الاسم على اللفظ لأنهم إنما يتكلمون على الألفاظ (15) وهو غير المسمى قطعا عند الفريقين والذات هو المسمى عند الفريقين وليس هو اللفظ قطعا.
والخلاف في الأمر الثاني وهو معنى اللفظ قبل التسمية فعلى قواعد المتكلمين يطلقون الاسم عليه، ويختلفون في أنه ثالث أم لا فالخلاف عندهم في الاسم المعنوي هل هو المسمى أم لا ، لا في الاسم اللفظي. (16) "
وقد أورد السدويكشي ملخصا للقضية يبين الغرض من الحديث عن الاسم والمسمى فيقول:" اعلم أن الاسم غير التسمية لأنها تخصيص الاسم لشيء مغاير له أي الاسم، كما تشهد به البديهة.
وأيضا التسمية فعل الواضح وأنه منقض في ما مضى من الزمان وليس الاسم كذلك.
وقد اشتهر الخلاف في أن الاسم هل هو نفس المسمى أو غيره ولا يشك عاقل في أنه ليس النزاع في لفظ فرس هل نفس الحيوان المخصوص أو غيره هذا مما لا يشتبه على أحد.
بل النزاع في مدلول الاسم أهو الذات من حيث هي هي، أم هو الذات باعتبار أمر صادق عليه عارض له ينبني عليه" (17)
ويورد المحشي عن هذه القضية ما يلي: قال بعضهم (18) عند الاختلاف في الاسم هل هو عين المسمى أو غيره؟
التحقيق أن الخلاف لفظي فإنه إن أريد بالاسم اللفظ فهو غير المسمى وإن أريد به المعنى فهو عينه.
والذي يدل على أن الاسم عين المسمى قول الله تعالى:( ما تعبدون إلا أسماء سميتموها)(12 يوسف 40) فإنه من المعلوم أنهم يعبدون ذات الصنم" (19) .
ويتوسع احمد الشماخي في تقليب القضية من وجوه شتى معتمدا على التحاليل المنطقية أحيانا وعلى وجوه البلاغة أحيانا أخرى، انطلاقا من الآيات التي وردت فيها كلمة اسم مثل قوله تعالى: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (7 الأعراف 180) وقوله: ( يلحدون في أسمائه (20) ) وقوله ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) (17 الإسراء 110) الخ...
ويصل إلى أن الخلاف اعتباري مستشهدا بموقف أبي يعقوب الوارجلاني المتمثل في أن الخلاف لفظي لا معنوي. (21)
وخلاصة القول: فمهما دار الحديث في شأن العلاقة بين الاسم والمسمى فإنه يرجع إلى توضيح الموقف الذي حدده أبو نصر (22) في النونية بقوله: (طويل)
وضبطه عامر الشماخي في كتاب الديانات بقوله:
" وندين بأن أسماءه هو " (23) .
فتبين حينئذ أن القصد من الاسم ليس اللفظ وإنما مدلوله وبهذا الاعتبار هو عين الذات.
وبهذا يتضح أن ما ورد في هذه النصوص إنما هو امتداد لعمل السلف في اهتمامهم بالرد على النكار الذين يلحدون في أسماء الله تعالى ويقولون إنها مخلوقة (24) .
فالفتنة الفكرية هنا داخلية خاصة وإن كانت تشمل المعتزلة.
وكل هذه التحليلات مستوحاة من ردود أبي خزر (25) وتبغورين (26) والوارجلاني (27) وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن القضية ما تزال قائمة في أوساط نفوسة وجربة حيث يتعايش الاتجاهان في نفس المحيط عادة (28) .
ولا ينبغي أن نغفل عن التذكير بأن موقف الأشاعرة هو نفس موقف الاباضية إذ يقول الأشعري:" وإن أسماء الله يقال إنها غير الله" أما الماتريدي فيفهم من تحليله للقضية أن من الأسماء ما هو غير المسمى ومنها ما هو عين المسمى وهي التي ترجع الى الصفات. (29)
فإذا تبين هذا فماذا عن اسم الجلالة وأسماء الله الحسنى؟
==================================
(1) جاء في لسان العرب/ الاسم: ما يعرف به الشيء ويستدل به عليه وعند النحاة: ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن كرجل وفرس. والاسم الجامع لمعاني صفات الله عز وجل. واسم الجلالة: اسمه تعالى. (ج) أسماء، (ج) أسامي وأسام
(2) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات:3
ر. أبو يعقوب الوارجلاني: كتاب العدل والإنصاف. تحقيق عمرو النامي نسخة مرقونة بمكتبتي: 47
(3) نرجح أنه يقصد عبدالله السدويكشي.
(4) النكار: تسمية غالبة على فرقة من فرق الإباضية لم تصلنا أخبارهم إلا عن طريق الفرقة الوهبية لذلك يصعب أن نقول في شأنهم القول الفصل حتى نعثر على مصادرهم. وتطبق عليهم تسميات أخرى نذكر منها:" الملحدة لأنهم ألحدوا في أسماء الله( والحوار القائم في التراث الإباضي في شأن قضية الاسم والمسمى أساسه الرد على النكار إلى جانب المعتزلة) انظر ما يلي 218.
ترجع جذور هذه الفرقة إلى عبدالله بن عبد العزيز وأبي معروف شعيب، وعبدالله بن يزيد الفزاري( انظر ما سبق 106) عندما خالفوا الإمام أبا عبيدة والربيع في عدة قضايا من بينها موضوع القدر فأعلنا عليهم البراءة، وانضم هؤلاء إلى المنشقين عن إمامة عبد الوهاب الرستمي بقيادة يزيد بن فندين، وقد رحل شعيب من مصر إلى تاهرت من أجل ذلك، لكن عند فشل الثورة رجع إلى طرابلس واستمر في نشر فكرته، وبهذا ثم التآلف بين الطرفين واتضح أن إمامهم في الأصول هو عبدالله بن يزيد الفزاري( انظر ما سبق109)
واستمر الصراع بين الطرفين إلى زمن متأخر (وفي القرن 10 ، 11، 12 كانوا يعمرون الجانب الشرقي من جزيرة جربة ولهم عزابتهم .ر. كتابنا: نظام العزابة . انظر الخريطة) ولم يبق في ما نعلم منهم الآن أحد.
ر. دائرة المعارف الإسلامية الملحق 185- 186، النامي: الأطروحةك 261، 271 علي يحيى معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية : 253- 263.
(5) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:37
(6) أحمد الشماخي: رسالة الأسماء: 4
(7) انظر ما يلي العلاقة بين الاسم والمسمى 215
(8) عمرو التلاتي :شرح على كتاب الديانات:15- 51.
(9) البرادي: رسالة الحقائق: 35، ويقول عثمان بن خليفة السوفي:" حد الاسم ما عرف به الشيء من غيره." كتاب السؤالات: 106
(10) البرادي: رسالة الحقائق: 35
(11) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول الدين:30، والبرادي يقسم الأسماء إلى دينية وشرعية ولغوية. رسالة الحقائق:44 وعلى هذا التقسيم تنبني الأحكام(انظر ما يلي: 490)
(12) أحمد الشماخي: رسالة في الأسماء:1
(13) ابن فورك(406/1015) محمد بن الحسن. عالم بالأصول والكلام من فقهاء الشافعية .ر. الزركلي: الأعلام 6/313
(14) هو أحمد بن سعيد الشماخي.
(15) ر. أبو يعقوب الوارجلاني: كتاب العدل والإنصاف:49
(16) السدويكسي: حاشية على كتاب الديانات:4
(17) السدويكسي: حاشية على كتاب الديانات:3- 4
(18) لم نتمكن من تعريف المقصود ببعضهم.
(19) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:37.
ولله الأسماء الحسنى فادعوه(20) والآية هي: (7 الأعراف 180). ومعنىبها، وذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعلمون يلحدون في أسمائه:اللحد ، أي تسميتهم الللاة من الله، والعزى من العزيز، وتسميتهم مسيلمة رحمان. أحمد الشماخي: رسالة في الأسماء:5
(21) ر. أيضا عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة38 قفا، ورقة41 وجه. وقد حلل نفس المعاني التي ذكرنا.ر. عبد العزيز الثميني: النور:118- 123
(22) أبو نصر فتح بن نوح: النونية: 3 البيتان 28و 29
(23) عامر الشماخي, كتاب الديانات: 43، ر. أبو يعقوب الوارجلاني: كتاب العدل والأنصاف: 48
(24) ر.يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:38- 44,ر.تبغورين ابن عيسى الملشوطي:كتاب أصول الدينص27.
(25) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 38- 44، ر. تبغورين ابن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين ص27
(26) ر. تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين ص 27- 30
(27) ر. أبو يعقوب الوارجلاني: كتاب العدل والأنصاف: 48
(28) لقد حلل أحمد الخليلي مفتي عمان القضية تحليلا ضافيا ورجح موقف القائلين بأن الاسم غير المسمى.ر. جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل.ط1 مطبعة الألوان الحديثة. نشر مكتبة الاستقامة . روي. سلطنة عمان. 1404/1984. 194- 199
(29) ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 193- 196.
________________________________________
3) اسم الجلالة: الله تعالى
لقد حرصت المصادر التي بين أيدينا على رواية جل ما ذكر من الوجوه في شأن اسم الجلالة عن الاباضية وعند غيرهم أ أعجمي أم عربي أ اسم أم صفة، أعلم أم غير علم، أمشتق أم لا؟
وقد ذكر المحشي تعليلا طريفا لهذه الحيرة:" اعلم أن العقلاء كما تاهوا في ذات الله تعالى وصفاته لاحتجابها بأنوار العظمة وأستار الجبروت كذلك تحيروا في لفظ الله الدال على تلك الذات المقدسة كأنه مسه شيء من أشعة تلك الأنوار، فحارت العقول في دركه كما حارت في درك مسماه ."(30)
وهذا الشماخي يتعرض لاسم الجلالة في مطلع شرحه لعقيدة التوحيد عند شرح قول المصنف:" الحمد لله" فيذكر أن الله " علم على ذات واجب الوجود المستحق لجميع المحامد" (31).
ثم يمضي في تبيين مختلف الأقوال في شأن دخول اللام ويقارن بين الله وإله وكيف أن العملية بالنسبة إليهما استعمالية أو تقديرية وفي الأثناء يذكر بالتعريف مرتين: بقوله " الله اسم لمفهوم الواجب لذاته أو لمفهوم المستحق للعبادة"(32).
وبقوله:" اسم المعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو" (33).
ثم يستشهد بموقف سعد الدين(34) والزمخشري وجماعة من المحققين الذين اختاروا أن الله علم، ويورد ما ذكره الزمخشري من أدلة الذين اعتبروه مشتقا.
ويورد مرة أخرى تعريف الزمخشري وهو :" اعلم أن الله اسم للذات المستحق للعبودية له، علم بالغلبة جامع لمعنى الأسماء الحسنى ما علم منها وما لم يعلم لأنه لا يستحق أن يعبد إلا من كان خالقا رزاقا ولا يكون خالقا إلا من كان قديما حيا عالما قادرا مريدا إلى سائر الصفات"(35) .
وقد بنت على هذا النسق بقية المصادر إلا أن المحشي تميز بما نقله عن عقيدة أبي سهل من تقرير الإمام جابر بن زيد " أن اسم الله الأعظم هو الله لأنه يبدأ به في كل شيء" (36).
وبما نقله عن كتاب الموجز من تعريفات" قلنا معنى الله أنه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا هو" وقال قوم: إن معناه من العلو في الصفة من قوله تألهت الشمس إذا علت.
وحكى بعض أهل العلم: أنه اسم تبنى عليه الصفات والقول في هذا إنه اسم للمعبود الذي لا يستحق العبادة إلا إياه ولا ينبغي هذا الاسم إلا له .(37)
وأرى من الأحسن الاكتفاء بهذا القدر اجتنابا لما وقعت فيه الأقوال من تضارب يؤدي إلى الغموض غالبا.
وحاصل القول إن متتبع هذه المصادر يحس بتغليب مفهوم العلمية على اسم الجلالة وإنها تجمع غيرها أنه اسم الله الأعظم لأنه لا يشاركه فيه أحد قال تعالى: ( هل تعلم له سميا) (19 مريم 65) أي شبيها في اسم أو فعل (38).
ذلك أهم ما قيل في اسم الله الأعظم فماذا عن بقية الأسماء؟
4) أسماء الله الحسنى
إن ما جاء في شأن الأسماء الحسنى من آيات وأحاديث دفع العلماء إلى النظر في أمرها واستقر الرأي على أنها توقيفية فهذا عمرو التلاتي مثلا يقول: " واتفقوا أيضا على أن الله الأسماء الحسنى لقوله تعالى:( ولله الأسماء الحسنى )(7 الأعراف 180) وعلى أنه هو المسمى نفسه بها" (39).
كما أن الحواشي على شرح كتاب الجهالات تلح على نفس المعنى وتبين أن أسماء الله توقيفية (40).
وتورد هذه المصادر جميع النصوص المعتمدة في ذلك قال تعالى ( أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) (17 الإسراء 110).
وقال أيضا : ( الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) (20 طه 8).
وقال أيضا: ( هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى) (59 الحشر 24)
وقوله عليه السلام: " إن لله تسعة وتسعين اسما" .(41)
وتحيل هذه المصادر على كتاب الموجز في تفسيره لهذه الأسماء(42).
ولم يكتف أبو عمار بالتفسير بل وضع للأسماء تقسيما واضحا وانطلق في ذلك من فهم ما جاء في القرآن في هذا الشأن.
" وجدنا أن هذه الأسماء موضوعة في كتاب الله عز وجل مستعملة لمعان ثلاثة كلها قد سمى بها نفسه ووصفها بها.
أما أحدها فللذات والمدحة. والثاني فللفعل الآتي دون ما قد فعل. والثالث لما فعل فقط "(43)
ثم يضرب أمثلة نذكر منا: (إن ربكم لرؤوف رحيم) (16 النحل 7). (إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) (3 آل عمران 9). ( وجاعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا) (6 الأنعام 95).
وقد أثيرت قضية أخرى في هذا الصدد تتمثل في إمكانية إضافة أسماء أخرى بعد التسعة والتسعين أو عدمها.
ويمكن أن نصنف هذه الأسماء- بعد التسع والتسعين- كما يلي:
أ) أسماء يجوز ذكرها على شرط أن تكون مضافة إلى مفاعيلها: مثل ( فالق الحب والنوى) (6 الأنعام 95). ( وجاعل الليل سكنا) (الأنعام 96)، ( فالق الإصباح) (الأنعام 96)
.
وعلى هذا القياس يمكن أن يقال يا هادي الضال ويا مصبر البصائر ويا مبين المجهولات ويا كاشف الضراء ويا دليل المتحيرين...الخ.
ب) أسماء يجوز ذكرها وتخرج على المجاز: كأنه تقول يا سندي وأنت تقصد يا من أعتمد على رحمته وكرمه وبره وفضله ويا من إليه أكل مطالبي وأفوض إليه أمري.
والحجة في هذا جواز قولك كما جاء في الحديث " هو الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل"(44) كما لا يضيق في حقه تعالى زارع، من قوله عز وجل ( أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) (56 الواقعة 64) وذلك بمعنى إحياء الزرع وإنشائه وإنمائه وجعله زرعا باختياره وإرادته وتكوينه.
ج)أسماء يستحيل نسبتها إلى الله تعالى مثل: ماكر، وساخر، ومستهزئ، ورام، وغاضب، وناس، وخادع، وأمثالها من الأسماء المشتقة من أفعال نسبها سبحانه إلى نفسه عن طريق المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا مثل هذا وتقديرا كما في قوله تعالى: ( صبغة الله) (2 البقرة 138) أي تطهير الله حيث عبر عن الإيمان بالصبغة لوقوعه في صحبة صبغة النصارى أولادهم في ماء المعمودية وهو ماء أصفر يغمسونهم فيه غير مذكور لفظا.
وهذه الأسماء المشتقة ورد ذكرها في ما يلي:
( ومكروا مكر الله والله خير الماكرين) (3 آلا عمران 54) ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (8 الأنفال 30) ( فيسخرون منهم سخر الله منهم) (9 التوبة 79) ( والله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) (2 البقرة 15) ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (8 الأنفال 17) ( وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (4 النساء 93) ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) (60 الممتحنة 13) ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يوهم هذا) (7 الأعراف 51) (نسوا الله فنسيهم) (9 التوبة 67) ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) (45) (4 النساء 142).
وتجدر الإشارة بعد هذا إلى ضرورة اعتبار الأحوال والمقاصد عند ذكر مثل الأسماء التي لم يرد بها التوقيف.
وقبل أن نختم يحسن أن نتعرف على موقف أهل السنة والمعتزلة كما أورده البيجوري في شرح الجوهرة:" واختار جمهور أهل السنة أن أسماءه تعالى توقيفية وكذا صفاته فلا تثبت لله اسما ولا صفة إلا إذا ورد ذلك توقيف من الشارع، وذهبت المعتزلة إلى جواز إثبات ما كان متصفا بمعناه ولم يوهم نقصا وإن لم يرد به توقيف الشارع، ومال إليه القاضي أبو بكر الباقلاني وتوقف فيه إمام الحرمين، وفصل الغزالي فجوز إطلاق الصفة وهي ما دل على معنى زائد على الذات، ومنع إطلاق الاسم وهو ما دل على نفس الذات.
والحاصل أن علماء الاسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على البارئ عز وجل إذ ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد المنع منه واختلفوا حيث لا إذن ولا منع والمختار منع ذلك وهو مذهب الجمهور."(46)
وحاصل القول إن أسماء الله الحسنى هي التي سمى بها نفسه، وتمجد باتصافه بأفعالها وأمر خلقه بدعائه بها وقد أضيفت إلى الأسماء التوقيفية أسماء مقتبسة من القرآن والسنة على ألا تستعمل إلا بشروط محددة.
والمتأمل في كتب الأصول يتبين تداخل هذا المبحث مع مبحث الصفات لأن التمييز بين المبحثين دقيق ولذلك جاء التفصيل في شأن الصفات أكثر مما جاء في شأن الأسماء فلنتبين ما جاء في شأن الصفات وكيف ميز بينها وبين الأسماء لنصل إلى استنتاج عام نحدد فيه موقف الإباضية عامة وموقف علماء القرون المقررة في البحث بصفة خاصة من هذه المباحث.
===============================
(30) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:38.
(31) أحمد الشماخي: شرح العقيدة:13
(32) نفس المصدر: 20
(33) نفس المصدر: 20.ر. عثمان خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 4
(34) هو سعد الدين التفتازاني. انظر ما سبق 122 تعليق 89
(35) أحمد الشماخي: شرح العقيدة:22
(36) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:37- 38 وقد جاء النص في كتاب المنهج كما يلي: قال جابر بن زيد ( رحمه الله): اسم الله الأعظم هو الله، ألا ترى أنه يبتدأ به في جميع الأشياء؟
وإذا قلت: الله(بالألف واللام) فالاسم تام، فإذا حذفت (الألف) قلت: لله بقي الاسم تاما، فإذا حذفت (اللام الأولى) قلت: له بقي الاسم تاما وإذا حذفت ( اللام الأخير) قلت: هـ بقيت" الهاء" وفيها الاسم تاما .ر.خميس ابن سعيد الرستاقي: المنهج 1/352 .
وصاحب الكتاب هو خميس بن سعيد بن علي بن سعود الشقصي الرستاقي من إباضية عمان(10- 11/16-17) والمعلومات عنه ضنينة كما يشير إلى ذلك محقق الكتاب( كتاب منهج الطالبين) ر. خميس بن سعيد الرستاقي: منهج الطالبين وبلاغ الراغبين، تحقيق سالم بن أحمد الحارثي ط عيسى البابي الحلبي، القاهرة 1979.1/8.
(37) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 1/433، ويصعب أن نرجع هذه الأقوال إلى اصحابها لأن كل مصادر المؤلف غير متوفرة بين أيدينا . وقد نقل المحشي هذه التعريفات بشيء من التصرف: حاشية على كتاب الوضع: 38
(38) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:38.
ر. مجلة العقيدة تصدر بعمان السنة 10 عدد 419، 8 شوال 1402/29 يوليو 1982: 30
تفسير أحمد الخليلي لاسم الجلالة. فالمنهج هو نفس منهج السلف.
(39) عمرو التلاتي : نخبة المتين:155
(40) ر. المحشي: حواش على شرح الجهالات: 28
(41) أحمد الشماخي: رسالة الأسماء ص1-2 لإحصاء الأسماء التي ورد ذكرها ر. إبراهيم الزجاجك تفسير أسماء الله الحسنى تحقيق أحمد يوسف الدقاق. دار المأمون للتراث دمشق وبيروت ط2. 1399/1979 .ر. امحمد اطفيش شرح أسماء لله الحسنى المسمى بذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى ط. حجرية 1326هـ.
ر. رواية الحديث مع سرد الأسماء عند الترمذي(3502) وصححه ابن حبان(2384 والحاكم 1/16، وانظر شرح السنة للبغوي 5/32.
(42) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 1/432- 436، وقد فسر أربعة وأربعين اسما . نذكر على سبيل المثال تفسير بعض منها.
المؤمن: المصدق لرسله وأخبار بالأعلام والشواهد، والمصدق لوعده ووعيده بالإنجاز، والمصدق لكل صدق يأتي من عنده بالحجة الظاهرة .
الأول: الذي كان قبل خلقه، وهو من تأويل قديم.
الصمد:...إن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو صاحب التأويل سئل عن ذلك فقال: هو السيد الذي قد انتهى إليه السؤدد... وسئل عنه عبدالله بن مسعود فقال: السيد المصمود إليه في الحوائج، وقال الحسن هو من صمد العباد يصمدون إليه في حوائجهم. وقال سعيد بن جبير مثل ذلك.
(43) أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/193
(44) والحديث ر. الترمذي دعوات 46. الدارمي استئذان 42 ر. ونسنك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، مطبعة بريل، ليدن من 1936- 1967. 3/251
(45) ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهرمن 36 إلى 38 وقد أخذنا هذا النص من النثار لأنه يوضح القضية ويستوفي آراء الإباضية فيها.
(46) البيجوري: حاشية على جوهر التوحيد:89
أما صاحب" جوهر التوحيد"، وهي منظومة في الأصول، فهو: إبراهيم بن حسن اللقاني عالم مصري أشعري متصوف(1041/1631)
وأما صاحب الحاشية الموسومة" بتحفة المريد على جوهرة التوحيد" فهو: إبراهيم بن محمد البيجوري .عالم مصري شافعي. درس بالأزهر وتقلد رئاسته في ما بعد سنة 1263/1847 وتوفي( 1277/1860) ر. مقدمة الكتاب شرح جوهرة التوحيد. دار الكتب العلمية بيروت. مطابع يوسف بيضون 1403/ 1983: 3
________________________________________
صفات الله تعالى
التعريف:
إن ذكرنا أن الاسم هو ما دل على الذات من غير اعتبار معنى يوصف به الذات (1) فالصفة هي ما دلت على الذات مع اعتبار معنى يوصف به الذات أو كما قال الشماخي " هي مقتضيات المسمى الذي اقتضى الصفة." (2)
وقد ذكر عمرو التلاتي أن الصفة هي معنى شريف يوصف به الله تعالى كالقدرة والإرادة (3) .
" وقال أيضا: والصفة عند المتكلمين معنى قائم بالموصوف والوصف معنى قائم بالواصف.
وعند النحاة الصفة والوصف بمعنى واحد.
وقيل الصفة أعم لإطلاقها على القديم كصفات الله تعالى والحادث كصفات الخلق والنعت لا يقال إلا للحادث إذ لا يقال نعوت الله بل صفات الله" (4) .
والمهم هنا أن إطلاق الصفات وارد في القرآن والسنة وقد أخبر الله عن نفسه أنه حي فاعل مثل قوله تعالى: ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (2 البقرة 225) وقوله ( هو الحي لا إله هو فادعوه مخلصين له الدين) (40 غافر 65). وقوله: ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد) (89 الفجر 6). وقوله ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (21 الأنبياء 23).
أما في السنة فمثل قوله صلى الله عليه وسلم حين سألته عائشة رضي الله عنها فقالت :" يا رسول الله ما معنى قول الله عز وجل سميع بصير؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات والبصير الذي لا تخفى عليه الألوان ( والله أعلم)" (5) .
وأورد الربيع بن حبيب حديثا يفهم منه نفي الصفات وهو: قال جابر ابن زيد حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يوشك الشرك أن ينتقل من ربع إلى ربع ومن قبيلة إلى قبيلة قيل: يا رسول الله وما ذلك الشرك؟ قال: قوم يأتون بعدكم يحدون الله حدا بالصفة" (6) .
ومن خلال ما ذكر نتبين أن الإباضية يقرون بوجود الصفات إلا أنهم يقسمونها إلى قسمين. صفات الذات وصفات الفعل فماذا عن هذا التقسيم؟
صفات الذات:
التعريف:" هي أمور اعتبارية أي معان لا حقيقة لها من الخارج، وإنما وصف بها تعالى نفسه ليعلمنا أن أضداد تلك الصفات منتفية عنه تعالى" (7) فصفات الذات صفات أزلية ولا تجامع ضدها في الوجود ولو اختلف المحل فلا يقال علم الله كذا وجهل كذا. (8)
ويفسر داود التلاتي هذا المعنى كما يلي:" الله حي ليس بميت عالم ليس بجاهل قادر ليس بعاجز متكلم ليس بأخرس سميع ليس بأصم بصير ليس بأعمى مريد ليس بمستكره" (9)
تعداد الصفات الذاتية ومدلولها:
إن داود التلاتي يجمع هذه الصفات في هذا البيت بعد أن فسرها كما ذكرنا قبل حين بنفي أضدادها:
(10)
(بسيط)
فهي حينئذ : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والإبصار والسمع.
1) الحياة: " فمعنى كونه تعالى حيا بذاته إن ذاته تعالى كافية في استلزامها صحة الحياة له ولا حاجة فيه إلى ثبوت صفة قديمة قائمة بع زائدة مقتضية لصحة الحياة له ." (11)
" والحياة صفة الله تعالى يراد بها نفي الموت عنه، والدليل على حياته تعالى تصرفه في خلقه بالإيجاد والإعدام والإكرام والإيلام والإفناء والإعادة والزيادة والنقص ونحو ذلك مما يستحيل وجوده من الأموات قال تعالى: ( كل يوم هو في شأن) (55 الرحمان29)
ويقال الله تعالى حي لا كالأحياء بمعنى أنه ليس بميت ولا يموت ولا يجوز عليه الموت.
حي أي ليس بميت ولم يمت قط ولا يموت ولا يجري عليه أن يموت." (12)
" ويقال الله حي ومحي ومميت ( وأنه هو أمات وأحيى) (53 النجم 44).
ويقال الله عز وجل حي على الحقيقة ولا يقال حي على المعقول لولا على ما يعقل.
والمعنى في صفته حي أي أنه فعال خالق محي مميت مبق مفن لا على ما يتوهم من حياة الخلق ذوي الأرواح يتعالى عن ذلك." (13)
2) العلم: " ومعنى كونه عالما بذاته كون ذاته تنكشف لها جميع المعلومات انكشافا تاما من غير قيام صفة قديمة مقتضية لذلك الانكشاف" (14) .
" وعلم الله من صفات ذاته كالحياة والقدرة... وسائر صفات ذاته خلافا لمن قال إنها معان ليست بصفات وهو العالم بما كان وما يكون تعلق علمه بكل معلوم ( لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) (15)
" ومعنى علمه تعالى إحاطته بالأشياء وانكشافها له، وظهورها له ، وإدراكه لها من غير معنى قائم فيه به ذلك العلم، وأن علمه ليس ثابتا له بالدليل....
وعلم الله قديم، وهو يعلم نفسه بعلمه القديم، والمعلوم لله تعالى هو المعلوم لخلقه وإن اختلفت صفة العلم وطرقه لأن علمه بنفسه قديم وبالمشاهدة وعلم الخلق به حادث وبالدليل الموجود في ما كبر من خلقه أو صغر.
ويقال الله عالم ويعلم وقد علم وعلام وعلم وأبصر وأدرك واستبان الأشياء ويعلم أنه ليس لنفسه شريك.
ولا يقال: الله فقيه ولا يفقه ولا فهم ولا يفهم ولا عاقل ولا يعقل ولا حاذق ولا كيس". (16)
ويضيف أبو مهدي موضحا معنى علم الله فيطرح قضية تفاضل الأشياء في علم الله فيقول:" العالم من الصفات الذاتية وتعلق علمه بكل معلوم غائب وحاضر أي كل غيب وشهادة. فإن قال قائل: هل تتفاضل الأشياء في علم الله؟ قيل: إن أردت أن الأشياء متفاضلة في علم الله على أنها متفاضلة فهو جائز وإن أردت التفاضل على علم الله عز وجل فيكون علمه ببعض الأشياء أفضل من علمه ببعض فهذا غير جائز." (17)
3) القدرة:" معنى كونه قادرا بذاته أن ذاته تعالى كافية في التأثير في جميع المقدورات من غير احتجاج إلى قديم زائد عليه قائم به يتأتى به التأثير". (18)
والقدرة وصف لـه تعالى يراد بها نفي العجز عنه والدليل على قدرته وجود المخلوقات من غير سبق مثال.
ويقال الله قادر بنفسه وبذاته ولا يقال بغير هاتين العبارتين.
وقدرته قديمة لم يزل موصوفا بها في الأزل والحال وفي مالا يزال.
ويعتبر المتكلمون أن جميع الصفات غير القدرة ينتظم في القدرة (19) ، فمن وصفه تعالى بكونه قديرا ليس بعاجز فقد وصفه بكل صفة من صفاته ونفى عنه كل صفة من صفات خلقه.
وهو تعالى قادرا على إيجاد ما لم يوجد من الأشياء لعدم استحالة وجوده.
والقدرة الأولية تتعلق بما لا يجب وجوده ولا عدمه تعلقا صلوحيا بمعنى أنها في الأزل صالحة للإيجاد والإعدام على وفق تعلق الإرادة الأزلية فيها لا يزال تعلقا تنجيزيا...
ويقال الله تعالى قادر ويقدر وقدير وقدر ولا يقال يقدر على نفسه ولا يقدر عليها.
ويقال: الأشياء على الله خفيفة يسيرة هينة ولا يقال بعض الأشياء أهون عليه من بعض إلا في الكافر فإنه يقال فيه هو أهون على الله من الكلب. (20)
===================================
) انظر ما سبق213
(2) أحمد الشماخي: رسالة الأسماء: 4
الصفة لغة حسب لسان العرب: الحالة التي يكون عليها الشيء من حليته ونعته، كالسواد والبياض والعلم والجهل، وهي عند النحويين: النعت، واسم الفاعل ، واسم المفعول ، والصفة المشبهة واسم التفضيل أيضا.
لقد حلل كل من أبي عمار الكافي في الموجز 2/180 وأبي يعقوب الوارجلاني في الدليل ط 11/39و49و3/14 هذه القضية تحليلا موسعا لم يتجاوزه علماء الإباضية في القرون المقررة بل اختصروه، وتواصل نفس التحليل في ما بعد القرن 12/ 18 ونورد على سبيل التوضيح ما جاء عند ناصر بن سالم الرواحي في نثار الجوهر : 13 ( الوصف: ذكر الشيء ونعته. والصفة: الحالة التي عليها الشيء من حالته ونعته ولا تقولوا لماكالزنة التي هي قدر الشيء. والوصف قد يكون حقا وباطلا. قال تعالى: (16 النحل116) تنبيها على أن ما يذكرونه كذب. قوله عز وجل: تصف ألسنتكم الكذب (37 الصافات180) تنبيه على أن أكثر صفاته ليس علىسبحانك ربك رب العزة عما يصفون حسب ما يعتقده كثير من الناس، لم يتصورعنه تشبيه وأنه تعالى عما يقول الكفار ولهذا (16 النحل60).ولله المثل الأعلىقال عز وجل :
وما جاء عند عبدالله السالمي:
" والصفة هي اللفظ الدال على المعنى الاعتباري المفيد لإثبات الكمال لله تعالى. والصفة في غير هذا الموضع معنى قائم بالموصوف عليه كالصفات البشرية". المشارق: 172.
(3) ر. حاشية كتاب الديانات: 49
(4) عمرو التلاتي: شرح النونية 32 قفا
(5) الحديث : لم يخرجه ونسنك في المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي
(6) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/عـ 831 ــدد
وقد فسر المحشي قوله عليه السلام: " يحدون الله حدا بالصفة" بقوله: يصفونه بصفة المخلوقين. حاشية الترتيب ( شرح الجامع الصحيح)7/215. لم يرد عند ونسنك. المعجم المفهرس
(7) عمرو التلاتي : نخبة المتين :146-147
(8) وقد جاء تعريف علماء هذه القرون مذكرا بتعريف سلفهم مثل ما جاء عند أبي عمار:" وإنها ( الصفات) هي الله، ليست شيئا غيره" الموجز 2/187.
وما جاء عند أبي يعقوب الوارجلاني في قوله:" الصفات ليست مغايرة للذات" الدليل ط1 ،1/48.
ويستمر نفس الموقف عنده من جاء بعد القرن 12هـ /18م. فهذا عبد العزيز الثميني يقول" وإنما (الصفات) ليست زائدة على ذاته تعالى قائمة بها... بل هي في حقه عين ذاته"( النور: 104) وهذا أحمد الخليلي مفتي عمان يقول في تعريف صفات الذات:" هي ما اتصف الله به على الحقيقة في الأزل وما لم يزل. وهي التي لا تجامع أضدادها في الوجود" (أثناء حديث لي معه في مسقط أفريل 1983.)
(9) داود التلاتي: شرح العقيدة: 27
(10) داود التلاتي: شرح العقيدة: 27
(11) عمرو التلاتي: حاشية على كتاب الديانات:52
(12) عمرو التلاتي: شرح النونية 32 قفا 33قفا.
(13) أبو عمار الكافي: شرح كتاب الجهالات ص 162
(14) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات ص52
(15) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل رسالة لأهل عمان: 85 والآية (34 سبأ3)
(16) عمرو التلاتي: شرح النونية 33وجه و قفا. عبد العزيز الثميني: النور 108
(17) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل رسالة لأهل عمان:87
(18) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات ص52.
(19) ر. القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة. مكتبة وهبة، القاهرة 1965 ص151
(20) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية 33 ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها،قفا وجه 44 لم ينتبه التلاتي إلى قوله تعالى: (30 الروم 27) وفيهاوذروا الذين يلحدون في أسمائه، سيجزون ما كانوا يعملون إمكانية قول إن الإعادة أهون عليه من البدء.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:04 AM
) الكلام: " ومعنى كونه تعالى متكلما بذاته أن ذاته تعالى كافية كونه آمرا وناهيا ومستخبرا من غير حاجة إلى قيام معنى به قديم زائد عليه مناف للسكوت والآفة يدل عليه بالعبارة والكتابة والإشارة ويكون آمرا وناهيا ومخبرا ومستخبرا" (21) .
" فالكلام صفة له تعالى يراد بها نفي الخرس عنه والقرآن كلامه عز وعلا وفعل من أفعاله لأنه وصفه بصفات خلقه من الاتصال والانفصال والتبعيض والتشابه ونحوها.
ويقال الله تعالى كلم وتكلم بعد وجود خلقه وكذا يتكلم.
ويقال الله تعالى كلم أنبياءه ورسله وقال لعباده وتكلم (متكلم بمعنى خالق الكلام).
وتجوز على الله كلم ومتكلم ومكلم بحسب قرائن الأحوال عند بعض أئمتنا.
ولا يقال كلمه عباده ولا قالوا لـه ولا اخبروه وإنما يقال سألوه ودعوه ونحو ذلك." (22)
2) السمع: ومعنى كونه تعالى سميعا بذاته " أن ذاته عز وجل كافية في اكشاف جميع المسموعات لـه من غير احتياج فيه إلى معنى قديم زائد عليه قائم به يتأتى به ذلك الانكشاف" (23)
ومعنى سميع إثبات أنه غير أصم وهو سميع بذاته لا بجزء من أجزائه أو بسمع زائد عليه.
وقد سالت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السميع فقال عليه السلام: " السميع الذي لا تخفى عليه الأصوات" (24) والذي لا تخفى عليه الأصوات ليس بأصم.
ويقال الله تعالى سميع وسامع وقد سمع بمعنى عدم خفاء الأصوات عليه، والسميع صفة له قديمة يراد بها نفي الصمم عنه وخفاء الأصوات عليه، وسمع الله بغير آلة وسمع الحادث بها.
وسمعه تعالى عبارة عن إدراكه الأصوات وملاقاته لها. ويقال سمع بنفسه وبذاته ولا يقال غير هاتين العبارتين ولا يقال الله سماع.
ويجيز أصحابنا (25) أنه عز وجل سميع للألوان بصير للأصوات وهو عندهم سميع لكل شيء وبصير لكل شيء لأن مرجع هاتين الصفتين إلى العلم ومن أدلتهم قوله تعالى: ( بصير بما يعملون) (2 البقرة 96) والأعمال ليست من الألوان.
3) البصر: " ومعنى كونه بصيرا بذاته أن ذاته تعالى كافية في انكشاف جميع المبصرات لـه من غير حاجة فيه إلى معنى زائد عليه قائم به يتأتى به ذلك الانكشاف". (26)
" معنى بصير إثبات أنه غير أعمى وهو بصير بذاته لا بجزء من أجزائه أو ببصر زائد على ذاته.
وقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البصير فقال: " الذي لا تخفى عليه الألوان" (27) .
" والذي لا تخفى عليه الألوان ليس بأعمى ويجوز على الله تعالى مبصر بمعنى بصير.
والبصر صفة قديمة له تعالى يقصد بها نفي العمى وخفاء الألوان عنه.
ويقال إنه تعالى بصير ومبصر وأبصر الألوان وكل شيء بمعنى علمه وبصر غيره بمعنى جعله مبصرا أو رائيا ويقال أبصر بنفسه وبذاته ولا يقال غير هاتين العبارتين ولا يقال بصار ولا يتبصر" (28) .
1) الإرادة: " ومعنى كونه مريدا بذاته أن ذاته كافية في تخصيص جميع الممكنات ببعض ما يجوز عليه من غير قائم به يتأتى من ذلك التخصيص" (29) .
" والإرادة صفة الله تعالى أزلية يقصد بها نفي الإكراه عنه وهي في حق المخلوق ما به يتكون المراد على ما أراده المريد من غير إكراه له عليها"
ويراد بها المنشيئة فهما في حقه تعالى بمعنى واحد.
وقد تكون إحداهما غير الأخرى في اللغة إذ يقال فيها: أردت فلانا بمعنى قصدته لا شئته.
ويقال أردتك لكذا لا شئتك لكذا.
والإرادة أكثر استعمالا في التكوين والدعاة والأمر.
ولا يقال أراد الله نفسه ولا لم يردها.
والله تعالى لم يرد نفسه لأن الإرادة كالقدرة وإنما تقال في الأفعال لا في الذوات.
والإرادة والمشيئة بمعنى القدرة لأن القادر هو الذي إذا شاء أن يكون شيء كان، وإذا لم يشأ أن يكون لم يكن وهو عندنا عز وجل مريد لكل شيء وشاء لكل كائن" (30) .
والملاحظ إن المتأمل في توضيح عمرو التلاتي لمدلولات صفات الذات يلمس أنه اعتمد اعتمادا كليا أو يكاد على أبي عمار عبد الكافي في شرح كتاب الجهالات (31) إلا إن التلاتي تميز بالجمع بين الشرح المختصر والشرح الموسع وذلك حسب متطلبات المنهج المرسوم في شرحه المختصر لكتاب الديانات وفي شرحه الموسع للنونية (32) .
فالإباضية حينئذ يعتبرون أن وجوده تعالى كاف في انكشاف:
جميع المعلومات : علم
جميع المسموعات : سمع
جميع المبصرات : بصر
وفي تخصيص جميع الكوائن الممكنة : إرادة
وفي ثبوت العلم وصحته له تعالى : حياة
وفي كونه آمرا ناهيا ومخبرا ومستخبرا : كلام
وفي التأثير في جميع المقدورات : قدرة
فالله تعالى حينئذ عالم بذاته وسميع بذاته وبصير بذاته ومريد بذاته وحي بذاته ومتكلم بذاته وقدير بذاته.
كما يجيز الإباضية أن يقال عالم وعلمه ذاته وسميع وسمعه ذاته وهكذا.
ولا يجيز الإباضية أن يقال عالم بعلم أو مريد بإرادة زائدة على ذاته كما يقول الأشاعرة.
فالمهم حينئذ أن ذاته تعالى كافية في حصول جميع الكمالات.
ويصح أن يقال في صفات الذات: لم يزل كقولنا لم يزل الله عالما بما كان قبل أن يكون، ولم يزل قادرا على إيجاد ما سيوجد قبل أن يوجد. ولم يزل مريد الوجود ما علم الله أنه سيوجد قبل أن يوجد وهكذا.
والله موصوف بصفات ذاته تعالى في الأزل وبعد الأزل وفي ما لا يزال إذ لو كانت حادثة لأتصف قبل حدوثها بضدها ووصفه بها محال والمؤدي إلى المحال محال، فحدوثها محال فوجب قدمها لعدم جواز ارتفاع النقيضين فلو كان علمه تعالى حادثا لاتصف قبل حدوثه بالجهل تعالى عنه علوا كبيرا وهكذا باقي الصفات.
وصفات الذات لا تنفي عنه في الأزل فلا نقول كان الله ولم يعلم وهكذا.
ويقول أبو مهدي في هذا الصدد:" جميع صفاته في ذاته تقول: لم يزل موصوفا بها" (33) .
ومعنى لم يزل في صفة الله عز وجل أي لم يعدم قط، فأما لا يزال فمعناه أي لا يكون معدوما ولا يقال لغير الله لا يزال إلا بالصلة وقد قال عز وجل: ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) (9 التوبة 110) ويقولون لا يزال فلان من هذا الأمر حتى يموت فيه لأنه لم يزل للماضي ولا يزال للمستقبل.
ولا يجوز التعجب بصفات الذات لأن التعجب استعظام فعل ظاهر المزية خفي السبب ولذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب أما إذا ورد من الله تعالى فيكون حسب المحشي مصروفا إلى المخاطبين نحو:( فما أصبرهم على النار) (2 البقرة 175) ( أسمع بهم وأبصر) (19 مريم 38) (34)
ويوضح سليمان ابن أبي ستة عدم جواز التعجب بصفات الذات أيضا بقوله:" السر في ذلك أن من شرط المتعجب منه أن يكون قابلا للتفاوت وصفات الله سبحانه بخلاف ذلك. أما قوله تعالى الآيات_و_الأحاديث( أسمع بهم) فإنما جاز باعتبار متعلقه فهو في قوة قوله:" ما أكثر مسموعاته" فالتعجب في الحقيقة من المسموع لا من السمع". (35)
" فلا يقال حينئذ ما أحيى الله ولا ما أقدره ولا ما أعظم إرادته ولا ما أسمعه ولا ما أبصره كما لا يقال في شيء من صفاته اضطراري ولا كسبي." (36)
تلك هي إذن مشاركة علماء القرون المقررة في تعريف صفات الذات وتبيين مدلولاتها وقد غلب عليها نقل ما ورد في حاشية أبي عمار عبد الكافي على كتاب الجهالات مع حرص على توضيح ما جاء غامضا في هذه الحاشية. وقبل أن نتحول إلى تبيين موقف الإباضية من أن الصفات عين الذات يحسن أن نذكر مع أبي عمار عبد الكافي أن الإباضية يعتبرون أن الرضا والولاية والسخط والغضب من صفات الذات لأن الذات الإلهية لا يتطرق إليها التغير ولا التحول ولا تتصف بالحوادث (37) لأن هذا مهم في فهم قضيتي القدر والوعد والوعيد.
فماذا إذن عن مناقشة الإباضية لمن يعتبرون أن الصفات الذاتية غير الذات؟
================================
(21) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات ص53
(22) عمرو التلاتي: شرح النونية 34 قفا 35وجه.ملاحظة : انظر زيادة تفصيل في القضية عند الحديث عن مسألة القرآن في ما يلي: 344
(23) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات ص53
(24) انظر ما سبق:228
(25) يعني الإباضية
(26) عمرو التلاتي: شرح النونية 34 قفا، انظر ما سبق: 229
(27) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات ص53
(28) عمرو التلاتي: شرح النونية 34 قفا
(29) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات: 52
(30) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 34وجه. ملاحظة: انظر زيادة تحليل لصفة الإرادة عند تحليل قضية القدر في ما يلي : 231
(31) ر. أبو عمار عبد الكافي : شرح كتاب الجهالات: 163-166
(32) ويتواصل نفس الموقف بعد القرن 12/18 فانظر على سبيل المثال: عبد الله السالمي: المشارق: 165-185 وعبد العزيز الثميني: النور : 104- 112 وهو نفس كلام عمر التلاتي. وناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 26
(33) أبو مهدي عيسى بن لإسماعيل : رسالة لأهل عمان: 85
(34) والنص: ر. المحشي :حاشية على كتاب الجهالات:33
(35) سليمان ابن أبي ستة: حاشية على شرح كتاب الجهالات:33
(36) نفس المصدر والصفحة
(37) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/144
________________________________________
الصفة الذاتية عين الذات:
كلما اشتغلت المصادر الإباضية بقضية الصفات يتصدى أصحابها للدفاع عن نظرتهم ودحض نظريات الفرق الأخرى اعتمادا على آراء الإباضية أحيانا وعلى آراء مجتهدين من تلك الفرق خالفوا فرقهم في هذه النقطة بالذات.
وعمدة المصادر الإباضية النصان التاليان:
- قول أبي عمار كما نقله المحشي:
قال أبو عمار رحمه الله ردا على الأشعري في قولهم بالتعدد والتغاير والقيام بالذات ما نصه:" فلما أثبتوا (الأشاعرة) صفات الله تعالى متغايرة متعددة ثم التمسوا لهذه المعاني المتعددة المتغايرة محلا يحلونها به ومقاما يقيمونها فيه فلم يجدوه لما كان الله في أزليته ليس معه شيء غيره فلما لم يجدوا لها أقدموا عليه من القول بهذا مخرجا سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا فتجاسروا على القول بأنها حالة بالصانع جل جلاله فأئمة بذاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا...إلى أن قال: وما عسى أن يرد عليهم بأقبح من مقالتهم حيث زعموا أن الله جل جلاله محل للأشياء وظاهوا بذلك قول اليعقوبية من النصارى" (38)
- وقول السدويكشي في حاشيته على كتاب الديانات:
" احتج الأشاعرة على ما ذهبوا إليه من أن الصفات مغايرة للذات بوجوه ثلاثة:
الأول: ما عليه القدماء منهم وهو قياس الغائب على الشاهد وذلك أنهم قالوا: إن العلية والحد والشرطية لا تختلف في الشاهد والغائب بل هي فيهما سواء ولا شك أن علة تسمية العالم إنما هي قيام صفة العلم به وحد العالم هو من قام به العلم وشرط تسمية الشيء بالمشتق هو أن يكون فيه أصل ذلك المشتق فشرط تسمية العالم عالما هو قيام العلم به فالعلم شرط لصحة التسمية بالعالم وعلة للتسمية.
والجواب عن هذا الوجه : هو ما أجاب به العضد في المواقف (39) والسيد في شرحه (40) حيث قالا ما حاصله : وهذا ضعيف كيف وهذا القائس قائل ومعترف باختلاف مقتضى الصفات في الشاهد والغائب فإن القدرة في الشاهد لا يتصور فيها الإيجاد بخلافها في الغائب والإرادة فيه لا تختص بخلاف إرادة الغائب وكذا الحال في باقي الصفات فإذا ما وجد في أحدهما لم يوجد في الأخرى فلا يصح القياس أصلا.
الوجه الثاني: لو كان مفهوم كونه عالما حيا قادرا نفس ذاته لم يفد ملها على ذاته، وكان قولنا على طريقة الإخبار الله الواجب أو العالم أو القادر أو الحي إلى سائر الصفات بمثابة حمل الشيء على نفسه واللازم باطل لأن حمل هذه الصفات يفيد فائدة صحيحة بخلاف قولنا ذاته وإذا بطل كونها نفسها ولا مجال للجزئية قطعا لاستحالتها عنه تعالى تعينت الزيادة على الذات.
والجواب عن هذا الوجه: قال العضد والسيد: وفيه نظر لأنه لا يفيد زيادة هذا المفهوم أعني مفهوم العالم والقادر ونظائرهما على مفهوم الذات ولا نزاع في ذلك وأما زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فعلا يفيده هذا الدليل.
(نعم لو تصور مفهوما الوصف والذات معا بحقيقتهما وأمكن حمل الوصف على الذات دون حمل الذات على نفسها حصل المطلوب وهو زيادة الوصف على الذات ولكن أنى ذلك التصور الواصل إلى كنه حقيقتهما).
الوجه الثالث: لو كان العلم نفس الذات والقدرة نفس الذات لكان العلم نفس القدرة مع أنه ضروري البطلان وكذا الحال في سائر الصفات.
الجواب عن هذا الوجه: أنه إنما يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات والنزاع إنما هو في الثاني دون الأول فمنشأ هذين الوجهين عدم الفرق بين مفهوم الشيء وحقيقته.
قال العضد والسيد: وهذا الوجه من النمط الأول أي الوجه السابق، عليه والإيراد هو الإيراد يعني أنه يدل على تغاير مفهومي العلم والقدرة ومغايرتهما للذات لا على تغاير حقيقتهما ومغايرتهما لها.
قال السيد: فإن قلت كيف يتصور كل صفة الشيء عين حقيقته مع أن كل واحد من الموصوف والصفة يشهد بمغايرته لصاحبه وهل هذا إلا كلام مخيل لا يمكن أن يصدق به كما في سائر القضايا المخيلة التي يمتنع التصديق بها فلا حاجة بنا إلى الاستدلال على بطلانه.
قلت: ليس معنى ما ذكروه أن هناك ذاتا وله صفة وهما متحدان حقيقة كما تخيلته بل معناه أن ذاته تعالى يترتب عليه ما يترتب على ذات وصفه معا.
مثلا: ذاتك ليست كافية في اكشاف الأشياء عليك، بل تحتاج في ذلك إلى صفة العلم التي تقوم بك. بخلاف ذاته تعالى فإنه لا يحتاج إلى انكشاف الأشياء وظهورها عليه إلى صفة تقوم به بل المفهومات بأسرها منكشفة عليه لأجل ذاته.
فذاته تعالى بهذا الاعتبار حقيقة العلم وكذا الحال في القدرة فإن ذاته تعالى مؤثرة بذاتها لا بصفة زائدة عليها كما في ذواتنا فهي بهذا الاعتبار حقيقة القدرة.
وعلى هذا تكون الذات والصفات متحدة في الحقيقة متغايرة بالاعتبار والمفهوم ومرجعه إذا حقق إلى نفي الصفات مع حصول نتائجها وثمراتها من الذات وحدها (41) .
ومن خلال هذه الردود نتبين أن المصادر الإباضية تقرر مثل المعتزلة والشيعة (42) أن الصفات عين الذات وهذا ما يذكره التلاتي في هذا الشأن " فالصفات كلها صفات سلوب، أي معاني اعتبارية أريد بها سلب أمور لا تليق به سبحانه وتعالى... فهي عندنا (43) أمور اعتبارية كالانكشاف في العلم والسمع والبصر والتمكن في القدرة والتخصيص في الإرادة والاستلزام في الحياة لا صفات حقيقية موجبة لذلك كما يقولون.
فلسنا قائلين بثبوت الصفات في ذاتها ولا بأنها معان هي عين ذاته تعالى كما قد يتوهم من قول أئمتنا رحمهم الله إن صفات الله عين ذاته بل نقول أمور اعتبارية لا وجود لها في ذاتها ولا في ذاته تعالى واعتبرناها لنفي أضدادها ونقول إن ذاته كافيه في الانكشاف والتخصيص والاستلزام المتقدمة.
وإن هذا هو المراد من كون الصفات عين الذات لا أنها معان موجودة في نفسها في ذاتها وأنها غير ذاته تعالى، لأنه لا يقول بذلك جاهلا فضلا عن فاضل وهذا كله في صفات الذات. (44) فماذا عن صفات الفعل؟
صفات الفعل:
التعريف: قال التلاتي:" أما صفات الأفعال فهي عندنا مدلولات المصادر الواقع منها الاشتقاق كإيجاد الرزق الذي هو مدلول لفظ: رزق المشتق منه رازق ورزق يرزق، وإيجاد الحياة الذي هو معناه لفظ إحياء المشتق منه أحيى ويحي وهكذا". (45)
وبعبارة أخرى هي معان حقيقية قائمة بالمخلوق اتصف تعالى بما اشتق منها كالخالق والرازق والمحيي والمميت فإن الخلق والرزق والإحياء والإماتة معان حقيقية إنما هو حصول ما يترتب عليها أي المعاني الحقيقية هو الأثر الحاصل من الخلق والرزق والإحياء والإماتة ونحوها وإلا فالتأثير اعتباري (46) .
" وصفات الفعل تختلف عن صفات الذات من حيث إنها تجامع ضدها في الوجود عند اختلاف المحل كأن يوسع في رزق زيد ويضيق في رزق عمرو، وأن يرزق العلم عمرو ويخلق الجهل لزيد، وأن يخلق كذا دون كذا وأن يعطي فلانا كذا ويمنع فلانا كذا، ويحب فلانا ويبغض فلانا ويرضى عن فلان ويسخط على فلان ويوالي فلانا ويعادي فلانا ويرحم فلانا ويعذب فلانا وهكذا". (47)
تعداد صفات الفعل
لم تقع الإشارة إلى إحصاء صفات الأفعال وذلك لأنها لا يمكن أن تنحصر تحت عدد مثل صفات الذات.
أما من حيث أزليتها أو عدمها وإمكانية التعجب بها فهاك خلاصة القول في ذلك من قول أبي مهدي:
" وأما صفاته في فعله فلا يجوز فيها لم يزل لأن في ذلك إثبات الخلق قديما لم يزل، فلا يجوز أن يقال لم يزل معبودا ولا لم يزل مذكورا وما أشبهها لأن في ذلك إثبات العابد والذاكر قديمين معه.
وأما لم يزل خالقا ورازقا ومنشئا وما أشبه ذلك فجائز بأحد ثلاثة شروط:
- إما أن تصل كلامك فتقول:" لم يزل خالقا لمخلوق سيكون، ورازقا لمرزوق سيكون وما أشبه ذلك.
- وإما أن تريد به القدرة على الإيجاد.
- وإما أن تعني بذلك فائدة اسم الفاعل ومعناه لأنه يصلح للحال والاستقبال إذ كان منونا والله أعلم.
قال الشيخ يونس ابن أبي زكرياء رحمه الله (48) :" من قال لا يجوز على الله خالق ولا رازق في الأزل فهو كافر منافق. ومن قال ليس بخالق ولا رازق في الأزل فهو مشرك. وكذا في سائر ما أشبه ما ذكرنا." (49)
والملاحظ أن القضية خلافية بين علماء الإباضية فعلماء المشرق وأهل الجبل يعتبرون صفات الأفعال حادثة قال في المنهج: (50)
" ولا يجوز أن يقال : لم يزل بارئا ومصورا ورازقا وخالقا وما كان من صفات الأفعال لأن ذلك يوجب قدم الفعل في الأزل والله سبحانه وتعالى لم يزل ولا شيء معه ثم أحدث الأشياء" (51)
وأما علماء المغرب فقد عبر عمرو التلاتي عن رأيهم كما يلي:" والذي عليه المغاربة أن صفات الله كلها قديمة أزلية لأنه يقال: الله تعالى خالق في الأزل على معنى سيخلق، ورازق في الأزل على معنى سيرزق وهكذا" (52) .
وهذا ما ذكره يوسف المصعبي حيث قال:" هل الله فاعل في أزليته؟ نعم ... قد سميناه بذلك في أزليته وبعد إحداثه الأشياء ولم يزل ربا خالقا" (53)
وحاصل القول:" إن صفة الذات هي التي اتصف بها تعالى بالفعل في الأزل، وصفة الفعل هي التي لم يتصف بها بالفعل فيه، وإنما يتصف بها فيما لا يزال وهو راجع إلى القول بحدوثها كما يدل له تفسيرها المذكور وكما تقول المشارقة" (54)
فواضح إذن أن الخلاف لفظي إلا إن المفهوم واحد وهو إن صفات الأفعال محدثة.
وإن كان لا يصح التعجب في صفات الذات فإنه يجوز التعجب في صفات الفعل نحو ما أعظم إنعام الله على عباده وما أحكمه...
هذا عن صفات الأفعال لكن الإباضية تبينوا أن تقسيم الصفات إلى ذاتية وفعلية غير كاف فاقترحوا تقسيما آخر فماذا عن هذا التقسيم؟
================================
(38) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:41،ر.السالمي: المشارق: 180.
اليعقوبي: نسبة إلى يعقوب البراذعي الذي انتحل مذهب بطريرك الإسكندرية القائل بأن للمسيح طبيعة واحدة ،وهي الفكرة التي رفضها مجمع خليقدونية عام 451م. وتسبب عنها تمسك الكنيسة المصرية برأي بطريركها والانفصال عن الكنيسة الرومانية.
ر. متولي يوسف شلبي: أضواء على المسيحية . الدار الكويتية للطباعة والنشر ط. 2، 1393/1973:ص 123
(39) انظر لتعريف العضد ما سبق : 57 تعليق90
ر. في ما يتعلق بالنص المستشهد به: الايجي: الموقف ط. حجرية من الحجم الكبير. لم تذكر الطبعة د.ت 2/345- 346والتصرف جاء في إيراد الأجوبة بعد عرض كل وجه مباشرة.
(40) السيد هو علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني(740- 816/1340- 1413) فيلسوف من كبار علماء العربية. أغلب إقامته في شيراز من أهم مؤلفاته" شرح المواقف للايجي" .ر. الزركلي: الاعلام5/159
(41) ر. السدويكشيك حاشية على كتاب الدياناتك5-7، عبدالله السالمي: المشارق:176- 177، سعيد ابن تعاريت: المسلك المحمود: 141-144
(42) ر. محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي : بين هذا الاتفاق مع التنبيه إلى بعض الفويرقات:158
(43) يقصد الإباضية
(44) عمرو التلاتي: نخبة المتين:147
ر. الايجي: المواقف:2/345، وقد ناقش آراء أبرز الفرق: الأشاعرة الشيعة، المعتزلة .ر. إبراهيم البيجوري: شرح جوهر التوحيد:79- 80 .ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 182- 188
(45) عمرو التلاتي: نخبة المتين:147- 148 واستعمل أيضا عبارة أخرى عوضا عن قوله " منها الاشتقاق""وهي" اشتقاق الأفعال والصفات منها.
(46) ر . عبدالله السالمي: المشارق:172
(47) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة36 وجه .ر. عبد العزيز الثميني: النور:114 . ر . عبدالله السالمي: المشارق:173 ر . أبو يعقوب الوارجلاني: كتاب العدل والأنصاف:70- 71، وقد أجرينا حوارا مع احمد الخليلي مفتي عمان في هذا الشأن بمسقط أفريل 1983 والموقف الإباضي ما يزال على ما كان عليه السلف.
(48) يونس بن فصيل ابن أبي مسور(ق5/11) أخذ العلم عن أبيه فصيل في الجامع الكبير. نشط في تأسيس نظام العزابة مع أبي عبدالله محمد ابن أبي بكر (400/1049). وكان من أعضاء الحلقة التي كونت في جربة.ر. الجعبيري: نظام العزابة: 196 وفيه الإحالة على المصادر.
(49) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان:85
(50) يقصد كتاب منهج الطالبين وبلاغ الراغبين لخميس بن سعيد الرستاقي وقد عرفنا بالمؤلف( انظر ما سبق:56 تعليق36
(51) سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود: 137 مع إضافة :" وهذا ما عليه الأشاعرة.
(52) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة36وجه. ر . عبدالله السالمي: المشارق:173
(53) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:8
(54) عبدالله السالمي: المشارق:173- 174
________________________________________
تقسيم آخر لصفات الله تعالى
وينقل عمرو التلاتي عن المشارقة روايتهم التالية عن تقسيم الصفات إلى ثلاثة أقسام"
" صفات ذاتية فقط، وصفات فعلية فقط، وصفات ذاتية باعتبار وفعلية باعتبار.
فالأولى هي كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى واتصف بها بالفعل في الأزل كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والحياة.
والثانية كل صفة دلت على نفي ضدها عنه تعالى ولم يتصف بها بالفعل في الأزل كالخلق والإحياء والإماتة والحب والبغض والقبض والبسط والولاية والبراءة.
والثالثة كل صفة تحتمل معنيين متغايرين كحكيم بمعنى نفي العبث عنه تعالى صفة ذات وبمعنى واضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها صفة فعل وصادق فإنه بمعنى نفي الكذب عنه تعالى صفة ذات وبمعنى مخبر بالصدق صفة فعل وسميع فإنه بمعنى نفي الصم عنه تعالى صفة ذات، وبمعنى قابل الدعاء صفة فعل ولطيف فإنه بمعنى عالم صفة ذات، وبمعنى رحيم صفة فعل وهكذا" (55) .
واضح أن هذا التقسيم أكثر دقة من التقسيم الأول وأكثر وضوحا وشمولا.
وإلى جانب هذا ذكرت مصادر المرحلة المقررة وما بعدها التقسيم المعتمد عند غير الإباضية.
ومن ذلك يذكر عمرو التلاتي تقسيم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام وحصرهم ما يجب أن يعلم منها في عشرين صفة.
1) الصفة النفسية: وهي الوجود الذاتي.
2) الصفة السلبية: وهي خمس: القدم، والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية.
3) صفات المعاني وهي الصفات الذاتية عند الإباضية : سبع : العلم والارادة والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام.
4) صفات معنوية منسوبة إلى تلك المعاني وهي: سبع: العليم والمريد والقادر والحي والسميع والبصير والمتكلم . (56)
هذا ما تعلق بالصفات فماذا عما يجب ويستحيل ويجوز في حق الله تعالى؟
ما يجب وما يستحيل وما يجوز في حق الله تعالى؟
الواجب في حقه تعالى: يحسن أن نبين مفاهيم كلمة الواجب إذا أضيفت إلى غيرها.
فالواجب العقلي: هو الضروري في العقل كوجود الصانع وحسن العدل وقبح الظلم.
والواجب الشرعي: هو ما يترتب على فعله الثواب وعلى تركه العقاب وهذا مرجعه إلى الشرع ما لم يمنع العقل جوازه.
والواجب في حقه تعالى هو ما يترتب على ثبوته له كمال وعلى عدمه نقص ومحال كجميع صفات الذات من حياة وعلم وما إليها والوجود والوحدانية والقدم والبقاء وعدم المثل في الذات والصفات والأفعال الخ... (57)
ولقد عرفنا الوجود من قبل (58) فماذا عن البقية؟
1) الوحدانية
الواحد لغة:" وحده: مصدر محذوف الزوائد وله فعل والأكثر اسم مصدر في موضع الحال، وقيل ظرف وشذت تثنيته وجره بعلى أو بالإضافة.
والواحد الذي لا جزء له ولا شبيه بوجه" (59)
" الواحد في الحقيقة هو الذي لا جزء له البتة ثم يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلا ويصح أن يوصف به فيقال عشرة واحدة ومائة واحدة وألف واحد.
والواحد لفظ مشترك يستعمل على ستة أوجه:
الأول: ما كان واحدا في الجنس أو في النوع كقولنا: الإنسان والفرس واحد في الجنس وزيد وعمر واحد في النوع.
الثاني: ما كان واحدا بالاتصال إما من حيث الخلقة كقولك: شخص واحد وإما من حيث الصناعة كقولك حرفة واحدة.
الثالث: ما كان واحدا لعدم نظيره إما في الخلقة كقولك: الشمس واحدة وإما في دعوى الفضيلة كقولك: فلان واحد دهره ونسيج وحده.
الرابع: ما كان واحدا لامتناع التجزئ فيه إما لصغره كالهباء وإما لصلابته كالألماس.
الخامس: للمبدأ أما لمبدأ العدد كقولك: واحد، اثنان وإما لمبدأ الخط كقولك : النقطة الواحدة.
والوحدة في كلها عارضة.
السادس: إذا وصف الله تعالى بالواحد فمعناه هو الذي لا يصح عليه التجزؤ ولا التكثر، ولصعوبة هذه الوحدة قال الله: ( إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة) ( 39 الزمر 45)
والواحد بفتح الواو والحاء المهملة، وهو الفرد ويوصف به غير الله.
وأحد: مطلق لا يوصف به غير الله.
ويقال : فلان لا واحد له كقولك هو نسيج وحده" (60)
والوحدانية شاملة لوحدانية الذات والصفات والأفعال وقد لخص المحشي الكلام في هذه القضية كما يلي عند شرح المتن: وإنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في اسم ولا صفة ولا ذات:
" قوله: في اسم ولا ذات يعني ولا فعل ولا عبادة كما هو معلوم وهذا يقتضي أن الواحد في حق الله تعالى على خمسة أوجه مع أنه اقتصر في ما تقدم على ثلاثة اوجه حيث قال: وهو الواحد في ذاته والواحد في صفاته والواحد في فعله واقتصر في كتاب السؤالات على أربعة وأسقط الواحد في أسمائه وجوابهما مفهوم العدد لا يفيد الحصر وأن الواحد في الذات يشمل الواحد في الاسم لأن الاسم نفس المسمى". (61)
والمهم أن مرجعها إلى ثلاثة أي في الذات والصفات والأفعال.
" ومعنى واحد في الذات أن ذاته ليست بذات جسم فيوصف بالتجزئة والانعدام.
ومعنى واحد في الصفة: أي ليس أحد غيره يوصف بصفته من الألوهية والربوبية والقدرة والعلم والإرادة وفي جميع صفاه عز وجل.
ومعنى واحد في الفعل: ليس أحد يفعل كفعله أي لا خالق الخلق ولا مفني الخلق إلا هو ولا مرسل الرسل ولا منبئ الأنبياء ولا منزل الكتب ولا فاعل سماء ولا أرضا ولا شيئا من أفعاله عز وجل إلا هو". (62)
والفرق في الواحد في حق الله تعالى وفي حق المخلوق أن الواحد في حق الإنسان مثلا أنه واحد من عدد من الناس ومتجزئ إلى أجزاء كثيرة والواحد في حق الخالق ما أشير إليه في الوجه السادس من وجوه تفسير الواحد أي لا يشاركه أحد في وحدانيته ولا يتجزأ تعالى عن ذلك علوا كبيرا". (63)
وقد حرصت المصادر على إيراد الأدلة النقلية والعقلية لإثبات وجوب الوحدانية لله تعالى.
أما الأدلة النقلية فهي أكثر من أن تحصى مثل قوله تعالى ( قل هو الله أحد) (112 الإخلاص 1) وقوله: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (21 الأنبياء 22).
وقوله صلى الله عليه وسلم : " بني الاسلام على خمسة على أن يوحد الله..." . (64)
وأما الأدلة العقلية فملخصها ما ذكره أبو عمار في شرح الجهالات وأحالت الحواشي على هذا الشرح.
" أدلة التوحيد راجعة إلى طريقتين...طريقة الصفة والأخرى طريقة الممانعة.
فطريقة الصفة أنه لا تخلو الذات من أن تكون ذاتا واحدة أو أكثر فإن كانت الذات ذاتا واحدة فهو ما قلنا، وإن كانتا ذاتين كانتا غير خاليتين من أن تكونا بصفة واحدة أو بصفتين [ وإن كانتا أيضا بصفة واحدة وإن كانت الذاتان بصفتين لم تجب الألوهية والربوبية إلا بصفة واحدة]. (65)
وأما طريقة الممانعة فإنه لا يخلو الاثنان أو اكثر منهما من أن يكونا متمانعين فإن كانا متمانعين بطل الوصف عنهما جميعا بالألوهية وإن كان واحد مانعا للآخر كان المانع هو المستحق للألوهية دون الآخر.
وأما الأدلة المذكورة في كتاب الله عز وجل من ذلك عز وجل ( لفسدتا) (66) و ( لفسدت السماء والأرض ومن فيهن) (67) ، و ( لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض) (23 المؤمنون 91) فإنها قريبة من طريقة الممانعة. وكذلك وقوله (68) لم يخل كل واحد منهما من أن يكون قادرا على الآخر وغير قادر وان ينفي الآخر أو يخفي أمر دونه أو يخلق أمرا دونه في مثل ذلك، فهو كله راجع إلى طريقة الممانعة والممانعة راجعة إلى معنى الصفة وذلك أن الممانعة إذا وقعت بينهما كانا موصوفين بصفة واحدة أو كانا جميعا غير متمانعين كانت الصفة أيضا واحدة فإن الممانعة من حيث ما دارت راجعة إلى طريق الصفة" (69)
كما أن يوسف المصعبي (70) يحيل على كتاب الموجز (71) وواضح من خلال المقارنة أن ما جاء محللا في كتاب الموجز قد أوجز في النص الذي أوردنا في كتاب شرح الجهالات.
أما ما يمكن أن يقال من الصيغ وما لا يمكن أن يقال فملخصه ما يلي:
يقال الله عز وجل واحد على الحقيقة ويقال واحد على حقيقة الوحدانية وعلى حقيقة الواحد كل ذلك جائز ويقال واحد كالآحاد ولا يقال واحد لا كالواحد من الآحاد.
ويقال الله تعالى موحد وموحد ويجوز في الأزل موحد بالكسر وفي غير الأزل موحد بالفتح والموحد بالكسر هو الفاعل للتوحيد وبالفتح أي وحد نفسه ووحده الموحدون من عباده. (72)
==================================
(55) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة36قفا . ر . عبدالله السالمي: المشارق:173- 174.ر. عبد العزيز الثميني: النور: 115
(56) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة36قفا وورقة37وجه.عبد العزيز الثميني: النور: 115- 116.
وتشير المصادر غير الإباضية أيضا إلى قسمين آخرين هما:
- صفات الأفعال: وقد أرجعها الماتريدي إلى صفة التكوين.
- الصفات الخبرية مثل اليد والوجه.
ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية:197- 198
(57) وقد جمع أبو مهدي ما يجب في حق الله تعالى في رده على البهلولي:113- 114. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي:113- 114
(58) انظر ما سبق:18
(59) أحمد الشماخي: شرح العقيدة:36
(60) ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر:22
وقد أخذنا النص لشموله جل ما جاء عند الإباضية في الموضوع رغم أنه متأخر عن المرحلة المقررة وذلك رغبة في الاستيعاب.
(61) المحشي : حاشية على كتاب الوضع:68- 69.ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:" وقيل في معنى الواحد إنه واحد في الخلق والإرسال والإنزال":3و5
(62) أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:21
(63) ويقول أبو زكرياء الجناوني في ذلك:".. كل موصوف بأنه واحد فذلك جائز فالواحد على الحقيقة هو الله سبحانه لأن الخالق لا يقبل التجزيء بخلاف المخلوق، ألا ترى أن الواحد منا هو في الحقيقة اثنان جسم وروح، ومن اثنين ذكر وأنثى، وباثنين طعام وشراب، وع اثنين حركة وسكون ، والله تعالى بخلاف ذلك. كتاب الوضع:34".
(64) صحيح مسلم إيمان19 حسب ونسنك، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 7/157
(65) في ما بين المعقفين غموض، لعله كما يلي: فإن كانتا بصفة واحدة لم تجب الألوهية إلا بصفة واحدة، وإن كانتا بصفتين تعددت الإلهة وبطلت.
( 21 لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا(66) الأنبياء22).
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن(67) (23.المؤمنون71)فيهن
(68) يشير إلى المتن الذي يشرحه : أي قول تبغورين بن عيسى المشلوطي في كتاب الجهالات.
(69) أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:22- 23
ر. أبو الحسن الأشعري: اللمع في الرد على أهل الأهواء والبدع، مكتبة الخانجي القاهرة 1955:8.
ر. الماتريدي: كتاب التوحيد . المطبعة الكاثوليكية، بيروت1970: 20- 21 فالأشاعرة والماتريدية يستدلون أيضا على الوحدانية بنفس الدليل.
(70) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:5
(71) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/266- 268
(72) ر. أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:21- 22
________________________________________
1) القدم:
وهو عبارة عن نفي سبق العدم له مطلقا والدليل النقلي قوله تعالى ( هو الأول) (57 الحديد 3) بمعنى القدم أي الذي كان قبل خلقه.
والدليل العقلي هو انه لو لم يكن تعالى قديما للزم أن يكون حادثا وافتقر حينئذ إلى محدث وذلك يؤدي إلى التسلسل إن كان محدثه ليس أثرا له أو إلى الدور إن كان أثرا له لما في الأول من تعدده إلى مالا نهاية له ولما في الثاني من كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها (73) .
2) البقاء (74)
وهو عبارة عن عدم إلحاق العدم للوجود والدليل النقلي قوله تعالى ( هو الآخر) (57 الحديد 3) الذي لا يفنى وهو تأويل الباقي. وقوله تعالى: ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (55 الرحمان 27) ( والله خير وأبقى) (20 طه 73).
والدليل العقلي هو انه لو لم يكن متصفا به للزم أن تكون ذاته تعالى قابلة للوجود والعدم فيحتاج في ترجيح وجوده إلى مخصص فيكون حادثا كيف وقد مر بالبرهان وجوب قدمه ومن هنا تعلم أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه (75) .
أما عدم المثل في الذات والصفات والفعل فسنتعرض له عند الوقوف عند قوله تعالى: ( ليس كمثله شيء) (42 الشورى 11). (76)
هذا أهم ما يتعلق بالواجب في حق الله تعالى فماذا يستحيل في حقه سبحانه وتعالى؟
المستحيل في حق الله تعالى:
" والمستحيل في حقه تعالى هو كل نقص (77) وضد لصفات كماله النفسية والسلبية والمعاينة والمعنوية في الحكم الواجب له تعالى.
ومن قام له بالبرهان الصحيح بثبوت الألوهية لواجب الوجود سبحانه وتعالى إذا تصور في نفسه هل يجوز في هذا الإله أن يكون متصفا بشيء من النقائص أو الرذائل أو المفاسد وجب عليه نفي ذلك عنه في الحال لأن من كانت هذه صفته فليس بإله فهذه طريق واضحة في معرفة الصفات المستحيلة في حق الله تعالى من الفناء والموت والحدوث والعجز والفاقة والضعف والصاحبة والولد والشريك والثاني والثالث والعمى والجهل والصمم والخرس والبكم والغفلة والسهو والسنة والنوم والجور والظلم وهكذا في سائرها". (78)
فواضح إذن أن المستحيل في حقه تعالى هو ضد جميع صفات الكمال والجمال (79) فماذا عما يجوز في حق الله تعالى؟
ما يجوز في حق الله تعالى:
يجب أن نميز بين ما يجوز في حق الله تعالى وبين الجواز العقلي أما الجواز العقلي: فهو الذي يتصور في الذهن وجوده وعدمه فهو نفس المسمى عند المناطقة بالإمكان الخاص" . (80)
وأما الجائز في حقه تعالى:" فهو كل مالا يترتب عليه ولا عدمه نقص في حقه تعالى كالخلق والإفناء والإعادة والرزق بفتح الراء". (81)
وهي بالتالي صفات الأفعال.
وإلى هذا الحد نكون قد ألممنا بأهم ما يتعلق بذات الله وصفاته وما يجب في حقه وما يستحيل وما يجوز لكن يحسن قبل أن نختم هذا المبحث أن نفي وعدنا به من قبل، وهو تحليل الإباضية لسورة الإخلاص ولقوله تعالى: ( ليس كمثله شيء) فماذا عن هذا التحليل؟
تحليل سورة الإخلاص:
قال الجناوني للتدليل على وجوب الوحدانية شرعا:
" ونبه الله تعالى عباده على ذلك بقوله: ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد)
فقوله: قل هو الله ، رد على الدهرية وقوله: أحد رد على الثنوية
وقوله : الصمد رد على المجسمة وقوله: لم يلد ولم يولد رد على اليهود والنصارى، وقوله : لم يكن له كفؤا أحد رد على المشبهة". (82)
ويشرح المحشي هذا النص كما يلي: فيبدأ بالإعراب:( قل هو الله أحد): قال العنبري يحتمل أن يكون هو مبتدأ والله خبره وأحد خبرا ثانيا أو بدلا من الله بناء على حسن إبدال النكرة غير الموصوفة من المعرفة إذا استفيد منها ما لم يستفد من البدل منه... ويحتمل أن يكون هو ضمير الشأن والجملة خبره.
ثم يحلل المعنى كما يلي:
وتعتبر الأحدية بحسب الوصف بمعنى أنه أحد في وصفه مثل الوجوب واستحقاق العبادة ونظائرهما، أو بحسب الذات أي لا تركيب فيه أصلا.
وعلى الوجهين تظهر فائدة حمل الأحد عليه تعالى ولا يكون مثل زيد أحد.
ويعود إلى الاعتماد على الإعراب فيقول:
وظاهر كلام المصنف في قوله تعالى هو الله رد على الدهرية أن لفظ الجلالة خبر فليس الضمير ضمير شأن لأن خبره لا يكون إلا جملة فيوافق الإعراب الأول.
ثم يعود إلى المعنى:
قوله: رد على الدهرية وهم المعطلة الذين أنكروا الله رأسا وقالوا ليس إلا أرحام تدفع وأرض تبلغ وقالوا ما يهلكهم إلا الدهر. زاد أبو سهل (83) رحمه الله وإشارة إلى تحقيق الوجود والإثبات. قوله رد على الثنوية أي وإشارة الى تحقيق الذات، والثنوية هم القائلون بالنور والظلمة يعني أن الأشياء تكونت منهما في زعمهم لعنهم الله.
قوله: رد على المجسمة وفيه إشارة السيد الذي يصمد إليه في كل الحاجات لكن ينظر ما الفرق بين المجسمة والمشبهة حتى فرق في الرد عليهما فإن المجسمة من المشبهة قطعا فالأولى إسناد الرد عليهما إلى محل واحد وهو قوله : ( ولم يكن له كفؤا أحد) فإنه ظاهر كل الظهور بخلاف الرد بالصمد (84) والله أعلم.
قوله: رد على اليهود والنصارى: قال الله تعالى حكاية عنهم: ( وقالت اليهود عزيز بن الله وقالت النصارى المسبح بن الله) (9 التوبة 30) والرد عليهم في الحقيقة إنما هو بقوله: ( لم يلد) فقط، وكذا فيه الرد على المشركين حيث قالوا: " الملائكة بنات الله" تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قوله: ( ولم يكن له كفؤا (85) أحد) رد على المشبهة قال أبو سهل: رد على من قال بتحيز الذات وتحريف الأسماء والصفات" (86) .
فواضح إذن من خلال هذا التحليل وما جاء في أسباب النزول أن هذه السورة جاءت محيطة بصفات الله تعالى. " فالله تعالى نفى عن ذاته أنواع الكثرة بقوله أحد ونفى النقص والمغلوبية بلفظ الصمد ونفي المعلولية والعلة بلم يلد ولم يولد ونفى الأضداد والأنداد بقوله ( لم يكن له كفؤا أحد) . (87)
ثم يعود الجناوني إلى السورة بمنهج آخر:
وقد قيل الشرك ثماني: الكثرة والعدد والتقلب والنقائص والعلة والمعلول والأضداد والأشكال فنفى عن نفسه الكثرة والعدد بقوله( قل هو الله أحد) ونفى عن نفسه التقلب والنقائص بقوله( الصمد) ونفى العلة والمعلول بقوله:( لم يلد ولم يولد) ونفى الأضداد والأشكال بقوله ( لم يكن له كفؤا أحد (88) .
فالسورة حللت بطابع لغوي عقائدي فلسفي دفاعي وحملت كل طاقات الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية آنذاك والهدف من ذلك تعظيم الله تعالى وتنزيهه وإقرار عقيدة التوحيد ولذلك تسمى السورة أيضا سورة التوحيد.
هذا عن سورة الإخلاص فماذا عن قوله تعالى ( ليس كمثله شيء)؟
================================
(73) ر . عبدالله السالمي: المشارق:185. ويقول البرادي في تعريف القدم ما يلي:" حقيقة القدم صفة القديم. والقديم هو الموجود لا بعد عدم ولا يعدم بعد وجود". رسالة الحقائق:35
(74) يقول البرادي في تعريف البقاء:" وجود بعد وجود" رسالة الحقائق: ص35
(75) ر . عبدالله السالمي: المشارق:185
(76) انظر ما يلي:126
(77) يقول عمرو التلاتي: دون أن يحلل :والمستحيل في حقه تعالى هو كل نقص، وضد للصفات العشرين(انظر ما سبق:250) وقد استفيد من تعداد الأشعرية للصفات الواجبة). شرح النونية ورقة 58 قفا.
(78) ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر34.
(79) قد جمع ما يستحيل في حق الله تعالى أبو مهدي في رده على البهلولي .ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 114- 116" لا يوصف بسرور ولا فرح ولا ضدها وما جاء في الحديث : ا، الله ليفرح بتوبة عبده" وما أشبهه من الأحاديث فهو مجاز عن لازم الفرح من الإنعام والثواب. والحديث جاء عند البخاري دعوات3. وعند مسلم توبة من 1إلى 7، وعند الترمذي: قيامة49، دعوات 98...ر. ونسنك : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث:5/98 مادة فرح.
(80) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة38قفا . ر . عبدالله السالمي: المشارق: 164 لقد أورد نفس التعريف.
(81) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة38قفا . ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 33.
(82) أبو زكرياء يحيى الجناوني: كتاب الوضع ط. مع حاشية المحشي عليه:32- 33
(83) انظر ما سبق 65
(84) الصمد: الذي قد انتهى في السؤدد والشرف، وقيل المصمود إليه في طلب الحوائج الخ... ر. المعجم الوسيط
(85) الكفؤ: القرين. الند. المثل: النظير ر. المعجم الوسيط.
(86) المحشي : حاشية على كتاب الوضع:32- 33
(87) الفخر الرازي: التفسير الكبير ط1 مطبعة عبد الرحمن محمد . القاهرة د.ت: 32/185، وقد استعنا بهذه الفقرة لزيادة التوضيح.
(88) أبو زكرياء يحيى الجناوني: كتاب الوضع مع حاشية المحشي: 34
________________________________________
تحليل قوله تعالى : ( ليس كمثله شيء) (42 الشورى 11)
إن هذا الجزء من الآية الحادية عشرة من سورة الشورى من أهم ما استدل به أثناء تحليل قضية الذات والصفات لذلك أردنا أن نقف عنده كما وقفنا عند سورة الإخلاص.
فهذا أحمد الشماخي يعتبر أن هذا الجزء من الآية عمدة الكلام عن الصفات فيقول:" واعلم أن عمدة هذا الباب (الحديث عن ذات الله) وغيره من الكلام على الصفات أن تجعل أصلك أن الله تعالى لا يشبه شيئا. ولا يشبهه شيء". (89)
وهذا المحشي يلح على معنى التعميم حيث يقول:" ومع هذا (قوله عز وجل: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) قالوا (90) ليس كمثله في العلم والقدرة. فقلنا لهم: ليس كمثله شيء هو عموم فمن ادعى فيه الخصوص فعليه الدليل". (91)
وهذا عمرو التلاتي يلح على معنى العموم أيضا فيقول:" ليس كمثله شيء" أي لا يشابهه شيء من الأشياء جليلها وحقيرها وضيائها وظلامها وحيها وميتها وإنسها وجانها وملكها وجمادها وحيوانها وشمسها وقمرها ونجومها وسمائها وأرضها وما فيها وما بينهما وما يكون يوم القيامة والجنة والنار في ذاته ولا شيء من كمالاته بوجه ما ولا في حال ما" (92)
أما يوسف المصعبي فقد تابع تبغورين بن عيسى في أن الآية محكمة كما ناقش قضية زيادة الكاف أو مثل وأثبت ألا شيء منهما زائد ورجح قول الزمخشري في أن الآية من قبيل الكناية كما في قولك" مثلك لا يبخل". (93)
فالآية حسب علماء الإباضية في هذه القرون المقررة محكمة وهي أهم منطلقات مبحث الذات والصفات كما أنها تفيد العموم المطلق في نفي الشبيه عن الله تعالى وتحميلها على وجه الكناية يزيد إلحاحا على هذا التعميم.
وقد ذهب من جاء بعد هؤلاء نفس المذهب بل نقل عبد العزيز الثميني نفس ما ورد عند عمرو التلاتي ونذكر منهم محمد اطفيش (94) وناصر بن سالم الرواحي. (95)
وقبل أن نتحول إلى الوقوف عند رئيس الإباضية في المتشابه يحسن أن نحوصل ما جاء إلى الآن مما يتعلق خاصة بالمحكم في حق الله تعالى مع تبيين بعده الحضاري.
معلوم أن الوثنيين تصوروا آلهتهم كما يرغبون وشكلوها أشكالا مختلفة لكن الاسلام تميز بدعوة الناس إلى التفكر في المخلوقات لا في الخالق وقد جاءت نصوص عديدة من القرآن في هذا النسق نذكر منها قوله تعالى: ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (3 آل عمران 190- 191)
أما الأحاديث فقد جاءت صريحة في الأمر بالتفكر في الخلق والنهي عن التفكر في الخالق ومن ذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه خرج على قوم وهم يتذاكرون فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم سكتوا فقال:" ما كنتم تقولون" قالوا نتذاكر في الشمس وفي مجراها قال:" ذلكم فافعلوا تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق" وزاد فيه الحسن:" إن الله لا تناله الفكرة". (96)
لكن رغم هذا النهي الصريح عن التفكر في الخالق جاءت كتب أصول الدين مفعمة بذلك إلا أن منطلق المتكلمين كان منطلقا دفاعيا للرد على مختلف الفلسفات التي تنفي وجود الخالق أو تتصوره بوجه يختلف عن التصور الإسلامي.
ومنطلقات المتكلمين كانت منبثقة من القرآن إلا أنهم يحاولون صياغة ما جاء فيه من حجج صياغة عقلية برهانية، وقد بينا أن الفكر الإباضي يتنزل في هذا المحيط وقد عالج القضية بنفس المسلك فتأمل أصحابه من وقت مبكر في حقيقة العقل، وحاولوا شيئا فشيئا تحديد مجموعة من المفاهيم صيغت في مصطلحات مثل حقيقة الجوهر والعرض والجسم والشيء والواجب والمستحيل والجائز وما إلى ذلك، ولم تكن المرحلة المقررة للدرس 10، 11، و12 إلا امتداد للقرون السابقة فلم تطل فيها البحوث المتعلقة بإثبات وجود الله تعالى لأن الوسط الذي يعيش فيه الفكر الإباضي لم يعد في حاجة إلى مثل هذه المباحث وإن لم تخل من الإشارة إلى ذلك، وتتمثل هذه الإشارة في دوران الحجج حول دليل واحد وهو افتقار الصنعة إلى الصانع وقصارى القول في هذا المبحث أن حجة السماع هي الأساس لأنها أوسع بكثير من حجة العقل، ولا يمكن أن نلمس لكل هذا بعدا حضاريا طريفا لأن المجتمع الإسلامي آنذاك لم يتفتح بعد على تيار حضاري آخر يدفعه إلى التأمل في القضية من جديد كما حدث ذلك في ما بعد عند الالتقاء بالحضارة الغربية في القرن الرابع عشر هجري، فالقضية حينئذ ثابتة، ولا جدال في الإقرار بوجود الله تعالى.
أما في ما يتعلق بذات الله تعالى فقد جاء التراث الإباضي في هذه المرحلة اجترارا وإعادة لما جاء في التراث الإسلامي عامة والإباضي خاصة ويتمثل ذلك في الرد على المجسمة والمشبهة والنصارى واليهود كأن نصف المجتمع من هؤلاء الناس مع العلم أم مثل هذه الأصناف لا وجود لها في البيئة الإباضية وحتى إن وجد بعض اليهود فإنهم منغلقون على أنفسهم لا يدخلون في الجدل مع أحد.
والحقيقة أن محاولة تحديد الذات الإلهية ضرب من الترف الحضاري نرى أن المسلمين في غنى عنه لأن المتكلم يعتقد مسبقا أن العجز عن إدراكه إدراك ولعل المشكل يكمن في صعوبة تطويع اللغة لاستيعاب عالم الغيب ولذلك حاولت هذه المصادر تعريف كلمة الذات تعريفا اصطلاحيا وحيثما دارت هذه التعريفات ترجع إلى حقيقة واحدة وهي أن الله تعالى كما قال عن نفسه: ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ( 42 الشورى 11).
لكن مهما يكن من أمر فإن هذا المبحث وإن لم يمكن من ضبط دقيق لمفهوم الذات فإنه لم يخل من تأملات لغوية دقيقة في ما يتعلق باشتقاق كلمة ذات وفي الإلحاح على ضرورة تنزيه تعالى مطلقا مع الانتباه إلى أن العقل مهما نما وتكامل يبقى محدودا وإذا أدرك المفكر هذه الحقيقة حرص على توسيع هذه الحدود.
كما أن مثل هذا المبحث لا يمكن أن نعثر على أثره الحضاري في أوساط عامة الناس لأن هذا ليس من مشاغلهم البتة فالله موجود وكفى. لكن العالم الذي فقه مثل هذه المعاني لا تخلو موعظته من أثر في الناس إن هو علم كيف يلامس بها قلوبهم فيدفعهم إلى الشعور بعظمة الذات الإلهية والحقيقة أننا لم نجد في ما بين أيدينا من تراث في العقيدة محاولة لتطويعه لمثل هذا الغرض، بل بقي نصوصا تعليمية يغلب عليها طابع التجريد يتناقلها المتعلمون صاغرا عن كابر.
ولئن كان المبحث المتعلق بالذات العلية يكتسي صبغة تجريدية محضا فإن مبحث أسماء الله تعالى لا يخلو من مثل هذه النزعة لكنه يبدو أقرب إلى الاستيعاب والفهم لأن هذه الأسماء تتردد على ألسنة الناس مئات المرات في اليوم بداية من اسم الجلالة إلى آخر ما استنتج من استعمالات قرآنية بصفة غير مباشرة.
وفعلا فقد حرص علماء الأصول على أن يستكهنوا مفهوم اسم الجلالة فاختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا مما جعل المحشي يعبر عن تيه العقول في هذا الشأن ومرجع ذلك ضعف هذه العقول أمام عظمة الله تعالى والملاحظ أن التراث الإباضي لم يتوسع في تحليل انحصار هذا الاسم في حرف الهاء وإن وقعت الإشارة إلى ذلك من وقت مبكر على لسان جابر ابن زيد ومدار القول إن هذا الاسم اعتبر علما تنسب إليه جميع الصفات.
وأثناء التأمل في هذه الأسماء أثيرت قضية جدلية قليلة الجدوى ألا وهي علاقة الاسم بالمسمى وقد بينا أن الخلاف في شأنها داخلي أي بين الإباضية لكن وإن كانت عديمة الجدوى في شأن العقيدة لأن الجدل أفضى إلى أن الخلاف اعتباري بين من يقول إن الاسم هو المسمى وبين من يقول بخلاف ذلك إن الاسم غير المسمى فإن لها بعدا حضاريا واضحا يتمثل في أن الباحث يدرك أن الخلاف الداخلي يكون أشد أثرا في البيئة نفسها مما لو كان الخلاف مع غير الإباضية وقد رأينا كيف رمي القائلون بأن الاسم غير المسمى وبأنها مخلوقة بالإلحاد وهذا أدى إلى تصدع واضح آنذاك خاصة في الجزيرة إذ قد انغلق كل على رايه وهذا كان له أثر واضح في تقلص عدد الإباضية في الجزيرة إذ تخلى القسم الذي اتهم بالإلحاد شيئا فشيئا عن إباضيته وسهل تحويله إلى مذهب آخر بعد حين ونشير إلى الجانب الشرقي من جزيرة جربة الذي تخلى سكانه عن إباضيتهم بصفة نهائية.
هذا على مستوى الواقع أما على المستوى النظري فأن هذا المبحث دفع علماء الأصول إلى تقصي صيغة وسم أو سما بكل مشتقاتها في القرآن الكريم مع التأمل في جميع استعمالاتها وذلك حرصا على توجيهها لما يوافق الموقف المتنبي وفعلا فقد تفنن الشماخي في ذلك مستعينا بزاده البلاغي واللغوي مما يدل على إلمام علماء هذه المرحلة بالقضايا اللغوية وشغفهم بها.
لكنك بعد أن يأخذك بهرج هذه التحاليل التي تصير ضربا من المعميات أحيانا ترجع من حيث انطلقت إلى حقيقة عبر عنها أصحاب المختصرات بإيجاز كامل وهي: " ليس منا من يقول إن أسماء الله مخلوقة". (97)
و‘ذا استقرت هذه الحقيقة تعود المصادر فتبين أن أسماء الله الحسنى توقيفية في الأصل وإن كان بعضها يجيز استعمال أسماء لم يرد بها التوقيف وذلك حسب المقصد كما نلمس حرصا على تفسير كل هذه الأسماء حسب أسس العقيدة الإباضية ومصادر هذه المرحلة لم تبتكر في ذلك بل أخذت ما جاء عند السلف.
والحقيقة أن هذا الحرص على التفسير له بعيد الأثر في واقع الأمة وهذا ليس خاصا بالإباضية لأن من يدعو الله وهو مدرك لما يقول يتفاعل مع دعائه أكثر مما لا يفقه ما يقول، كما أن مثل هذا الفهم يجعل الإنسان حريصا على أن يتحلى بمعاني هذه الأسماء في مستواها الإنساني طبعا مع الملاحظ أن البيئة الإباضية لم تعرف صورة الأذكار الجماعية بل يغلب عليها طابع الذكر الفردي السري.
ثم إن كتب الأصول تتحول من موضوع الأسماء إلى قضية الصفات وتحرص على أن تميز بين الاسم والصفة لغة واصطلاحا لكن يبقى التمييز ضبابيا نظريا لأن كثيرا من الأسماء هي صفات في نفس الوقت، والمشكلة لا تكمن في التمييز بين الاسم والصفات وإنما تكمن في تعداد الصفات وفي ضبط علاقتها بالذات.
أما بالنسبة إلى التعداد فقد جاءت محاولات متعددة لحشر الصفات ضمن أقسام مختلفة، والمتأمل يلمس أن هذه التقسيمات منهجية استفادت الفرق الإسلامية فيها بعضها من بعض وبعدها الحضاري يتمثل في محاولة الاستيعاب حتى يميز المسلم بين ما يجب أن يوصف به تعالى وما يستحيل في حقه وما يجوز.
وأثناء التقسيم والتحليل ثار الجدل بشدة حول علاقة الصفات بالذات والمصادر الإباضية في هذه المرحلة واصلت المنافحة عما نافح عنه السلف في أن صفات الذات هي عين الذات وإذا علمنا أن الإباضية في هذا الظرف كانوا يعايشون الأشاعرة الذين يعتبرون أن الصفة مغايرة للذات نفهم ما لمسناه في هذه المصادر من حرص على الإلمام بصفات الذات وتحليلها تحليلا تفصيليا بقدر الإمكان لأن الطرف المقابل كثيرا ما يرميهم بالتعطيل كما فعل ذلك مع المعتزلة من قبل والإباضية لا يرون في تحليلهم للقضية تعطيلا وإنما يعتبرونه من باب التنزيه وقد رأينا في تحليل هذه القضية الاستعانة ببعض المصادر الأشعرية التي ترى رأي الإباضية.
والمتأمل في الفكر الاعتزالي والفكر الإباضي في هذا الشأن يدرك بعدهما عن فكرة التعطيل وإنما ألحا على نفي الزيادة والغيرية حتى ينفيا الواسطة عن الله تعالى وإمكانية تصور وجود آخر مع الله تعالى في الأزل كما أن الطرف الآخر الذي يقول بالغيرية أراد بذلك تقريب مفهوم الصفات إلى التصور العقلي.
والحقيقة أنه يصعب أن نلمس بعدا حضاريا دقيقا لتصور الإباضية أن الصفات عين الذات لأن هذا المبحث فكري محض بعيد عن متناول عامة الناس لكن غاية ما هنالك أن مثل هذا التصور يقوم على تنزيه الباري عن الافتقار إلى الغير، ومثل هذا المبدأ يجعل الإنسان يستشعر عظمة الله تعالى أكثر فيندفع في تحري الأعمال الصالحة التي تقربه إلى الله تعالى أكثر وليس معنى هذا أن الذي يقول بالغيرية لا يعرف ربه وإنما من المعلوم أن قوة نسبة التنزيه حتى في العبارة تجعل أثرا أبلغ في النفس لكن مهما حاولنا أن ننزل هذه القضية في المحيط الاجتماعي فإنها تبقى من شأن أخص خاصة الأمة ممن فقهوا هذه المفاهيم المجردة حقيقة الفقه.
ثم إلى جانب الوقوف عند صفات الذات تأمل الإباضية في ما سموه صفات الأفعال وإن بدا شيء من الخلاف بين إباضية المغرب وإباضية المشرق في أزلية هذه الصفات وحدوثها إلا أن الطرفين نزعا نزعة توفيقية دون أن يحتدم النقاش أو يؤدي إلى تنافر ولعل هذا يفسر تفسيرا حضاريا أساسه الفاصل المكاني إذ رأينا أن الاختلاف مع القرب المكاني والتعايش المستمر أدى إلى التنافر والتباعد وسترى أن مثل هذا الموقف التوفيقي سيتخذ أيضا في قضية خلق القرآن، ومرجع ذلك إلى أن هذين الطرفين يرجعان إلى مدرسة أبي عبيدة مسلم بينما طرف الإباضية النكار يرجع إلى الطرف الذي خالف أبا عبيدة مسلم ورفض من الحلقة.
والإباضية في تحديد صفات الأفعال يتفقون والماتريدية وإن اختلفوا في التسمية لأن هؤلاء يرجعونها إلى صفات التكوين.
كما يجدر أن نلاحظ هنا أن تعايش الفكر الإباضي مع الفكر الأشعري جعله لا يرفض الاستشهاد بالتقسيم الأشعري بل يورده بوضوح مع نسبته إلى أصحابه ومناقشة ما ينبغي أن يناقش منه ويكتفي هذا الفكر بالإشارة إلى الاتفاق مع المعتزلة ومع الشيعة في هذا المبحث وفي ذلك دلالة على سعة أفق هذا الفكر وسلوكه المسلك المقارن في أغلب الأحيان مع الاستفادة من هذا التراث الإسلامي عامة.
بقي هنا أن نشير إلى الإلحاح على تبيين مفهوم الوحدانية مع الجمع بين الأدلة النقلية والعقلية وهذا المبحث هو أساس العقيدة الإسلامية ولا أراني مضطرا إلى تحليل البعد الحضاري لهذا التصور لأنه أساس حياة المسلمين في جميع مستوياتها سياسة واجتماعا وأخلاقا واقتصادا ومعاملات ولا سبيل للمسلمين في أن يختلفوا في شأن أثر هذه العقيدة في واقعهم إن هم وحدوا الله تعالى بحق.
وتتويجنا لهذا المبحث بالوقوف عند معاني سورة الإخلاص وقوله تعالى ( ليس كمثله شيء) يرمي إلى إبراز قيمة هذين الأساسين في بناء صرح العقيدة الإسلامية التي تربط الأرض بالسماء وعالم الشهادة بعالم الغيب فينصهر فيها المسلم وهو يعتقد أنه بين يدي عظمة الله فيرجو رحمته ويخشى عذابه فتستقيم حياته.
تلك هي خلاصة هذا المبحث وأبعاده الحضارية فلننظر في المتشابه في القرآن وتأثيره في القضايا العقائدية.
=========================
(89 ) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 18
(90) يقصد المشبهة
(91) المحشي : حاشية على كتاب الوضع:69- 70
(92) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة26قفا .ر. عبد العزيز الثميني: النور: 93 ر. عمر التلاتي : نخبة المتين :145حيث يقول:" اتفق أئمتنا على أنه (تعالى) لا يماثله شيء من الأشياء لا في ذاته ولا صفاته، ولا في شيء من كمالاته بدليل سورة الإخلاص وقوله تعالى:" ليس كمثله شيء".
(93) يقول الزمخشري:" قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية، لأنهم إذا نفوه عنه...فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله "ليس كالله شيء " وبين قوله :" ليس كمثله شيء" إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها، وكأنهما عبارتان متعاقبتان على معنى واحد، وهي نفي المماثلة عن ذاته" الكشاف. انتشارات افتاب طهران د.ب 3/462- 463 ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين ص145.ر. عبد العزيز الثميني: النور:93
(94) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1 الجزائر1326هـ5/194.
(95) ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر 1/29- 31 ويمتاز تحليله للآية باستيعاب جل ما ورد في شأن قوله عند الإباضية وعند غيرهم. ليس كمثله شيءتعالى:
(96) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/17 عدد 827. لم نعثر عليه عند ونسنك. المعجم المفهرس.
(97) لم نعثر على نص للنكار يعبر عن رأيهم الذي يوافق رأي المعتزلة.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 05:57 PM
الفصل الثاني الإباضية والمتشابه
تمهيد:
إن ما تعرضنا إليه إلى الآن من قضايا التوحيد يعتمد جله على ما جاء محكما من القرآن الكريم والله تعالى يقول: ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (1) فمعلوم إذن أن هذه القضية كانت مدار جدل عنيف بين الفرق الإسلامية (2) لذلك أحببنا أن نبين موقف الإباضية من المتشابه حتى يساعدنا على تحقيق بعض قضايا التوحيد التي تعتمد على مثل هذه الآيات فما هو موقفهم يا ترى؟.
يشير النامي إلى أن المصادر الإباضية تعرضت لهذه القضية من وقت مبكر ودليله على هذا ما ورد في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب من روايات تثبت موقف الصحابة من مثل هذه الآيات. (3)
وهاك ما جاء في الجامع الصحيح بعنوان تنبيه:" فإن سأل المسترشد عن تفسير الآيات المتشابهات والدلالة على معانيها من قول الله عز وجل: ( الرحمن على العرش استوى) (20 طه 5) وقوله ( وجاء ربك والملك صفا صفا) (89 الفجر 22) وقوله:( بل يداه مبسوطتان) (5 المائدة 64) وقوله: ( لما خلقت بيدي) (38 ص 75) وما أشبه ذلك من كتاب الله الذي فسرناه في ما مضى من كتابنا بالرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين بإحسان فقال السائل ما الدليل على صدق تفسيركم وما الشهادة عليه من عندنا معنى في الاستواء واليد والعين وما أشبه ذلك ولا يجوز أن يكون إلا على ما نعقل.
قل للسائل: إن جميع ما سألت عنه متشابه لا يدرك علمه بظاهره ولا بنصه لأن النص واحد والمعاني متباينة فلابد من كشف معانيها وإيضاح سلبها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه" (4) وقيل لن يتفقه الرجل حتى يرى للقرآن وجوها وقال حسن: تعلموا العربية وحسن العبارة. وقيل ليس من كلمة إلا ولها وجه وفقا وظهر وبطن وإنما معنى ذلك عندنا الكلام المتشابه الذي يتفق لفظه ويختلف معناه" (5) .
وما تزال المصادر الإباضية من ذلك الحين إلى يومنا هذا تسلك نفس المسلك فتتعرض لهذه القضية عند الرد على المشبهة (6) وتفرد فصولا خاصة لتفسير ما يدل ظاهره على التجسيم في القرآن الكريم.
ومبدأ هذه المصادر اللجوء إلى التأويل اعتمادا على المجاز وعلى العرف اللغوي، وعدم الوقوف عند الظاهر كما يفعل أهل الحديث وأهل السنة- حسب ما يرويه الأشعري- الذين:" يقرون أن الله- سبحانه- يجيء يوم القيامة كما قال: ( وجاء ربك والملك صفا صفا) (39 الفجر 22) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (50 ق 16) (7) .
فهذا تبغورين مثلا يقول:" ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقص وتكاذب" (8) ويقول أيضا عند الرد على المشبهة:" فلما صح عندنا وعندهم أن هذا الذي ذكرنا يخرج على غير المعقول في كثير من لغات العرب نفيا عن الله الشبه والمعقول كما نفاه عن نفسه" (9) ثم استشهد بحديث: " ما من كلام إلا وله وجهان فاحملوا الكلام على أحسنه" الذي ورد في الجامع الصحيح للربيع كما ذكرنا ذلك قبل حين . (10)
ففلسفة الإباضية في فهم ما دل ظاهره على التجسيم من القرآن والسنة واضحة غاية الوضوح إذ تعتمد على سياق النص وعلى ما في اللغة من المجازات والاستعارات وتختلف اختلافا جوهريا عن الذين ينفون المجاز (11) .
وهاك تأويلهم لبعض هذه النصوص.
منهج الإباضية في تأويل المتشابه ( النور ، العين، المجيء، والذهاب): سأورد ثلاثة نصوص تبين طريقة الإباضية في التأويل ثم أكتفى بعد ذلك بذكر المفاهيم التي قرروها لبعض المتشابه لأقف في ما بعد عند ثلاثة قضايا كانت مثار جدل بين الفرق الإسلامية لاختلافها في منطلق الفهم وهي الاستواء والرؤية والكلام.
- أما النص الأول فهو تأويل قوله تعالى ( الله نور السماوات والأرض) (24 النور 35) وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ( الله نور السماوات والأرض) وقوله ( يد الله فوق أيديهم) (48 الفتح 10) وقوله ( تجري بأعيننا) (54 القمر 14) و ( في جنب الله) (39 الزمر 56) ونفسه وأشباه هذا من الآيات المتشابهات والروايات عن النبي عليه السلام فأغفلوا فيه النظر وحملوه على غير تأويله وتركوا قول الله عز وجل: ( ليس كمثله شيء) (42 الشورى 11) وقوله: ( هل تعلم له سميا) ( 19 مريم 65) وقوله: ( الواحد القهار) (39 الزمر 4) وقول النبي عليه السلام: " من صف الله بشبه أو مثل لم يعرفه" (12) .
" واعلم أن معنى النور في اللغة الجارية بين الناس الذي لا ينكره أحد من أهل اللغة الهادي يقول الناس للعالم: نور البلاد، والهدى: نور، وقال الله تعالى: ( وجعل الظلمات والنور) (6 الأنعام 1) وقال تعالى: ( الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) ( 2 البقرة 257) يعني من الكفر الى الإيمان.
وفي قوله: ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) (24 النور 35) [ فمثل هذا النور إلى المصباح] (13) ما يدل على صواب ما قلنا إنه الإيمان في قلب المؤمن.
ومن كلام النبي عليه السلام: " احذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله ينظر وكاد أن يبصر الحق بقلبه وإن لم يخبر به ويميز بين الحق والباطل بنور الله الذي أعطي له" . (14)
وقد سمى الله القرآن نورا في غير موضع من كتابه كما سماه هدى ورحمة" (15) .
- وأما النص الثاني فيتعلق بكلمة " عين" والعين أيضا تخرج على العلم والحفظ وعلى المعقول ومعنى ( تجري بأعيننا) (54 القمر 14) أي بعلمنا. وقال الله تعالى: (ثم لترونها عين اليقين) (102 التكاثر 7) يعني يقينا لا شك فيه. ويقولون : عيني على فلان وما فعل فلان يعني يريد بعلمه. و ( ولتصع على عيني) (20 طه 39) أي بعلم مني ومرادي وحفظي وكذلك ( تجري باعيننا) . (16)
- وأما النص الثالث فيتعلق بالمجيء والذهاب: قال: ( وجاء ربك) (89 الفجر 22) أي جاء أمر ربك. وقال ( فأتي الله بنيانهم من القواعد) (16 النحل 26) يعني أمره وعقوبته. وقال: ( ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) (32 السجدة 12) أي خضوعهم لربهم يوم القيامة ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض وتكاذب وقال الناس للميت : لقي ربه وصار إلى ربه ولم يريدوا أن ربه في القبر. وقال إبراهيم عليه السلام: ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين) (37 الصافات 99) أي ذهابه إلى حيث أمر به.ويلزم المشبهة بأن يعرفوا لربهم موضعا إذا صح عندهم أنه يزول وينتقل. (17)
هذه النصوص تبين أن الاباضية يعمدون إلى جمع النصوص التي تحتوي نفس الكلمة فيقارنون في ما بينها كما يقيسون معانيها بالمعاني المستعملة في اللغة ثم يرجحون جانب التأويل الذي يتناسق وجملة السياق وكل هذا في جرأة واضحة تتحول أحيانا إلى التحدي والتهكم كما هو واضح خاصة في النص الثالث وفي مطلع النص الأول فلا سبيل حينئذ إلى اعتماد الظاهر في مثل هذه الآيات لأنه يؤدي إلى التناقض والقرآن متناسق متكامل يفسر بعضه بعضا وذلك البرهان من براهين الإعجاز فيه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (4 النساء 82) فلم يبق إذن إلا اعتماد التأويل الذي تقلبه اللغة.
وبعد تحديد المنهج يحسن أن نورد تأويلهم لبعض المتشابه لزيادة التوضيح دون إطالة في التحليل.
====================================
(1 ) وبقية الآية:... فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون (آل عمران7).آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب
(2) ر. محمد الطالبي : دراسات في تاريخ إفريقية ، منشورات الجامعة التونسية السلسلة الرابعة تاريخ ، مجلد 26. المطبعة الرسمية بتونس 1982. مقال باللغة الفرنسية : " في الاعتزال فإفريقية في ق3/9:394 تعليق 1 وقد عدد المؤلف أهم كتب التفسير في تعرضها للمتشابه كما أحال على ابن قتيبة (213-276 /828 –889) في كتابه تأويل مسالك القرآن ط. أحمد صقر القاهرة 1954: 72-75، وهو يقول بأن الراسخين في العلم يمكن أن يفهموا المتشابه، وعلى القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة ط أحمد كريم عثمان القاهرة 1965: 599- 606، وعلى الإسكافي (421/1030) في كتابه درة التنزيل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز. القاهرة 1980.
ويذكر أيضا مناقشة المستشرق"كراق" للترجمات المقترحة لكلمة متشابهات.
(3) ر. النامي: الأطروحة :205- 206، الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/13-14.
(4) لم يذكره ونسنك في المعجم المفهرس.
(5) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح3/39- 40ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/312- 316.
(6) المشبهة: هم الذين وصفوا الله بصفات الخلق كالوجه واليد والساق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
(7) أبو الحسن الاشعري: المقالات 1/348.
(8) تبغورين بن عيسى : كتاب أصول الدين: 10.
(9) تبغورين بن عيسى : كتاب أصول الدين:9.
(10) انظر ما سبق: 272
(11) ويمكن أن نذكر في هذا الشأن بموقف ابن حزم الأندلسي حيث يقول:" ولا يحل لاحد أن يصرف كلام الله تعالى وكلام إلى المجاز عن الحقيقة بدعواه الكاذبة". المحلى. تحقيق أحمد محمد شاكر .رسوله دار الفكر د.ت م 1 ج1: 32 ر. أيضا ابن حزم : المحلى م1 ج1 : 33/ 34 حيث يقول :" ولا يحل أن يزاد في ذلك ( ما جاء في القرآن مثل اليد...) ما لم يأت به نص من قرآن أو سنة صحيحة".
(12) لم يرد هذا الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(13) لعل الأولى أن يقال : (ففي تشبيه هذا النور بنور المصباح)ما يدل...
(14) ر. الترمذي تفسير سورة الحجر 6. ونسنك : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث .7/298.
(15) تبغورين بن عيسى : كتاب أصول الدين:8 وقد نقل المصعبي شيئا منه في الحاشية :12. وأضاف ما الله نور السماوات والأرضجاء في الموجز :" سئل ابن عباس عن قوله تعالى (النور35) فقال : الله عدل السماوات والأرض،وهو هادي من في السماوات والأرض ألا ترى (24النور35) وليس لله مثل. وكذلك قال الحسن وقتادة مثل نوره كمشكاةإلى قوله: وعمر بن محمد وأبو مسلم المكي ومجاهد معناه: الله عدل السماوات والأرض وهو هادي من فيها" أبو عمار الكافي : الموجز 1/391- 392 والمصدر الذي أخذ منه الكل هو: الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح3/ 33 عدد868 .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/272- 274 وقد ذكر نفس المعاني مع شيء من التحليل اللغوي.
(16) تبغورين بن عيسى : كتاب أصول الدين:ص 10، يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:13.ر. الربيع بن حبيب: الجامع قال ابن عباس: ولتربى ولتصنع على عينيالصحيح3/36 عدد874. وأما قوله تعالى: تجري باعيننابأمري. قال الحسن ولتربي بعلمي. والمجاهد والضحاك بعلمي وكذلك قوله: يعني بعلمنا وحفظنا...ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/300- 303 يذكر نفس المعاني تقريبا مع إيراد المعاني اللغوية لكلمة عين.
(17) تبغورين بن عيسى : كتاب أصول الدين:ص 10.ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:14.ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/34 عدد868. ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/274 وقد مر على الموضوع بشيء من السرعة
.ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/504 يضيف تأويلا للغمام فيقول في (2 البقرة210) المعنى هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمامقوله تعالى : في ذلك جاء قضاء ربك بالثواب والعقاب والجزاء . الغمام علامة على مجيء القضاء والجزاء.
ذكر المفاهيم المقررة في بقية النصوص من المتشابه (18)
النفس: ( كل نفس ذائقة الموت) (3 آل عمران 158) النفس المنفوسة: ( تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) (5 المائدة 117) أي تعلم غيبتي ولا أعلم غيبتك.
( ويحذركم الله نفسه) (3 آل عمران 54) أي يحذركم إياه بمعنى يحذركم الله. وقيل عقوبته. ( كتب ربكم على نفسه الرحمة) (6 الأنعام 30) أي على ذاته. ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم) (17 الإسراء 7) أي لذاتكم (19) .
الوجه: قال تعالى ( إنما نطعمكم لوجه الله) (76 الإنسان 9) أي نريد ثواب الله وقول لقصد رضا الله- والوجه: القصد إلى الشيء والعمل فيه- وقول لوجه الله أي الله.
( فأينما تولوا فثم وجه الله) (2 البقرة 115) يراد به فثم توجيه الله، أي تلقاء الكعبة والتوجه إلى الله.
( ويبقى وجه ربك) (55 الرحمان 27) ( كل شيء هالك إلا وجهه) (28 القصص 88) بمعنى الذات. (20)
العين: انظر ما سبق126.
اليد: قال تعالى ( خلقت بيدي) (38 ص 75) أي توليت أنا خلقه. وقال: ( عملت أيدينا) (39 يس 71) أي خلقنا نحن. وقال: ( يد الله فوق أيديهم) (48 الفتح 10) أي المنة أو القوة. وقال( بل يداه مبسوطتان) ( المائدة 64) أي النعمة والقدرة وقيل نعمة الدين ونعمة الدنيا. (21)
اليمين: قال تعالى ( والسماوات مطويات بيمينه) (39 الزمر 67) دليل على القدرة ومطويات: أي ذاهبات فانيات. وقوله: ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين) (69 الحاقة 45) أي القوة. (22)
القبضة: القبض والبسط. قال تعالى: ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة) (39 الزمر 67) أي القدرة والسلطان والملك أو القدرة على إفنائها يوم القيامة. وقال ( يقبض ويبسط) (2 البقرة 245) أي يضيق ويوسع. (23)
الأصابع:" أما ما جاء في الحديث من " أن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان" (24) فهو " الحكم على الشيء والقدرة عليه" (25) إن صح الحديث. ويذكر خميس الرستاقي " أن " إصبعين" قد تعني نعمتين من نعمه إحداهما: سوق الخير إليه، والفسحة في التماس الرزق. والأخرى هي صرف الشرور عنه" (26) .
الساق: قال تعالى: ( يكشف عن ساق) (68 القلم 42) أي الأمر الشديد قال عمر:" هي أشد ساعة يوم القيامة. وقال الحسن: أي يكشف عن الستر الذي بين الدنيا والآخرة. (27)
القدم: جاء في الحديث: " إذا كان يوم القيامة واستقر أهل الجنان في النعيم وأهل النار في الجحيم وقالت النار هل من مزيد وضع الجبار فيها قدمه وقالت قطني أي حسبي حسبي " (28) ينبغي أن يحمل الجبار فيه على بعض المتجبرين من العباد المعلوم لله تعالى الثابت له القدم. (29)
وجاء الحديث برواية أخرى: " لن تمتلئ جهنم حتى يضع الجبار فيها قدمه" يريد ما قدم لها من أهل الشقاوة الذين في علمه أنهم صائرون إلى جهنم قال الله عز وجل: ( وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) (10 يونس 2). (30)
الصورة: جاء في الحديث: " أن الله خلق آدم على صورته" أي خلقه الله بالغا لم ينقله من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة ومن طفوله الى غير ذلك.
وقال بعض أهل العلم في ذلك إن الله خلق آدم على صورته أي على صورة آدم التي اختار الله له من بين الصور.
وبعضهم يقول: " إن رسول الله سمع رجلا يقبح بذمه غلاما له في صورة وجهه فقال صلى الله عليه وسلم : " ولا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم على صورته" يعني على صورة القبح. (31)
الاحتجاج: قال تعالى: ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) (42 الشورى51) أي أن الله تعالى حجب الكلام الذي سمعه موسى عن أهل السماء والأرض فلم يسمعه إلا موسى عليه السلام. وقالوا: بمعنى المنع من غير ستر مصور بشخص. وقالوا موسى محجوب عن الله لأنه لا يمكنه أن يراه" (32) .
أما قوله تعالى: ( إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (83 المطففين 15) فمعناه كونهم محجوبين عن ثواب ورحمته لا عن رؤيته. (33)
وقد جاء في الجامع الصحيح ما يلي:" أخبرنا أبو قبيصة عن عبد الغفار الواسطي عن عطاء أن علي ابن أبي طالب مر بقصاب يقول: لا والذي احتجب بسبع سماوات لا أزيدك شيئا قال: فضرب علي بيده على كتفه فقال: يا لحام إن الله لم يحتجب عن خلقه ولكن حجب خلقه عنه فقال: أكفر عن يميني؟ فقال: لا لأنك إنما حلفت بغير الله" (34)
الدنو: بمعنى القرب: قال تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) (2 البقرة 186) وقال أيضا ( إن ربي قريب مجيب) (11 هود 61) وقال أيضا: ( إنه سميع قريب) (34 سبأ 50) فالقرب هنا بمعنى سرعة الإجابة.
أما قوله تعالى: ( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (50 ق 16) وقوله: ( ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) (56 الواقعة 85) فالمعنى فيه قرب ملازمة القدرة عليه في جميع الأوقات وفي جميع الحالات لا قرب المسافة والدنو. (35)
التجلي:" قال تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا)( 7 الأعراف 143) أي تجلى بآية من آياته فلم يطق الجبل حمل تلك الآية وصار دكا كما قال تعالى: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله) (59 الحشر 21) وكذلك كان الجبل دكا على ما ذكر من خشوع الجبل" (36)
المجيء: انظر ما سبق ص 127.
القيام:" قال تعالى: ( أفمن هو قائم على نفس بما كسبت) (13 الرعد 33) بمعنى الكفاية والتدبير والثواب والجزاء والرزق والإحصاء بجميع أعمال الملكفين". (37)
عند:" قال تعالى: ( عند مليك مقتدر) (54 القمر 55) أراد عنده في المنزلة والرفعة والزلفى مستحقين لثواب الله. وقال تعالى: ( ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) (32 السجدة 12) أي المنزلة الدنيئة إذ كانوا مستحقين للعقاب آيسين من الثواب" (38) .
في: قال تعالى ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (43 الزخرف 84) فالمعنى أنه إله السماوات وإله الأرض". (39)
مع: قال تعالى: ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) (16 النحل 128) أي معهم بالنصر والتوفيق والتسديد" (40)
فالمهم حينئذ أن المصادر الإباضية حرصت كل الحرص على نفي كل ما من شأنه أن يفهم التجسيم والتشبيه للخالق تعالى وردت على المشبهة بشدة.
كما أنها لم تنهج منهج الحنفية الذين ذهبوا إلى إثبات اليد والوجه وغيرهما له تعالى حق لكنه معلوم بأصله مجهول بوصفه.
ولم تنهج منهج المالكية والشافعية في الاكتفاء باعتقاد الحقيقة وسنعود إلى قولة مالك في الاستواء بعد حين. (41)
وهي تتفق مع المعتزلة (42) في تأويل المتشابهات عامة واعتماد المجاز.
هكذا نتبين أن الاباضية سلكوا مسلك التأويل مع ما أوردنا من المتشابه فلنوضح موقفهم مع موضوع الاستواء لأنه كان مثار جدل أكثر من غيره.
=========================
(18) ملاحظة: نختار توضيح موقف الإباضية من هذه المعاني التي اعتبرت من المتشابه دون إطالة لنقف بصفة موسعه عند قضيتي الاستواء ونفي الرؤية.
(19) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/37 عدد 875، التفسير مروي عن ابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب (أي على الجامع الصحيح ) 7/303- 304 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/398- 399.
(20) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/36 عدد873، التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب (أي على الجامع الصحيح )7/299- 300 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/399- 400.
(21) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/37 عدد876، التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب (أي على الجامع الصحيح )7/304- 306 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/ 402.
(22) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/36 عدد866، التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/269 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/ 403.
(23) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/32 عدد864، التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/265- 266 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/404.
(24) تخرج الحديث: الترمذي: قدر 7، دعوات 89، مسلم قدر17. ابن ماجة مقدمة 13. أحمد بن حنبل 2/168. 173، 6/182، 251، 302، 315. حسب ونسنك : المعجم المفهرس1/64.
(25) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/399.
(26) خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/405
(27) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/38 عدد878، التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/308- 311 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/505.
(28) تخريج الحديث : ر. البخاري تفسير سورة ق 1. إيمان 12 توحيد 8.25 ر. مسلم : جنة35. 37. 38. ر. الترمذي: جنة20. تفسير سورة ق .ر.ونسنك : المعجم المفهرس 5/326.
(29) ر. عمرو التلاتي : شرح النونية : ورقه 17 قفا .ر. عبد العزيز الثميني : النور: 75.
(30) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/398.
(31) ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/23عدد844. التأويل لابن عباس .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/232- 234. أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/398.ر. البخاري : استئذان 1. مسلم بر 115. جنة28...عن ونسنك : المعجم المفهرس 2/71.
(32) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/405- 406، وسنزيد الموضوع تحليلا عند الحديث عن استحالة الرؤية وعن الكلام.
(33) ر. عمرو التلاتي : شرح النونية : ورقه 20 قفا .ر. عبد العزيز الثميني : النور: 80 . ر. الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/30 عدد 859 .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/262.
(34) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/20 عدد838 .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/226- 227 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/406.
(35) ر. عمرو التلاتي : شرح النونية : ورقه 18 قفا .ر. عبد العزيز الثميني : النور:ص 75- 76.ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/408.
(36) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/406.انظر ما يلي : موضوع استحالة الرؤية 298
(37) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/510.
(38) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/510.
(39) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/511.
(40) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/511.
(41) ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية، حيث أورد قول مالك : الاستواء معلوم. والكيف مجهول وقول أحمد بن حنبل "استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر" . وقول الشافعي آمنت بلا تشبيه، وصدقت بلا تمثيل، واتهمت نفسي في الإدراك ، وأمسكت عن الخوض فيه كل الإمساك :240 .ر. الايجي: المواقف 2/366- 367: حلل القضية تحليلا مختصرا أثبت فيه ضرورة المجاز ومن ذلك في شأن الوجه" تنبيه": الوجه وضع للجارحة ولم يوضع لصفة أخرى ، بل لا يجوز وضعه لما لا يعقله المخاطب ، فيتعين المجاز والتجوز به عما يعقل،... وهو أن يتجوز به الذات وجميع الصفات ...المواقف 2/366.
(42) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة :600.
________________________________________
الاستــــــــواء
ومن المتشابه ما تكرر سبع مرات في القرآن الكريم وهي قضية الاستواء.
ففي سورة الأعراف (54) ويونس(3) والرعد(2) والفرقان (59) والسجدة(4) والحديد(4) جاءت في صيغة: ( ثم استوى على العرش) أما في سورة طه(5) فقد جاءت في صيغة ( الرحمن على العرش استوى) .
والمصادر الإباضية تعارض بشدة ما ذهب إليه المشبهة من فهم هذه الآية حسب الظاهر اللغوي وهو الاستقرار كما أنها لا تتوقف كما فعل مالك ومن نهج نهجه (1) وهو القائل:" الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة (2) وعنف السائل وأطرده من حلقته.
لكن هذه المصادر تتأول النص حسب السياق وحسب ما يتماشى وعظمة الله تعالى.
فتورد مختلف معاني حرف الجر" على " الذي يفيد: الالتزاق والفوق (3) والإغراء (4) وحيال (5) والاستعلاء (6) .
وتقارن بين الآيات التالية لتصل إلى أن المعنى المناسب وهو استواء الملك والقدرة والتدبير وهي: ( والله غالب على أمره) (12 يوسف 21) ( الرحمن على العرش استوى) ( 20 طه 5)، ( وهو القاهر فوق عباده) (6 الأنعام 18).
" وهذه الكلمات الثلاث متساوية السبك متفارقة المعنى فإذا تأمل ذلك متأمل وجده كما قلناه وذلك أن قوله(الرحمن) مثل قوله (الله) ومثل قوله(هو). وكذلك قوله(استوى) مكان قوله( غالب) ومكان قوله(القاهر) . وكذلك قوله( العرش) مكان قوله (أمره) ومكان قوله (عباده) فهذه الكلم الثلاث متشابهة في العبارة والإشارة فلا تجوزن أيدك الله بالذي فسرنا منها صفحا توفق إن شاء الله". (7)
والعرش والكرسي والسماوات والأرض من مخلوقات الله تعالى. " وقوله (كرسيه) كقولك" بيته ولو كان متى ذكر كرسيا وعرشا وجب الجلوس عليهما كان متى ذكر بيته فقد وجب أنه ينزله ويسكنه وليس بين بيته وعرشه وكرسيه وسمائه فرق". (8)
فقوله ( الرحمن على العرش استوى) : ليس هو على كون الملك على سريره بل هو على معنى العلم والحفظ والقدرة والإحاطة والظهور والسلطان.
وتستند هذه المصادر أيضا إلى ما جاء عن ابن عباس في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب:" قال جابر بن زيد سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى) فقال ارتفع ذكره وثناؤه على خلقه لا على ما قال المنددون إن له أشباها وأندادا تعالى الله عن ذلك" (9)
" وعلى ما ذكره الحسن في قوله تعالى: ( ثم استوى الى السماء وهي دخان) (41 فصلت 11) أي استوى أمره وقدرته إلى السماء وقوله تعالى: ( ثم استوى على العرش) (25 الفرقان 59) يعني استوى أمره وقدرته ولطفه فوق خلقه ولا يوصف الله بصفات الخلق ولا يقع عليه الوصف كما يقع على الخلق". (10)
كما ترد هذه المصادر على من اعتبر ثم على الاستئناف وتعتبر أنه أراد بها ما يلي: وهو مع خلقه السماوات والأرض قد استوى على العرش ولم يرد أن ذلك شيء بعد شيء وتستدل بقوله تعالى ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا) ( 90 البلد 18) فلم يرد أنه فعل ما فعل ثم كان بعد فعله من الذين آمنوا. (11)
كما تنفي المصادر أن يكون الاستواء قد جاء بعد الاعوجاج أو الاتكاء لما فيه من التشبيه والاستنقاص الأمر الذي لا يقبله عاقل. (12)
وقد حرص أحمد الشماخي في رده على الغدامسي على جمع نصوص من مصادر مختلفة تفهم التشبيه رغم أن الغدامسي عمل على نفي ذلك مطلقا.
فأورد ما جاء في رسالة ابن أبي زيد : (13) " وهو على العرش المجيد بذاته" (14) .
كما أورد ما جاء في بعض شراح الرسالة:" والذي يدل على صحة ما ذكرناه أنه فوق عرشه المجيد دون كل مكان قوله تعالى: ( الرحمن على العرش استوى) (20 طه 5) وهذا يمنع أن يوصف أنه فوق غيره أو فيه. (15)
كما يرد على الغدامسي حيث تأول قول مالك: الاستواء معلوم على أنه الاستعلاء وبين أن كلمة معلوم تفيد لغة الاستقرار مبينا أن الأمر الذي أغضب مالكا ليس السؤال عن الاستواء وإنما عن كيفية الاستواء أو لأنه سأله في جمع من العوام وهذا ليس من المناسب. (16)
كما ذكر أيضا أن أحمد بن حبل لا يتأول إلا ثلاثة أحاديث (17) والكل حمله على الظاهر.
ثم يذكر شواهد تاريخية زمن ابن تاشفين (18) الذي زجر من يقول الله في كل مكان بالضرب والقتل إلى أن جاء المهدي (19) فحكم عليهم بحكم النصارى فقتل وسبى وغنم بعد أن حكم فيهم أولا بحكم الموحدين وما ترك بالمغرب من يقول بالتشبيه وسمى أتباعه الموحدين. (20)
فواضح إذن أن الشماخي اعتمد على نصوص تؤازر ما ذهب إليه مع أننا نجد من الأشعارة من يعمد الى المجاز مثل إمام الحرمين (21) والقفال (22) ومنهم من يعمد إلى الوقوف مثل الرازي :" أن نقطع بكونه تعالى متعاليا عن المكان والجهة ولا نخوض في تأويل الآية على التفصيل بل نفوض علمها إلى الله وهذا المذهب هو الذي نختاره ونقول به ونعتمد عليه". (23)
أما المحشي فقد توسع في هذا الموضوع عند شرحه لما نسب من تأويل إلى ابن عباس ولعبد الله بن عمر كما ذكرنا ذلك قبل حين. (24)
وقد اعتمد اعتمادا كليا على ما جاء عند إسماعيل الجيطالي في شرح النونية (25) فأورد حجج الطرف المقابل ولخصها بقوله عند الانطلاق في الرد:" اعلموا أن احتجاج المشبهة في الاستواء يدور على هذه الأربع كلمات: ثم، استوى ، على ،العرش، فهم مطالبون بتأويل هذه الكلمات". (26)
ثم بين بأدلة من القرآن وكلام العرب أن " ثم" لا تكون إلا للاستئناف بل تكون للتراخي والمهلة وتكون بمعنى الواو ويصل إلى أن " ثم" هنا جاءت بمعنى الدوام. (27)
وكذلك فعل مع كلمة " استوى" إلا أنه اختصر ما جاء عند الجيطالي في شرح النونية ثم ختم بقوله:" فإذا ثبت بهذه الشواهد العقلية والاحتجاجات الضرورية أن الاستواء على ضروب متفاوتة فلم لم تعمد المشبهة إلى رفعها منزلة وأعلاها درجة وأبعدها تنزيها فتصف الله تعالى به إذ كان عز وجل بعيدا من صفات الخلق ومعاني النقص. ولو كان استواؤه على المعقول لكان تصويره لما في الأرحام على المفهوم وإتيانه بنيانهم على المعقول تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
فلما كان الأمر على ما ذكرنا ثبت أن الله عز وجل لم يزل مستوليا على عرشه قبل خلقه وإياه واختراعه له بأن يوجده في أي وقت شاء ومستوليا عليه في إيجاده بأن كان ممسكا له ومبقيا له بأن يحدث له البقاء الذي بقي به في كل وقت خلافا لمن قال:" إن " ثم" ها هنا في معنى الاستئناف وتقدير قوله (خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش) وهو مع خلقه السماوات والأرض لم يزل مستوليا على العرش وغيره بالقهر والغلبة". (28)
ثم بعد أن بين مختلف وجوه استعمالات " على" ختم بما يلي:" فإذا كان يخرج على ما ذكرنا فلم لا يكون قولي " على" في ( على العرش استوى) بالقهر والغلبة دون ما ذهبت إليه المشبهة من الالتزاق والفوقية تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا" (29)
ثم ذكر بعد ذلك مختلف الوجوه بالنسبة إلى " العرش" وبين أنه من جملة مخلوقات الله تعالى التي تعظم عندنا (30) وفي قدرته عليه دلالة على قدرته على غيره فقال" إنما خصه بالذكر إذ كان مخصوصا عندنا بالشرف والتعظيم وأنه فوق جميع الخلق لأن من قدر على أعالي الأشياء فهو قادر على أسفلها... فمتى ذكر الله تعالى أنه عال على العرش ظاهر عليه فهو دليل على أنه عال على كل شيء" (31) .
ثم بعد أن ناقش قول مالك المشار إليه قبل حين (32) بين لجوء المتأخرين من الأشاعرة إلى التأويل مع قولهم بأن طريقة السلف أسلم يعنون لما فيها من التوقف وطريقة الخلف أعلم يعنون لما فيها من العلم حيث بينوا المراد به". (33)
هذا ما جاء عند المحشي وقد نقل جله عن إسماعيل الجيطالي في شرح النونية أما عمرو التلاتي في شرحه للنونية فقد مر على القضية مرا سريعا ويبدو أنه أدرك أن الجيطالي قد ألم بها من جميع الوجوه فتحاشى التكرار.
فواضح إذن أن المصادر الإباضية تلتقي مع المعتزلة ومع المتأخرين من الأشاعرة (34) في تأويل الاستواء.
كما أنها استفادت استفادة عريضة من صيغ الجمل التي ورد فيها ذكر الاستواء فألحت على معنى حرف الجر " على " ودلالته على القدرة وعلى معنى " ثم" الذي يفيد المعية لا الاستئناف وعلى ورود صيغة الاستواء للدلالة على استعلاء في القرآن الكريم وفي كلام العرب. وهذا يتماشى مع الفكر الإباضي عامة الذي يرى ألا سبيل الى الاستفادة من هذه النصوص إلا بتأويلها حسب ما يتماشى وجلال الله تعالى.
وبعد هذا التحليل يحسن أن نستجلي الأبعاد الحضارية لهذه القضية.
لقد صرح القرآن نفسه أن من آياته ما هو محكم ومنها ما هو متشابه والآية تحتمل في نصها أن يكون المتشابه من علم الله فحسب كما تحتمل أن يكون للراسخين في العلم نصيب في فهم هذا المتشابه على أساس أن يرجعوا به إلى المحكم وحذرت الزائغين من توجيه الآي على مقتضى زيغهم.
وما أن انتقل الرسول عليه السلام إلى الرفيق الأعلى، ودخل الناس في دين الله أفواجا حتى انطلق المسلمون يسألون أصحاب الرسول عليه السلام بأسئلة دقيقة لم يسأل بمثلها الرسول عليه السلام فمن الصحابة من آثر الوقوف ومن ذلك ما أثر عن أبي بكر" أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأي" (35) ومنهم من فسر وتأول وعلى رأس هؤلاء عبدالله بن عباس وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " (36) ولا ننسى هنا أن إمام الإباضية جابر بن زيد أخذ جل علمه عن ابن عباس فهذه المدرسة حينئذ قامت من يومها الأول على منهج يعتمد على التأويل أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول أساسا بل يعتبر أن القرآن لا يمكن أن يفهم فهما صحيحا إذا لم يتأول ما تشابه منه تأويلا يتناسق في العقيدة وفي غيرها مع ما جاء محكما وتناسق هذا التأويل في العقيدة- ويهمنا أكثر في هذا البحث- مع المحكم يتم على أساس تنزيه الخالق تعالى تنزيها مطلقا عن الشبيه في ذاته وصفاته وأفعاله.
وفعلا تسرب الزيغ في المحيط الإسلامي شيئا فشيئا من النصف الثاني من القرن الأول للهجرة وظهرت الفرق الإسلامية وتباينت مواقفها وتناقضت آراؤها بين تجسيم وتشبيه اعتمادا على ما في الآيات من ذكر اليد والوجه والعين وما إلى ذلك من الجوارح وبين وقوف وتفويض مع قبول للنص كما هو وبين تأويل وتوجيه النصوص انطلاقا من قيام اللغة على الحقيقة والمجاز.
والإباضية من يومهم الأول اعتنقوا الموقف الثالث كما ذكرنا وقد حرص الربيع بن حبيب من القرن الثاني هجري على أن يجمع ما أثر عن الصحابة والتابعين من تأويلات لكل ما جاء من المتشابهات في حق الله تبارك وتعالى. وكل ما جاء من التراث الإباضي في هذا الشأن في ما بعد استمر في نقل هذا الرصيد للاحتجاج به مع تحليله اعتمادا على ما ظهر من علوم البلاغة خاصة منها في باب المجاز.
وإذا علمنا أن الفكر الإباضي في المغرب ظل يتعايش مع فكر أشعري هو أقرب إلى التفويض سوى في بعض الحالات ومع بعض العلماء نستطيع أن نستجلي البعد الحضاري لهذه القضية خاصة في المرحلة المقررة في البحث.
واضح من خلال عرضنا للقضية موقف الإباضية الدفاعي ذلك لأنهم يرمون- مثل المعتزلة- بتهمة البدعة في الدين وهي من أسوا التهم في المحيط الإسلامي كما نعلم فلذلك يحتجون لموقفهم من منطلق نقلي وعقلي.
=============================================
(1) أبو الحسن الاشعري: المقالات 1/345: وأن الله سبحانه . الرحمان على العرش استوىعلى عرشه ، كما قال:
(2) ر. القرطبي: الجامع لأحكام القرآن. دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرة 1387/1967ج7/219- 220، وعن حياة القرطبي( محمد بن أحمد)(ت617/1273)ر. الزركلي: الأعلام 6/217.
فإذا استويت(3) (23المؤمنون28).أنت ومن معك على الفلك
(4) عليك الطريق الأعظم.
أو(5) (21 البقرة259).كالذي مر على قرية
(12 والله غالب على أمره(6) يوسف21).
(7) أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/367. نقل المحشي كامل النص .ر. المحشي: حاشية الترتيب7/296.
(8) أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/370.
(9) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/35عدد871 .ر. المحشي: حاشية الترتيب7/283- 298.
(10) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/36عدد872 .ر. المحشي: حاشية الترتيب7/283- 298.
(11) أبو عمار عبد الكافي: الموجز1/373.
(12) ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/506. وقد أورد محاورة طريفة بين مشبه ومؤول أفضت إلى انتصار المؤول، ومثل هذه المحاورات تعبر عن فكر معين يحاول أن يقرب المفهوم بطريقة حوارية مشوقة.
(13) أبو محمد عبدالله ابن أبي زيد القيرواني(310- 386/22- 923- 996) قضى جل حياته بالقيروان. لقب بمالك الصغير لاعتنائه بالفقه الملكي. ومن أشهر مؤلفاته: الرسالة. قدم لها وترجمها إلى الفرنسية ليون برشيLeon Bercher ط8 الجزائر 1983(وفي المقدمة نبذة عن حياة المؤلف).
(14) ابن أبي زيد القيرواني: الرسالة:20 .ر. أحمد الشماخي: الرد علة صولة الغدامسي:26.
(15) ر. أحمد الشماخي: الرد علة الغدامسي:27
(16) نفس المصدر السابق ص27 .ر. المحشي حاشية الترتيب7/293- 294.
(17) ر. أحمد الشماخي: الرد على الغدامسي:27. وهي " قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن". انظر ما سبق ص 279تعليق24" الحجر الأسود عين الله عز وجل "."إني لاجد نفس الرحمان من جانب اليمن". ر. أحمد بن حنبل: 2/541،ر. ونسنك : المعجم المفهرس 6/508.
(18) ر. أحمد الشماخي: الرد على الغدامسي:29. يوسف بن تاشفين (410- 500/1019- 1106) سلطان المغرب الأقصى وباني مدينة مراكش وأول من دعي بأمير المسلمين.ر. الزركلي: الأعلام 9/294- 295.
(19) المهدي بن تومرت(485- 524/1092- 1130) واضع اسس الدولة المرمنية الكومية .ر. الزركلي: الأعلام7/104- 105.
(20) ر. أحمد الشماخي: الرد علة الغدامسي:29.
(21) إمام الحرمين: عبد الملك بن عبدالله الجويني(419- 478/1085) أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. أسست المدرسة النظامية من أجله ر. الزركلي: الأعلام4/306.
(22) القفال:( 429 – 507/ 1037- 1114) رئيس الشافعية بالعراق في عصره ملقب بفخر الإسلام .ر. الزركلي: الأعلام 6/210.ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 22/7. انظر ما نقله عن إمام الحرمين وعن القفال.
(23) الفخر الرازي: التفسير الكبير14/ 115.
(24) انظر ما سبق: 286
(25) ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية خ بالبارونية ورقة72 وجه ورقة 77 قفا.
(26) المحشي: حاشية الترتيب7/285.
(27) ر.المحشي: نفس المصدر ص285- 287.
(28) المحشي: حاشية الترتيب7/287- 288
(29) المحشي: نفس المصدر:288.
(30) وقد نقل عمروالتلاتي ما روي عن ابن عباس في تعريف العرش:" العرش خلق من خلق الله تعالى ، ولا يعرف قدره إلا الذي خلقه" شرح النونية ورقة 25قفا .ر. عبد العزيز الثميني: النور:91.
(31) المحشي: نفس المصدر:290.
(32) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:108.
(33) المحشي: حاشية الترتيب7/295.
(34) مثل أبي حامد الغزالي وقد قال:" العلم بأنه تعالى مستو على العرش بالمعنى الذي أراد الله بالاستواء، وهو الذيس لا ينافي وصف الكبر ياء ، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما ثم استوى إلى السماء وهي دخانالقرآن قال الشاعر:( رجز)
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل ، كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله (الحديد4) إذ حمل ذلك بالاتفاق على إحاطة والعلم ن وهو معكم أينما كنتمتعالى ( قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمان) على القدرة والقهر، وقد حملوحمل قوله ( الحجر الأسود يمين الله في أرضه) على التشريف والإكرام لأنه لو ترك علىقوله ظاهره للزم منه المحال ، فكذا الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرش، إما مثله أو أكبر منه أو أصغر ، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال. الأحياء1/186.
(35) المحشي: حاشية الترتيب7/315
(36) نفس المصدر : 316 البخاري: وضوء 10. مسلم: فضائل الصحابة 138. أحمد 1/ 266 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/190.
________________________________________
أما المنطلق النقلي فعمدتهم فيه ما جاء في الآية المذكورة أعلاه(آل عمران 7) من إشارة تمكن الراسخين في العلم من التأويل مع آية أخرى هي أكثر صراحة في الحث على التأويل وهي قوله تعالى ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم) (4 النساء 83) وما الاستنباط إلا فهم النص وعدم الاكتفاء بظاهره...
وكذلك يعتمدون في هذا على ما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم " ما من كلمة إلا ولها وجهان فاحملوا الكلام على أحسن وجوهه"
وكذلك يعتمدون في موقفهم هذا على مواقف بعض الصحابة مثل ابن عباس من التأويل.
أما المنطلق العقلي فهو يقوم على جانبين:
الجانب الأول لغوي: فعلى المتأول أن يكون ملما بأسرار اللغة العربية وفعلا فقد اجتهدوا اجتهادا كبيرا في استقصاء البحث في القرآن والحديث واللغة لكل كلمة تأولوها وأثبتوا من خلال ذلك أن النص القرآني لو حمل على ظاهره لتناقض في عديد من المواطن.
وفي هذا الباب حذروا من خطرين: أولهما اجتناب تأويل القرآن وفق الهوى عن علم وذلك رغبة في التلبيس على الخصم أو عن جهل فيميل الفهم عن الصواب.
وثانيهما اجتناب التسرع إلى التأويل بظاهر العربية من غير استقصاء المنقول في شأن النص.
أما الجانب الثاني فيتمثل في شعورهم بان معجزة القرآن تتجلى في باب التأويل والاستنباط على أساس الإخلاص لله تعالى وفي هذا فتح لباب الاجتهاد الذي يجعل القرآن الكريم صالحا لكل زمان ومكان.
وإن اتضح المنطلق الدفاعي في النقل والعقل فإن مظهره يتجلى في حرص الإباضية على تأويل جميع النصوص المتشابهة في حق الله تعالى وفق منهج معين يرمي إلى تنزيه الله تعالى عما يوهم التشبيه وظلوا بذلك أوفياء إلى الآية التي جعلوها محور الحديث عن الذات والصفات ( ليس كمثله شيء) .
ويتمثل هذا المنهج في الانطلاق من موقف الطرف الذي ينكر التأويل مع ذكر ما يحتج به ثم يتدرج به شيئا فشيئا للوصول إلى التأويل المطلوب اعتمادا على نصوص مختلفة.
كما أن هذا التحليل يدعم من حين لآخر بقول بعض من الذين ينتمون إلى الطرف المقابل بالتأويل القائم على المجاز وقد تحتد اللهجة أحيانا إلى درجة الحط من مواقف الآخرين.
وهكذا جاءت النفس بمعنى الذات والعين بمعنى العلم والحفظ وجاء النور بمعنى الهداية والدنو بمعنى سرعة الإجابة، وما إلى ذلك من التأويلات التي ذكرنا.
وبقدر ما كانت المعركة نسبيا هادئة في شأن كثير من التأويلات فإنها احتدت أكثر في قضية الاستواء فلم يقبل الإباضية البتة أن يكون الاستواء على العرش كاستواء الأمير على السرير كما لم يقبلوا السكوت عن الإجابة عن الكيف إذ يعتبرون ألا كيف.
وفعلا فقد رأينا في الرسائل التي تهجمت على الإباضية أن الهجوم يركز على قولهم في الاستواء واعتباره بدعة إذ منطلق هؤلاء إما الوقوف وهو الغالب وإما فهم النص على ظاهره.
وهنا يحسن أن نشير أن صدى مثل هذا التأويل يتجلى في المستوى النظري أكثر لكن لا يخلو من أثر في عامة الناس الذين كانوا يحضرون دروس مشائخهم الذين يتوسعون في تحليل هذه القضايا في حلقاتهم الخاصة وهذا من شأنه أن يجعل شيئا من الجفوة بين الناس أساسه احتراز الأكثرية من هذه الأقلية الخارجية المبتدعة وانتباه الأقلية من الذوبان في هذه الأكثرية المشبهة ولهذا قل أن نجد الاندماج الكلي بين الطرفين حتى في مستوى السكن وكثيرا ما يتم التنابز بين المتعايشين بكلمات عامة تحمل في طياتها من جملة ما تحمل خلفيات الفوارق في هذا التصور العقائدي.
هذا في المستوى الحضاري المعاش أما في المستوى العلمي النظري فقد أدى الاختلاف في هذه القضية كلا من الطرفين إلى الوقوف عند الآية المعبرة عن الاستواء كلمة كلمة.
فتفنن كل لتطويع حرف العطف " ثم" وحرف الجر" على" لما يوافق منطلقه واللغة مطواع لذلك فمن أراد منها معنى الحقيقة تعطيه ومن أراد منها المجاز لا تعوزه.
أما الفعل " استوى" فقد نال حظا وافرا من التحليل لم يكن ليناله لولا هذه القضية.
فالموضوع عقائدي إلا أن الثروة الناجمة لغوية بلاغية بصفة خاصة لأن النزاع العقائدي ينتهي من حيث بدأ بل لعل كلا من الطرفين ينتهي من التحليل وقد زاد تمسكا بموقفه أكثر من البداية.
والمصادر الإباضية في المرحلة المقررة لم تتمثل وظيفتها في الحقيقة إلا في المحافظة على التراث المنقول مع تركيز التصور العقائدي في الأوساط الإباضية ومثل هذا التركيز والتذكير يحفظان هذا التصور من الذوبان لأن سكوت فرق أخرى عن مبادئها أدى إلى دخولها في طي النسيان وفعلا فقد دخلت كثير من البيئات الإباضية في طي النسيان وصارت أثرا بعد عين لعوامل شتى من بينها بل لعل أساسها انطفاء الحركة العلمية فيها وهذه غدامس مثلا لم يكن الدفاع منطلقا من صلبها وإنما كان الأمر مددا من جبل نفوسة أو من جربة فلم يستطع المذهب أن يصمد فيها بعد تلك المرحلة أمدا طويلا.
ذلك ما أمكن استنتاجه من أبعاد حضارية لقضية المتشابه عامة وموضوع الاستواء خاصة وهذا يتدرج بنا إلي النظر في قضية استحالة الرؤية وهي قسم أساسي من أقسام المتشابه.
التوسع في تحليل مسألتين من المتشابه:
استحالة الرؤية وخلق القرآن
استحالة الرؤية
إن جاء أمر الاستواء في صيغة صرفية واحدة في السياق القرآني كما رأينا- الفعل الماضي المسند إلى المعلوم- فإن قضية الرؤية تعددت فيها الكلمات والصيغ في القرآن الكريم والحديث الشريف ولذلك تضاربت فيها الآراء بين الفرق الإسلامية أكثر من اضطرابها في شأن الاستواء إلا أن الأمر بقي في مستوى الجدل النظري ولم يتحول الى الصراع العملي والمحنة كما سيكون الأمر في قضية الكلام وخلق القرآن فما هو موقف الإباضية من قضية الرؤية ؟ وما هي النظريات العلمية المعتمدة؟ وما هو الامتداد التاريخي للقضية؟ وما هي الأدلة العقلية والنقلية على نفي الرؤية؟
النظريات العلمية المعتمدة:
تعريف الرؤية: يقول أحمد الشماخي:" حملتها ( الرؤية) على ما حققه أرسطو طاليس وأبو نصر (1) من أنها انطباع مثل صورة المدرك في العين أو على اتصال الأشعة ومن قال بغير ارتسام واتصال الأشعة فهو عين نفي الرؤية إذ لا يكون الانكشاف بالعين إلا مع اتصال شعاعها وارتسام مثله في العين" (2) .
والرؤية كما يعرفها السالمي هي:" اتصال شعاع الباصرة بالمرئي وانطباع صورة المرئي في الحدقة... ولا يطلقها العرب على العلم ونحوه إلا تجوزا لكنتة مع قرينة، وقال تعالى ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (14 إبراهيم 4) " (3) .
فواضح إذن من خلال هذين النصين أن الاباضية اعتمدوا على النظريات اليونانية القديمة التي تقول بأن الأبصار يتمثل في انطلاق الشعاع من العين ليتصل بالمرئي ولينعكس على حدقة الرائي.
بينما نعلم أن ابن الهيثم (4) ذهب إلى عكس هذه النظرية وألح على أن القضية بالعكس أي أن الأشعة تنطلق من المبصَر (اسم المفعول) لا من المبصِر( اسم الفاعل).
ومعلوم أن هذه النظرية اليونانية تعزز موقف الاباضية في نفي الرؤية وعدم جوازها عقلا لأنها تفرض المواجهة بين الرائي والمرئي والإحاطة به وهذا مستحيل في حق الله تبارك وتعالى.
ولا نريد أن نطيل في هذا البحث لأننا نعتبر أن إقامة أساس عقائدي على نظرية علمية تحتاج إلى احتراز كبير لأن الحقائق العلمية نسبية ومتطورة وما يعتبر قاعدة اليوم يصير خطأ في المستقبل.
لهذا اكتفينا بهذا التلميح للقضية لأنها وقعت الإشارة إليها ولنتأمل الآن في التطور التاريخي للقضية.
الامتداد التاريخي للقضية:
لقد حوصل كل من النامي (5) وكوبرلي (6) في أطروحتيهما التطور التاريخي لموقف الاباضية من الرؤية، فبيسن كوبرلي خاصة أن الإشارة إلى نفي الرؤية جاءت أول ما جاءت على لسان الإمام عبدالله بن إباض وألح النامي على ما جاء من نصوص في هذا الشأن في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب بصفة خاصة، والمهم أن المدرسة الإباضية نافحت وما تزال تنافح بالإجماع (7) على استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة منطلقها في ذلك فهم كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام.
أما عن المرحلة التي تهمنا بالخصوص فقد قاس كل من الشماخي وأبي مهدي والسدويكشي والمحشي والتلاتي على من سبقهم. (8)
وما يزال من بعدهم يتبع نفس المنهج مثل عبد العزيز الثميني في " النور" ومحمد اطفيش في تفاسيره للقرآن الكريم والسالمي في " المشارق"
فلا نجد استثناء عبر كل هذه العصور عدا ما نبه إليه كوبرلي باحتراز كبير ونحن نشاطره في هذا الاحتراز مع تبغورين في أصوله لأن الإشارة جاءت عابرة ولا تعتبر في نهاية الأمر استثناء.
والناظر في كل هذه النصوص يتبين بوضوح التفاعل الكبير مع مدرسة الاعتزال التي تبني نفس الموقف مع العلم أنه يصعب أن نقرر من الأسبق وإن كان الإمام عبدالله بن إباض أشار إلى القضية من زمن مبكر لكن تبنى النظرية والمنافحة عنها تتداخل فيها الآراء خاصة إذا كان الاتجاه واحدا، ومهما يكن من أمر فالنصوص المتداولة بين الناس (9) تلح على الاعتزال أكثر من الإلحاح على الإباضية وإنما يذكر الإباضية ضمن الخوارج في هذا الشأن لكن هذا يعتبر تقصيرا من هذه النصوص أو غفلة لأنها كتبت بعد أن تجلت مواقف الاباضية صريحة خاصة في الجامع الصحيح للربيع ابن حبيب وقد قامت الدول الإباضية بعد في المشرق والمغرب.
كما يثبت التأمل أن الاختلاف مع الأشاعرة (10) والماتريدية والمشبهة وغيرهم ممن يعتقد أن الله يرى في الدنيا والآخرة أو في الآخرة فقط بكيف أو بلا كيف، بلور القضية ورسخ قدم الجدل فيها بالاعتماد على الاحتجاج العقلي والاحتجاج النقلي مع استغلال ما ورد في النصوص بقدر الإمكان في صالح هذا الاتجاه أو عكسه مع العلم أن النصوص واحدة وهنا تتجلى قيمة التأويل واعتماد مختلف أنواع المجازات وما إلى ذلك من وسائل اللغة.
فماذا عن الأدلة العقلية ثم النقلية؟
الأدلة العقلية:
1) عدم توفر شروط الرؤية يوجب استحالتها.
يتفق الاباضية والمعتزلة (11) على تحديد تسعة شروط للرؤية وهي:
1) سلامة الحاسة.
2) كون الشيء جائز الرؤية مع حضور للحاسة.
3)مقابلته للباصرة في جهة من الجهات أو كونه في حكم المقابلة كما في المرئي بالمرآة.
4) عدم غاية الصغر
5) عدم غاية اللطافة.
6) عدم غاية البعد.
7) عدم غاية القرب.
8) عدم الحجاب الحائل.
9) أن يكون مضيئا بذاته أو بغيره. (12)
وبما أن هذه الشروط لا تعقل إلا في جسم أو عرض والله تعالى ليس كذلك فهي أقوى دليل على استحالة الرؤية في الدنيا والآخرة.
ويرد الاباضية على من يجيز الرؤية في الآخرة اعتمادا على البلكفة (13) وعدم جواز قياس الغائب على الشاهد بما يلي:
" قولك (صولة الغدامسي): قياس الغائب على الشاهد فاسد.
أقول (أحمد الشماخي): هذا صحييح على أصلنا الذي اعتمدنا عليه ولذا أبطلنا عليه رؤية العين ولو جازت لكان كالجواهر والأعراض واستحالت رؤيته لأنه ليس محلا للحوادث". (14)
كما يردون فكرة أن اختلاف العقلاء في شأن الرؤية دليل على الجواز بحجة أن ادعاء العقلاء تعدد الآلهة في الجاهلية لا يمكن بحال أن يثبت مثل هذا الادعاء.
2) رد حجة أن الرؤية تتعلق بكل موجود
يقول المثبتون للرؤية ما يلي:" إن الله موجود وكل موجود يصح أن يرى ينتج أن الله يصح أن يرى".
ويجيب أحمد الشماخي كما يلي:" لو جاز ذلك( تعلق الرؤية بكل موجود) لجاز تعلقها بالأصوات والطعوم والروائح ولو جاز تعلق السمع بالألوان وما ذكر والشم وبها والذوق واللمس ولو جاز في جميعها لم يكن في الاختصاص فائدة ولا حكمة فيلزم أن يكون فعله عبثا وأيضا لجاز ذلك في المعدوم كما جاز في الموجود....
فان قلت العدم يمنع تعلق الإدراكات الحسية بالمعدوم.
قلت: معلوم متميز، وكل معلوم متميز ثابت وكل ثابت يصح التعلق به، وأيضا ممكن مع ثبوت القادر المختار وأيضا المعلومات المتجانسة فما جاز على أحد منها جاز على الآخر ولو جازت الرؤية واللمس والشم وغيرها عليه تعالى من غير اتصال لجاز أن يكون جسما من غير تأليف كما قال كثير، أو جسما مؤلفا أو له وجه وكف وساق وقدم بغير صورة أو على صورة الإنسان بغير شكل أو طويل عريض بغير نهاية، ويجوز أن يرى علمه لأنه موجود وترى قدرته وإرادته وحياته وسمعه وبصره وتلمس وتذاق وتشم وتسمع ويجوز إدراك البهائم للذات وسائر ما ذكر بحواسها الخمس لأن العلة واحدة ويجوز أن تلمس وتشم وتذاق ونرى ونسمع جهلنا وعلمنا وقدرهما بل يجوز ذلك في الجماد كما أدرك الجبل ورأى ربه ويجوز أن يجلس فوق العرش أو يتكئ بغير وضع ويوصف بالشم والذوق واللمس بغير آلة ولا يوصف بكونه شيئا وهذه أقوال قد قيل بها.
وبالجملة إن التزمت هذا فانف الأعراض لفضا بما شئت وإن أثبت ذلك معنى وحقيقة بل أثبت له الأعراض لفظا ومعنى أو انف تأثير الحواس وقل في معبودك ما بدا لك سبحان ربنا وتعالى، واعتقادنا ما دل عليه ( لن تراني) و (لا تدركه الأبصار) ". (15)
وإن رد الشماخي هذا الدليل العقلي بالاعتماد على مقارنة البصر ببقية الحواس ومقارنة الموجود بالمعدوم فإن من الأشاعرة أيضا من رد هذا الدليل وهذا الرازي يقول:" إن استدلالهم هذا ضعيف لأنه هناك علة تصلح للرؤية غير الوجود وهي المخلوقية في هذه الأشياء وهذه العلة لا توجد في البارئ لأنه خالق ليس مخلوقا.
وقال أيضا: إن المصحح للرؤية لابد أن يكون مشتركا بين القديم والحادث.
والمشترك إما الحدوث أو الوجود فيبطل أن يكون المصحح الحدوث فتعين أن يكون هو الوجود وإذا كان هو الوجود فوجب كونه تعالى يصح أن يكون مخلوقا لأن الوجود مشترك بينهما وإذا كان الوجود مشتركا بينهما فيصح على هذا أن يكون الله مخلوقا لأنه موجود كما في الحوادث والعلة والوجود.
وعلى هذا لا يصح أن يكون الوجود صحيحا للرؤية حتى يؤدي ذلك إلى ثبوت رؤية الباري". (16)
وقال الغزالي أيضا:" إن كبرى الدليل في قياسهم هذا كاذبة إشارة إلى أن كل موجود يصح أن يرى" (17)
وبهذا نتبين أن هذه الحجة مردودة عند الإباضية والمعتزلة وحتى عند بعض الأشاعرة مثل الرازي والغزالي.
=================================
(1) الفاربي( 260- 339/ 874- 950) يعرف بالمعلم الثاني، من أكبر فلاسفة المسلمين عاش بين فاراب وبغداد ومصر والشام .ر. الزركلي : الأعلام7/ 242.
(2) أحمد الشماخي: الرد علة صولة الغدامسي:25.
(3) عبدالله السالمي: المشارق: 186 واخترنا هذا التعريف لأنه أكثر وضوحا من تعريف أحمد الشماخي.
(4) ابن الهيثم ( الحسن) ( 411/1020) من علماء المسلمين اهتم خاصة بعلم المبصرات وتفنن فيه .ر. مصطفى نطيف: الحسن بن الهيثم بحوثه وكشوفه البصرية. القاهرة. 1942.
(5) عمرو النامي: الأطروحة: 207- 209.
(6) كوبرلي: الأطروحة: 469- 515.
(7) وعلى سبيل المثال :ر. أبو زكرياء الجناوني: عقيدة نفوسة ملحقة بأطروحة كوبرلي: 55- 56 .ر. تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين: 65- 68 .ر. أبو عمار الكافي: الموجز: 414- 421.ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية خ بالبارونية ورقة 64 وجه إلى ورقة 70 وجه.
(8) انظر الإحالات على النصوص أثناء التحليل.
(9) الأشعري: الشهرستاني والبغدادي.
(10) يقول الغزالي:" العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار، مقدسا عن الجهات والأقطار، مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار ولا يرى في الدنيا تصديقا وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرةالقار لقوله تعالى: ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصارلقوله عز وجل: . لن ترانيالسلام
وليت شعري كيف عرف المعتزل من صفات رب الأرباب ما جهله موسى عليه السلام؟ وكيف سأل موسى عليه السلام الرؤية مع كونها محالا؟ ولعل الجهل بذوي البدع والأهواء من الجهلة الأغبياء أولى من الجهل بالأنبياء صلوات الله عليهم.
" وأما وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو أنه غير مؤد إلى المحال فإن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة، وكما يجوز أن يرى الله تعالى وليس في مقابلتهم جاز أن يراه الخلق من غير مقابلة، وكما جاز أن يعلم من غير كيفية وصورة جاز أن يرى كذلك". الإحياء 1/187. ويقول الظاهرية على لسان ابن حزم :" وأن الله تعالى يراه المسلمون يوم القيامة بقوة غير هذه القوة..." المحلى 1/34-35.
(11) ر. القاضي عبد الجبار المغني في أبواب العدل والتوحيد. نشر المؤسسة العربية للتأليف بالقاهرة ج4/ عدة صفحات : 36.39. 40. 50. 109...
(12) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 198 لم نجد في المرحلة المقررة مثل هذا التفصيل فاستعنا بما جاء في المشارق لزيادة التوضيح.
(13) البلفكة : كلمة مركبة تفيد بلا كيف
(14) أحمد الشماخي: الرد علة صولة الغدامسي:24.
(15) أحمد الشماخي: الرد علة صولة الغدامسي:25-26 وهذا تحليل لما ورد موجزا عند أبي يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1:63-64.
(16) عزة محمد عبد المنعم زايد : رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين. رسالة ماجستير في العقيدة والفلسفة الإسلامية. مكتبة الاستقامة . عمان ط 1د.ت : 54. وقد أخذنا نص الرازي من هذا المرجع.
(17) الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد تقديم عادل العواط ط1 دار المانة لبنان 1388/ 1969: 43.
1) استحالة الرؤية لاستحالة التحيز والإحاطة:
ينقل أبو المهدي عن أبي نوح سعيد بن زنغيل في هذا الشأن ما يلي:" قال الشيخ أبو نوح : يقال لمن زعم أن الله يرى يوم القيامة لا يخلو من أن يرى في جميع الأمكنة أو في مكان دون مكان فإن قال في جميع الأمكنة فقد أتى بالمحال الذي لا يعقل وجعل البصر يشاهد المشرق والمغرب في حالة واحدة وإن قال في مكان دون مكان فقد جعله محدودا محاطا به فإن قالوا بعضه فقد جزؤوه وجعلوه لا شيء وإن سكتوا على الكل والبعض فقد باهتوا". (18)
وقد صاغ خميس الرستاقي نفس المعنى بعبارة أدق وفي ذلك يقول" لا يجوز في حجة العقل أن يرى الله تبارك وتعالى جهرة بالأبصار لأنه لا يخلو الناظر إليه من أن يكون يراه مكان دون مكان أو يراه في كل مكان.
فإن كان يراه في مكان دون مكان فما فضل الخالق على المخلوق إذا كان المخلوق في مكان دون مكان والخالق كذلك؟ وهذه صفة المحدود والله تعالى جل وعلا عن ذلك.
وغذا كان يراه في كل مكان فالمخلوق إذن أعظم من الخالق إذ كان هو في مكان ينال بصره من كان في كل مكان.
وأيضا فلا يخلو من أن يكون يراه حتى لا يخفى عليه منه شيء أو يخفى عليه منه شيء.
فإن كان لا يخفى عليه منه شيء إلا ويراه فقد أحاط به والمحاط به صغير والمحيط به أكبر منه وإن كان يخفى عليه منه شيء فالذي خفي عليه غير الذي لم يخف وهذه صفة المحدود والمتغاير الذي بعضه غير بعض تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" . (19)
2) عدم جواز مقارنة العلم بالرؤية:
يقول الغزالي:" إن الرؤية نوع كشف وعلم إلا أنه أتم وأوضح من العلم فإذا جاز تعلق العلم به وليس في جهة جاز تعلق الرؤية به وليس بجهة". (20)
وإن رأى الشماخي (21) أن الخلاف في اللفظ فيعتبر السالمي أن الخلاف حقيقي حيث يقول:" فإن قيل: إن بعض الأصحاب قد فسر الرؤية في الحديث بالعلم (22) وقد قنع البدر الشماخي من الفخر الرازي والغزالي بما قالاه حيث قال والخلاف حينئذ لفظي.
قلنا: أراد ذلك البعض بالعلم بالله زيادة العلم بصفاته حيث انكشف لهم من أمور الآخرة ما يعدهم بها كما قيل ليس الخبر كالمعاينة وعلى هذا المعنى حمل البدر كلام الفخر والغزالي حسن ظن بهما ولكن إشارتهما دالة على إرادة العلم بحقيقة ذاته لا بصفاته فقط". (23)
ومما يؤكد كلام السلامي صريح عبارة الغزالي:" مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة". (24)
ونحن نذكر أن ما قاله الفخر الرازي والغزالي غير مقنع لأن حقيقة ذاته تعالى لا تعلم وإنما تعلم صفاته فقط وذلك أنه لابد للشيء المعلوم من أن يتصور في ذهن العالم به وحقيقة ذاته لا تتصور . (25)
وبهذا نتبين الفرق بين العلم والرؤية.
3) رفض تقوية حاسة البصر:
يقول الأشعري في الإبانة:" لابد من تقوية بصر الإنسان كي يرى الله وإن كانت العين لا تقوى على رؤية الشمس فمن باب أولى إذا كان مع رؤية الخالق". (26)
" وهذا مردود من جهتين:
1) فإما أن توقية الأبصار يحولها عن اختصاصها في تميز الألوان والأشخاص فتصير قادرة على رؤية الروائح والأصوات... لكن هذا ليس من الرؤية.
2) وإما أنه لا يحولها ولكن يقوي قدرتها وهذا ر يخرجها عن طبيعتها مثل بعض الحيوانات كالأسد يرى في الظلام مالا يراه غيره" (27)
4) رفض الحاسة السادسة:
يذكر الأشعري أن " ضرار" و " حفص الفرد" (28) يقولان بإمكانية الرؤية بالحاسة السادسة يوم القيامة (29) إلا أن خلفهما من المعتزلة رفضوا ذلك.
كما أن ابن حزم (30) يقول بها أيضا
إلا أن الاباضية يرفضونها رفضا قطعيا وذلك لأن تحويل وظيفة البصر يؤدي قطعا إلى إبطال الرؤية.
فلابد من منع الرؤية في الدنيا والآخرة وبأي حاسة أخرى لا بالعين ولا بالقلب إذ إن تصوره القلب يجب أن يتميز. (31)
وينقل أبو مهدي عن أبي القاسم البرادي ما يلي:" قال الشيخ أبو القاسم: ويقال لهم أخبرونا عن هذه الرؤية أهي بحاسة البصر أم بحاسة أخرى غيرها... (32) وإن قالوا بحاسة أخرى غير حاسة البصر قلنا: لا تخلو هذه الحاسة في معنى البصر أن تكون مدركة للألوان أو تكون على خلاف ذلك فإن كانت في معنى البصر ففي المسألة الأولى (33) وإن قالوا مخالفة لحاسة البصر مضادة لها قلنا أردتم إثبات الرؤية بإبطالها واحتججتم للرؤية بحجة توجب زوالها وقولكم هذا شبيه بقول من قال شممت رائحة المسك بأذني....." (34)
5) البلكفة:
اعتبر الأشاعرة أن الرؤية ممكنة في الآخرة لكن أثبتوا أنها بلا كيف لتنزيه المولى عن الشبيه.
إلا أن المعتزلة والإباضية يرفضون هذا الموقف بشدة، ويعتبرونه فرارا من الاحتجاج وبيتا الزمخشري مشهوران في هذا الصدد: (كامل)
(35)
ويقول السالمي في هذا الصدد:" تستروا عن التشبيه فقالوا نراه في الآخرة بلا كيف أي لا هيئة ولا حالة نكيفها وهذا فرار من صريح التشبيه مع الوقوف فيه معنى ثم يورد بيتي الزمخشري ويختم بقوله:" وزيادة بلا كيف لم يقم عليها دليل من كتاب ولا سنة". (36)
من خلال هذا التحليل للحجج العقلية يثبت لدينا أن المصادر الإباضية لم تطل الوقوف عندها واكتفت بتحديد ما حدده المعتزلة من عدم توفر شروط الرؤية إلا أنها اضطرت لذلك في مواقف دفاعية لدحض ما ذكرته الفرق الأخرى من الحجج العقلية.
والصراع كان عنيفا مع الأشاعرة إلا أن حدته تخف عندما نعلم أن من الأشاعرة أنفسهم من قال بوهن هذه الحجج العقلية وقد أوردنا من قبل موقف الرازي والغزالي من الاحتجاج على الرؤية بأن كل موجود يرى وأحسن ما يدل على العزوف عن الاحتجاج العقلي في هذا المبحث ما ختم به شارح كاتب المواقف تحليله للحجج العقلية:"... وفي هذا الترويج تكلفات أخر يطلعك عليها أدنى تأمل فإذن الأولى ما قد قيل من أن التعويل في هذه المسألة على الدليل العقيلي متعذر فلنذهب إلى ما اختاره الشيخ أبو نصر الماتريدي من التمسك بالظواهر النقلية". (37)
ويقول السدويكشي في حاشيته على كتاب الديانات في بداية تحليله لهذه القضية ما يلي:" فاستدل أصحابنا ومن وافقهم على عدم جواز الرؤية بالعقل والنقل وكذلك الأشاعرة استدلوا بالعقل والنقل وقد ضعف دليل العقل من الجانبين ولم يبق إلا دليل النقل". (38)
وإن بينا هذا فقد بقى أن نلح على تفاعل هذه المصادر مع نصوص المعتزلة لكن المعتزلة يذهبون إلى مدى أبعد يتماشى مع مبدئهم في ترجيح العقل وأن حجة الله على الناس هي العقل بتجاوز الرؤية المعهودة وبتحويل حال الإنسان ورفع المانع الأمر الذي يرده المعتزلة بتبيين أن تجاوز العقول بفتح أبواب الجهالات. (39)
ومهما يكن من أمر فالأباضية يلحون على تنزيه الله تعالى ويصرون على أنه لا تدركه الأبصار لا في الدنيا ولا في الأخرة ولهم مواقف من الحجج النقلية فما هي؟
=========================
(18) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 102 وراجع أيضا 165.
(19) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/411 وقد أوردنا النص لزيادة التوضيح.
(20) الغزالي : الإحياء 1/187.
(21) ر. أحمد الشماخي: الرد علة صولة الغدامسي:18.
(22) انظر ما يلي: 336
(23) عبد الله السالمي: المشارق: 186.
(24) الغزالي : الإحياء 1/187.
(25) ر. عزة محمد عبد المنعم زايد : رؤية الله تعالى بين المثبتين:55.
(26) أبو الحسن الأشعري: الإبانة ط المنيرية القاهرة 1348: 16.
(27) أبو عمار الكافي: الموجز 1/418- 419.
(28) حفص الفرد (3/9) متكلم أخباره نادرة . مصري تتلمذ على العلاف بالبصرة تنسبه كتب الملل إلى المعتزلة كما تنسبه إلى المجبرة. اشتهر بالقول بالحاسة السادسة في رؤية الباري في الآخرة.cf EI2 III 66..
ضرار بن عمرو (3/9): يرد اسمه عادة مع حفص الفرد. لم تترجم له كتب الملل.
(29) ر. الأشعريك المقالات. مكتبة النهضة المصرية 1373/1954 1/289
(30) ر. ابن حزم : الفصل 3 /4 . المحلى م1 ج1 ص 34- 35
(31) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 1 2/372.
(32) حذفنا تحليله لمنع الرؤية بالبصر من أجل استحالة التحيز في مكان.
(33) أي استحالة البصر بالعين
(34) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 163- 164
(35) الزمخشري: الكشاف 2/116.
(36) عبد الله السالمي: المشارق: 206.
(37) الشريف الجرجاني: شرح المواقف ط مع النص: 373.
(38) عبد الله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات: 2
(39) ويقول السالمي في ذلك:" قالوا: اشتراط المقابلة للرؤية عادي، والآخرة محل خرق العادات.
قلنا: لا نسلم أنه عادي بل عقلي ضروري لأن الرؤية التي تعرفها العرب لا تصح عقلا إلا لمقابل، ومن ادعى أنها رؤية أخرى فعليه الدليل، ولو سلمنا أن اشتراط المقابلة عادي كان لنا أن نقول ما الدليل على هذا العادي مما يخرق يوم القيامة؟
فعلمنا أن رؤيته ليس كمثله شيءفان قيل: إن الدليل على ذلك قوله تعالى: مخالفة لرؤية المخلوقين لما يلزم في المقابلة من التشبيه المستحيل في حقه تعالى. قلنا: هذا دليل نفي الرؤية أصلا لا دليل على أن رؤيته مخالفة لرؤية المخلوقين فقط، فإنه متى كان مرئيا لزم أن يكون مثله شيء وهو سائر المرئيات ...المشارق: 201.
برهان
10-20-2009, 06:00 PM
الأدلة النقلية:
إن كلا من نفاة الرؤية ومثبتيها يعتمدون على نفس النصوص من القرآن والسنة لتدعيم مواقفهم ومرجع هذا إلى اختلاف منطلقات كل من الطرفين وإلى إحتمال هذه النصوص تآويل مختلفة إذ هي من المتشابهات، ويتجلى التفاوت الكبير خاصة في استعمال نصوص الحديث بين تقوية المتن والجرح في السند أو العكس.
فما موقف المصادر الإباضية من هذه النصوص؟ وننبه إلى أن الفصل بين القرآن والسنة هنا منهجي فحسب إذ جائت السنة مبينة للقرآن الكريم.
القرآن الكريم
( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (6 الأنعام 103)
أ- الإدراك: جاء في اللسان " الدرك اللحاق، وقد أدركه ورجل مدرك كثير الإدراك وجاء فيه أيضا: الإدراك اللحوق يقال مشيت حتى أدركته وعشت حتى أدركت زمانه وأدركته ببصري أي رأيته". (40)
ويعلق أحمد الخليلي على هذا بما يلي:
1) إن العرب تقول أدركت زمانه مع عدم الإحاطة بزمانه كما نص عليه صاحب اللسان ولربما قال أحدهم أدركت حياة فلان وهو لم يولد إلا في الزمن الأخير من حياته.
2) إن العرب تسمي المطر المتوالي المتدارك مع العلم أنه ليس المقصود منه أن كل ديمة منه تحيط بغيرها وإنما المقصود تلاحق الدّيم.
3) عدم مخالفة أحد في صواب قول من قال أدركه السهم ومن المعلوم أنه ليس المراد منه إحاطة السهم به ولو قال قائل: أحاط به السهم لعد من هذيان الكلام.
2) مجيء الألفاظ المشتقة من الإدراك دالة على غير معنى الإحاطة كما في قوله تعالى: (حتى إذا أدركوا فيها) (7 الأعراف 38) إذ ليس من المعقول أن يكون المراد من الآية إحاطة كل فوج من أهل النار بالآخرة مع أن التفاعل يقتضي التشارك من الجانبين أو الجوانب وإنما المراد من الآية تلاحق الأفواج في النار والعياذ بالله". (41)
ويقول السدويكشي :" والإدراك المضاف في هذه الآية إنما هو الرؤية فمعنى قولك أدركته ببصري معنى رأيته لا فرق إلا في اللفظ [ أو هما أمران متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر فلا يجوز القول رأيته وما أدركته ببصري ولا عكس ذلك فهذه الآية الكريمة نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام المبالغة وفي جميع الأوقات] لأن قولك فلا تدركه الأبصار يفيد عموم الأوقات فلابد أن يفيد عموم الأعصار والأزمان فلا يراه شيء من الأبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة لما ذكرنا" (42) .
فالإباضية والمعتزلة حينئذ يرفضون معنى الإحاطة التي يبنى عليها مثبتو الرؤية جوازها إذ الآية عندهم تفيد أن نفي الإحاطة يثبت جواز الرؤية.
ويقول السالمي في هذا الصدد:" ولا نسلم أن الإدراك هو الرؤية المقيدة بالإحاطة لأنه حقيقة في الوصول إلي الشيء وتقييده بالإحاطة مجاز لا يصح إلا بقرينه بل القرائن دالة على نفي مطلق الإدراك". (43)
ب) الآية تفيد المدحة
إنه تعالى تمدح بكونه لا يرى فإنه ذكره في أثناء المدائح لأن ما ذكر في السورة الكريمة قبل هذه الآية (44) هي مدائح ... وما كان من صفاته عدمه مدحا كان وجوده نقصا فيجب تنزيه البارئ عنه وهو على غرار نفي السنة والنوم. (45)
ويقول أبو مهدي في أن الآية تعني المدحة ما يلي:" ومما نسألهم عنه أن نقول لهم: أخبرونا عن قوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار) هذه مدحة امتدح بها أم لا فإن قالوا: لا فقد جاحدوا... وإن قالوا مدحة امتدح بها، قلنا لهم هذه المدحة ثابتة له في الدنيا والآخرة أم في الدنيا خاصة فإن قالوا في الدنيا خاصة فقد جعلوا مدائح الله عز وجل تزول عنه يوم القيامة فنقول: يلزمكم أن يكون قوله ( وهو يدرك الأبصار) في الدنيا خاصة لأن الآية جاءت مجيئا عاما. وتكون على قولكم جميع مدائح الله يجوز زوالها في الآخرة مثل قوله تعالى: ( لا تأخذه سنة ولا نوم) (2 البقرة 255) وقوله ( ليس كمثله شيء) (42 الشورى 11) وكذلك سائر المدائح لأن هذه مدحة وتلك مدحة وإن قالوا الزوال في هذه خاصة فلا حجة لهم وإن قالوا مدائح الله ثابتة في الدنيا والآخرة فهو ما نقول وبطل ما صاروا إليه. (46)
ويقول السالمي في الرد على نفي مفهوم المدحة بما يلي:" لا يقال إن نفي الرؤية ليس من مدائحه تعالى لأنه قد اتصف به من خلقه أشياء كالأعراض والأرواح ونحوها وما اتصف به غيره لا يكون مدحا له. لأنا نقول وكذلك أيضا بعض المخلوقات لا يتصف بالنوم ولا بالسنة كالحائط والشجرة ونحو ذلك فلا يكون نفيهما عنه مدحا". (47)
ويرد التعاريتي على من قال:" إن عدم رؤيته في الدنيا مع كونه أقرب إليهم من حبل الوريد كاف في التمدح فلا ينافي رؤيته في الآخرة.
بقوله: مقتضى كونه تمدحا أن يكون على سبيل الدوام والاستمرار قياسا على سائر تمدحاته تعالى" (48)
وجاء في المسلك المحمود أيضا ما يلي:" إن امتناع الرؤية لم يكن فيه تمدح إذ لا مدح للمعدوم بأنه لا يرى حيث لم يكن له ذلك.
الرد: إن عدم مدح المعدوم لاشتماله على النقص الذي هو العدم، كما أن الأصوات والروائح لا تمدح مع عدم إمكان رؤيتها لكونها مقرونة بسمات النقص وامتناع الشيء لا يمنع التمدح بنفي الشريك والسنة والنوم ونفي الصاحبة والولد مع امتناعها فبان أن امتناع الرؤية يدل على أنه ليس من جنس العالمين بل هو حقيقة أخرى مخالفة لها غاية المخالفة ولما كان تعالى منفردا بهذه الصفات مع اشتراك جميع الممكنات في صحة الرؤية صار هذا دليلا على أنه ليس ممكنا من الممكنات بل واجب وجوده تعالى". (49)
فيبقى نفي الرؤية مدحة في نظر الإباضية في الدنيا والآخرة.
ج)الآية تفيد عموم السلب
" يقول مثبتو الرؤية: إن لفظ الأبصار صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله: ( لا تدركه الأبصار) يفيد أنه لا تراه جميع الأبصار وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.." (50)
فيكون المعنى لا تدركه الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين وقد جاء عند أحمد الشماخي ما يلي:
" قولك: فالمعنى سلب العموم، لا عموم السلب أي لا تدركه جميع الأبصار ونحن قائلون بموجبه.
أقول: لا نسلم أنها لسلب العموم إذ لا مدح في سلب بعض الأبصار لأنه شاركه فيه من حيث لا ترونهم ولأنه يلزم عليه أن تدركه بعض الأبصار وهي التي لا تدركه لأن الألف واللام في لا تدركه الأبصار" للعهد.
" قولك: لا دلالة فيه على عموم الأوقات.
أقول: له أدلة:
1- التمدح لأن المقام له ولا مدح في بعض الأوقات.
2- عدم القيد فتسلط النفي على أصل الفعل.
3- يلزم ذلك في وهو يدرك الأبصار وفي قوله ( لا تأخذه سنة ولا نوم) ( البقرة 225)" (51)
ويقول المحشي مبينا أن الآية لا تقيد بوقت دون وقت :" ويقال لهم: أخبرونا لأية علة صار معبودكم يرى في دار المعاد ولا يرى في الدنيا اللذات أم للخبر؟ فان قلتم للذات فالذات لا تتغير وان قلتم للخبر فما الخبر؟
فإن قلتم ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (75 القيامة 23) قلنا هذا الخبر للرؤية عندكم في المعاد فأين الخبر الذي لا يرى في الدنيا؟ فلستم تجدونه إلا أن تقولوا قوله ( لا تدركه الأبصار) (6 الأنعام 103) فإن قالوا: ذلك قيل لهم: هذا الخبر عن الذات أو خبر عن وقت دون وقت.
فإن قالوا: خبر عن الذات قلنا: قد قلتم إن الذات لا تتغير من صفة القديم إلى صفة المحدث.
فإن قلتم عن وقت دون وقت فيلزمكم أن تقولوا بمثل ذلك في جميع ما أخبر الله به عن نفسه في القرآن من قوله:( لا تأخذه سنة ولا نوم) (ولا يؤوده حفظهما) (2 البقرة 255) ( لا يعزب عنه مثقال ذرة) (34 سبأ 3) فتكون هذه الأخبار من كتاب الله تعالى وما شاكلها في صفة الله تعالى إنما هي لوقت دون وقت" (52)
وإن صاغ المحشي هذه الحقيقة بطريقة جدلية فإن السالمي قد صاغها بمنهج رصين حيث يقول:" قلنا : لا نسلم أنها لسلب العموم لأنها وردت مدحا له تعالى، و‘دراك الأبصار له تعالى مزيل لهذا التمدح زلا يصح أن تزول عنه صفاته التي تمدح بها تعالى إذ لو جاز ذلك لجاز أن يكون في الآخرة متصفا بالسنة والنوم والصاحبة والولد والشريك والشبيه لأن هذا كله مما تمدح به تعالى بنفيه عنه، ولو جاز عليه ذلك لكان حينئذ ذليلا عاجزا مقهورا مغلوبا جاهلا بخيلا فيستحق على ذلك الشتم- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
حاصل الجواب أن قاعدة سلب العموم إنما هي ثابتة في مال إذا لم يدل دليل على أن المراد خلافها أما إذا دل دليل على ذلك عدل عنها إلى ما يقيتضيه الدليل ودليل العدول هنا قصد التمدح بنفي الرؤية فإن حمل على تلك القاعدة فات هذا المقصود". (53)
ويقول محمد اطفيش: " الألف واللام للاستغراق باقية على العموم الشمولي بعد النفي فشملت أبصار المؤمنين وأبصار الكفار كما هو الوارد في القرآن بلا تلكف تأويل في قوله ( والله لا يحب كل مختال فخور). (54)
أما السدويكشي فقد غلب عليه الأخذ عن الإيجي وقد انتبه إلى ذلك يوسف المصعبي فبين أن السدويكشي أورد اعتراضات الإيجي والشريف الجرجاني على أساس أن يرد عليها (55) لكننا لم نجد هذا الرد ولعل عذره يتمثل في أنه لم ينته من شرح كتاب الديانات ومعلوم أن يوسف المصعبي واصل الشرح لكنه لم يتدارك النقص الذي أشار إليه.
والمهم حينئذ أن الإباضية يعتبرون أن هذه الآية تدل على نفي الرؤية عن الله تعالى على الإطلاق.
د)تركيب الجملة
إن اختلاف الجملتين إذ كانت الأولى فعلية والثانية اسمية يثبت اختلافا جوهريا في المعنى فالفعلية للتجدد والاستمرار التجددي والاسمية للدوام. (56)
إن الوقوف عند مختلف وجوه الاحتجاج يبين أن كلا من النفاة والمثبتين حرصوا على تدعيم موقفهم اعتمادا على الاستعمالات اللغوية إلا أن جانب التأويل غلب عند الأشاعرة أكثر منه عند الإباضية ولم يضطر إليه الإباضية إلا فغي مواقف الدفاع وتبقى الآية عندهم صريحة في نفي الرؤية المعهودة عن الله تعالى على الإطلاق وهذا في رأينا أقرب إلى العقل.
والملاحظ أن علماء هذه المرحلة لم يتوسعوا في تحليل هذه الآية كما هو مطلوب رغم أنهم أشاروا إليها ضمن الاحتجاج كما رأينا. (57)
هذا عن هذه الآية فماذا عن قوله تعالى:
- ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) (75 القيامة 23) (58) ؟
=======================================
(40) ابن منظور : لسان العرب. ولا بأس من تفسير كلمة البصر: جاء في لسان العرب: أبصر فلان : نظر ببصره فرأى، وأبصر الشيء رآه والبصر العين، قوة الأبصار، قوة الإدراك.
وجاء عند امحمد اطفيش: والبصر الأسود الذي وسط العين أسود العين، وبه يكون الإبصار، أو القوة المودعة في ذلك الأسود أو في العصبتين المؤديتين إليه. وقد يطلق على العين لأنها محل ذلك. تيسير التفسير ط1 2/373.
وجاء عند محمد عبده :" وأبصرت الشيء رأيته، وقيل البصر حاسة الرؤية. ابن سيدة: البصر حسن العين، والجمع أبصار ذكره في اللسان وقال الراغب يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى ( الأحزاب10)، وللقوة التي فيها. وإذا زاغت الأبصار (النحل77) وقوله: كلمح البصر تفسير المنار دار المنار القاهرة ط الثالثة 1371/ 1952: 7/651.
(41) عبدالله السالمي: المشارق تعليق1: 202- 203 والكلام لمحقق النص وهو أحمد الخليلي مفتي عمان حاليا واستشهدنا به لاستيعابه جميع الوجوه التي يعتمدها الإباضية في فهم كلمة الإدراك.
(42) عبد الله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات: 2 وقد أتمنا ما جاء في النص من نقص اعتمادا على عزة عبد المنعم زايد: رؤية الله تعالى بين المثبتين والنافين: 62 وقد وضعنا الجزء الناقص بين معقفين والنص مأخوذ من الإيجي: المواقف مع الشرح : 377 من باب الشبه.
(43) عبد الله السالمي: المشارق ص 202- 203.
(44) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكنقال تعالى في سورة الأنعام 101- : له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم(101)ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل(102)لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف .الخبير(103)
(45) ر. عبد الله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات: 2
(46) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 164- 165
(47) عبد الله السالمي: المشارق:204.
(48) سعيد بت تعاريت: المسلك المحمود: 219.
(49) نفس المصدر: 218- 219.
(50) عزة محمد عبد المنعم زايد : رؤية الله تعالى: 63.
(51) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:25. وينقل سعيد ابن تعاريت ردا لأحد الأشاعرة لا تدركهيتناسق والفكر الإباضي وهو" فان قيل: فما المرضي من أداة النفي في الآية لعموم السلب أو السلب العموم.الأبصار
قلنا: المرضي أنها لعموم السلب لأنه أبلغ إثبات حجاب القدرة والعظمة وأفعل في مقابلة إثبات إدراكه تعالى..." المسلك المحمود: 218.
(52) المحشي : حاشية الترتيب 7/ 278- 279.
(53) عبد الله السالمي: المشارق:204.
(54) لقمان18 .ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 1 2/372.
(55) ر. عبد الله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات: 2- 3 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 104- 105.
(56) .ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 1 2/372.
(57) ر. المحشي : حاشية الترتيب 7/245 اكتفى بتوضيح المعنى العام مع ذكر: " وليس يرى ربنا تبارك وتعالى أحد من خلقه" ر. يوسف المصعبي: حاشية على كتاب الجلالين. خ البارونية في مجلدين ر. المجلد الأول ورقة 220 قفا و221 وجه. لم يتوسع في الشرح وأحال على حاشيته على كتاب أصول الدين لتبغورين إلا أنه لم يفصل القول هناك أيضا .ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 19 وجه. اكتفى بالاستشهاد بالآية.
(58) ويتفق المعتزلة والإباضية في فهم هذه الآية : مسألة: وربما في قوله إنه أقوى دليل على أن الله تعالى يرى في وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرةتعالى: الآخرة؟ وجوابنا أن من تعلق بذلك وإن كان ممن يقول بأن الله تعالى جسم فإنا لا ننازعه في أنه يرى بل في أنه يصافح ويعانق ويلمس تعالى الله ذلك ، وإنما نكلمه في أنه ليس بجسم، وإن كان ممن ينفي الشبيهة على الله فلا بد من أن يعترف بأن النظر إلى الله تعالى لا يصح لأن النظر هو تقليب العين الصحيحة نحو النظر إليه وهو الثواب ( يوسف82) فإنا تأولناه على أهل القرية لصحة المسألة واسأل القريةكقوله تعالى: ووجوه يومئذمنهم، وبيان ذلك أن الله ذكر ذلك ترغيبا في الثواب كما ذكر قوله ( القيامة 24) زجرا عن العقاب فيجب حمله على ما ذكرناهباسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ...ر. القاضي عبد الجبار : تنزيه القرآن عن المطاعن .دار النهضة الحديثة بيروت د.ت ص 442.
جاء في الدليل والبرهان:" إن النظر في لغة العرب يتصرف على أربعة أوجه لا خامس لها:
1- أن تكون النظر بمعنى التعطف والرحمة قال الله تعالى: ( ولا ينظر إليهم يوم القيامة) (3 آل عمران 77) ولم يرد لا يراهم لأن رؤيته تعالى محيطة بهم وبغيرهم وإنما هو نظر تعطف ورحمة.
2- أن يكون النظر بمعنى الاعتبار كما قال تعالى: ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) (88 الغاشية 17).
3- بمعنى الانتظار كما قال الله عز وجل: ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة) (39 يس 49) أي ينتظرون. وقوله ( انظرونا نقتبس من نوركم) ( 57 الحديد 13)
4- هو النظر المعروف بالعين (59)
وجاء في الجامع الصحيح: باب في النظر في اللغة:"... إن النظر هو الانتظار لقول الله عز وجل ( ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) (36 يس 49) يعني ما ينتظرون وليس بمعنى النظر بالأبصار وقال: ( وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق) (38 ص 15) وقال: ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة) (16 النحل 33) ونحوه في القرآن.
ومصداق ذلك في اللغة قول القائل: إنما أنظر إلى الله ثم إليك يعني أنه ينتظر ما يأتيه من قبله" (60)
ويذكر الأشاعرة (61) أن الآية صريحة في وقوع الرؤية للمؤمنين في الآخرة إذ يعتبرون أن نظر بمعنى رأى وذلك أكبر نعيم في الجنة فيرد الإباضية هذا الموقف من خمسة وجوه:
1- اللغة:
إن النظر في اللغة غير الرؤية ولذا يقال : نظرت الهلال فلم أره. ولا يصح أن يقال رأيته فلم أره. وإطلاقه على الرؤية مجاز لا يصح إلا بقرينه والعدول عن الحقيقة إلى المجاز خلاف الظاهر.
والوجه لا يكفي أن يكون قرينه لأنه يطلق على الذات ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (55 الرحمان 27).
فإذا كان النظر بمعنى الانتظار فلا يعدى بإلى.
الجواب: لا نسلم ذلك فقد قال تعالى: ( فنظرة إلى ميسرة) ( البقرة 28).
وقال الشاعر:(كامل)
وقال الشاعر:(كامل)
قال حسان: (62) (طويل)
وقال الشاعر:(طويل)
أي منتظرة لمعروفه. (63)
2- سياق الآية: إن المقابلة الواردة في بقية الآية ( وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) (75 القيامة 24- 25) لو فهم النظر بمعنى الرؤية لارتفعت المناسبة بين الجملتين ولتداعى بناؤها ويقول الشماخي في هذا الصدد ما يلي:" ويدل عليه ذكر ينظر في مقابلة تظن أي تتوقع أن يفعل بها فعل فضيع شديد يقصم فقار الظهر كما ترتجي الوجوه الناظرة إلى ربها أن يفعل بها كل خير.
وأيضا فاعل تظن الوجوه ومعلوم أن الوجوه لا تظن وإنما تظن القلوب فيكون عبارة عن الجملة في الأول والثاني للمعادلة والموازنة بينهما". (64)
3- الحصر: إن تقديم إلى في قوله ( إلى ربها ناظرة) يفيد الحصر والاختصاص ولو كان من نظر العين لانحصر نظرهم في ذات الله ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء كثيرة لأنهم الآمنون الذين ( لا يحزنهم الفزع الأكبر) (21 الأنبياء 103) ( وهم من فزع يومئذ آمنون) (27 النمل 89) ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (2 البقرة 62) ففي هذا الحصر دليل على معنى الانتظار. (65)
4- تقييد الآية بيوم القيامة : يقول الشماخي:" الآية نزلت في حال القيامة فالمؤمنون ناضرة وجوههم بالبشارات والكفار باسرة وجوههم بتحققهم الوعيد فالأولون منتظرون دخول الجنة والكافرون أن ينبذوا في الحطمة... وأهل الجنة في نعيم ينتظرون آخر. ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا) (84 الانشقاق 7-9) فلا يصح أن نعتبر انتظار النعمة سببا للنعمة وسببا للغم وضيق الصدر". (66)
5- اعتماد التأويل: واعتمد الإباضية التأويل مثل المعتزلة وفي ذلك يقول يوسف المصعبي:" وحمل الجبائي(235- 303/ 849- 916) (67) النظر على معنى الانتظار وجعل " إلى" اسما بمعنى النعمة مفرد الالآء مضافا لما بعده لا حرف جر. والمعنى عنده: منتظرة نعم ربها وإلى عنده مفعول لناظرة". (68)
وقد توسع محمد اطفيش في ذلك كما يلي: " أو " إلى" بمعنى النعمة مفعول مقدم أو يقدر مضافا أي ملك ربها أو ثواب ربها أو رحمة ربها والنظر بالعين أو الأصل إلى إنعام ربها والنظر بمعنى الانتظار ولا يرجون الرحمة إلا من الله تعالى كما لا يعبدون إلا إياه.
وكل حذف أو تأويل ولو كان خلاف الأصل مقدم على عدمه إذا كان عدمه يؤدي إلى التشبيه أو نحوه والتقديد والتأويل هما المناسبان لقوله تعالى: ( ليس كمثله شيء) ". (69)
6- تفسير بعض الصحابة والتابعين النظر بمعنى الانتظار
لقد أورد الربيع بن حبيب أقوال الصحابة الذين فسروا النظر بمعنى الانتظار. فمن هؤلاء عبدالله بن عباس (ت 68/ 687) (70) وقد قال عندما سئل عن الآية المذكورة:" ثم ينظرون إلى ربهم متى يأذن لهم في دخول الجنة بعد الفراغ من الحساب" ثم قال: ( وجوه يومئذ باسرة- يعني كالحة- تظن أن يفعل بها فاقرة) . قال: يتوقوعون العذاب بعد العذاب وكذلك قوله: (إلى ربها ناظرة) ينتظر أهل الجنة الثواب بعد الثواب والكرامة بعد الكرامة". (71)
إن كانت الآية السابقة لم تنل حظا وافرا من التحليل فإن الشماخي خاصة قد حلل هذه الآية تحليلا وافيا وقد انطلقت نصوص الإباضية في هذه المرحلة وما قبلها وما بعدها من الرصيد الذي جمعه من وقت مبكر الربيع بن حبيب لترد بطرق شتى على من اعتبر أن ناظرة معناها الرؤية البصرية كما أن هذه النصوص لم تغفل عن تدعيم موقفها برأي المعتزلة وباعتماد التحاليل اللغوية والبلاغية.
ويرتبط بهذه الآية قول موسى: ( رب أرني أنظر إليك) (7 الأعراف 143) فماذا عن هذا الطلب؟
- قوله تعالى: ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبن إليك وأنا أول المؤمنين) (7 الأعراف 143)
إن مواطن الإشكال في هذه الآية تتمثل في : طلب موسى الرؤية ( أرني أنظر إليك) حقيقة لن. تعليق الرؤية باستقرار الجبل. التجلي للجبل. توبة موسى.
أ. طلب موسى الرؤية: يقول مثبتو الرؤية (72) إن في طلب موسى الرؤية دليلا على أنها ممكنة إذ لا يجوز أن يطلب نبي أمرا مستحيلا.
ويجيب الإباضية بأنه سألها وهو يعلم استحالتها ليعلم قومه الجواب باستحالتها والقوم كافرون لقولهم ( لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) (2 البقرة 55) وقد اختار منهم موسى سبعين وكلهم سمعوا ( لن تراني) . فإخباره ومعه السبعون أقوى في ظن القوم من إخباره بنفسه. ومما يدل على طلبها لقومه قوله تعالى حكاية عن موسى ( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) (7 الأعراف 155) وقوله: ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) (4 النساء 153).
وقوله تعالى ( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون) (2 البقرة 55) وأما الطلب في صيغة المفرد فمن باب التبكيت إذ إن منعت عنه فلا سبيل إلى حصولهم لهم. (73)
فالإباضية وجهوا هذه الآية من وقت مبكر وجهة الاعتذار اعتمادا على منا نقله جابر بن زيد عن ابن عباس وقد أورد الربيع بن حبيب ما يلي:" قال جابر بن زيد: سئل ابن عباس رضي الله عنه عن قوله تعالى ( رب أرني انظر إليك) فقال ذلك على وجه الاعتذار لقومه ليريهم الله آية من آياته فييأسوا من رؤية الله". (74)
ونقل المحشي عن الجيطالي ما يلي:" قال في شرح النونية في ما يتعلق بسؤال موسى ربه الرؤية ما نصه: فإن قال: أوليس إنما أشركت اليهود لجحودهم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبسؤالهم موسى عليه السلام أن يريهم ربهم جهرة- قيل له: نعم.
فإن قال: أو ليس كل من سأل ما سألت اليهود فقد أشرك. قلنا: نعم.
فإن قال: وقد سأل موسى أن يرى ربه، قلنا: إن موسى عليه السلام لم يسأل أن يرى ربه عيانا مثل ما سألت اليهود وإنما قال ( رب أرني أنظر إليك) على وجه الاعتذار لقومه ليريهم آية من آياته فييأسوا من رؤيته عز وجل" (75)
أ- حقيقة لن: اعتبر مثبتو الرؤية أن الزمخشري تأثر بمذهبه في تقدير معنى التأبيد للن، ودليل هؤلاء على ذلك أنها لو كانت تقتضي التأييد ما أكدت به في قوله تعالى: ( ولن يتمنوه أبدا) . (76)
وينطلق الإباضية من تفسير الربيع للن بمعنى الإياس حيث يقول:" لن حرف من حروف الإياس عند النحويين أي لن يراه أحد في الدنيا ولا في الآخرة". (77)
وقد اكتفى كل من أبي مهدي والمحشي بالنسبة إلى " لن" بما ذكره الربيع (78) أما يوسف المصعبي فقد ألح الله البتة وكل من قال إن موسى لن يرى الله قال إن غيره لن يراه". (79)
أما سعيد ابن تعاريت فبعد أن أورد عدة أقوال تفيد أن " لن" للتأبيد يقول:" حيث ثبت دلالتها على التأبيد...فعلى من ادعى أنها تكون لغيره أيضا الدليل فيكون تمسكنا حينئذ بالمجمع عليه، فثبت بما ذكرناه أن الله منزه عن الرؤية". (80)
ج- تعليق الرؤية باستقرار الجبل: يقول المثبتون إن تعليق الرؤية بأمر ممكن وهو استقرار الجبل يجعل الرؤية ممكنة إذ ما تعلق بالممكن ممكن.
ويجيب الإباضية أن استقرار الجبل مستحيل في علم الله تعالى والمتعلق بالمستحيل مثله لأن الاعتبار في ذلك بالمخاطب بصيغة اسم الفاعل لأن الخطاب صدر منه وهو عالم باستحالته.
ويقول المحشي في هذا الشأن:" قال تعالى: ( ولكن انظر إلى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) فهذا على قطع الرجاء أي فكما أن الجبل لا يستقر فكذلك لن تراني، ونظيره ( ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (7 الأعراف40) (81) .
د- التجلي: جاء عند الربيع بن حبيب ما يلي: وأما قوله ( فلما تجلى ربه للجبل) " أي فلما تجلى ببعض آياته فلم يحتملها الجبل حتى صار دكا وخر موسى صعقا". (82)
واكتفى المحشي بإعادة نفس النص (83) أما يوسف المصعبي فقد مر على الآية دون أن يقف عند حقيقة التجلي (84) لكنه أحال على تفسير الزمخشري (85) أما عمرو التلاتي هو الآخر فقد نفى أن تكون ذاته تعالى تجلت للجبل. (86)
فالإباضية في هذا المعنى رفضوا تفسير الأشاعرة (87) واعتمدوا في تفسير موقفهم الذي أقره الربيع على ما جاء عند المعتزلة وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار:" مسألة: وربما سألوا عن قوله تعالى: ( فلما تجلى ربه للجبل) كيف يصح أن يتجلى وليس بجسم وما فائدة تجليه للجبل؟ وجوابنا أن المراد بهذا التجلي الإظهار وذكر الله الجبل وأراد أهله فكأنه قال فلما بين لأهل الجبل أنه لا يرى بأن جعله دكا حصل المراد في ما سألوه وهذا كقوله ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض) (33 الأحزاب 72) أراد على أهلها وكل ذلك بمنزلة (12 يوسف 82 وأراد أهلها". (88)
هـ- توبة موسى: بما أن موسى خر صعقا أناب إلى ربه حال استيقاظه لأنه أحس باستعظام ما طلب من الله تعالى وقد بين الربيع هذا المعنى كما يلي:" عمير بن إسماعيل قال حدثنا أبو صالح عن ابن عباس عن جوبير عن الضحاك في قوله تعالى ( سبحانك تبت إليك) أي عن مسألتي أنى أنظر إليك ( وأنا أول المؤمنين) المصدقين بأنك لا يراك أحد. وقال مجاهد مثل ذلك..." (89)
والمشكلة يحللها المحشي كما يلي: " فإن قال قائل: فإن كان موسى عندكم غير مخطئ فمم إذن تاب؟ ومن ماذا أخذته الصاعقة؟
قيل له: إن أهل التفسير (90) قالوا: إن ذلك لتقدمه بين يدي الله تعالى بالمسألة قبل أن يؤمر بذلك.
فإن زعموا أن الصاعقة وأن التوبة إنما كانتا من أجل طلب الرؤية قيل لهم فإن الصاعقة لا تصيب أحدا إلا على أمر الله لا يجوز له ولا يحل فكذلك التوبة لا تكون من صاحبها إلا على أمر غير جائز له فهذا داخل عليكم". (91)
أما يوسف المصعبي فينقل كلام الزمخشري:" فلما أفاق من صعقته قال ( سبحانك) أنزهك مما لا يجوز عليك من الرؤية وغيرها، ( تبت إليك) من طلب الرؤية ( وأنا أول المؤمنين) بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. فإن قلت: فإن كان طلب الرؤية للغرض الذي ذكرته فمم تاب؟ قلت: من إجرائه تلك المقالة العظيمة.
وإن كان لغرض صحيح على لسانه من غير إذن فيه من الله تعالى فانظر إلى إعظام الله تعالى أم الرؤية في هذه الآية، وكيف أرجف الجبل بطالبيها وجعله دكا وكيف أصعقتهم ولم يخل كليمه من نفيان ذلك مبالغة في إعظام الأمر وكيف سبح ربه ملتجئا إليه وتاب من إجراء تلك الكلمة على لسانه وقال ( أنا أول المؤمنين) . (92)
نتبين من خلال هذه التحاليل أن الإباضية يجنحون دائما إلى التنزيه ويعمدون في ذلك إلى التأويل واعتمادهم في ذلك ما تتحمله اللغة من المعاني فهم يعتبرون ألا سبيل إلى أن يتجلى الله تعالى للجبل كما يلحون بشدة على معنى التأبيد في " لن" وقد وافقهم المعتزلة وكثير من الأشاعرة على ذلك وعلى هذا الأساس ينفون إمكانية الرؤية في الدنيا والآخرة. ويعتبرون هذه الآية مؤيدة لقوله تعالى: ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) .
ذلك هو موقف الإباضية من طلب موسى الرؤية فماذا عن موقفهم من آيات أخر توحي بمفهوم الرؤية؟
====================================
(59) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط1: 67.
(60) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/29 عدد 859 .ر. المحشي : حاشية الترتيب 7/ 253- 263 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:102.
(61) أبو الحسن الأشعري: الإبانة عن أصول الديانة. تحقيق عبد القادر الأرناؤوط مكتبة دار البيان ط1 دمشق بيروت 1401- 1981: 31-37.
(62) حسان بن ثابت (54/ 674) ر. الزركلي: الأعلام: 2/188.
(63) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:21 .ر. عبد الله السالمي: المشارق: 193 .ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي:167- 168.
(64) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:21." كما أن وصف الوجوه بالنضارة مانع من إطلاقها على الأبصار إذ لا توصف الأبصار بذلك". عبد الله السالمي: المشارق: 191.
(65) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:22.
(66) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:21.
(67) الجبائي: من أئمة المعتزلة وغليه نسبت الطائفة الجبائية ر. الزركلي: الأعلام:7/136.
(68) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 102
(69) امحمد اطفيش: تيسير التفسير: 6/427.
(70) ر. الزركلي: الأعلام: 4/228.
(71) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/26 عدد 853 .ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي:160 . 161 أورد كامل النص.
(72) ر. الإيجي : الموقف 2/ 368- 370 حلل القضية تحليلا موسعا واعتبر أن الآية أقوى دليل على إمكانية الرؤية.
(73) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 180
(74) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/34 عدد 869
(75) المحشي : حاشية الترتيب 7/276- 277 . والملاحظ أنه وصل بعد التحليل إلى إعادة ما جاء عند الربيع حرفيا.
قل إن كانت(76) قال تعالى: لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين(94)ولن (البقرة 94-95).يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين(95)
(77) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/34 عدد 870
(78) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي:160 .ر. المحشي : حاشية الترتيب 7/276.
(79)) يوسف المصعبي: شرح أصول تبغورين:107.
(80) سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود : 224- 225.
(81) المحشي : حاشية الترتيب 7/277 .ر. عبدالله السالمي: المشارق ص 189، والآية: الأعراف 40.
(82) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/34- 35 عدد 870.
(83) ر. المحشي : حاشية الترتيب 7/277
(84) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 240 وجه.
(85) ر. الزمخشري: الكشاف 2/114.
(86) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 20وجه
فقال الزجاج : فلما تجلى ربه للجبل(87) يقول الرازي:" أما قوله تجلى أي ظهر وبان، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها" .ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 14/134.
(88) القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن: 152.
(89) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/34 عدد 870.
(90) ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 7/277- 278.
(91) المحشي : حاشية الترتيب 7/ 277- 278.
(92) يوسف المصعبي : حاشية على تفسير الجلالين ورقة 240 وجه وكذلك 183 وجه .ر. الزمخشري: الكشاف 2/115 .ر. القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن ص 151 .ر. محمد اطفيش: تيسير التفسيرط1 ، 2/635 وفي هذا المعنى يقول القاضي عبد الجبار :" وقد كان لا يسألون ربهم ماسأل الله الرؤية لقومه، ولم يأذن جل وعز له في ذلك، والأنبياء يرغبون إلا بعد الإذن فعلى هذا الوجه قال ما قال . تنزيه القرآن عن المطاعن: 151.
________________________________________
قوله تعالى: ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (10 يونس 26).
يعتبر الأشاعرة أن الحسنى هي الجنة وأن الزيادة هي النظر إلى وجهه الكريم.
ويرد الإباضية ذلك من الوجوه التالية:
1- إن الزيادة على الشيء لا تكون إلا من جنسه.
2- إن الزيادة أقل من المزيد عليه ورؤية الله عندهم أكبر من الجنة وأعلا مقاما.
3- تفاسير الصحابة والتابعين جاءت كما يلي:" جاء عن علي ابن أبي طالب أن الزيادة غرفة من لؤلؤ لها أربعة أبواب والغرفة هي الزيادة.
وجاء عن ابن عباس نفس القول كما أنه ذكر أن الحسنة بالحسنة والزيادة التسع لقوله تعالى ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) (6 الأنعام 160).
وقال علقمة (93) مثل هذا القول: الحسنة بعشر أمثالها في شأن الزيادة. (94)
ويتابع المحشي هذه التأويلات فينقل كلام الجيطالي في شرح النونية حيث يقول:" وأما تأويل المشبهة في الزيادة المذكورة في قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) (10 يونس 26) وقوله ( ولدينا مزيد) (50 ق 35) فإنما تعسفوا في تأويلها تعسفا شديدا... ولم يعتبروا فيها معنى الزيادة المذكورة في غيرها من القرآن كقوله تعالى: ( ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله) (24 النور 38) وفي مثله من الآيات: غير أن القوم متى ما سمعوا بذكر شيء قريب أو بعيد من الذي بنوا عليه اعتقادهم ذهبت إليه أهواؤهم". (95)
وكذلك يسلك يوسف المصعبي فيذكر جميع الأقوال التي أوردها الربيع ثم يقول:" فإن قلت: حيث لم يثبت هذا الحديث (96) عندنا ولا عند صاحب الكشاف... فما معنى هذه الزيادة؟ قلت: قال الشيخ هود رحمه الله: (97) الحسنى الجنة وزيادة يعني الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وقال صاحب الكشاف: وزيادة ما يزيد من التفضل ويدل عليه قوله ( ويزيدهم من فضله) (24 النور 38). (98)
فالمهم بالنسبة إلى الإباضية أن الزيادة لا يمكن أن تعني الرؤية بأي وجه من الوجوه.
وقوله تعالى : ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) (2 البقرة 46).
يورد يوسف المصعبي في شأن هذه الآية ما ملخصه أن المجوزين للرؤية يفسرون اللقاء بالرؤية من باب المجاز لكن المانعين لها يفسرونه بما يناسب المقام كلقاء الثواب خاصة والجزاء مطلقا والظن حسب هؤلاء بمعنى اليقين فهم حينئذ يتيقنون بثبوت الجزاء والثواب منه على الأخص وهو يعتمد خاصة على الزمخشري (98 مكرر)
أما السالمي فبين أن إطلاق اللقاء على نفس الرؤية مجاز لا يصح إلا بدليل ولا دليل ولأنه لم يرد ذكر اللقاء إلا في مقام التخويف والتهويل وهو بخلاف مقام الرؤية كما يعتقد مثبتوها ولأنه اشترك في مقام اللقاء الطائع والعاصي قال تعالى ( يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه) (84 الانشقاق6). (ر. المشارق 194).
فلا سبيل حينئذ إلى حمل اللقاء على الرؤية.
وقوله: ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) ((83 المطففين 15) ينسب الربيع بن حبيب إلى علي وابن عباس ما يلي في شأن هذه الآية " فلم يزل يحجبهم عن رحمته وثوابه ولا ينظر إليهم برحمته". (99)
أما المحشي فيورد قول البيضاوي :" فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلا لإهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول إلى الملوك أو قدر مضافا مثل رحمة ربهم أو قرب ربهم" (100)
والبيضاوي يشير إلى ما جاء عند الزمخشري محللا كما يلي:" وكونهم محجوبين عنه تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين لديهم ولا يحجب عنهم إلا الأدنياء المهانون عندهم... وعن ابن عباس وقتادة: محجوبين عن رحمته". (101)
ويذكر عمرو التلاتي الآية ويبين أن معناها أنهم " محجوبون عن ثوابه ورحمته لا عن رؤيته". (102)
فواضح إذن أن الإباضية يرفضون الاستدلال بالمخالفة في الاعتقاديات ولا يقبلون الحجاب الحسي بالنسبة إلى الله تعالى لما يتسلزم من الجهة فالتأويل حينئذ أن الحجاب حسي والمحجوب عنه هي جنته . (103)
وقوله:( على الأرائك ينظرون) (83 المطففين 23).
لا دلالة في الآية على رؤية الله تعالى لعدم ذكر المنظور فيها فيفسر بالنظر إلى ما أعد الله لهم من الثواب في مستقر رحمته كما أرشد إليه قوله تعالى: ( وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) (79 الإنسان 20).
هذا في ما يتعلق بالاستدلال بالقرآن الكريم في شأن نفي الرؤية والإباضية في هذا الاحتجاج لا يكتفون بالقرآن بل يستعينون بما جاء في الحديث في هذه القضية فبقي- قبل أن نصل إلى الاستنتاج- أن ننظر في أهم الأحاديث التي يعتمدها مثبتو الرؤية في الآخرة خاصة ويعتبرونها مبينة لما جاء في القرآن الكريم لنتبين موقف الإباضية منها.
الأحاديث في شأن استحالة الرؤية:
-الرؤية في الدنيا:
يتفق الإباضية مع جل الأشاعرة والمعتزلة على أن الله لا يرى في الدنيا لكن بعض الأشاعرة اعتبروا أنها ممكنة للرسول عليه السلام، ويحتجون بقصة المعراج إلا أن الإباضية يرفضون ذلك رفضا تاما وعمدتهم في ذلك ما صح عن عائشة أن الرسول عليه السلام رأى جبريل. (104)
وهذا نص الحديث كما يثبته الربيع بن حبيب : " قالت عائشة رضي الله عنها" ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية" قال (مسروق) (105) وكنت متكئا فجلست وقلت يا أم المؤمنين انتظري ولا تعجلي ألم يقل الله:( ولقد رآه نزلة أخرى) (53 النجم 13) (ولقد رآه بالأفق المبين) (81 التكوير23) فقالت عائشة رضي الله عنها أنا أول هذه الأمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:"" ذلك جبريل عليه السلام ولم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين رأيته قد هبط من السماء فسد جسمه ما بين السماء والأرض ألم تسمع لقوله تعالى ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (6 الأنعام 103) قال مسروق: تفسير هذه الآية دليل على ما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما كذب الفؤاد ما رأى....لقد رأى من آيات ربه الكبرى) ". (106)
وقد ذكر المحشي عند شرح هذا الحديث:
" أن مثل هذه الرواية جاءت عند البغوي (ت 286/ 899) (107) وهي أيضا عن مسروق وبين أن المواقف ثلاثة في شأن الرؤية:
أ-رأى ربه بعين رأسه.
ب-جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده.
ت-رأى جبريل في صورته الحقيقية" (108)
والإباضية اختاروا الرأي الأخير اعتمادا على موقف عائشة (109) فلا رؤية حينئذ لبشر مهما كان ولا في الدنيا ولا في الآخرة.
وإن اعتمد الإباضية هذه الرواية التي لم ترد في بقية الصحاح فماذا يقولون في الحديث الذي أقره مثبتو الرؤية؟
قوله صلى الله عليه وسلم : " هل تضامون في رؤية القمر ليلة البدر" (110)
يقول عمرو التلاتي:" معناه (الحديث) إن كان صحيحا أنكم تعلمون ربكم كما لا تشكون في القمر ليلة البدر... وليس معناه تبصرونه بأعينكم كما توهم ذلك الزاعم". (111)
ويلح يوسف المصعبي على تضعيف الحديث وإن كان لابد من قبوله فيجب أن تؤول الرؤية بالعلم. (112)
واضح أن الإباضية رجحوا نفي الرؤية من منطلق قرآني لذلك فهم يرفضون مثل هذا الحديث أو يعتبرونه من الآحاد التي لا يعتمد عليها في باب العقائد أو يؤولونه اعتمادا على المجاز اللغوي . (113)
وقبل أن نختم هذا المبحث يحسن أن نشير إلى مختلف المواقف من الرؤية كما ذكرها عمرو التلاتي حيث يقول:" إن القائلين برؤيته تعالى اختلفوا في كيفيتها:
فقالت طائفة: يرى يوم القيامة جهرة.
وذهبت طائفة إلى أنه يرى في صورة يخلقها ويكلم منها عباده.
وذهبت طائفة إلى أنه يرى في الدنيا والآخرة
وذهبت طائفة إلى أنه لا يرى إلا المخلصون.
وذهبت طائفة إلى أن المخلصين يعاينونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا معاينته" (114)
وفي إيراد هذا الاختلاف دليل على اضطراب موقف القائلين بالرؤية فما هو حكمهم حسب الإباضية؟
================================
(93) علقمة( 62/281) علقمة بن قيس الهمداني تابعي. فقيه العراق ولد في وروى الحديث عن الصحابة .ر. الزركلي: الأعلام 5/45.حياة النبي
(94) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/ 30- 31 عدد 860- 862 .ر. عبدالله السالمي : المشارق: 193- 194.
(95) المحشي : حاشية الترتيب 7/263- 264.
(96) وهو :" إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن أهل الجنة فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا هو أحب إليهم منه" ر. مسلم إيمان 316 ر. ونسنك: المعجم المفهرس 6/ 478
(97) انظر لتعريف هود ما سبق: 144 تعليق 79.
(98) ر. الزمخشري: الكشاف 2/233- 234. ويورد نفس ما جاء عند الربيع .ر. يوسف المصعبي : حاشية على تفسير الجلالين ورقة287 قفا. والزمخشري تابع في موقفه لما جاء عند القاضي عبد الجبار حيث يقول: " إن المراد ولا يرهقبالزيادة والتفضيل الثواب فتكون الزيادة على الحسنى. ولذلك قال بعده ( يونس 26) فبين أن الزيادة هي من هذا الجنس في الجنة" تنزيهوجوهم قتر ولا ذلة القرآن عن المطاعنك 177 ر. أيضا ، عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 20وجه
(98 مكرر) ر. يوسف المصعبي : حاشية على تفسير الجلالين ورقة33 وجه وقفا .ر. عبد الله السالمي: المشارق: 194.
(99) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/30 عدد 859.
(100) المحشي : حاشية الترتيب 7/267 .ر. البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل ط مصطفى البابي الحلبي بمصر، من الحج الكبير 1375/1955. 2/299.
(101) الومخشري : الكشاف 4/232.
(102) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 20وجه
(103) ر. عبد الله السالمي: المشارق 194. لم نجد إشارة بهذه الدقة في مصادر المرحلة المقررة لذلك اكتفينا بما جاء عند السالمي .ر. عبد الله السالمي: المشارق: 195.
(104) وأورد محمد عبده رواية عن أبي ذر(32/652) تدعم رواية عائشة وهي :" هل رأيت ربك؟ فقال : نور أني أراه؟" ر. محمد عبده : تفسيروسأل أبو ذر الرسول المنار 9/140 .ر. مسلم : إيمان 219. الترمذي: تفسير سورة النجم 7 . أحمد بن حنبل 5/157.
(105) مسروق بن الأجدع (63/683) تابعي من أهل اليمن قدم مكة أيام أبي بكر وسكن الكوفة.ر. الزركلي الأعلام8/108.
(106) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/15 ما كذب الفؤاد ما رأى(11) أفتمارونه على ما يرى(12) ولقد رآه نزلةعدد 824 أخرى(13) عند سدرة المنتهى(14) عندها جنة المأوى(15) إذ يغشى السدرة ما يشغى(16) ما (18النجم).زراغ البصر وما طغى(17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى
(107) البغوي: شيخ الحرم. من حفاظ الحديث كان ثقة مأمونا . له مسند .ر. الزركلي: الأعلام1/113.
الزركلي : الأعلام1/113
(108) المحشي : حاشية الترتيب 7/193- 194
(109) ر. عبد الله السالمي : المشارق ص203.
(110) وجاء الحديث بالاستفهام بالهمزة"أ" ، كما أن تضامون جاءت أيضا تمارون أو تتمارون .ر. البخاري آذان 129. الترمذي جنة15-17. ابن ماجة مقدمة 13 زهد 39 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/466 .ر. أبو الحسن الاشعري: الإبانة ط بيروت 39- 40 ينتصر للقول بالرؤية البصرية.
(111) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 20وجه.ر. يوسف : شرح أصول تبغورين:101.
(112) ر. يوسف المصعبي: شرح أصول تبغورين:101، وقد استدل تبغورين لتأويل الرؤية بالعلم بأدلة (الفيل1) يعني ألم تعلم ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيلكثيرة منها قوله تعالى: ، وهو لم ير أصحاب الفيل.ر. تبغورين ابن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين : 66/67.
(113) لزيادة التوضيح ر. عبد الله السالمي : المشارق :196
(114) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 20 قفا .
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:02 PM
حكم القائلين بالرؤية:
1- القائلون بالرؤية في الدنيا يحكم عليهم بالشرك لمكابرتهم العقل والنقل بلا شبهة يتمسك بها.
2- القائلون بجواز الرؤية في الآخرة يحكم عليهم بكفر النعمة (115) لأنهم تأولوا الكتاب والسنة ولو يوفقوا إلى الحق.
أما إذا ذهب هؤلاء إلى التجسيم فيحكم عليهم أيضا بكفر الشرك. (116)
وبعد هذا يمكن أن نختم البحث بما يلي: الله تعالى يرى أو لا يرى وإن كان يرى فكيف يرى؟ وأين يرى؟ أفي الدنيا والآخرة أم في الآخرة فحسب؟ تلك هي القضية التي خضنا غمارها مع التراث الإباضي في تفاعله مع بقية التراث الإسلامي خاصة في هذا المبحث، فهل لمثل هذه الحيرة صدى حضاري واضح؟.
الحقيقة أن التراث الإباضي لم يعرف حيرة ذاتية في هذه القضية لأنه تبنى استحالة الرؤية من يومه الأول. لكن ما كانت الفرق الأخرى وهو يتعايش معها صباح مساء أن تسكت عنه إذ ظلت هنا أيضا تحشره في ومرة التراث الذي يقوم على الهوى والبدعة.
وما كان هو ليسكت عن هذه التهمة التي ما زالت تلاحقه منذ أن حشر في زمرة التراث الخارجي كما رأينا. ولهذا لم يكتف هذا التراث بقناعته الذاتية وإنما انبرى يدافع عنها، فالتمس منطلقا علميا خلال النظريات المتعلقة بعلم المبصرا كما التمس غيره منطلقات أخرى لكن رأينا ضحالة هذه المنطلقات وعدم جدواها في البحوث العقائدية لأن الحقائق العلمية نسبية والحقائق العقائدية ثابتة والثابت لا يمكن أن يبنى على النسبي الذي يمكن أن يتحول من موقف إلى آخر مناقض من لحظة إلى أخرى.
لكن في المستوى الحضاري كان يمكن أن تثمر هذه المنطلقات كشوفا فيزيائية معتبرة إلا أن البيئة الإباضية لم تعرف مثل هذه الكشوف.
كما أن هذا التراث الإسلامي بطرفيه المؤازرة لإمكانية الرؤية والمعارض لهذه الامكانية حاول أن يدلي بحجج عقلية تؤازر هذا الموقف أو ذاك والإباضية في هذا تعايشوا مع الفكر الاعتزالي وأخذوا منه الكثير لكن دون أن يذوبوا في خضمه إذ لم يصلوا إلى تقديم العقل على النقل كما يفعل المعتزلة بل اعتبروا أن حجة الله هي السماع في الدرجة الأولى وكذلك كان الأمر بالنسبة إلى الفكر الشيعي. أما الأشاعرة وإن حاولوا البعد عن الفكر الاعتزالي فقد اضطروا إلى أن يتبنوا منهجه العقلي للدفاع عن مواقفهم ولنشأة الأشعري الاعتزالية أثر كبير في تفكيره وإن أقر لنفسه رأيا خاصا خالف به شيوخه والمدرسة التي نشأ فيها. ومهما يكن من أمر فقد اعترف كل من الإباضية والأشاعرة والماتريدية أن الحجة العقلية مهما ارتقت تبقى هزيلة في موضوع الرؤية وذلك يفهم عقلا لأن البصر في هذه القضية وهو طاقة محدودة يريد أن يبصر الله تعالى الذي يتفق المسلمون على أنه لا يمكن أن يحد.
وغاية ما نقول في البعد الحضاري لهذا الاحتجاج العقلي أنه خرج في مرحلته الأخيرة من مستوى المعقول إلى مستوى اللامعقول، وذلك بتصور حاسة سادسة أو إدراك آخر أو أن تكون الرؤية بلا كيف والحقيقة أن التراث الإباضي اتخذ هذه الحلول منطلقا للسخرية من الطرف الآخر كما فعل المعتزلة ومهما قلنا في هذا الشأن يبقى التصور العقلي المجرد الذي ينطلق من منطلق تنزيه الله تعالى وعظمته أقرب الى استحالة الرؤية منه إلى إمكانها.
والمحاورات المبثوثة في التراث الإباضي بين بعض الناس، واستفسار بعض العلماء في حلقات عامة للإحراج تدل على أن الموضوع يسترعي انتباه الناس فيحاول كل طرف أن يدعم موقفه وفعلا فإذا وجهت التهم للإباضية قل أن تنسى قضية الرؤية على أساس أنها حرمان من لذة في الجنة لا مثيل لها، لكن هذا ليس من منطلق عقلي وإنما من منطلق نقلي فماذا عن الاحتجاج النقلي؟
إن منطلق هذا الاحتجاج نصوص قرآنية من المتشابه على أساس ألفاظها أو على أساس مبناها تجاذبها المثبتون للرؤية والنفاة لها كل حسب موقفه. منها الحيرة تجاه رؤية الرسول عليه السلام ربه عند سدرة المنتهى والحقيقة أن النص يصعب أن يفك سره بتحكيم العقل فحسب ولذلك استند كل على نصوص من الحديث والإباضية سندهم في هذا عائشة التي اعتبرت أن ممن يدعي أن الرسول عليه السلام قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية.
وإذا كانت الرؤية لم تتم للرسول عليه السلام فمن باب أولى أن ينفيها الإباضية عن بقية الناس في الحياة الدنيا.
ويدخل ضمن هذه القضية طلب موسى عليه السلام من ربه الرؤية وهذا الطلب قد انطلق منه الأشاعرة على أساس أن النبي لا يمكن أن يطلب أمرا مستحيلا وهو معصوم وقد أطالوا في هذا البحث واعتبروا أن هذه الآية من أقوى الحجج النقلية على ثبوت الرؤية لكن الاباضية ومن وافقهم اعتبروا أن توبة موسى بعد أن صعق أقوى دليل على انه أخطأ في حق ربه.
والملاحظ هنا أن الطرفين يقيمان الحجج على التأويل والاستنباط رغم نفور الأشاعرة من التأويل. والذي يلفت انتباهنا من الناحية الحضارية هنا هو حرص كل من الطرفين على تتبع هذه الآية حسب تقسيم منهجي متكامل يترابط بعضه ببعض وهذا مكننا من حصر القضية في محاور محددة بدقة من بداية التحليل.
وإن كانت قضية موسى هذه أثرت الفكر البلاغي أيما إثراء فإن قضية النظر لم تخل من مثل هذا المدد فالنظر عند طرف لا يكون إلا بالبصر والنظر عند الطرف الآخر إذا تعدى بإلى لا يمكن أن يفيد إلا الانتظار وكذلك في شأن التقابل التركيبي الذي يقوم عليه سياق الآية لكن ماذا عن صدى هذا في أوساط الأمة؟ لا شيء في ما نعلم وأنى للناس أن يرتقوا إلى أن " إلى" تكون بمعنى نعمة ويصير لها محل في الإعراب وإنما تهمهم النتيجة وهي في الحقيقة معروفة من البداية من موقف المتكلم ومذهبه الفكري.
وإن كان الفكر الذي يجيز الرؤية يعتمد على طلب موسى فإن الفكر الذي يحيلها ينطلق خاصة من ( لا تدركه الأبصار) ليعتبر النفي أبديا مع ما يدعمه من ( لن تراني) في السياق الآخر ومع اعتبار أن نفي الرؤية من مدائح الله التي لا تكون مدائح إلا بدوامها في الدنيا والآخرة وينتهي الجدل من حيث بدأ فيتمسك كل برأيه ولولا هذا الجدل لاكتفى الناس بأول تفسير للقرآن ولما نمت المدرسة القرآنية مثل هذا النمو والملاحظ أن مراكز الاهتمام في كل السور عند المفسرين تتمثل في ما جاء متشابها وله مساس بالعقيدة أو ما جاء في باب الأحكام من آيات تمس العبادات والمعاملات.
والملاحظ أيضا أن اعتماد المفسرين على التأويل أثر تأثيرا واضحا في علم البلاغة ومعلوم أن الزمخشري قد اعتبر من أئمة العربية والاباضية في هذه المرحلة التي تهمنا خاصة اعتمدوا اعتمادا كليا في باب الرؤية على تحليلاته مع الإحالة على تفسيره بصراحة أما في شأن الآيات الأخرى فلم تكن إلا مكملة للآيات التي اعتبرت أساسية في هذا المبحث.
بقي الاحتجاج بالحديث فإن له بعده الحضاري من البداية بصفة واضحة إذ لئن كان النص القرآني واحدا فإن للحديث مدارس وواضح في هذا الشأن أن الاباضية أقروا أحاديث بنوا عليها معتقدهم لا نجد لها ذكرا في كتب التيار الآخر وكذلك هذا التيار أورد أحاديث في شأن الرؤية في الآخرة لا يقرها الإباضية أو يتأولونها بوجه من الوجوه.
والبعد الحضاري أخيرا يتجلى في حكم هذا الطرف على ذلك فمجيزو الرؤية يعتبرون القائلين بإحالتها أهل بدع وأهواء. والقائلون بنفيها ويهمنا منهم الإباضية يعتبرون القول بثبوت الرؤية اعتمادا على التأويل معصية تجب فيها اللهجة أحيانا وتلين أخرى.
ومعلوم أن مثل هذه النصوص منها ما يصل بين أيدي الناس فينعكس على الحياة العامة لكن يبدو أن مثل هذه المواقف سرعان ما تنسى مهما بدت خطرة عندما يحتك الناس ببعضهم في حياتهم اليومية وفي معاملاتهم التجارية وتجار الإباضية لا يكاد يخلو منهم محيط، فالناس يحترمونهم غالبا لما يتحلون به من حزم وأمانة عدا بعض الاستثناء الذي لا تخلو منه بيئة وعدا بعض الظروف التي يحتد فيها الخصام فتمنع شهادة الإباضية أو يحرمون من التجارة نتيجة وشايات منطلقها عقائدي غالبا.
فالملاحظ حينئذ أن هذه القضايا قد ينعكس أثرها أحيانا على البيئة لكنها تبقى في الغالب تظرية علمية في مستوى طبقة من العلماء تعرف كيف تتفاعل بنزاهة مع من يخالفها في مستوى الفهم لأنها تدرك أن الاجتهاد يمكن أن يفضي إلى الاختلاف في النتائج حتى داخل المدرسة نفسها.
بعد أن حددنا البعد الحضاري لقضية الرؤية يجدر بنا أن نستجلي قضية تجاوز فيها الجدال حد القلم إلى حد السياط والمحن ألا وهي قضية خلق القرآن.
==============================
(115) المعصية : انظر ما يلي : 541
(116) ر. عمرو التلاتي شرح النونية ورقة 20 قفا .ر. عبد العزيز الثميني: النور 81. ر عبد الله السالمي : المشارق: 206- 207.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:04 PM
كلام الله وخلق القرآن
تمهيد:
لقد وعدنا عند تحليل معاني الصفات الذاتية بأن نفرد فصلا خاصا لصفة الكلام (1) وذلك لربط علماء الأصول هذه القضية بموضوع خلق القرآن أو عدم خلقه.
والناظر في مختلف النصوص يتبين أن من المصادر ما هون من هذه القضية مثل تبغورين الملشوطي في قوله:" وإن كان بعض الناس يقولون مسألة حار فيها المتكلمون وإنما يحار فيها من قل فهمه وضاق صدره". (2)
واعترتها مصادر أخرى من معضلات علم الكلام مثل ابن تميمة(661- 728/ 1263- 1328) (3) حيث اعتبرها من المسائل المعضلة التي اضطرب فيها أهل الأرض (4) وقد تجمع من فتاواه في هذه القضية مجلد ضم 62 صفحة.
وليت الأمر بقي معضلة نظرية كما هو الشأن بالنسبة إلى بقية القضايا ولم يتحول إلى محنة عملية عرفت بمحنة خلق القرآن. (5)
مفهوم الكلام والقرآن والخلق
الكلام: جاء في لسان العرب:" الكلام في أصل اللغة الأصوات المفيدة وعند المتكلمين : المعنى القائم الذي يعبر عنه بألفاظ في اصطلاح النحاة: الجملة المركبة المفيدة". (6)
ويقول ابن تيمية:" وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل فقيل هو اسم اللفظ وقيل: لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي، وقيل: بل هو اسم عام لهما جميعا يتناولهما عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب". (7)
وقد أفرد الشهرستاني فصلا بعنوان:" في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني" حرص فيه على إثبات العلاقة الجوهرية بين ما يدور في النفس وبين المنطوق باللسان. (8)
وللقضية في رأينا صلة متينة من قضايا اللغة وهي علاقة الدال بالمدلول أو علاقة اللفظ بالمعنى وتندرج أيضا ضمن قضية فلسفية أي الأمرين أسبق الفكر أم اللغة؟
لا نريد أن نبحر في هذا الغرض لأنه يخرج بنا عن موضوعنا وإنما أحببنا أن نحدد الإطار الذي وضعت فيه قضية الكلام الإلهي. ومعلوم أن الخوض في شأنه كان أحد سببي تسمية العلم الذي عرف بعلم الكلام على حد تعبير ابن خلدون في المقدمة، " سموا مجموعه (9) علم الكلام: إما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي". (10)
والمتأمل في مختلف وجهات النظر حول الكلام الإلهي يتبين أنها تعكس نظرة كل مفكر للكلام البشري فمن اعتبر أن اللفظ هو الأساس سهل عليه أن يقول بالخلق ومن اعتبر ما يجول في النفس هو الأساس أقر بعدم الخلق، ومن لم يقدم هذا على ذاك لم يقل لا بالخلق ولا بعدمه. وهناك من جمع بين الموقفين فقال بقدم المعنى وخلق اللفظ وقد استطاع ابن تيمية أن يحصر هذه المواقف في أربعة في النص الذي أوردناه قبل قليل.
كما يتبين كذلك أنها على صلة متينة بمواقف هذه الاتجاهات من صفات الله تعالى الذاتية منها والفعلية.
فالقائلون بأن الصفات الذاتية هي عين الذات اعتبروا الكلام مخلوقا حادثا والقائلون بأنها غير الذات اعتبروا الكلام غير مخلوق ومنهم من اعتبر الكلام صفة ذاتية من جهة نفي العجز وصفة فعلية من حيث الخلق.
واضح من خلال عرضنا لإطار هذه القضية العام أن المصادر الإباضية لم تهتم بتعريف الكلام لأنها تعتمد القواميس المعروفة. فلنحاول تعريف كلمتي " قرآن" و" خلق".
القرآن: إن المصادر الإباضية التي تخص المرحلة المقررة لم تهتم بالتعريف اللغوي، وإنما تنطلق مباشرة في عرض حجج القائلين بالقدم لترد عليها بحجج القائلين بالخلق.
والمتأمل في المصادر الإباضية اللاحقة يجد أن ناصر بن سالم الرواحي (11) اهتم بهذه القضية إلا أنه يكاد ينقل كل ما جاء في لسان العرب نقلا حرفيا.
وخلاصة ما في اللسان (12) تبين أننا أمام تفسرين أحدهما وهو الغالب يتمثل في الإلحاح على فكرة الجمع والضم وهذا التفسير اللغوي يواكب القائلين بخلق القرآن لأن الجمع والضم من خصائص ما هو مخلوق وثانيهما يتمثل في اعتبار أن لفظه القرآن غير مشتقة من قرأ وقد نسب هذا القول للشافعي (150- 204/ 767- 820) (13) وعبدالله بن كثير (45- 120/ 665- 738) (14) وهو تفسير يبدو أقرب إلى نفي الخلق عن القرآن.
والمهم حسب ما جاء في اللسان أن " القرآن" خص بالكتاب المنزلة على محمد صلى الله عليه وسلم فصار لـه كالعلم كما أن التوراة خص لما أنزل على موسى عليه السلام وكذلك الإنجيل خص لما أنزل على عيسى عليه السلام.
الخلق: يقول ناصر بن سالم الرواحي:" أصله التقدير المستقيم، وستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء، قال تعالى: ( خلق السموات والأرض) (6 الأنعام 1) (15) أي أبدعهما بدلالة قوله: ( بديع السموات والأرض) (2 البقرة 117).
ويستعمل في إيجاد الشيء من الشيء نحو: ( خلقكم من نفس واحدة) (4 النساء 1).
وما كان بمعنى الإبداع لا يكون إلا الله تعالى ولهذا فصل بين نفسه وبين غيره فقال سبحانه: ( أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) (16 النحل 17) ويكون ما كان بالاستحالة لغيره في بعض الأحوال كمعجزة عيسى عليه السلام.
والخلق لا يستعمل في كافة الناس إلا على وجهين أحدهما في معنى التقدير قال:( رجز).
والثاني : في الكذب نحو قوله تعالى: ( وتخلقون إفكا) (29 العنكبوت 17).
فإن قيل : قول الله تعالى: ( فتبارك الله أحسن الخالقين) (23 المؤمنون 14) دليل على صحة وصفه غيره بالخلق. قيل: يمكن أنه أراد تعالى أحسن المدبرين أو تقديرا وتنزيلا على معتقدهم وزعمهم الكاذب أن غيره يشركه في الإبداع سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا فكأنه قيل فأحسب أن هناك مبدعين وموجدين فالله أحسنهم إيجادا على ما يعتقدون كما قال تعالى: ( خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم) (13 الرعد 16).
وكل موضوع استعمل فيه الخلق لوصف الكلام فالمراد به الكذب وتمسك بهذا القول كثير ممن امتنعوا عن القول بخلق القرآن ولا حجة لهم فيه إلا التمحل". (16)
ونخلص من هذا النص إلى أن الخلق بمعنى الإيجاد والإبداع في حق الله تعالى سواء أكان من لا شيء أو من شيء والفرق واضح بين الخلق والاختلاق وحول معنى الإيجاد والإحداث ثار الجدل بين القائلين بنفي خلق القرآن والقائلين بخلقه فما هو موقف أو بالأحرى مواقف الإباضية من هذه القضية؟
=============================
(1) انظر ما سبق: 234
(2) تبغورين بن عيسى المشلوطي: : كتاب أصول الدين: 63
(3) ر. ابن تيمية : الزركلي :الأعلام1/140
(4) ر. ابن تيمية : مجموعة الفتاوي . جمع وترتيب عبد الرحيم بن محمد قاسم ط. المكتب التعليمي السعودي بالمغرب مكتبة المعارف الرباط د.ت 12/54
(5) ر. الطبري: تاريخ الأمم والملوك . القاهرة ، الاستقامة 1358/1939
(6) ابن منظور : لسان العرب
(7) ابن تيمية : الفتاوي12/67
(8) ر. الشهرستاني: نهاية الإقدام فيعلم الكلام، تصحيح الفرد جيوم. مكتبة بغداد د.ت :318- 319
(9) كان بصدد تقرير فروع علم الكلام
(10) ابن خلدون : المقدمة : 834
(11) ناصر بن سالم الرواحي : نثار الجوهر 1/40
(12) ابن منظور : لسان العرب
(13) الشافعيك ر: الزركلي: الأعلام6/249- 250
(14) عبدالله بن كثير الداري المكي أحد القراء السبعة .ر. الزركلي : الأعلام 4/255
(15) والآية: الحمد الله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور.
(16) ناصر بن سالم الرواحي : نثار الجوهر 1/41. اعتمد اعتمادا كبيرا على ما جاء عند ابن منظور في لسان العرب عدا الفقرة الأخيرة فانها من استنتاجه الخاص. واعتمدنا هذا النص لاننا لم نجد في المرحلة المقررة نصا بهذا الاستيفاء.
________________________________________
الإباضية وخلق القرآن
لمحة تاريخية مع تحديد المواقف:
لم نجد الإشارة إلى " خلق القرآن" لا عند الصحابة ولا عند التابعين، فجابر بن زيد و أبو عبيدة والربيع ووائل بن أيوب شيوخ الإباضية على التوالي لم يتطرقوا لهذا الموضوع في ما نعلم.
لكن الكشف التاريخي يثبت أن الحضارة اليونانية والديانة اليهودية والمسيحية كلها خاضت في مثل هذه القضية من قبل. (17)
فهذا هيروقليطس قد فسر الكلمة بأنها القوة العاقلة المنبثة في جميع أنحاء الكون وليس العالم المرئي إلا جانبا رمزيا ظاهرا يختفي وراء الصنف الآخر من حقيقة هذا الكون. (18)
وفي الفلسفة الرواقية قد قصدوا بالعقل الكلي المدبر للكون وميزوا بين العقل الظاهر وبين العقل الكامن.
وقد أثرت هذه الفلسفات في الفكر المسيحي فأصبحت " الكلمة" الابن الأول في المسيحية والروح السارية في العالم وتشخصت في صورة المسيح. (19)
وللديانة اليهودية الكلمة " ممرا" التي نتج عنها وفقا للعهد القديم أفكار الخلق والوحي والعناية.
إن مثل هذه الأفكار تسربت تدريجيا إلى المحيط الإسلامي وفعلت فعلها ويبدوا أن الجعد بن درهم (120/ 737) وهو أول من روج الحديث في هذه القضية في المحيط الإسلامي (20) ثم تفشت شيئا فشيئا حتى بلغت أوجها مع المأمون.
ويبدو أن أول من تعرض للقضية في المحيط الإباضي ابن يزيد الفزاري (21) دون أن يكون لها أثر كبير في البيئة الإباضية.
ويورد أحمد الشماخي أن المعركة في شأن هذه القضية قد احتدت زمن المهنا بن جيفر (226- 236/ 841- 850) أحد أئمة عمان (22) . وكذلك أشار إلى نفس الحادثة أبو مهدي عيسى بن إسماعيل (23) وتتمثل في أن القضية دخيلة على إباضية عمان ومنطلقها من مدينة البصرة ذلك أن أبا شاكر الديصاني (24) ألقى بين الناس فكرة قدم القرآن، وما أن وصل صداها إلى عمان حتى ثارت فتنة بين علمائها وكادت تفضي إلى تصدع بينهم لولا أنهم اصطلحوا بسرعة على الوقوف على الإجمال وهو أن الله تعالى خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق وأن القرآن كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم .
ويذكر البرادي وجود ثلاثة مواقف في عمان في القرن الثالث هجري التاسع ميلادي وهي:
1-القرآن كلام الله وليس بصفة.
2-القرآن كلام الله ووحيه للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مما يسع جهله.
3-رفض القول بخلق القرآن من التوقف فيمن يقول بذلك (25) ".
كما ينقل أبو مهدي (26) نصا عن الوارجلاني مفاده أن القضية ظلت خلافية في عمان إلى القرن السادس هجري/ 12 ميلادي، فمنهم من يقول بالقدم ومنهم من يقول بالحدوث ومنهم من يتوقف دون أن يقطع عذر هؤلاء ولا هؤلاء.
وممن يقولون بالقدم ابن النظر العماني (27) وقد أفرد قصيدة نونية في ديوان الدعائم (28) للدفاع عن هذا الموقف وتبرأ ممن يقولون بالخلق. (29)
هذا عن إباضية المشرق في قضية خلق القرآن أما عن إباضية المغرب فقد استقر عندهم رأي واحد من وقت مبكر مع رسالة الإمام أبي اليقظان الرستمي (231- 281/ 855- 894) (30) وقد استمر هؤلاء في الدفاع عن هذا المبدأ إلى يومنا هذا.
وهنا يجدر أن نلاحظ أن سجن أبي اليقظان كان زمن المتزكل أي عند رد الفعل على المعتزلة فالفكر الاعتزالي كان قد تبلور بعد، وكذلك ننبه إلى طرد سحنون علماء المعتزلة والاباضية وغيرهم من الفرق من جامع القيروان (31) ، فرسالة أبي اليقظان حينئذ جاءت رد فعل على العباسيين والأغالبة في نفس الوقت، وأقرت خلق القرآن انطلاقا من حجج اعتزالية فلا شك حينئذ في تأثر الاباضية بالمعتزلة في هذه القضية لكن مع شيء من التصرف كما سنبين ذلك في إبانه.
وحاصل القول إننا إن تبينا أن الإباضية تمسكوا برأي واحد في ما يتعلق بالقول باستحالة رؤية الله تعالى فإنهم وقفوا مواقف شتى من قضية خلق القرآن تتلخص في ما يلي:
1- الاكتفاء بالإجمال دون تفصيل: إن الله خالق كل شيء وما سوى الله مخلوق، وإن القرآن الكريم كلام الله ووحيه وكتابه وتنزيله على محمد صلى الله عليه وسلم .
2- القرآن كلام الله وليس صفة لا فعلية ولا ذاتية.
3- القرآن غير مخلوق.
4- القرآن مخلوق.
5ـ الوقوف في القضية دون قطع عذر القائلين بالقدم أو بالخلق.
وواضح من خلال النظر في النصوص أن الموقف الذي غلب على جمهور الإباضية وبصفة خاصة بالمغرب، وهذا محور بحثنا وبصفة أخص في القرون التي تعنينا، هو القول بخلق القرآن إذ كل من الشماخي والسدويكشي والمحشي والتلاتي والمصعبي وأبي مهدي وغيرهم جاءت مصنفاتهم ترد على من يقول بالقدم، وتدعم القول بالخلق فما هي الحجج المعتمدة في هذا الشأن؟
====================
(17) ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية :218- 219.
(18) ر. أبو العلاء عفيفي: نظريات الإسلاميين في الكلمة. مجلة كلية الآداب 1934 الجامعة المصرية ص 34
(19) ر. الكتاب المقدس: رسالة بولس إلى العبرانيين : 353
(20) ر. ابن نباته المصري : شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون . مطبعة مصطفى الباني الحلي، القاهرة 1957: 186
(21) وقد أورد تبغورين موقف عبدالله بن يزيد من القرآن :" وحكى عن عبدالله ابن يزيد وأصحابه أنهم يقولون: القرآن وكتب الله كلها ليست بأعراض وليس للعباد فيه فعل ، والقراءة فيها غيرها، والحكاية فيها غيرها". كتاب أصول الدين: 57 و 61
(22) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 16؟؟؟؟
(23) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 180
(24) يذكر أبو إسحاق اطفيش أنه يهودي تظاهر بالإسلام لأجل الدس وإلقاء الفتنة بين المسلمين ر. عبد الله السالمي: تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان 1/128- 129 وقد فصل الكلام في رواية الحادثة. ويذكر أبو مهدي عيسى بن إسماعيل أن الديصانية قوم من الدهرية الذين ينكرون حدوث العالم: الرد على البهلولي: 80
(25) أبو القاسم البرادي: كتاب شفاء الحائم خ البارونية: 285 .ر. النامي: الأطروحة: 234
(26) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان: 181 .ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1.3/151
(27) أحمد بن سليمان بن النظر السمائلي العماني ( ق 5/11) تبحر في العلم منذ صغره قتل وهو ابن 35 سنة. وجمع قصائده في العقيدة والفقه محمد بن وصاف العماني وسمي الديوان: كتاب الدعائم ، وشرحه وقد طبع هذا الشرح في جزاءين ط. وزارة التراث بعمان 1982 بتحقيق عبد المنعم عامر. كما شرحه بعد ذلك البرادي ووسمه " بشفاء الحائم على بعض الدعائم". ( ر. سالم العدالي: البرادي حياته وآثاره ص 122- 151) وهي خ البارونية ولسالم العدالي نسخة مصورة منها . كما شرحه امحمد اطفيش . كتاب الدعائم طبع عدة طبعات. اعتمدنا الطبعة التي صححها وأشرف على طبعها محمد عيران وقدم لها سالم بن محمد الرواحي حيث عرف بالمؤلف (ص 3- 7) ط. دمشق . المطبعة العمومية 1286/ 1966.
(28) ر. ابن النظر العماني: كتاب الدعائم: 31- 36
(29) ومن الإباضية من يشك في نسبة هذه القصيدة لابن النظر مثل أمحمد اطفيش ر. كتاب شرح الدعائم ط. حجرية 1325 هـ 1/ 225و 229 ، وعبدالله السالمي: المشارق: 246. أما أبو سعيد محمد سعيد الأزدي القلهاتي (11/17) فيجزم أنها لابن النظر العماني حسب قول امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/224
(30) أبو اليقظان الرستمي: هو محمد بن أفلح بن عبد الوهاب خامس الأئمة الرستميين ولد ونشأ في تاهرت أيام إمارة أبيه . حج سنة 238/ 852 فقبض عليه عمال بني العباس، ونقل إلى بغداد فسجن وعاد إلى تاهرت بعد موت أبيه وبويع سنة 241/855. له رصيد علمي وافر كأسلافه. وغلى جانب رسائله وأجوبته المخطوطة حفظ البرادي رسالته في خلق القرآن: الجواهر المنتقاه لما أخل به كتاب الطبقات .ط. حجرية بالبارونية القاهرة 1306: 183- 200. وعن أبي اليقظان ر. الزركلي: الأعلام : 6/265 وبه الإحالة على المصادر الإباضية.
(31) انظر ما سبق: 57 ر. النامي: الأطروحة : 230- 236 .ر. كوبرلي: الأطروحة: 373- 381
________________________________________
حجج علماء الإباضية القائلين بخلق القرآن:
إن هذه القضية ترد دائما في سياقات جدلية يختلط فيها الاحتجاج بالردود على من يقول بالقدم لذلك رأينا من الأصلح أن نفصل بينهما ليكون العرض أكثر وضوحا فنبدأ بذكر حجج الإباضية على خلق القرآن.
الحجج العقلية:
1) إن القرآن يتكون من حروف، وحركات وأصوات مقطعة وآيات محكمة ومتشابهة وناسخ ومنسوخ وأجزاء وأحزاب الخ كل هذا من علامات الحادث (32) .
2) لا يمكن أن يعتبر القرآن صفة لله لأن هذا يحتاج إلى وحي صريح أو توقيف وهذا غير موجود (33) .
3) اعتبار القرآن هو الله يجعل أصحابه من اليعقوبية (34) .
1) القرآن شيء غير الله عز وجل فلو قيل بقدمه بطلت الوحدانية في القدم لأنه يلزم حينئذ وجود قديمين (35) .
وقد نقل أبو مهدي نصا من رسالة أبي يقضان جاء فيه ما يلي: " اجتمعت الأمة على أن القرآن كلام الله ولا يخلو هذا الكلام من أن يكون شيئا أو ليس بشيء فإن كان ليس بشيء فإنه اختلف فيه المختلفون وليس ثم شيء يختلف فيه المختلفون وينازع فيه متنازع ولو صح أنه ليس بشيء لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء وأن الله عز وجل أنزل على أنبيائه شيئا ولبطل أن يكون ثم توراة أو إنجيل أو فرقان فثبت أن كلام الله شيء" (36) .
5) " بما أن المحدث لا يكون إلا بمحدث فلا كلام بدون متكلم مختلف عن المتكلم" (37) .
6) " ومما يدل على أن الكلام من الله حدث وأنه غيره أنه جائز أن يقال متى كلم الله موسى، ولم كلم الله موسى؟ فيقال: ليفضله بكلامه ويحتج به على خلقه، ولا يجوز أن يقال: لم قدر الله على موسى كما جاز أن يقال لم كلم الله موسى، ولا يجوز أن يقال متى علم الله موسى ولا متى قدر الله على موسى، وجائز أن يقال لم كلمه ومتى كلمه، ولا يجوز أن يقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم كلمه ومتى كلمه، ولا كما يقال لم يزل يكلمه كما يجوز أن يقال لم يزل يعلمه ويقدر عليه وكما يجوز أن يقال لم رضي الله على نبيه فيقال لأنه أطاعه ويقال لم غضب الله على أعدائه فيقال لأنهم عصوه فدخل الكلام في باب الفعل". (38)
7) الدليل على خلق القرآن خلق الإنسان:" قال أبو القاسم رحمه الله: فإن قال ما الدليل على خلق القرآن؟ قلنا هو الدليل على خلقك أنت أيها السائل. فإن كان القرآن غير مخلوق فأنت أيضا غير مخلوق وإلا فجميع آثار الصنعة الموجودة فيك الدالة على خلقك موجودة فيه دالة على خلقه". (39)
الأدلة النقلية
أدلة القرآن على أن القرآن مخلوق:
- أما الحدَث: فقوله تعالى: ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) (21 الأنبياء 2). ( ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) (26 الشعراء 5) فالقرآن ذكر والذكر محدَث ينتج القرآن محدَث، فإن الذكر هو القرآن لقوله تعالى ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (15 الحجر 6). فإن الذكر هو القرآن.
- وأما الجعل: فقوله تعالى: ( إنا جعلناه قرآنا عربيا) (43 الزخرف 3). وقوله ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) (42 الشورى 52) فالجعل بمعنى الخلق كما في قوله تعالى: ( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) (10 يونس 67). وقوله: ( وجعل منها زوجها) (7 الأعراف 189). وقوله: ( أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي) (27 النمل 61). وفي أمثالها فلا فرق بين الجعلين... فالقرآن مجعول وكل مجعول متغير وكل متغير محدث ينتج القرآن محدث ". (40)
ويتمادى أبو مهدي على هذا النسق مع الصفات التالية: النزول، وقدرة الله على الذهاب به، والتشابه، والمماثلة، والتفصيل، والحفظ، والتلاوة، والتجزؤ، والتنويع الخ... ليبين أنها كلها تدل على الخلق إلى أن يقول: " ولو استقصينا الصفات لكل القلم، وأعقب السأم وفي هذا كفاية لمن أراد الله إرشاده لأن هذه الصفات لا تكون إلا للمخلوق، فلا يوصف الله بها لا حقيقة ولا مجازا لقوله تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (42 الشورى11) فلا يوصف الخالق بما يوصف به المخلوق ولا يوصف المخلوق بما يوصف به الخالق، فهذا القرآن الموصوف بهذه الصفات الدالة على خلقه لابد من محِدث وجاعِل ومنزل ومفصل له إلى غير ذلك من الأوصاف التي تقتضي هذه الصفات لابد أن يكون غيرها وقبلها وهما شيئان مختلفان، والأول هو المقدم وهو الجاعِل الخالِق القديم والثاني المجعول المخلوق الكائن بعد أن لم يكن" (41) .
من خلال هذه النصوص نتبين إلحاح الاباضية مثل المعتزلة على توجيه هذه الآيات إلى مفهوم الخلق ثم إلى جانب هذا بينت المصادر أن القرآن شيء.
- القرآن شيء:
يقول الله تعالى: ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) (6 الأنعام 102) ولا دليل على استثناء القرآن فهو حينئذ شيء مخلوق.
وقد سئل بعض أصحاب هذا القول (خلق القرآن) عن القرآن هل هو مخلوق أو لا؟ فقال للسائل: سألتني عن الخالق أو المخلوق. فوجم الذي سأل وانقطع . (42)
الأدلة من الحديث (43) :
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بن كعب: أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال له أبي: آية الكرسي، فقال صلى الله عليه وسلم:" أبا المنذر إن لها لسانا وشفتين تقدس الله تعالى تحت العرش أفترون أنها تقدس خالقها . (44)
وقال عليه الصلاة والسلام: " إن الله خلق طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" . (45)
وقال: "تعلموا البقرة وآل عمران فإن تعلمهما بركة ولا تستطيعهما المبطلة، وتعلموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان...يظلان صاحبهما" (46) .
وقال أيضا: " يأتي القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب لونه. فيقول للتالين: أتعرفني؟ فيقول لا، فيقول له القرآن: أنا القرآن الذي أحييت به ليلك فيكون قائده إلى الجنة" . (47)
وروي عن علي ابن أبي طالب أنه قعد ذات يوم في ملأ من المهاجرين والأنصار في خلافة عمر وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتذاكرون فضائل القرآن فقال بعضهم: أفضل القرآن خاتمة سورة براءة": ( لقد جاءكم رسول) (9 التوبة 129). وقال بعضهم: آخر سورة بني إسرائيل: ( قل ادعوا الله ) (17 الإسراء 110- 111). وقال قو أفضل القرآن: يس. وقال بعضهم أفضل القرآن: السجدة. وعلي فيهم ساكن فقال له عمر رحمه الله: مالك يا أبا الحسن ساكن؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خير البشر آدم، وخير العرب أنا ولا فخر، وخير الفرس سلمان، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال، وخير الجبال الطور، وخير البقاع مكة، وخير الشجر السدرة، وأعظم القرآن البقرة آية الكرسي . (48)
ويختم أبو مهدي إيراده لهذه الأحاديث بقوله:" ومثل هذه الأحاديث كثير مما يدل على خلقه (القرآن) " (49) ويشير هنا إلى ورود عبارة الخلق صريحة في الحديث كما ينبه إلى معنى التفاضل ولا يكون إلا بين مخلوقين.
إن كان هذا مسلك الإباضية في الاحتجاج لموقفهم فكيف جاءت ردودهم على القائلين بالقدم؟
============================
(32) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان: 174
(33) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 3
(34) اليعقوبية: انظر ما سبق : 24 تعليق 38
(35) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 175و 178 ر. عبد الله السالمي: المشارق: 244
(36) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 174- 175. ر. البرادي: الجواهر: 183
(37) البرادي: الجواهر: 192. ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 179.
(38) نفس الإحالة السابقة
(39) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 177 ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/132
(40) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان: 2-3. ر. البرادي: الجواهر: 186- 188 والمعتزلة وقفوا نفس الموقف .ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 531- 532
(41) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان: 2- 3 . وقد اعتمد على ما جاء في رسالة أبي اليقظان في الدرجة الأولى ثم جمع ما جاء موزعا في المصادر الإباضية وزاده تدقيقا وتدليلا . ر. البرادي: الجواهر: 183- 200 رسالة أبي اليقظان الرستمي في خلق القرآن .ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي 109: ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي:175 (تحليل صفة النزول) . ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/133- 136 ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/227.
(42) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: جواب لأهل عمان: 6.ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/238.
(43) ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 182 البرادي: الجواهر: 197- 198 هنالك تجد كل الأحاديث التي أوردنا هنا مع ملاحظة أنها يذكرها الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح سوى حديث صلاة الغداة فقرأواحد وهو: قال: قال عقبة بن عامر الجهني صلى بنا رسول الله بالمعوذتين فقال: يا عقبة إن هاتين أفضل سورة في القرآن والزبور والإنجيل والتوراة. الربيع بن حبيب الجامع الصحيح 3/12 عدد 810، وعقبة بن عامر الجهني (58/678) صحابي حضر فتح مصر مع عمرو بن العاص له 55 حديثا .ر.الزركلي: الأعلام 5/37. لم يرد عند ونسنك لكن وردت صيغة خير في قوله عليه السلام:" أعلمت سورتين من خير سورتين قرأت بهما الناس" .ر. 14أحمد بن حنبل4/144، 150 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 3/23.
(44) ر. مسلم مسافرين 258. أبو داود حروف 35، الدارمي: فضائل القرآن 14أحمد بن حنبل 5/58. 142. ر. ونسنك : المعجم المفهرس 1/138.
(45) ر. البخاري : توحيد 55. الترمذي: تفسير سورة هود 11، ابن ماجه: مقدمة 13 أحمد بن حنبل 4/11- 12 . ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/72.
(46) ر. الدارمي: فضائل القرآن 15 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/349
(47) ر. الدارمي: فضائل القرآن 1 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/481
(48) جاءت أحاديث بهذا المعنى تورد صيغة التفضيل( أعظم) عند الدرامي: فضائل القرآن 5. مسلم: 258 أبي داود حروف 1، وتر 15، 17 . أحمد ابن حنبل 5/58. 142 البخاري: تفسير سورة الأنفال 2. الحجر3. فضائل القرآن 9 ر. ونسنك : المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 4/281
(49) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 182
________________________________________
الرد على الفرق الأخرى:
قبل أن نورد مختلف الردود الواردة في المصادر الاباضية يحسن أن نعرف بمواقف الفرق التي كثر تردد ذكرها وهي على التوالي المعتزلة (50) ، الماتريدية ، الأشعرية، أصحاب الحديث، الحنابلة، الظاهرية، الشيعة.
مواقف الفرق الأخرى
المعتزلة وخلق القرآن
لقد لخص الأشعري جميع أقوال المعتزلة في خلق القرآن وهي كما يلي: (51)
1- يزعمون أن كلام الله جسم، وأنه مخلوق وأنه لا شيء إلا جسم.
2ـ يزعمون أن كلام الخلق عرض وهو حركة لأنه لا عرض عندهم إلا الحركة، وأن كلام الخلق جسم وأن ذلك الجسم صوت متقطع مؤلف مسموع، وهو فعل الله وخلقه وإنما يفعل الإنسان القراءة والقراءة الحركة، وهي غير القرآن وهذا قول النظام (52) وأصحابه.
وأحال النظام أن يكون كلام الله في أماكن كثيرة أو في مكانين في وقت واحد وزعم أنه في المكان الذي خلقه الله فيه.
3- أبو الهذيل (53) وأصحابه يزعمون أن القرآن مخلوق لله وهو عرض ويوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد إذ تلاه تال فهو يوجد في تلاوته وكذلك إذا كتبه كاتب وجد مع كتابته، وكذلك إذا حفظه حافظ وجد مع حفظه، فهو يوجد في الأماكن بالتلاوة والحفظ والكتابة ولا يجوز عليه الانتقال والزوال. وكذلك قوله في كلام الخلق إنه جائز وجوده في أماكن كثيرة في وقت واحد.
4- قول جعفر بن حرب (54) وأكثر البغداديين يزعمون أن كلام الله عرض وأنه مخلوق وأحالوا أن يوجد في مكانين في وقت واحد، وزعموا أن المكان الذي خلقه الله فيه محال انتقاله وزواله منه ووجوده في غيره.
5- قول أصحاب معمر (55) : يزعمون أن القرآن عرض والأعراض عندهم قسمان: قسم منها يفعله الأحياء وقسم منها يفعله الأموات ومحال أن يكون ما يفعله الأموات فعلا للأحياء والقرآن مفعول وهو عرض، ومحال أن يكون الله فعله في الحقيقة لأنهم يحيلون أن تكون الأعراض فعلا لله وزعموا أن القرآن فعل للمكان الذي يسمع منه، إن سمع من شجرة فهو فعل لها وحيثما سمع فهو فعل للمحل الذي حل فيه.
6ـ قول الإسكافي (56) يزعم أن كلام الله عرض مخلوق، وأنه يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد " (57)
فواضح أن المعتزلة وإن اختلفوا اختلافات جزئية فإنهم أجمعوا على أنه مخلوق وفي تقديم الزمخشري للكشاف أقوى دليل حيث يقول:" الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفا منظما ونزله بحسب المصالح منجما وجعله بالتحميد مفتتحا وبالاستعاذة مختتما وأوحاه على قسمين: متشابها ومحكما ، وفصّله وسور، وسورة آيات، وميز بينهن بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدأ مبتدع، وسمات منشإ مخترع، فسبحان من استأثر بالأوليات والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم أنشأه كتابا ساطعا تبيانه قاطعا برهانه وحيا ناطقا ببينات وحجج قرآنا عربيا غير ذي عوج" (58) .
الماتريدية (59) :
إن كثير من منطلقات الماتريدية انبثقت عن أبي حنيفة وقد نسب لـه القولان أي بالقدم والخلق (60) إلا أن ابن حنبل نفى عن أبي حنيفة القول بالخلق (61) فماذا عن موقف أبي منصور؟
إنه يقرر أن الله متكلم وأن لـه كلاما في الحقيقة وإن اختلفت الآراء في ماهيته وكنهه بدليل اتفاق الأنبياء على ذلك، وبدليل اتصافه بصفات الكمال والكلام من أوكد الصفات إذ المخلوق لا يجوز أن يكون أكمل من خالقه.
وأثناء الاستدلال من القرآن نفهم أن الماتريدي يقر بالكلام النفسي إلا أنه ينكر سماعه وهو بهذا قريب من المعتزلة القائلين بأن الله خلق الكلام في الشجرة ولم يسمع موسى كلام الله حقيقة (62) والنظر في الكلام الإنساني يبين أنه مستويان:
- نفسي: وهو المعنى النفسي الذي يدور بخلد الإنسان وليس له صوت.
- بالصوت: وهو التعبير اللفظي عن الكلام النفسي.
واعتمادا على هذا الأساس اعتبر الماتريدية أن لله كلاما نفسيا وهو الصورة العلمية للكلام واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن والسنة، وعدوه صفة أزلية قديمة قائمة بالذات كما أثبتوا له كلاما لفظيا أساسه الأمر والنهي والخبر وعدوه حادثا مخلوقا لأن الألفاظ تقتضي بمجرد النطق بها.
فالماتريدية حينئذ يرون أن معاني القرآن قديمة ثابتة لدى الله تعالى ثم يخلق عليها من الدلالات مثل الكتب السماوية.
الأشعرية (63) :
لقد قسم الأشعري كلامه إلى قسمين كلام نفسي وكلام لفظي:
أما النفسي فهو قديم أزلي.
وأما اللفظي فيمكن أن يتغير باعتباره ما يسمع وما يكتب.
ويعتبر الأشعري أن الكلام صفة لله من صفات الذات، وما دام صفة فهو قديم (64) . وينقل محمد اطفيش عن الأشعري ما يلي:
" قال أبو الحسن الأشعري إمام الأشاعرة: الكلام صفة واحدة قائمة بذات الله تعالى ومع كونه واحدا هو توراة وزبور وإنجيل وقرآن وأمر ونهي وخبر واستخبار وهو زائد على الذات". (65)
يقول الرازي:" وأما الأشعري وأتباعه فإنهم زعموا أن كلام الله تعالى صفة قديمة يعبر عنها بهذه الحروف والأصوات " (66) .
وجاء في كتاب نهاية الإقدام:" فكانت السلف على إثبات القدم والأزلية لهذه الكلمات دون التعرض لصفة أخرى وراءها، وكانت المعتزلة على إثبات الحدوث والخلقية لهذه الحروف والأصوات دون التعرض لأمر وراءها فأبدع الأشعري قولا ثالثا وقضى بحدوث الحروف وهو خرق الإجماع وحكم بأن ما نقرأه كلام الله مجازا لا حقيقة وهو عين الابتداع فهلا قد ورد السمع بأن ما نقرأه ونكتبه كلام الله تعالى دون أن يتعرض لكيفيته وحقيقته كما ورد السمع بإثبات كثير من الصفات من الوجه واليدين إلى غير ذلك من الصفات الخبرية" . (67)
فالمدرسة الأشعرية تتفق مع الماتريدية في إقرار الكلام النفسي واللفظي لكنهما تختلفان في جواز سماع الكلام النفسي فإن كان الماتريدية ينكرون سماعه فإن الأشعرية يقرون إمكان سماعه بناء على أن السماع يتعلق بكل موجود قياسا على الرؤية فإن كل موجود يصح أن يرى فالكلام النفسي موجود فيجوز عندئذ سماعه.
أصحاب الحديث وأهل السنة:
" ويقولون (أصحاب الحديث وأهل السنة) إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ، من قال باللفظ أو الوقف فهو مبتدع عندهم لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق" (68) .
وأما السلف فقالوا:" لم يزل الله متكلما إن شاء وإن الكلام صفة كمال ومن تكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما إن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر ومن يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن يكون الكلام لازما لذاته وليس له عليه قدرة ولا فيه مشيئة والكمال إنما يكون بالصفات القائمة بالموصوف لا بالأمور المباينة له ولا يكون الموصوف متكلما عالما قادرا إلا بما يقوم به الكلام والعلم والقدرة وإذا كان ذلك فمن لم يزل موصوفا بصفات الكمال أكمل ممن حدثت له بعد أن لم يكن متصفا بها لو كان حدوثها ممكنا فكيف إ كان ممتنعا؟ فتبين أن الرب لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا نعوت الجلال ومن أجلها الكلام، فلم يزل متكلما إذا شاء ولا يزال كذلك وهو يتكلم إذا شاء بالعربية كما تكلم بالقرآن العربي وما تكلم الله به فهو قائم به ليس مخلوقا منفصلا عنه فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء الله الحسنى وكتبه المنزلة مخلوقة لأن الله تكلم بها" (69) .
الحنابلة :
" قال أحمد بن حنبل لرجل: ألست مخلوقا؟ قال بلى، قال أليس كلامك منك؟ قال بلى. قال أليس كلامك مخلوقا؟ قال: بلى فالله تعالى غير مخلوق وكلامه منه ليس بمخلوق" (70) .
وقالت الحنابلة ومنهم ابن تيمية: كلامه تعالى حروف وأصوات تقوم بذاته تعالى وإنه قديم وقد بالغوا في قدمه حتى زعم بعضهم أن الجلد والغلاف قديمان فكيف بالمصحف (71) .
وما بالهم قال الدّوّاني (72) لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلد وصانع الغلاف.
وغلا بعضهم في ذلك فقال إن الحروف مطلقا سواء وقعت في كلام الله أو في كلام الآدميين قديمة، فحكمها في جميع المقولات لا يندرج تحت الخلق بل إنها من قبيل الكلام المنسوب إلى صفة البارئ تعالى وهو قادر على أن يتكلم بالصفة ويقول الحروف من غير أن يحتاج إلى الآلات والمخارج (73) .
وجاء في حوار بين الفخر الرازي وأحد الحنابلة ما يلي: " واتفق أني قلت يوما لبعضهم لو تكلم الله بهذه الحروف إما أن يتكلم بها دفعة واحدة أو على التعاقب والتوالي والأول باطل لأن التكلم بجملة هذه الحروف دفعة واحدة لا يفيد هذا النظم المركب من هذه الحروف المتوالية كلام الله تعالى. والثاني باطل لأنه تعالى لو تكلم بها على التوالي والتعاقب كانت محدثة.
ولما سمع ذلك الرجل هذا الكلام قال الواجب علينا أن نقر ونمرّ، يعني نقرّ بأن القرآن قديم ونمرّ على هذا الكلام وفق ما سمعناه فتعجبت من سلامة قلب ذلك القائل" (74) .
فالحنابلة حينئذ يقولون بالقدم على الإطلاق ولا يميزون بين اللفظ والمعنى في ذلك.
قول الظاهرية:
يقول ابن حزم: " والقرآن كلام الله وعلمه غير مخلوق. قال عز وجل:(ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي الأمر)(10 يونس19) فأخبر عز وجل أن كلامه هو علمه وعلمه لم يزل غير مخلوق.
وهو المكتوب في المصاحف والمسموع من القارئ والمحفوظ في الصدور والذي نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك كتاب الله تعالى وكلامه القرآن حقيقة لا مجازا من قال في شيء من هذا إنه ليس هو القرآن ولا هو كلام الله تعالى فقد كفر لخلاف الله تعالى ورسوله، وإجماع أهل الإسلام...
ولا يحل لأحد أن يصرف كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم .... إلى المجاز عن الحقيقة بدعواه الكاذبة (75) ".
فالظاهرية يقولون حينئذ بالقدم أيضا.
الشيعة
أما الشيعة الإمامية والجعفرية والزيدية فيقولون بخلق كلام الله أي بخلق القرآن وقد أورد محمد علي ناصر تحليلا للقضية في كتاب أصول الدين الإسلامي (76) ورد على الأشاعرة في قولهم بالقدم وبالكلام النفسي وهاك خاتمة تحليله:
" ومجمل القول إنه تعالى متكلم بمعنى موجد الكلام وإن كلامه سواء كان بمعناه المصدري أو اسما لنفس الأصوات المشتملة على الحروف دالة على معنى صفات الفعل كالخالق والرازق من صفاته وما إلى ذلك وهو حادث والقول بقدمه مع قيامه بذات الله قياما حلوليا قول بتعدد القدماء وهو باطل فإذا كان القول بحدوثه يوجب الكفر كما ذهب إلى ذلك أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف فالقول بقدمه أولى بإيجاب الكفر لأنه قول بتعدد القدماء وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فلماذا يكفر القائل بخلق القرآن وحدوثه ولا يكفر من قال بقدمه مع استلزامه تعدد القدماء؟ (77) ".
فالشيعة حينئذ يقولون بخلق القرآن ويرفضون الكلام النفسي.
من خلال هذا العرض لآراء بعض الفرق الإسلامية في هذه القضية نتبين التباين الشاسع في ما بينها ومرد ذلك إلى اختلاف منطلقات هذه المدارس فهذه تغلب العقل والأخرى تغلب النقل، والثالثة تريد أن توفق بين الأمرين.
ومما يزيد القضية تعقيدا أنه لا وجود لنص صريح في القرآن والسنة (78) يفصل بين المتناظرين عدا ما جاء في القرآن مما اعتبر متشابها فتجاذبته المدارس كل نحو نزعتها.
وكل هذه التحاليل لها صلة متينة بموقف هذه الفرق من صفات الذات وصفات الفعل فماذا عن هذا الجدل حول الآيات المتعلقة بالموضوع وكيف جاءت ردود الإباضية على القائلين بخلق القرآن؟
======================================
(50) ذكرنا المعتزلة لضبط الفويرقات بين علمائها في هذا الشأن وإن كانت تتفق في المبدأ مع الإباضية.
(51) اخترنا هذا التلخيص لشموله، والأشعري ملم بأقوال المعتزلة إلا أنه قد رفضها ولذلك اعتبرها زعما. وقد ذكر بعضا منها امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/233 وذلك لتدعيم موقفه .ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 527- 562. تجد إشارات إلى فويرقات بين علماء المعتزلة إلا أته ألح على بسط الحجج على خلق القرآن ورد القول بالقدم.
(52) النظام (ت231/845) ر. الزركلي: الأعلام1/36
(53) أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف البصري (135- 235/ 753- 850) .ر. الزركلي: الأعلام7/355
(54) جعفر بن حرب(177- 236/793- 850) ر. الزركلي: الأعلام 2/116- 117
(55) معمر بن عباد السلمي(215/830)، كان أعظم القدرية غلوا .ر. الزركلي: الأعلام 8/190
(56) الإسكافي( محمد بن عبدالله ) 240/ 854) .ر. الزركلي: الأعلام 7/92
(57) أبو الحسن الأشعري: المقالات 1/267- 269
(58) الزمخشري: الكشاف 1/1- 8
(59) ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية : 219- 231 في الأطروحة تحليل واضح للقضية .
(60) ر. أبو حنيفة: الفقه الأكبر . شرح أبي المنتهى ط . مجلس المعارف النظامية في الهند. حيدر أباد 1321هـ: 109. يقول إن القرآن كلام الله تعالى، في المصاحف مكتوب، وفي القلوب محفوظ ، وعلى الألسن مقروء، منزل، وقراءتنا له مخلوقة، والقرآن غير مخلوق.وعلى النبي
(61) الخطيب البغدادي: تاريخ بغدادي 13 /388. يرى أن أبا حنيفة قال بخلق القرآن
(62) أحمد بن حنبل: الرد على الجهمية والزنادقة القاهرة 1956: 16
(63) ر. أبو الحسن الأشعري: الإبانة ط 1 دمشق بيروت : 51- 84
(64) الفاضل ابن عاشور: محاضرات بكلية الشريعة بتونس سنة 1965- 1966. خ بمكتبتي.
(65) امحمد اطفيش: شرح الدعئم 1/231
(66) الفخر الرازي: التفسير الكبير27/187
(67) الشهرستاني: نهاية الإقدام: 313- 314
(68) أبو الحسن الأشعري: المقالات 1/346
(69) ابن تميمة: مجموعة الفتاوى: 12/52
(70) ابن تميمة: مجموعة الفتاوى: 12/64
(71) يقول ابن حجر:" وقد نسب إليه (ابن حنبل) ما لم يقل من قدم الصوت والحروف والمداد . أما السالمية فقد اعتقدت أن الحرف والصوت قديمان.فتح الباري بشرح صحيح البخاري. القاهرة 1348هـ 13/421- 422 ر.أبو عمار الكافي: الموجز 1/147 والقول قد أورده المحقق، عمار الطالبي في المقدمات.
(72) الدواني( 830- 918/ 1427- 1512) محمد بن اسعد قاض باحث يعد من الفلاسفة .ر. الزركلي: الأعلام 6/257
(73) ر. سعيد ين تعاريت : المسلك المحمود : 148 ر. عبد الله السالمي: المشارق: 244
(74) الفخر الرازي: التفسير الكبير27/187- 188
(75) ابن حزم: المحلى: 1/31- 32
(76) ر. محمد علي ناصر الجعفري: كتاب أصول الدين: 137- 154
(77) نفس المصدر: 153- 154
(78) لقد ذكرنا أن أباضية أوردنا حديثا يذكر الخلق لكنه غير متفق عليه، وإن ورد في بعض الصحاح والمساند.
________________________________________
الجدل حول الآيات المتعلقة بالكلام:
- قوله تعالى: ( وكلم الله موسى تكليما) (4 نساء 164) (79) :
يقول يوسف المصعبي عند تفسير هذه الآية:" وقوله ت" تفسير الجلالين" بلا واسطة أي أن الله كلم موسى عليه السلام بدون واسطة.
أقول: استدلوا على ذلك بالتأكيد بالمصدر ورد بأن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز في نفس الفعل لا في الإسناد المسمى بالمجاز العقلي وهو المدعى ولا يرتفع إلا بالتأكيد بالنفس والعين". (80)
وينقل السدويكشي محاورة دارت بين أبي القاسم البرادي وبعض فقهاء المالكية في قابس كما يلي:
" وقد ذكر عمنا قاسم البرادي أنه التقى مع بعض فقهاء قومنا بقابس فتكلم معه في هذه المسألة إلى أن قال له: هل تعلم له شيئا من النحو؟ فقال له: شيئا طفيفا.
فقال له: مثل لي بالمصدر؟
فقال: قلت له ضربت ضربا، وكان قولك ضربت يحتمل الحقيقة والمجاز فلما قلت ضربا ارتفاع المجاز وبقيت الحقيقة.
فقال لـه المخالف: وكذلك لما قال الله تعالى:( وكلم الله موسى تكليما) احتمل الحقيقة والمجاز فلما قال تكليما ارتفع المجاز وبقيت الحقيقة (فالتزمه). وهو غلط فاحش لأن التأكيد بالمصدر إنما يرفع التجوز عن الفعل نفسه لا عن الفاعل.
فإن قلت قام زيد قياما فالأصل قام زيد قام زيد فإن أردت تأكيد الفاعل أتيت بالنفس.
وهاهنا إنما أكد الفعل ولو قصد تأكيد الفاعل لقال وكلم الله نفسه موسى فلا حجة إذن في الآية". (81)
كما يلح السدويكشي أيضا على أن الكلام كان بواسطة فيقول: " إن كلامه تعالى لموسى عليه السلام كان بواسطة كما كلم سائر أنبيائه وخص بأن كليم الله مثل ما خص إبراهيم بخليل الله وإن كان كل نبي خليل الله خلافا لما هو المعتقد عند غيرنا من أنه كلمه بدون واسطة....
ومعلوم أن الكلام إذا حمل على ظاهره يلزم التحديد المحض في قوله تعالى ( فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة)( 28 القصص 30) ". (82)
ويأتي محمد اطفيش فيقر نفس الموقف إلا أنه يزيده تحليلا مع ذكر بعض الإستشهادات (83) فالأساس عند الاباضية في فهم هذه الآية يتمثل في أن الله تعالى لا يمكن أن يكلم موسى إلا بواسطة إذ الكلام المباشر يفرض التحيز وهذا محال في حق الله تعالى ، فالله خلق الكلام في الشجرة أو عن طريق ملك، والاباضية في النهاية يرجعون إلى تفويض الأمر لله تعالى وفي ذلك يقول أحمد الشماخي:" والحق أن سماع موسى عليه السلام كسماع الملائكة، كيف شاء الله أن يسمع". (84)
وما احتج به القائلون بالكلام المباشر من التأكيد اعتبر تأكيدا للفعل لا للفاعل لأن تأكيد الفاعل لا يكون إلا بعين أو نفس كأن تقول " كلم الله نفسه موسى تكليما". ومسلك التأويل واضح في هذا الرأي وذلك ليتماشى مع تنزيه الله تعالى. (85)
- وقوله تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (9 التوبة 6):
أورد الرازي اعتماد المعتزلة على هذه الآية للاستدلال على أن كلام الله محدث وقول من ساهم الحشوية والحمقى من الناس الذين يثبتون قدم الحروف والأصوات ثم ناقش قول ابن فورك من الشافعية القائل: إذا سمعنا هذه الحروف والأصوات فقد سمعنا كلام الله تعالى مبينا إنكار الشافعية له، ثم رد على المعتزلة مبينا أن ما خلقه الله من أصوات انقضى وما نسمعه من حروف وأصوات إنما هي من فعل الإنسان.
ثم أورد قول الجبائي الذي رفضه المعتزلة وهو كلام الله شيء مغاير للحروف والأصوات وهو باق مع قراءة كل قارئ (86) .
أما السدويكشي فقال:" وأما قوله: ( فأجره حتى يسمع كلام الله) وقوله ( وكلم الله موسى تكليما) (4 النساء 164).
فإن قلتم إن الكلام هو الذي أدرك السمع وصار السمع مفعولا وصار الكلام فاعلا فقد كذبتم القرآن واللسان الذي جاءت به هذه الشريعة لقوله تعالى: ( يسمع كلام الله) فالكلام مفعول به والسمع فاعل لأن الكلام مسموع والسمع سامع لأنه هو الذي يسمع الكلام ويدركه ومستحيل أن يكون ما يدرك ليس بمخلوق ومفعول به وهذا ظاهر عند جميع العقلاء ممن يعرف اللسان الذي هو معيار هذا الشرع، عصمنا الله من أن يشبه علينا فنتبع أهواءنا بغير هدى منه.
وقالوا لهم أيضا إن السمع هو الذي بلغ الكلام وأدركه فمعلوم بالضرورة أن السمع مخلوق، ومعلوم بالضرورة أن المخلوق لا يدركه إلا المخلوق مثله مما لا يدفعه أحد في هذا المعنى" (87) .
ولم نعثر للمصعبي ولا للمحشي على تحليل على تحليل لهذه الآية (88) فيوسف المصعبي لم يتعرض ولو بالإشارة لهذه القضية عند تفسيره للآية ، وكما أنه لم يتعرض لها في حاشيته على كتاب أصول تبغورين . (89)
فالمهم حينئذ أن عبدالله السدويكشي عبر عن موقف الاباضية وانطلق في تبريره لفكرة الخلق من منطلق لغوي بحت فبما أن الكلام وقع عليه الفعل فهو مخلوق لأن هذا من شأن المخلوق ولأن القديم لا يمكن أن يقع عليه الفعل.
- وقوله تعالى: ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول لـه كن فيكون) (16 النحل 40):
لم نعثر على تفسير متكامل لهذه الآية في مصادر المرحلة المقررة (90) لذلك استعنا بما ورد فيها عند محمد اطفيش لأنه ألم بها إلماما شاملا وهذا نص كلامه:" قيل كيف يكون القرآن حادثا مخلوقا وفيه الكلمة الأزلية التي بها خلق الخلق، فلو كان " كن" مخلوقا يخلق به غيره لاحتاج إلى قول آخر يخلق به كن فيتسلسل وإن قال بالانقطاع بلا تسلسل فمن أول الأمر بغير لفظ كن.
قلنا:" معنى توجه الإرادة الأزلية إلى إيجاد شيء لأوانه ولا لفظ هناك.
ثم إذا صار القائل إلى ذلك فالاحتجاج باسم الله إذ ذكر في القرآن أولي فيقول كيف يذكر الله وهو قديم في القرآن وهو حادث مخلوق فما الفرق إلا قديم؟
قلنا: ذكر الشيء غير نفس الشيء وأيضا، فلم يذكر في القرآن وهو موجود ما مضى وما سيكون وهذا الاحتجاج كاللعب.
ومن العجيب أنه لا يصح الخطاب إلا لموجود والمعدوم لا يخاطب فكيف يخاطب الله المعدوم بكن، كيف يخاطب مالا يفهم لأنه معدوم، وخطاب المعدوم عبث عند جميع أهل العقول.
فمعنى كن الإيجاد بسرعة بلا توقف على شيء فكن قول فعل لا قول خطاب، وكيف يقول عاقل إن الله لا يخلق شيئا إلا بعد أن يستعين عليه بقول كن والله لا يعجز ولا تلحقه مشقة". (91)
ويرد الاباضية على من اعتبر كلمة " الحق" بمعنى كن في قوله تعالى: ( ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى) (46 الأحقاف 3) وقوله: ( ما خلقناهما إلا بالحق) (44 الدخان 39) وقوله: ( وخلق الله السماوات والأرض بالحق) (29 العنكبوت 44)، بأن معنى الحق بالصواب والحكمة لا بالباطل والعبث بل لإظهار القدرة والتكليف وأما كن فتمثيل لسرعة وقوع ما توجهت إرادته تعالى إلى خلقه لا ببطء ولا تكلف (92) .
ويرد الرازي على من اعتبروا هذه الآية دليلا على قدم القرآن بما يلي:
1- إذا لا تفيد التكرار، وإذا كان كذلك ثبت أنه لا يلزم في كل ما يحدثه الله تعالى أن يقول له كن فلم يلزم التسلسل.
2- هذا القول يلزم أن تكون "كن" قديمة وهذا باطل لأنها مركبة.
3- إن الرجل إذا قال إن فلانا لا يقدم على قول ولا على فعل إلا ويستعين فيه بالله تعالى فإن عاقلا لا يقول إن استعانته بالله فعل من أفعاله فيلزم أن تكون كل استعانة مسبوقة باستعانة أخرى إلى غير النهاية لأن هذا الكلام بحسب العرف باطل فكذلك ما قالوه.
4- إن هذه الآية مشعرة بحدوث الكلام من وجود:
أ- أن قول الله تعالى:( إنما قولنا لشيء إذا أردناه) يقتضي كون القول واقعا بالإرادة وما كان كذلك فهو محدث.
ب- أنه علق القول بكلمة إذا ولا شك أن لفظه " إذا" تدخل للاستقبال.
ج- أن قوله:( أن نقول له) لا خلاف أن ذلك ينبئ عن الاستقبال.
د- أن قوله:( كن فيكون) يدل على أن حدوث الكون حاصل عقب قول " كن" فتكون كلمة " كن" متقدمة على حدوث الكون بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثا.
هـ- أنه معارض بقوله تعالى: ( وكان أمر الله مفعولا) (4 النساء47- 33 الأحزاب 37) (وكان أمر الله قدرا مقدورا) (33 الأحزاب 38) ( الله نزل أحسن الحديث) (39 الزمر 23) ( فليأتوا بحديث مثله) (52 الطور34) ( ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) (46 الأحقاف 12).
فإن قيل: فهب أن الآية لا تدل على قدم الكلام ولكنكم ذكرتم أنها تدل على حدوث الكلام فما الجواب؟
قلنا: نصرف هذه الدلائل إلى الكلام المسموع الذي هو مركب من الحروف والأصوات ونحن نقول بكونه محدثا مخلوقا والله أعلم (93) ".
إن المتأمل في ما جاء به محمد اطفيش من حجج وما استعنا به من قول الرازي الذي يوافق قول الاباضية بأن الآية تدل على الحدوث وإن كان يقصر ذلك الكلام المسموع يتبين لمَ لمْ يقف علماء هذه المرحلة عند هذه الآية في هذا السياق من الاحتجاج فهي تأتي في درجة ثانية للاستدلال بالنسبة إلى الآيات التي ذكر فيها الكلام صراحة.
وقد حرص محمد اطفيش على توضيح موقف الاباضية في هذا الشأن وميز بين ما سماه قول الفعل وقول الخطاب فكن حينئذ هي قول فعل لا يحتاج معها إلى الاستعانة بقول خطاب.
-قولـه تعالى: ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم) (42 الشورى 51).
ينقل يوسف المصعبي في شأن هذه الآية ما يلي:
" وقد تعرض في شرح النونية (94) لتفسير هذه الآية أعني قوله تعالى:( وما كان لبشر...) وحاصل ما يؤخذ منه تقلا عن بعض أهل التفسير أن الوحي على وجهين وهما: إلهام ، ووحي أرسال، والثاني فيه قسمان لأنه ربما ظهر جبريل عليه السلام للرسول، وربما أسمع جبريل الرسول الوحي من غير أن يرى صورته وتنزيل الآية على هذه الأقسام الثلاثة وإن كان خلاف الظاهر، لكن يجب ارتكابه لما في الحمل على الظاهر من المحذور" (95) .
وإن لم تقف المصادر الإباضية في المرحلة المقررة طويلا عند هذه الآية التي اعتمدها القائلون بالقدم (96) فإن ما نقله يوسف المصعبي عن اسماعيل الجيطالي يدل دلالة واضحة على رفض الإباضية كل ما من شأنه أن يوحي بالتجسيم ولذلك عمدوا إلى التأويل مع إحساسهم أنه خلاف الظاهر.
================================
(79) الفخر الرازي: التفسير الكبير 11/109 .ر. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ، تحقيق وتصحيح لجنة من العلماء دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ط2 بيروت 1389/1970- 2/454- 456. وعن ابن كثير (774/1373) ر. الزركلي: الأعلام 1/317 ونفى قراءة نسبها إلى المعتزلة تنصب اسم الجلالة وعارضها بشدة .ر. الزمخشري: الكشاف 1/582- 583
(80) يوسف المصعبيك حاشية على تفسير الجلالين ورقة 185 قفا ويذكر أنه بسط الكلام في ما كتبه في العقائد ويشير إلى حاشيته على أصول تبغورين: 97
(81) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:19
(82) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:19
(83) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 21/469 – 470.
(84) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 16.ر. عبدالله السدويكشي: رسالة في خلق القرآن: 5
(85) لمك تقع الإشارة في المصادر الإباضية إلى تأويل الآية بمعنى: جرح الله موسى بأظافر المحن ومخالب الفتن على أساس أن تكون كلم بمعنى جرح .ر. الزمخشري: الكشاف 1/582- 583 وقد رد الزمخشري هذا التأويل وتابعه في ذلك الشارح ونوه بذلك بقوله: " وصدق الزمخشري وأنصف إنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم ولا يبين بها إلا الوهم" 583.
(86) الفخر الرازي: التفسير الكبير 15/227- 228 .ر. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم3/366 .ر. الزمخشري 2/ 175 لم يشر إلى قضية خلق القرآن في هذا الموضع.
(87) عبدالله السدويكشي: رسالة في خلق القرآن: 5.ر القاضي عبد الجبار الأصول الخمسة: 551 اعتبر الآية دالة على الكلام محدث.
(88) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 260 وجه
(89) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 90- 100
(90) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 241 وجه وبداية القفا. لم يهتم بهذه القضية بل اعتنى بموضوع القدرة على البعث.
(91) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/237
(92) ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/241
(93) الفخر الرازي: التفسير الكبير20/32- 33 .ر. ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 4/195، لم يتعرض للقضية .ر. الزمخشري: الكشاف 2/410، أشار خاصة إلى سهولة الخلق والبعث على الله .ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 560 بين أن "كن" مركبة وهذا دليل على الحدوث، كما بين أن الآية تواكب القول بالخلق لورود" (النحل40) ودخولها على المضارع يفيد الاستقبال أن تقول له كن فيكونأن" قبل "كن" وذلك يقتضي الحدوث .ر. أيضا: 561
(94) يقصد إسماعيل الجيطالي.
(95) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 97
(96) وقد ميز الرازي بين الأشعري والماتريدية في هذا الشأن فالأشعرية يعتبرون أن املك والرسول يسمعان ذلك الكلام المنزه عن الحرف والصوت من وراء حجاب بينما يبين أبو منصور الماتريدي أن الصفة القديمة يمتنع أن تسمع والمسموع هو أصوات وحروف يخلقها الله في الشجرة.
ويورد الرازي أيضا حجج المعتزلة ويوجهها كلها إلى الكلام اللفظي دون الكلام النفسي .ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 27/188 ر. الزمخشري: الكشاف 3/476 ومفاد ما جاء عنده ألا السبيل إلى الكلام المباشر.
________________________________________
- وقوله تعالى: ( إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) (56 الواقعة 78) يقول أحمد الشماخي في شأن هذه الآية ما يلي:
" قولك: كتاب مكنون " إنه مصون اتفاقا".
أقول: قال بعضهم محظوظ أي مصون عند الله أو محفوظ عن الباطل.
قولك: وهو اللوح المحفوظ والتوراة والإنجيل والزبور والقرآن.
أقول: لم أعثر على أن أحدا من المفسرين فسر الكتاب المكنون بمجموع اللوح المحفوظ والتوراة والإنجيل والزبور ولا من فسره بالتوراة وحده ولا بالإنجيل ولا بالزبور غيرك ولا يسوغه العقل ولا يقبله الفهم لأن القرآن ليس في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور بل هو اللوح أو كتاب في السماء على قول ابن عباس.
وفي الآية أدلة على أنه مخلوق:
أقسم الله على أنه في كتاب مكنون أي اللوح وضمير يمسه أي المصحف أي لا يمس المكتوب فيه أي لا ينبغي أن يمس المكتوب منه إلا المقربون وأن المكتوب منه قرآن، ووصفه بأنه تنزيل للمبالغة أي منزل من رب العالمين ووصف بالمصدر لأنه نزل نجوما فكان نفسه تنزيلا فكان اسم له يقال جاء في التنزيل ونطلق عليه التنزيل وسماه حديثا". (97)
فأحمد الشماخي حول النقاش بسرعة إلى ما يدعم معتقده واتخذ الآية دليلا على أن القرآن مخلوق اعتمادا على ما رأينا في ما سبق من أدلة الإباضية على أنه منزل ومكتوب وما إلى ذلك.
- قوله تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) (17 الإسراء 88):
لقد اعتمد يوسف المصعبي قول الزمخشري في تفسير هذه الآية فنقله حرفيا ونصه كما يلي:"...والعجب من زعمهم أن القرآن قديم مع اعترافهم بأنه معجز وإنما يكون المعجز حيث تكون القدرة فيقال: الله قادر على خلق الأجسام والعباد عاجزون عنه، وأما المحال الذي لا مجال فيه للقدرة ولا مدخل لها فيه كتأتي القديم فلا يقال للفاعل قد عجز عنه ولا هو معجز ولو قيل ذلك لجاز وصف الله بالعجز لأنه لا يوصف بالقدرة على المحال إلا أن يكابروا فيقولون هو قادر على المحال، فإن رأس مالهم المكابرة وقلب الحقائق" (98) .
ثم جاء محمد اطفيش في ما بعد فقرر في شأن هذه الآية ما يلي:" واستدلوا بهذه الآية على قدم القرآن بدليل أنهم لا يأتون بمثله لكونه صفة ذات ولا قدرة لأحد على خلقها وليست مما يحدث فهو كقوله تعالى: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (21 الأنبياء 22) فإنه لا يمكن تعدد الإله.
قلت: الآية في الإعجاز بالفصاحة والبلاغة والإخبار بالغيوب وغير ذلك مما يرجع إلى الألفاظ ومعانيها، وما يتعلق بالقرآن من جنس الكلام المخلوق إلا أنه لم يخلق الله كلاما مثله ولا أقدر أحدا على النطق بمثله فليس من باب نفي تعدد الإله" (99) .
فالمصعبي حينئذ وجد عند الزمخشري أحسن مستند فتبنى موقفه الذي يقوم على استنتاج منطقي أساسه أن التعجيز لا يمكن أن يتعلق بالقديم أما محمد اطفيش فبين أن موضوع الآية بلاغي بحت.
- قوله تعالى: ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) (55 الرحمن 1-2)
لم نجد في ما اطلعنا عليه من مصادر المرحلة المقررة تحليلا للآية لذلك نعتمد ما جاء عند محمد اطفيش في ما بعد وهو يقول:" استدلوا بها( حيث قالوا) فأخبر بتعليم القرآن وبخلق الإنسان ولولا أن القرآن قديم لقال خلق القرآن والإنسان.
قلنا: لله أن يخبر بما يشاء أخبر هنا بتعليم القرآن امتنانا وذكرا للنعمة، وكذلك قال: ( ذلك أمر الله أنزلـه إليكم) (65 الطلاق 5) ولم يقل خلقه. قلنا: لا يلزم ألا يكون مخلوقا كل ما يذكره بالخلق وإنما أراد أنه أنزل إليكم معاني القرآن بألفاظ القرآن وذاته وصفته لا تنزل وكذا ( إذا قضينا إلى موسى الأمر) (28 القصص 44) لا يلزم أن يكون مخلوقا لما قال قضينا ولم يقل خلقنا وله أن يذكر المخلوق بما شاء من خلق ومن غير خلق" (100) .
يتبين أن محمد اطفيش اعتبر أن صيغة علم القرآن لا تكفي للدلالة على القدم لأنها وردت هنا بمعنى الامتنان وذكر النعمة وسلك مسلكا مقارنا مع آية أخرى ليوضح أنه لا يلزم ألا يكون مخلوقا كل ما لم يذكره بالخلق.
- قول الله تعالى: (ألا له الخلق والأمر) (7 الأعراف 54)
يستدل القائلون بالقدم بالآية كما يلي:
" قال الخلق والأمر ثابتان جميعا له وعزل الخلق عن الأمر، فالخلق كله غير الأمر والأمر القرآن وهو خارج عن الخلق... ولو كان الخلق شاملا لكلامه لقال( ألا له الخلق) ولم يذكر الأمر قال الله تعالى: ( ذلك أمر الله أنزله إليكم) ( 65 الطلاق 5) " (101) .
ويجيب القائلون بالخلق:
قلنا: الأمر القضاء والتصرف في الكائنات وتصرفه فعل منه خلق ومنه إفناء والقرآن داخل في الخلق أو الأمر . القرآن داخل في الخلق وخصه بالذكر لمزيته.
وقد قال تعالى: ( وكان أمر الله قدرا مقدورا) (33 الأحزاب 38) فهل هذا الأمر القرآن أيضا فإن كان فقد جعله مقدورا فهو مخلوق وإن جعله غير القرآن فلماذا يجعل تارة الأمر القرآن وتارة غير القرآن تحكما بلا مرجح لتفسيره بالقرآن في قوله تعالى: ( ألا له الخلق والأمر) " (102) .
فاتضح حينئذ أن استدلال الإباضية مستوحى من التحليل الاعتزالي إذ بين أن الخلق داخل في الأمر وإنما خص بالذكر لمزيته.
- قولـه تعالى: ( ما نفدت كلمات الله) (31 لقمان 27) وقوله أيضا عن عيسى عليه السلام ( وكلمته ألقاها إلى مريم) (4 النساء 171) :
أليس القرآن قسما من الكلمات والكلمات قديمة ويرد محمد اطفيش باعتبار الكلمات بمعنى العلم (103) وباعتبار أن كلمة بالنسبة إلى عيسى تعني وجد بقوله "كن" أي بتوجيه الإرادة الإلهية إلى وجوده ويورد مناظرة بين مسلم ونصراني أفضت إلى استحالة اعتبار الكلمة قديمة لأن ذلك يفضي إلى أن الله تعالى يتجزأ وذاك محال، والدليل قوله تعالى ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) ( 45 الجاثية 13) حيث تفيد منه من خلقه (104) . وهذا ما أقره الرازي (105) والزمخشري (106) إذ اعتبرا أن الكلمة بمعنى الأمر أي إيجاد عيسى من غير واسطة أب ولا نطفة.
وما أوردت هذا التحليل إلا لإتمام المعنى لأن مصادر المرحلة المقررة لم تقف عند هذه المعاني في ما اطلعنا عليه ولعلها أشارت إلى ذلك في ما لم يقع بين أيدينا من المصادر. والمدار على أن ما ذكرناه يتماشى واعتماد التأويل والإباضية موقفهم صريح في هذا الشأن كما بينا ذلك في ما سبق.
وقبل أن نصل إلى مرحلة الاستنتاج يحسن أن نقف عند قضيتين الأولى: ما عبر عنه بالعلاقة بين الحكاية والمحكي. والثانية ما عبر عنه بالكلام النفسي.
===============================================
(97) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 16-17 .ر.امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 62/61، لم يتعرض لهذه القضية أما عن حاشية يوسف المصعبي على الجلالين فلم نتمكن من الحصول على القسم الذي جاءت به هذه السورة.
(98) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 360 قفا .ر. الزمخشري: الكشاف 2/465
(99) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/242- 243
(100) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/242- 243
(101) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/242- 243.ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة ص 545 بين أن التعليم لا يتصور إلا في المحدثات.
(102) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/245 .ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 544 وقد ألح على قيمة الفصل وبين أنه لا يدل على اختلاف الجنسين بل يفيد التفضيل.
(103) ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/243
(104) ر. امحمد اطفيش:تيسر التفسير ط 22/476- 477
(105) ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 11/115و 8/38
(106) ر. الزمخشري : الكشاف1/284
________________________________________
الرد على من يفرق بين الحكاية والمحكي:
قال أبو مهدي (107) :" لا يقال إن هذه الصفات (التفصيل، الجعل، الحفظ...) التي سردتها وأثبتتها بالأدلة إنما هي عبارة وحكاية عن القرآن فتكون الحكاية مخلوقة والمحكي غير مخلوق لأنا نقول لا تخلو الحكاية من أن تكون موافقة أو مخالفة له، فإن كانت موافقة له لزم خلاف المعقول بأن يكون شيئان متساويان مختلفين في الخلق وعدمه بأن يكون أحدهما مخلوقا والآخر غير مخلوق والقاعدة أن ما جاز على النظير جاز على نظيره فهل هذه إلا تفاهة.
وإن كانت مخالفة فذلك خروج على لسان العرب وأئمة اللغة لأنها حكاية مماثلة له ومعبرة عنه ونقل بالمعنى فلو صح أن تكون مخالفة للزم التناقض فتحكي الخبر الصادق فيكون كاذبا، والخبر الكاذب فيكون صادقا، والمدح ذما، والذم مدحا، والقرآن شعرا، والشعر قرآنا إلى غير ذلك من الأشياء المتناقضة لتجويز المخالفة بين الحكاية والمحكي فلا ينبغي أن يكذب بخبر ولا مخبر، ولا تنكر حكاية ولا مقالة فعلى هذا كيف يكون الصدق صدقا والكذب كذبا، بل يكون الصدق كذبا والكذب صدقا فهذا هو الحال ولا يقول به عاقل فضلا عن فاضل فلما بطل هذا صح أن الحكاية لا تكون خلاف المحكي فإن كانت الحكاية مخلوقة محدثة مجعولة في سائر أوصافها مما ثبت بتلك الأدلة (108) فالمحكي أيضا كذلك.
وأيضا إن كانت الحكاية غير المحكي فما هو القرآن الحكاية أم المحكي؟
فإن كان القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو هذه الحكاية فهو إذن مخلوق إذ هو محل النزاع وهو الذي قال الله (فيه) ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) (75 القيامة 18)، وقال ( نزل به الروح الأمين على قلبك) (26 الشعراء 193).
وإن كان القرآن هو المحكي القائم بذاته تعالى وهو لم ينزل فقد ظاهوا بقولهم هذا قول من قال ( ما أنزل الله على بشر من شيء) (6 الأنعام 91) وهذا مخالف للإجماع...
وأيضا لو كانت الحكاية غير المحكي لكان النبي قد أتى بخلاف ما أتى به جبريل وما أتى جبريل خلاف ما نقله عن مكائيل، وما أتى به مكائيل خلاف ما نقله إسرافيل، فيكون كل واحد منهم أتى بخلاف ما أتى به غيره وإلا فكيف يجوز في الشيء مالا يجوز في مثله، وهل هذا إلا تجاهل.
وأيضا لو لم يكن هو القرآن وكان عبارة وحكاية لما صح التحدي والإعجاز بسورة منه ولجاز أن يعارض بعبارة مثل تلك العبارة لأنه كما جاز لمن أتى به التعبير عنه والحكاية يجوز لغيره الناكرين لما أتى به أن يعارضوه بعبارة وحكاية مثله، لكنهم استيقنوا أن تتساقط مقدرتهم دونهم ولم تظهر معجزتهم على أن يأتوا بمثله ولم يبلغ من الجزالة وحسن النظم المبالغ التي بدت بلاغة لكل ناطق وشقت غبار كل سابق ولم يتجاوز الحد الخارج من قوى الفصحاء ولم يقع وراء مطامع أعين البصراء إلا أنه ليس بكلام البشر وأنه كلام خالق القوى والقدر فهؤلاء المقرون منهم اعتقدوا أنه كلام الله ولم يرتكبوا هذا التأويل الفاسد لما تكرر ذكره في القرآن في أربعة وخمسين موضعا على ما ذكر ابن عطية تأويل ما ذكر ليس بسديد والتأويل لا يصار إليه إلا إذا وجدوا ما يمنع الظواهر ويحيلها.
وأيضا هذه العبارة هل هي القرآن أم غيره؟
فإن قلتم إنها ليست بالقرآن فهل هي قديمة أم محدثة؟ فإن قلتم إنها قديمة فقد أثبتم القدم لغير القرآن الذي قلتم إنه كلام الله وإنه قديم أزلي.
وإن قلتم هي القرآن وإنها قديمة فقد رددتم على الآية والأدلة التي دلت على حدوثها وهي التي تقدم ذكرها.
وإن قلتم إنها هي القرآن وإنها محدثة فقد أقررتم بما أنكرتم أولا ورجعتم إلى الحق والصواب" (109) .
وقد نقلنا هذا التحليل بأكمله لنتبين أن جل ما جاء في الموضوع كان تابعا لنقطة الانطلاق أي رسالة أبي اليقظان إلا أن الأمر لم يخل من بعض الإضافات التي تدعم الموقف ذلك الاستشهاد بما ذكره ابن عطية.
والمتأمل في هذا النص، يدرك أن منطقه لغوي بحت إذ عبر بعبارتي الحكاية والمحكي، والحقيقة هي اللفظ والمعنى، والتحليل بني على أساس ألا سبيل إلى الفصل بين الدال والمدلول بينما يفصل بينهما بعض القائلين بالقدم مثل الرازي حيث يعتبر أن المعنى أو المعنى النفسي قديم وأن اللفظ محدث وهذا منهجه دائما في الرد على المعتزلة وهذا أيضا موقف من مواقف الإباضية وإن لم يعبروا عنه بهذه الصيغة وإنما قالوا الكلام صفة ذات من حيث إن الله ليس بأخرس فهو صفة فعل من جهة أن الله خالق كلامه.
موقف الإباضية من الكلام النفسي:
لقد حلل يوسف المصعبي هذه القضية تحليلا متكاملا وقد استفاد مما جاء في الموضوع عند غير الاباضية وعند الاباضية وقد سبقه في ذلك أبو يعقوب الورارجلاني لذلك وسننطلق من تحليل الوارجلاني لنبين ما أضافه المصعبي وعمله من صلب هذا البحث.
يقول أبو يعقوب الوارجلاني:" فإن عورضنا"، وقال: " إذا جعلتم القول في النفس من غير صوت فقولوا في الكلام كذلك فهذا دليل على أن الكلام كلام الله عز وجل صفة له في ذاته أزلية. قلنا: لابد في الكلام والقول من نظم الحروف فيتعدى ذلك النفس فإن لم تكن حروف ولا نظم كان ذلك علما، والعلم اعتقاد في النفس والكلام والقول معنى جاوز النفس إلى نظم الحروف المعنوية فهذا الفرق بين العلم وبين الكلام في النفس وبين القول أيضا، ولابد من معنى زائد على العلم وهو تصوير المعنى في النفوس وهذا الزائد هو القول ويكون بغير صوت، ولا يتوجه إلى الغير" (110) .
وينقل يوسف المصعبي ما جاء في رد أحمد الشماخي على صولة الغدامسي وهاك نصه:" قوله (الغدامسي): المعنى النفسي صفة غير العلم والإرادة.
قلت:( احمد الشماخي):" دعوى مجردة عن الدليل لأن ما في النفس:
- إما العلم سواء تعلق بمفرد ويسمى معرفة وتصورا ويدخل فيه الشك والوهم لأنه تصور النسبة بغير حكم أو تعلق بمركب ويسمى تصديقا واعتقادا ويدخل فيه الظن والاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع ويدخل في التصور العلم بالألفاظ أي حفظها وأنها وضعت لكذا من المعاني.
- وإما الفكر: وهو ترتيب المعاني في النفس على وجه مخصوص والقدرة عليها تسمى القوة المفكرة وإرادة شيء من الأفعال فليس في النفس إلا هذه الأوجه ومن ادعى غيرها فعليه البيان" (111) .
كما ينقل عن عبدالله بن محمد النزوي العماني (112) ما يلي:" ثبت أن القرآن من علم الله عز وجل لم يزل عالما ولم يزل متكلما وأن علمه وكلامه من صفاته الذاتية وأنهما ليسا بمحدثين مع عدم الجوارح من الكلام والعلم والسمع...." (113) .
ثم يختم المصعبي بموقفه الخاص فيقول:" فعلى ما يفهم... من صريح كلام بعض المشارقة (114) لا يبقى نزاع إلا في اللفظ والاعتبار بخلاف ما هو المشهور عن القوم من إثبات الكلام النفسي غير العلمي فإن الخلاف حينئذ حقيقي ولكن لا دليل لهم على إثباته مع ما يلزم من الفساد..." (115) .
فموقف الاباضية حينئذ يتمثل في رفض الكلام النفسي إلا أنهم اعتبروا الأزلية متمثلة في العلم أو في ما عبروا عنه بقولهم: كلامه صفة ذات من جهة وكل ذلك رغبة منهم في الابتعاد عن تشبيه الغائب بالشاهد لأن ذلك يوحي بشيء من التجسيم والتشبيه.
وبعد أن حددنا مفهوم القرآن والكلام، وضبطنا مواقف جل الفرق في هذه القضايا وعرضنا أدلة الإباضية والنقلية على أن القرآن مخلوق وإن كان البعض منهم يرى غير ذلك، يجدر أن نخلص إلى الحوصلة التالية وفيها نتبين بعد القضية الحضاري:
1- إن اختلاف المنطلقات الأساسية كلف علماء الأصول عناء كبيرا في هذه القضية، وأبرزها وجهة نظر كل فرقة إلى صفات البارئ سبحانه وتعالى ولذلك كثيرا ما يكون الجدل مفتعلا من البداية.
2- إن هذه القضية ظلت تتأرجح بين ثلاثة أسس: الأساس البلاغي، والأساس الفلسفي، والأساس العقائدي.
أ) أما بالنسبة إلى الأساس البلاغي، وهو أبرز المحاور لأن معجزة القرآن في بلاغته قبل كل شيء، فالقضية تتمثل في علاقة اللفظ بالمعنى فمن ربط بينهما قال بقدم المعنى مع اختلاف في أنه كلام نفسي أو علم وبحدوث اللفظ. وقد جاءت أثناء الجدل عبارات الدال والمدلول والحكاية والمحكي وكذلك النظم وكل فرقة تجاذبت هذه العلاقة حسب تصورها الخاص داخل نظامها الفكري الذي تبنته حتى لا يقع تضارب بين عناصر ذلك النظام.
وأثيرت قضية أقسام الكلام بين الإنشاء والخبر، أو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، فإن صح القدم في الخبر فإنه لا يصح في الأمر إذ لا يجوز آمر بدون مأمور.
والملاحظ في كثير من مواطن الجدل أنك تخال أنك مع درس في البلاغة بعيدا عن الأصول لكن تدرك بعد حين أن البلاغة خادمة للغرض.
ب) أما الأساس الفلسفي- إن صح التعبير- فيتضح في قضية الكلام النفسي فالقائلون بالقدم انطلقوا من نصوص من القرآن والحديث واللغة ورأوا أن ما يدور في النفس من المعاني يمكن أن يعتبر كلاما بدليل ما يحدث في النفس من حوار داخلي واتخاذ مواقف وما إلى ذلك إلا أن المنكرين للكلام النفسي اعتبروا أن كل ذلك من باب العلم وانعكس هذا المفهوم البشري على الكلام الإلهي، فالله أيضا له كلام نفسي ويذهب هؤلاء إلى أنه يمكن أن يسمع وإن رأى آخرون أنه لا يمكن أن يسمع. فالقضية حينئذ فلسفية نظرية ولا يمكن أن تحل بموقف واحد بل لابد من أن تتعدد فيها المواقف فلا عجب إذا لاحظنا ذلك التشعب الجزئي أحيانا والكلي أحيانا أخرى.
والقضية ليست تجريبية حتى في المستوى البشري فكيف بها في المستوى الغيبي.
ج)أما الأساس العقائدي فيتمثل في محاولة إدراك كنه كلام الله تعالى لأنه عليه مدار العمل ومدار الجزاء ولذلك يتحول الجدل في هذه القضية إلى أنه تكفر الفرق بعضها البعض، ولا تسامح في مثل هذه القضايا الأصولية وما منحه القائلين بالقدم مع المأمون أولا ثم القائلين بالخلق في ما بعد إلا صورة لارتباط العقيدة بالواقع المعاش ومدار كل الفرق أساسه الحرص على تنزيه الله تعالى ونسبة جميع صفات الكمال إليه، ولذلك لم يختلفوا في نسبة الكلام إلى الله وإنما اختلفوا في نوعية هذا الكلام وفي قدمه وحدوثه. وما دام القرآن قسما من كلام الله تعالى فقد انصب الجدل حوله وإن كانت الإشارات كثيرة إلى بقية الوحي الإلهي ولعل أكثرها كان يدور حول كلام الله لموسى عليه السلام ونحن نعلم أنه كليم الله.
وفي النهاية فالقرآن كلام الله قديم عند البعض معنى ولفظا ومحدث عند آخرين معنى ولفظا وقديم المعنى محدث اللفظ عند جماعة أخرى.
ومهما يكن أمر هذا الجدل فإن المسلمين لا يختلفون في أن القرآن هدى للمتقين فاستمدوا منه عقيدتهم وعبادتهم ومعاملاتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية.
أما عن النصوص الإباضية فالغالب عليها بعد مناظرة بقية الفرق والتعايش معها جنبا إلى جنب في نفس الإطار المكاني والزماني ما يلي:
1) الإطلاق العام في المختصرات:
- " وندين بأن الله خالق كلامه ووحيه، ومحدثه وجاعله ومنزله" (116) .
- " ليس منا من يقول: إن القرآن ليس بمخلوق" (117) .
2) التفصيل في الشروح.
كلام الله: - صفة ذات: من جهة أنه متكلم ليس بأخرس.
- صفة فعل: من حيث إنه خالق الكلام.
ويقول عبدالله السدويكشي في ذلك ما يلي:" وعندنا معشر الاباضية الوهبية أن كلام الله تعالى له معنيان:
الأول: أنه صفة ذاتية كالعلم والقدرة منافية للآفة مثل الخرس.
الثاني : أنه صفة فعلية بمعنى خلق الكلام حيث شاء.
فمعنى كونه متكلما على الأول أنه ليس بأخرس وعلى الثاني أنه خالق الكلام" (118)
وقد حلل أبو يعقوب الوارجلاني قضية نفي الخرس عن الله تعالى كما يلي:" فمن أين ارتباط الكلام بالحي لا ارتباط له به.
فإن قالوا لاستحالة حدوث الكلام لكان أخرس قبل حدوثه والخرس ضد الكلام ونقيضه .
قلنا وبالله التوفيق:" إن هذا الحكم وهذا التحكم لا يلزم لأنه يجوز أن يكون من لم يتكلم ساكتا لا أخرس ليس كالعلم لأن من لم يكن عالما فهو جاهل، ومن لم يكن قادرا كان عاجزا، ليس الخرس بنقيض الكلام، بل السكوت نقيضه (119) .
ويلزمهم أيضا أن الخلق معه لم يزل لأنه لو أحدث الله الخلق لكان قبل حدوثه عاجزا ويلزمهم أيضا أن يجعلوا الخلق من المعاني القديمة القائمة بالذات كالكلام ولعمري لهو أشبه بمذهبهم.
وإن لم يكن العجز بنقيض الخلق، فليس الخرس بنقيض الكلام غير أن الخرس زمانه لا يستقيم معه الكلام.
وكذلك العجز آفة لا يستقيم معه الخلق وهما منفيان عنه بالقدرة وقد يكون الحي ساكتا لا متكلما ولا أخرس. وهل يصح في الحي أن يكون غير عالم وأن يكون غير قادر أو مريد أو راض أو ساخط؟ فهاتيك مهما انخرمت منها صفة انخرمت الحياة وليس ذلك في الكلام البتة والله ولي التوفيق" (120) .
وبهذا نتبين أن الإباضية يختلفون في هذه النقطة عن المعتزلة إذ يعتبر الإباضية أن السكوت نقيض الكلام، بينما يرى المعتزلة أن الكلام لا نقيض له (121) .
فواضح أن موقف علماء المرحلة المقررة امتداد لما جاء من قبل كما بينا ذلك من كلام الوارجلاني واستمر نفس الموقف في ما بعد كما جاء ذلك عند محمد اطفيش إذ يقول:" والله متكلم ومعناه لا يوصف بالخرس " (122) .
لقد غلب على جمهور الإباضية بالمغرب والمشرق القول بالخلق لكن ذكرنا أن من المشارقة من قال بالقدم فكيف كان موقف الإباضية من هؤلاء؟
=========================
(107) والتحليل مستوحي من رسالة الإمام أبي اليقظان " الجواهر" 189- 190 مع بعض الإضافات .ر. أبو يعقوب الوارجلاني ط1 1/51- 52 ويصل إلى نفس النتيجة إلا أنه يستعمل كلمة " العبارة" عوضا عن الحكاية وقد استعملها أبو مهدي في آخر كلامه .ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/227 سلك نفس المسلك ومن ذلك يقول :" الله سمى هذه الألفاظ قرآنا ولا ترجمة عن الكلام النفسي."
(108) انظر ما سبق: 356.
(109) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل : جواب لأهل عمان : 6- 8 . ثم ختم الجواب بما ذكر آنفا من الحجج العقلية. انظر ما سبق :354
(110) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2 ، 2/159
(111) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 94. ويشير القاضي عبد الجبار إلى أن ابن فروك ذهب إلى أن المرجح بالكلام إلى الفكر ورد عليه بأن مثل هذا القول نابع من المجوسية التي تقوم بأن الله تعالى فكر فكرة رديئة فتولد من فكرته الشيطان. الأصول الخمسة: 533
(112) لم نتمكن من التعريف به
(113) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 95. ونذكر بأننا بينا في ما سبق 352 : أن من إباضية عمان من يقوم بالقدم لكنهم لم يقولوا بالكلام النفسي وغنما قالوا بالعلم.
(114) يقصد الإباضية بالمشرق وخاصة بعمان.
(115) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:95
(116) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 44 والملاحظ هنا أن عامر الشماخي حشر هذه القضية ضمن القدر وخلق الأفعال كما يفعل المعتزلة ( ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : يقول :" ووجه اتصاله بباب العدل هو أن القرآن فعل أفعال الله :527" ، إلا أن بقية النصوص ضمن الحديث عن الصفات.
(117) أحمد الشماخي:شرح عقيدة التوحيد : 152.
(118) عبد الله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات: 14
(119) هذه حجة الطرف المقابل أوردها ليرد عليها.
(120) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1،1/ 50- 51.
(121) ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة ." فإن الكلام لا ضد له من جنسه ولا من غيره جنسه": 557
(122) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/236
برهان
10-20-2009, 06:11 PM
) تفهم مواقف الإباضية الأخرى:
أما السالمي فيلتمس العذر لمن يقول بالقدم كما يلي:" اعلم أنه لا وجه لقول من قال من أهل المذهب إن القرآن قديم إلا أن يريدوا أن الله تعالى ليس بأخرس فيعتبرون بهذه العبارة القاصرة عن ذلك المعنى المطلوب فتنتفي عنهم البراءة بهذا الاحتمال حسن ظن بالمسلمين ، ولكون مذهبهم معروفا في قولهم إن صفات الذات عين الذات فيجيب رد تلك العبارة منهم إلى هذه القاعدة المنيعة" (123) .
أما محمد اطفيش فيشدد اللهجة على من يجيز عدم الإنكار على القائلين بالقدم وهاك موقفه بعد عرض موقفين من مواقف أهل عمان ملتمسا مخرجا للموقف الأول.
" إن من أهل عمان من أصحابنا من يقول بقدمه ( القرآن) على معنى العلم به إجمالا وتفصيلا لفظا ومعنى على ما سيكون إذا خلقه وهذا لا بأس به إلا أن التلفظ بقدمه هكذا لا يجوز لأنه يوهم ما لا يجوز.
ومنهم من يقول- كما يقول سائر أهل المذهب- إنه مخلوق حادث ولا يسمى قديما، وعلم الله قديم قطعا.
... وفي بعض الأثر أنه لم ينكر سائر أصحابنا على من يقول بقدمه من أصحابنا لئلا ينتشر الخلاف والفتن وهو ضعيف لأن المسألة من الأصول عند التحقيق لأن مرجعها إلى الكلام النفسي وفي العقيدة " ليس منا من قال إن القرآن ليس بمخلوق"، فكيف يسوغ فيها السكوت عن الإنكار " (124) .
هذا ما أورده المتأخرون من الإباضية في شأن القضية أما علماء المرحلة المقررة فلم نعثر لديهم على نص يبسط المسألة على أساس التماس العذر أو التشديد ولعل مرجع ذلك إلى أن الموقف استقر عند الكل على القول بخلق القرآن.
وبعد هذا يحسن أن نشير إلى مسألة تتصل بالخلق، فبما أنه مخلوق فهل هو جسم أو عرض؟
الكلام شيء وعرض:
وإن بينت المصادر الإباضية أن القرآن مخلوق فإنها لم تعتبره جسما لأنه لو كان جسما لكان قائما بنفسه ومحتملا للصفات بل تعتبره شيئا مصدقا لقوله تعالى: ( ...إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى..) (6 الأنعام 91).
كما تعتبره عرضا فهذا الوارجلاني يقول:" وقوله: عرض فعله تعالى في غيره وذلك لا يؤدي إلى حدوثه تعالى..." (125) كما أن محمد اطفيش يعبر عن نفس المعنى بقوله:" وأي ضرر في أن القرآن عرض يفنى ويتجدد تقيده القلوب والأوراق... وليس كل محدث سريع الفناء فهل العرش والكرسي والسماوات والأرض ونحوهم سريعو الفناء...." (126) .
فالقرآن حينئذ كلام الله مخلوق ليس بجسم (127) إلا أنه شيء وعرض.
وما دام القرآن فإن لـه وجودا في الأعيان ووجودا في الأذهان ووجودا في العبارات، ووجودا في الكتابة، لكن عند التأمل يثبت أن ما في الخارج ليس مدلول ما في الذهن بل مدلول اللفظ، وعلم الله يتعلق بجميع ذلك ومن هذا المنطلق صح التفسير والتأويل (128) .
فالكلام على الإطلاق صفة ذاتية من جهة وصفة فعلية من جهة أخرى بينما القرآن هو غير الله وليس بصفة إذ ما يصح فيه من إنزال وتفصيل لا يجوز على الله تعالى.
ويحسن أن نختم بما وصل إليه أبو إسحاق في تعليقه على مقدمة التوحيد:
" اعلم أن هذه المسألة مما احتدم الخلاف فيها بين الأمة فارتطم فيها من ارتطم... مما ليس في شيء من الحق وإنما جرت فيها مغالطة، والجهتان مختلفتان.
فذهب المشنعون بسوء الفهم شر مذهب والحق كما وضحه الإمام شمس الدين أبو يعقوب في الدليل وبين طريق كل من الفريقين القائلين بخلق القرآن والقائلين بقدمه.
فالأولون قصروا على القرآن المتلو المحفوظ في الصدور والمصحف الموصوف من الله بالمحدث والمنزل والجعل والذهاب الخ. ولم ينظروا الى القرآن الذي هو علم الله إذ لا ريب في قدمه.
والآخرون قصروا على القرآن القديم الذي هو علم الله وصفته وكلامه فقالوا بقدمه وبالسكوت عن المحفوظ في المصحف والصدور الخ.
هذا مع إعراضنا عن الفريقين الغالي الزاعم بقدم المكتوب في المصحف بل المصحف وما إلى ذلك من سخف القول البعيد عن المعقول.
فأنت ترى الاختلاف لفظيا بين الفريقين لا غير" (129) .
وخلاصة القول: إن كلام الله قديم من حيث هو علم عند الإباضية والمعتزلة والإمامية والزيدية والخوارج، ومن حيث هو كلام نفسي عند الأشاعرة والماتريدية، ومحدث من حيث هو لفظ منزل عند هؤلاء جميعا باستثناء الحنابلة الذين يرون قدم هذا الجانب أيضا ومن يقفون في القضية من السلف الأول.
والمهم أن هذه القضية وإن بدت عديمة الجدوى فإنها قد أثرت المكتبة الإسلامية في شتى الفنون من فلسفة وبلاغة وعقيدة وأسفرت عن إنتاج غزير وإن سالت من أجلها دماء وقامت دونها أحقاد ذلك شأن الفكر إذا سخر لأغراض سياسية ومنافع آنية.
وهكذا مع هذه القضية ننتهي من باب الإلهيات لنتحول إلى باب الإنسانيات حيث سنكتفي بالنظر في قضيتي القدر، والوعد والوعيد.
=======================================
(123) عبدالله السالمي: المشارق: 245- 246
(124) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/2323- 224
(125) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1،1/69
(126) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/273
(127) وفي هذا رد على بعض المعتزلة وعلى عبدالله بن يزيد الفزاري من الإباضية. انظر ما سبق : 350 و 361.
(128) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 14- 15
(129) إبراهيم اطفيش: تعليق عدد3 على مقدمة التوحيد وشروحها ط القاهرة 1353: 112.
________________________________________
االباب الثالث الانسانيات الفصل الأول القضاء والقدر
تميهد:
قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (21 الأنبياء23) وجاء في سياق الحوار بين موسى عليه السلام والذي آتاه الله علما من لديه قوله تعالى: (قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا) ( 18 الكهف 67) (1) وأنى لموسى أن يصبر على سفينة تخرق بدون سبب ظاهر، وعلى فتى يقتل عبثا، وعلى جدار يبنى مقابل رفض للضيافة.
ولقد ثار موسى على الرجل الذي عاهدة بأن يلتزم بالصمت، وكان الفراق بينهما بعد أن فسر له سر تصرفه بأمر الله تعالى، فالسفينة حرقت لتبقى لأصحابها، والغلام قتل حتى يبدل الله والديه من هو أقرب منه رحما، والجدار بني حفاظا على كنز ولدي الرجل الصالح، تحير موسى واستفسر لأنه حكم على الأحداث اعتمادا على الظاهر فجاء التفسير يدل على أن وراء الظاهر باطنا لا يعلمه إلا الله أو من آتاه الله من لدنه علما (2) .
ولا يخفي على أي عاقل أن علم الإنسان محدود مهما بلغ ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (17 الاسراء85) لأن العقل إذا سخر في المحسوسات التي في دائرته يمكن أن يصنع العجائب، أما إذا تحول إلى عالم الماوراء أو الغيب فإنه لا يدرك إلا تخمينات تتضارب فيها آراء الفلاسفة من النقيض إلى النقيض.
وما عرفنا عالما يعتبر قضية القضاء والقدر من مشمولات العالم المادي فهي حتما قضية ما ورائية غيبية.
والناظر في الثقافات العالمية عبر العصور يتبين أن الإنسان عبر عن وجهة نظره في هذه القضية بوجه من الوجوه، وتجاوز التساؤل عن فعله إلى التساؤل عن فعل الله عيسى أن يدرك حقيقة مصيره بعد الموت.
إن الذين يقرون أن آدم أول البشر يتساءلون لم أكل آدم من الشجرة؟ فأنزل إلى الأرض (3) ، ولم عصى إبليس ربه ولم يسجد لآدم (4)
أما المتتبع للقصص القرآني فيجد أن قضية المصير من المحاور الأساسية التي يستند إليها المعارضون للأنبياء عامة وخذ لك مثالين:
1- فليس بدعا أن يكون احتجاج إبراهيم قائما على نفي الألوهية عن النجوم والقمر والشمس لأنها زائلة ثم ليثبتها للذي فطر السماوات والأرض(6 الأنعام 73- 79) إذ نعلم أن الحضارة البابلية كانت تعتبر أن المصائر مرتبطة بالنجوم وأنها مصدر الخير والشر. (5)
وما دام إبراهيم حول مفهومهم للمصير وربط ذلك بالله تعالى وكسر أصنامهم ألقوه في الجحيم (21 الأنبياء 50- 70) فكانت النار عليه بردا وسلاما.
2- أما فرعون فتلمس من مجادلته لموسى أنه يريد أن يجعل مصائر الناس بيده فادعى الألوهية وما يزال موسى يقنعه بالمعجزات (6) أن مصير الناس بيد الله إلى أن آمن من آمنت به بنو إسرائيل حين أدركه الغرق فنجاه الله ببدنه ليكون آية للعالمين (10 يونس 92).
ثم إن الناظر في الكتاب المقدس يجد أن المصادر بيد الله وأن القضية شغلت اليهود والنصارى وتحيروا فيها كما تحير غيرهم (7) وما يزالون.
كما أن الناظر إلى الحضارات العالمية الأخرى يتبين أن قضية الخير والشر تجسمت عند المانوية الفارسية في اتخاذ آلهة لكل منهما (8) أما الفكر اليوناني فقد طرحت فيه قضية القدر طرحا عنيفا على المستوى الفلسفي (9) ولا ينبغي أن نغفل عن الوثنية الجاهلية في الجزيرة العربية التي تجسمت فيها القضية في الشكوى من الدهر والأيام. (10)
فواضح أن قضية القدر ليست وليدة الفكر الإباضي أو وليدة ظرف من ظروف الحضارة الإسلامية وإنما هي قضية إنسانية لا سبيل إلى تحديد تاريخ مضبوط لنشأتها فتبقى القضية بالنسبة إلى بحثنا متمثلة في التعرف على طرح الإباضية لموضوع القدر وبصفة خاصة في المرحلة المقررة في البحث.
وقبل أن نحلل هذه القضية حسب محاور ثلاثة:
1-: قضية القضاء والقدر، 2: قضية الجبر والاختبار، 3: ما يرتبط بهما من قضايا : مثل الاستطاعة والعون يحسن أن ننبه إلى ما يلي:
- إن تراث الإباضية في القرون التي تعنينا قد جاء ملما بالتراث الذي سبقه إعادة (11) وتلخيصا وتوجيها مع التعايش مع بقية التراث الإسلامي عامة سواء من أجل الاتفاق في وجهة النظر أو من أجل الاختلاف وذلك في منطق الرد والدفاع فضروري حينئذ أن نبني التحليل على مراعاة التطور التاريخي للموضوع من زمن الرسالة فصاعدا.
- إن القضايا المشار إليها في مراحل متداخلة تداخلا جوهريا فرأينا أن نفصل بينهما فصلا منهجيا وذلك رغبة في زيادة التوضيح.
وبعد هذا نأتي إلى قضية القضاء والقدر.
====================================
(1) انظر هذه القصة في سورة الكهف من الآية 59 إلى 82. لم يرد في القران الكريم اسم الرجل الذي آتاه الله تعالى علما لدنيا ذكر المفسرون أنه الخضر ، ولذلك عرفت القصة بقصة موسى الخضر .ر. يوسف المصعبي : حاشية على تفسير الجلالين ورقة 363 وجه إلى ورقة 365 وجه .ر. الفخر الرازي: التفسير الكبير 21/ 81- 107 .ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 2 2/ 256.
(2) العلم اللدني: علم رباني يصل لصاحبه عن طريق الإلهام .ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر 1/6
(3) ر. متولي الشعراوي: محاضرة في تحليل قصة آدم ضمن المحاضرة العامة التي لقيت بالندوة العالمية للشباب الإسلامي، وقد نشرت بمجلدات تحت عنوان " قضايا الفكر الإسلامي المعاصر" مع المحاضرات التي القيت في الندوة. الرياض المملكة العربية السعودية ط 1396/1976.
(4) ر. صادق جلال العظم: نقد الفكر الديني ط 3 دار الطليعة بيروت 1972: 79- 135.
(5) ر. محمد الطالبي : دراسات في تاريخ إفريقية : 390.
(6) تسع آيات : الإسراء 101، النمل 12.
(7) انظر ما جاء في إنجيل لوقا:... ما من شجرة جيدة تثمر ثمرا رديئا، ولا شجرة رديئة تثمر ثمرا جيدا لأن كل شجرة تعرف من ثمرها فإنهم لا يجتنون من الشوك تينا ولا يقطفون من العليق عنبا. الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر فإنه من فضلة نصائح يسوع عندما شبه الملكوت بملك البشر:" لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" الإصحاح 22- 14. يبدو من خلال هذه النصوص أن نزعة الجبر هي الغالبة ، إلا أن الكنيسة جنحت إلى الحرية دون الغفلة عن المدد الإلهي .ر. محمد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية : 391- 392 تعليق2.
(8) ر. محمد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية: 386 تأمل تعليق عدد 4 تجد إحالات عن المراجع التي تتعلق بتأثير الفكر الفارسي في الحضارة الإسلامية في موضوع القدر.
(9) ر. محمد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية: 389 تعليق عدد 3 يذكر مرجعا يقارن بين الفكر اليوناني والمسيحي في قضية القدر.
(10) يقول لبيد:
يوم إذا أتى عليّ وليلة
وكلاهما بعد المضاء يعود
وأراه يأتي مثل يوم لقيته
لم ينصرم، وضعفت وهو شهيد
فؤاد أفرام البستاني : المجاني الحديثة ط .3 ا لكاثوليكية بيروت 1966: 1/139 .
(11) سنضطر أحيانا إلى اعتماد مصادر متقدمة عن المرحلة المقررة بعض القضايا لأن هذه المصادر تكتفي بالتذكير بما جاء عند سبق وسننبه إلى ذلك في إبانه .
________________________________________
1- قضية القضاء والقدر:
جاء في النونية : ( طويل)
(12)
وجاء في كتاب الديانات:" وندين بأن القدر خيره وشره كله من الله" (13) .
أردنا أن ننطلق من هذين النصين لأنهما مصب لما جاء قبل القرن السابع والثامن/ الثالث عشر والرابع عشر ومنبع لما جاء بعدهما (14) كما أنهما يصوران موقف الاباضية بوضوح واختصار وهو وجوب الإيمان بأن القدر خيره وشره من الله فما معنى القدر؟ وما معنى القضاء؟ وكيف يكون القدر خيره وشره من الله؟ وما هو موقف المسلمين من ذلك؟
المفهوم اللغوي (15) : القدر:
من قدر يقدر ويقال بفتح الدال والقدر بسكونها ويجمع على أقدار.
يورد لسان العرب مالا يقل عن ثمانية عشر تفسيرا نذكر منها: قضى، حكم، يسر، علم، دبّر، قسم، وكلها تحوم حول قدرة الله تعالى المطلقة وقد جاء القسم الأول من الشرح عقائديا ولا يمكن لابن منظور أن يسكت عن ذلك إلا أنه اكتفى بذكر مواقف دون أخرى وكان من الأولى أن يذكر مواقف فرق أخرى غير القدرية- ويقصد المعتزلة- وأهل السنة ونكتفي من بين هذه الأقوال بذكر قول أبي منصور: وتقدير الله الخلق تيسيره كلا منهم لما علم أنهم صائرون إليه من السعادة والشقاء وذلك أنه علم منهم قبل خلقه فكتب علمه الأزلي المسابق فيهم وقدره تقديرا" (16) وفيه: نموذج واضح للتداخل بين الجانب اللغوي والجانب العقائدي.
القضاء: الحكم... ويقال قضى يقضي قضاء، ويورد لها ما يقارب عن ثلاثين معنى نذكر منها : حكم، فصل، أحكم، أمضى، خلق، أتم، قدر.
قال الزهري: القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه وكل ما أحكم عمله أو أتم ختم أو أدى أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضى فقد مضي وجاءت هذه الوجوه كلها في الحديث.
وقد غلبت الصبغة العقائدية على الصبغة اللغوية ولم يسند هذه الصبغة إلى فرقة دون فرقة بل جاءت في سياق عام ويربطها ربطا محكما بالقدر فيقول: ومنه القضاء المقرون بالقدر، والمراد بالقدر التقدير وبالقضاء الخلق كقوله تعالى ( فقضاهن سبع سموات) (41 فصلت 12) أي خلقهن.
فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء فمن رام الفصل بينهما فقد رام البناء بنقضه.
فواضح إذن من خلال الشرح اللغوي أن هاتين اللفظتين من الألفاظ المشتركة ذات اللفظ الواحد والمعاني الكثيرة (17) وهذا يزيد القضية تعقيدا عند تأويل أهل الفرق للنصوص التي وردت فيها الكلمتان في القرآن والسنة ومواقف الصحابة.
ويقول المحشي في العلاقة بين اللفظين:" فعلى هذا الشرح الذي ورد بين القضاء والقدر عموم وخصوص من وجه يجتمعان في الخلق وينفرد كل واحد منهما في بقية معانيه كما هو ظاهر" (18) .
كما تجدر الملاحظة أن اللفظتين لم تردا مقرونتين في الكتاب على الطريقة التي ألفها المتكلمون والفلاسفة من جعلها مرادفتين لـ" الجبر والاختيار" أو ما أطلق عليه " حرية الإنسان". (19)
ليس معنى ذلك أن اللفظتين لم تستعملا في هذه النصوص وإنما جاءت كل منهما على حدة لتدل على معان مختلفة حسب السياق فهل أحدثت كل منهما بعضا من الإشكال زمن الرسالة؟
===============================================
(12) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: النونية : 3 البيتان عدد 36 , 37.
(13) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 43.
(14) انظر ما سبق عن شروح النونية وكتاب الديانات.
(15) نترك ذكر المفهوم الاصطلاحي أثناء التحليل إذ نجد أنه يختلف من فرقة إلى أخرى . ملاحظة أحببنا أن نعتمد لسان العرب لأن كل التحاليل اللغوية الواردة في مصادر الإباضية لا تخرج عن هذا التفسير ولنذكر على سبيل المثال ما جاء في شرح النونية:" والقدر يتصرف على ثمانية أوجه:
1- يخرج على ( 87الأعلى 3) أي خلق وبثق لهم ما يأتون وما والذي قدر فهدىالخلق كقوله تعالى يدرون، وقيل قدر: خلق فهدى إلى سبيل التغذية، وهدى الذكر إلى الأنثى ، وقيل هدى الرضيع الثدي.
وأنزلنا من السماء ماء2- ويخرج على التقدير كقوله تعالى: (المؤمنون 18) أي بتقدير.بقدر
إلا امرأته قدرنا إنها من3- ويخرج على الوجود (15 الحجر60) أي وجدناها من الباقين في العقوبة والعذاب.الغابرين
4- ويخرج على (77 المرسلات23). فقدرنا فنعم القادرونالتصوير، قال تعالى:
5- ويخرج على (54 القمر 12) أي قضي. فالتقى الماء على أمر قد قدرالقضاء
6- ويخرج على الضيق (21 فظن أن لن نقدر عليه (65 الطلاق7) وقوله: ومن قدر عليه رزقهكقوله تعالى: الأنبياء 87) أي نضيق عليه الأرض .
نحن7- ويخرج على التسوية، قال تعالى: (56 الواقعة60) أي سوينا. والله أعلم .ر. عمرو خليفة السوفي:قدرنا بينكم الموت كتاب السؤالات: 202 .ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 126 وجه وقفا. وقد أخذ كتاب السؤالات .ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 50 قفا، لم يتوسع في الشرح اللغوي .ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/114 وقد نظم السالمي سبعة منها في ما يلي: ( هزج)
معاني القدر سبع هاك نظما
حواها وهي خلق فيه يحلو
وتقدير وتصوير وجود
قضاءثم تضييق ومثل
عبد الله السالمي: المشارق:311
(16) ثم يذكر بقية المعاني التي تبعد عن قضيتنا ويدعمها بأمثلة.
(17) ر. عبد الحليم محمد قنبس وخالد عبد الرحمن العك: مسألة القضاء والقدر... دار الكتاب العربي للطباعة والنشر والتوزيع حلب، دمشق 1979 ص 81 – 82.
(18) المحشي : حاشية الترتيب: 1/114
(19) عبد الحليم محمد قنبس: مسألة القضاء والقدر: 11 و 104.
________________________________________
التطور التاريخي وظهور المعنى الاصطلاحي:
إن التراث الاباضي كبقية التراث الإسلامي يقرأ الأحداث من منطلقات عقائدية تبلورت عبر السنين فيفهم منه بوضوح أن قضية القدر أثيرت في حياة الرسول عليه السلام لكن لم يكن وراء إثارتها خلفيات سياسية أو فلسفية أو اجتماعية بل كان الصحابة يسألون ليزدادوا إيمانا وكفى كما أنه عليه السلام ذكر القدر في مواقف شتى دون أن يسأله سائل ويمكن أن نضع هذه الأحاديث تحت العناوين التالية:
1) أحاديث توجب الإيمان بالقدر والرضاء به (مكرر19) .
2) أحاديث تبين أن كل شيء بقدر وأنه علم الله الأزلي (20)
3) أحاديث تنهى عن الخوض في القدر (21)
4) أحاديث تتوعد من يخوض في القدر (22)
والملاحظ أن هذه الأحاديث مهما وقع الطعن في صحة البعض منها فإنها تبقى معبرة عن تساؤل هؤلاء الصحابة الذين كانوا يقرون بالجبر قبل الإسلام عن القضية عسى أن يدركوا هذا السر إلا أنهم سرعان ما تطمئن قلوبهم لأن الرسول عليه السلام لا ينطق عن الهوى.
ويتواصل الحوار بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم مع اتساع دائرته فهذا أبو بكر يقول في شيء سئل عنه:" أقول برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان" (23) وهذا ابن عباس له عدة مواقف نكتفي بذكر اثنين منها:
الأول: سئل ابن عباس عن القدر فقال:" الناس فيه ثلاثة منازل من جعل للعباد في الأمر مشيئة فقد ضاد الله في أمره ومن أضاف إلى الله شيئا مما يتنزه عنه فقد افترى على الله إثما عظيما ومن قال: إني رحمت بفضل الله فذلك الذي سلم له دينه ودنياه جميعا، ولم يعلم الله في خلقه ولم يجهله في حكمه" (24) .
الثاني: وقال ابن عباس:" لا يأتيني رجل من هؤلاء الذين يتكلمون في القدر ويزعمون أن أفعال العباد مفوضة إليهم أما يقرأون هذه الآية ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) (76 الإنسان 30) وقوله تعالى ( يدخل من يشاء في رحمته) (42 الشورى 8. 79 الإنسان 31) أي في دينه وقوله ( من يشاء الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم) (6 الأنعام 39) ( وكل صغير وكبير مستطر) (54 القمر 53) (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (54 القمر 49) وقال ( ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم) (37 الصافات 163) أي ما أنتم بمضلين إلا من سبقت عليه الشقوة ومن هو صال الجحيم (25) .
ولا يفوتنا أن نذكر بموقف عمر عندما تحير مع جمع من الصحابة أيحلون بقرية عم فيها الوباء، وكيف فر عمر اجتنابها فانتقد انه فار من قضاء الله فأجاب: فررنا من قدر الله إلى قدر الله. (26)
ثم تنطلق الفتنة الكبرى بقتل عثمان وتبدأ المعارك الدامية بين المسلمين فتطوع كل طائفة النصوص لوجهة نظرها وتذكر المصادر خبرا طريفا يصور حيرة الناس في التوفيق بين الإيمان بالقدر والحصول على الثواب.
روي عن الاصبع بن نباتة أنه قال: لما رجع علي بن أبي طالب من صفين قام له شيخ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن سيرنا إلى الشام أهو بقضاء وقدر، فقال علي: والذي خلق الجنة وبرأ النسمة ما وطئنا موطنا ولا هبطنا واديا ولا علونا تلعة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: أحتسب عنائي فلا أرى من الأجر شيئا، فقال له علي: بل أيها الشيخ لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون وفي مصرفكم وأنتم منصرفون ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين.
فقال الشيخ: كيف لم نكن مضطرين والقضاء والقدر ساقنا وعنهما كان مسيرنا وانصرفنا ، فقال علي: ويلك أيها الشيخ لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حاتما لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب والوعد والوعيد والأمر والنهي ولم تكن لائمة على مذهب ولا محمد لمحسن تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان واعداء الرحمان وشهود الرفة وأهل العمى عن الصواب وهم قدرية الأمة ومجوسها.
إن الله تعالى، أم تخييرا ونهي تحذيرا وكلف يسيرا ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكرها ولم يرسل الرسل عبثا ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار فنهض الشيخ مسرورا وهو يقول:( بسيط)
فواضح حينئذ أن عليا نفى نفيا مطلقا ما شعر به الشيخ من جبر يجعل عمله عبثا قضاء لازما وقدرا حاتما وبين أنه لو كان الأمر كذلك لبطل الشرع وأوضح أن ذلك من قول أهل العمى وسماهم القدرية( وهنا ترادف الجبر).
ثم ما أن استقر الأمر لمعاوية الذي حول الخلافة إلى ملك عضوض حتى تسيّست القضية بصفة نهائية وتباينت المواقف بين الدولة الحاكمة والكتل المعارضة.
أما معاوية وأنصاره فقد اعتبروا القضاء ضربا من الجبر لإقناع الناس بوجوب طاعتهم مبينين أن المنكر لأفعال الخليفة ظالم فانظر إلى معاوية يقول في إحدى خطبه: " إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطاه الله، وأمنع من منعه الله" فقام إليه أبو الدرداء فقال له: كذبت يا معاوية والله إنك لتعطي من منعه الله وتمنع من أعطاه وكذبه أيضا عبادة بن الصامت. (28)
وسيجد المحكمة وأنصار علي في هذين الموقفين أحسن سند لإقناع الناس بأن معاوية اغتصب الحكم إلا أن معاوية مصر على ذلك، ومدرك لمرامي ما يقول إذ يعلم أن مثل هذا الإيهام من شأنه أن يستهوي عامة الناس ومن يركنون إلى الحياد وهاهو يقول في مقام آخر :" لو لم يرني ربي أهلا لهذا الأمر ما تركني وإياه ولو كره الله تعالى ما نحن فيه لغيره" (29) .
وقد درج على ذلك خلفاء بني أمية وولاتهم باستثناء الخليفة العادل عمر ابن عبد العزيز (30) فدسوا له السم لما أحسوا أنه سيفسد عليهم ما ألفوه من الظلم.
ولقد سبق أن أشرنا إلى أن جذور الإباضية تنطلق من المحكمة الأولى (31) والجدير بالملاحظة انه لم يؤثر عن عبدالله بن وهب الراسبي موقف من القدر وكذلك الشراة الأول (32) لأنهم ردوا الفعل بالفعل الى أن استقر رأي الاباضية على الكتمان ويفهم من رسالة عبدالله بن إباض لعبد الملك رفضه لاعتبار أن الله قام مع معاوية وعجل نصره وبين لـه إن ذلك من باب الابتلاء وضرب مثال فرعون والذي حاج إبراهيم فقد أعطى الله فرعون ملكا وظهر في الأرض وأعطى الذي حاج إبراهيم في ربه ملكا (33) معنى ذلك أن ملك معاوية ومن تبعه مغتصب وطاعته ليست واجبة.
==============================
(19 مكرر) مثل حديث جبريل عليه السلام : قال : يا رسول الله ما الإيمان: قال:" أن تؤمن بالله ، وتؤمن بالقدر كله" .ر. تخريجه في ما سبق: 98 تعليق 18 وما رواه الربيع قال: :" إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقةبلغني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله..." الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 1/19 عدد 72 وقد ورد الحديث بعده روايات والمهم جمله" تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله " ر. مسلم: إيمان 1.7 أبو داود : سنة 16، الترمذي: قدر10 ، إيمان النسائي: إيمان 5. 6 ابن ماجه مقدمة 9، 10 أحمد بن حنبل 1/27. 28 ،2/107... 4/129 ...5/185 . 317 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/317 وعبادة بن الصامت صحابي(ت 34/654) ر. الزركلي/ الأعلام 4/30
(20) ويتواصل الحديث المذكور كما يلي:... قال ( عبادة بن الصامت) : قلت يا رسول الله: كيف لي أنا أعلم خيره وشره قال: تعلم أن ما أخطأكم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك ، فان مت على غير ذلك دخلت النار.
- ومثل قوله عليه السلام :" كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس" الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 1/19 عدد 71 .ر. المحشي : حاشية الترتيب: 1/119 .ر. مسلم: قدر 18، الطبراني: قدر 4، أحمد بن حنبل 2/11 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 5/317 .
- ومثل ما رواه جابر فقال: سئل عباس عمن قال إنه يستطيع أن يعمل بما أمر الله به ويكف عما نهاه الله عنه من غير أن يخلق الله فعله، فقال: سأل سراقة ما العمل يا رسول الله في أمر مبتدأ مستأنف أم في شيء قد فرغ منه" قال: " بل في شيء قد فرغ منه". ثم قال ففيهم العمل إذا يا رسول الله؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له". الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/10عدد 796 .ر. البخاري: قدر 4، تفسير سورة الليل. أحمد بن حنبل 4/67 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 4/375.
:" القدر سر الله فلا تفشوا سر الله"(21) مثل قوله رواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عمر .ر. خميس بن سعيد الرستاقي . المنهج 1/428 وتخريج الحديث للمحقق. ولم يرد الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس ولا عند الربيع بن حبيب.
ومثل:" إذا ذكر القدر فأمسكوا " أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث ابن مسعود رفعه .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/115. لم يخرجه ونسنك في المعجم المفهرس.
:" ما كان مفر إلا كان مفتاحه تكذيبا بالقدر" .ر.(22) مثل قوله الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/10عدد 796 .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/113. لم يخرجه ونسنك في المعجم المفهرس.
(23) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/11 عدد 807. نلاحظ دخول عنصر جديد، وهو أن الصواب من الله بينمات الخطأ فمن أبي بكر ومن الشيطان, وهذا سيكون منطلقا لمواقف في المستقبل .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/ 150.
(24) المحشي : حاشية الترتيب: 1/117
خميس بن سعيد الرستاقي . المنهج 1/423- 424.
(25) خميس بن سعيد الرستاقي . المنهج 1/427. واضح من موقفي ابن عباس أن القدر بدأ يحير الناس فها هم ثلاثة أصناف كما يشير إلى ذلك يتكلمون في القدر ومنطلقهم من متشابه القرآن ولذلك جاء الرد مدعما بالقرآن مع شيء من التفسير.
(26) وللرسول عليه السلام موقف يمكن أن يقاس عليه موقف عمر وهو أنه كان إذا مر بهدف مائل أسرع المشي فقيل: يا رسول الله أتفر من قضاء الله؟ قال : أفر من قضاء الله وقدره . ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/118 وقال في هذا الحديث إشارة إلى اخذ الحذر .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/424.
ويقول الغزالي في ذلك:... فلذلك أمسك عمر لما سئل عن القدر فقال للسائل: بحر عميق لا تلجه، ولما كرر السؤال قالك طريق مظلم لا تسلكه ولما كرر ثالثا قال:" سر الله قد خفي عليك فلا تفشه" . كتاب الأربعين في أصول الدين:11 والملاحظ أن ذكر مثل هذه المواقف يجب أن يستفاد منها بحذر.
(27) ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/114- 115 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/425- 426
وقد أورد المحشي مواقف أخرى لعلي أين أبي طالب من هذا القبيل .ر. حاشية الترتيب 7/132- 134.
(28) ر. القاضي عبد الجبار: كتاب فضل الاعتزال: 144.
(29) ر. القاضي عبد الجبار: كتاب فضل الاعتزال: 143.
(30) عمرو بن عبد العزيز( 61- 101/ 681- 720) .ر. الزركلي: الأعلام 5/209.
(31) انظر ما سبق: 48
(32) انظر ما سبق: 48
(33) ر. البرادي: الجوهر: 163.
________________________________________
أما جابر بن زيد فموقفه من القدر هو موقف الصحابة ولم يؤثر عنه تحليل خاص للقضية رغم أن الشقة بدأت تتسع بين من كانت آراؤهم منطلقا للقائلين بالجبر والحرية (34) ونجد في الجامع الصحيح أنه يلجأ الى الحديث عندما تطرح عليه القضية مع الملاحظة أن جل الأحاديث الواردة هناك لم يمر سندها بجابر ومثال ذلك الحديث عدد 796 (35) حيث يؤكد الرسول عليه السلام على العمل رغم أن كلا ميسر لما خلق له.
كما يتجلى موقفه السلفي (36) في رده على الحجاج (40- 95/ 660- 714) حين استعان به يزيد ابن أبي مسلم (38) ليخفف عن الحجاج ما ألم به من حيرة في شأن القدر فما كان منه إلا أن يأمره بترديد خطبة الرسالة فتفطن عند ذلك إلى انه ورد فيها قوله عليه السلام " من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" (39) .
وفي طبقة جابر بن زيد ممن أخذ عنهم أبو عبيدة صحار العبدي (40) فإنه كان يقول في القدرية:" كلموهم في العلم فإن أقروا به نقضوا وإن أنكروا كفروا" (41) .
وما يكاد يتولى إمامة الاباضية أبو عبيدة مسلم ابن أبي كريمة حتى يحس بوطأة الصراع حول القدر من بعض اتباعه من الداخل ومن واصل بن عطاء (42) واتباعه الذين افصلوا عن شيخهم الحسن البصري (43) من الخارج.
أما الصراع الخارجي فتذكر كتب الطبقات لأبي عبيدة مسلم مواقف على واصل بن عطاء وعلى القائلين بالقدر (44) .
فأما موقفه مع واصل فقد جاء كما يلي:
" وحكى بعض أصحابنا أن واصل بن عطاء المعتزلي صاحب عمرو بن عبيد(144/ 761) (45) كان يتمنى لقاء أبي عبيدة ويقول: لو قطعته قطعت الإباضية قال فبينما هو في المسجد الحرام ومعه أصحابه إذ أقبل أبو عبيدة ومعه أصحابه فقيل لواصل هذا أبو عبيدة قال نعم، قال أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر. قال أبو عبيدة: ما هكذا قلت لكن قلت إن الله يعذب على المقدور، فقال أبو عبيدة وأنت واصل ابن عطاء قال نعم: قال أنت الذي بلغني عنك أنك تقول إن الله يعصي بالاستكراه قال فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. ومضى أبو عبيدة وأقبل أصحاب واصل على واصل يلومونه ويقولون كنت تتمنى لقاء أبي عبيدة فسألته فخرج وسألك فلم تجب فقال واصل: ويحكم بنين بناء منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم فلم اٌعد ولم أبرح مكاني" (46) .
ويروي أبو سفيان محبوب بن الرحيل: بلغنا أن أبا عبيدة رحمه الله جاءه رجل فكلمه في القدر فقال له أبو عبيدة : هل علم الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم. فقال له الرجل: ما أسرع ما استعنت بالعلم يا أبا عبيدة وإنما هذه مسائل الضعفاء فقال له: أجب هذا الضعيف فلم يجبه وافترقا" (47) .
وقال أبو سفيان: سمعت الربيع يقول: إن عبد السلام بن عبد القدوس (48) عظم أم القدر وقال فيه قولا شديدا وكره الكلام فيه فقال الربيع فأخبرت بذلك أبا عبيدة فقال: ما قال عبد السلام شيئا ما القدر إلا رأي من رأي الناس اختلفوا فيه ليس فيه نكاح ولا انتحال هجرة ولا سباء ولا غنيمة وصغر أمر القدر (49) .
من هذا نتبين أن المواقف ما يزال سلفيا بحتا يجتنب تحليل القضية والتصرف فيها فأبو عبيدة يثبت لواصل الفرق بين القدر والمقدور (50) ويرد عليه بأن موقف واصل القائل بأن المعصية من خلق الإنسان يؤدي إلى أن الله يعصي بالاستكراه (51) كما أن رده على الرجل الذي سأله عن القدر يثبت تمسكه برأي شيخه صحار الذي يعتبر أن أقوى حجة على القائلين بالقدر هي الإحالة على علم الله تعالى. وواضح في النهاية من خلال نصيحة للربيع أنه يدعو أنصاره إلى التقليل من الخوض في القدر امتثالا لأوامر الرسول عليه السلام.
هذا عن الصراع مع من يقولون من غير الاباضية بالقدر ورد الاباضية عليهم كما بينا كان واضحا إلا أن الأزمة ستشتد داخل المذهب وسيفرض الواقع على أبي عبيدة أن يتخذ موقفا مضبوطا سيكون له بعيد الأثر في ما بعد.
يروي أبو سفيان ما دار بين حمزة الكوفي (52) وأبي عبيدة من جدل حاد حول قضية القدر انتهى بقول أبي عبيدة :" يا حمزة على هذا القول فارقت غيلان" (53) وحاول حاجب الطائي (54) أن يستصلح من أمر حمزة لكنه أصر وظل يستدرج النساء والضعفاء الى القول بأن السيئات من العباد فهنالك اجتمع الناس عند حاجب بمحضر أبي عبيدة وتمت البراءة منه. (55)
وسيكون لحمزة هذا أثر فعال في اشعال نار الفتنة مع شعيب وأبي المؤرج وعبدالله بن زيد الفزاري (56) عندما أنكر يزيد بن فندين (57) إمامه الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمان الرستمي. (58)
والمهم حينئذ أن أبا عبيدة وجمهور الاباضية في القرن الثاني هجري/ الثامن ميلادي استقروا على أن القدر كله من الله تعالى وقد سلك الربيع ابن حبيب نفس المسلك.
ويجدر أن نشير هنا إلى نصين يثبتان الاحتكاك بين المعتزلة والاباضية في المشرق والمغرب فهذا وائل بن أيوب الحضرمي (59) يناظر كهلان المعتزلي وأصحابه وهذا مهدي النفوسي يتقدم الى الفتى المعتزلي فيرتفع مستوى الجدل بينهما حتى يشبهه أبو زكريا بالصفق بين الحجرين، لكن هذا النص لا يذكر مواضيع هذه المناظرة. (60)
نلمس أن هذه المرحلة لم تكن مرحلة تنظير في باب القدر وإنما هي مناظرات قل أن تكون مع الجبرية بل مدارها مع القائلين بالقدر لذلك لم نعثر على تعريف نظري دقيق لكلمتي قضاء وقدر إلا أن الحوار تحول مع أبي خزر (4/ 101) وأبي الربيع سليمان ابن يخلف(5/ 11) وأبي العباس أحمد ابن بكر(5/11) حول قضايا متصلة بالقضاء والقدر مثل:" الجبر والاختبار" " خلق الأفعال" " الاستطاعة".
ويجب أن ننتظر القرن 6/12 خاصة مع كتاب السؤالات لتجد تعريفات نظرية ظل يعتمدها علماء الاباضية في ما بعد وحتى أبو عمار عبد الكافي (6/12) وخاصة الموجز فقد سلك مسلكا جدليا دفاعيا.
ولا يفوتنا هنا أن ننبه إلى نشأة المدرسة الأشعرية والماتريدية في القرن الرابع/ 10، فبلورتا ما جاء من إشارات من قبل لهذا الموضوع عند أبي حنيفة وغيره وواصلتا مناظرة أهل الاعتزال وبهذا تركز الجدل حول " خلق الأفعال" بعد أن كان الأمر تسليما إيمانيا خالصا بان القدر كله من الله تعالى وسيبقى هذا القرار العقائدي ثابتا في منطلق كل تحليل وسنبين تقارب التحاليل بين هاتين المدرستين وبين تحاليل الاباضية ولننظر الآن في أهم التعريفات الاصطلاحية لكلمتي القضاء والقدر.
========================================
(34) أن البيئة الإسلامية في البصرة وغيرها كانت تعج آنذاك بمختلف العناصر الدخيلة على الإسلام من أهل الكتاب ومن بلاد فارس ومن بلاد الهند، وهذا من شأنه أن يزيد الجدل حدة حول قضية القدر وغيرها من القضايا العقائدية التي تشترك فيها جميع الملل، وفي هذا الصدد تذكر كتب المقالات أن مرجع القول بالقدر يعود إلى سوسن النصراني الذي اظهر الإسلام فصحبه معبد بن عبدالله الجهني الذي ظل التابعون يحذرون منه إلى أن أخذه هشام بن عبد الملك بن مروان(71- 125/690- 743) فأمر بقطع يديه ورجليه.
أما القول بالجبر فيرجع إلى الجهم بن صفوان (128/745) من موالي بني راسب راس الجهمية. قال الذهبي: الضال المبتدع هلك في زمان صغار التابعين، وقد زرع شرا عظيما وأمر نصر بن سيار بقتله فقتل .ر. الزركلي: الأعلام 1/138. وقد اخذ هذا المذهب عن الجعد بن درهم. انظر ما سبق 100 تعليق 25 .ر. القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال ص 229.
وقد تأرجحت مواقف جميع الفرق الإسلامية بين هذين الموقفين، وقد يقع التردد بين الموقفين حتى داخل كل فرقة نتيجة فويرقات في الفهم بين علمائها.
(35) انظر ما سبق ص 98 تعليق 18.
(36) ونعني بذلك عدم تجاوز قول الرسول عليه السلام في التسليم بالقضاء.
(38) الحجاج بن يوسف الثقفي (40- 95/660- 714) .ر. الزركلي: الأعلام 1/175.
(39) لا يوجد هذا الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(40) صحار العبدي: ( ق1/7) من طبقة جابر بن زيد ومن شيوخ أبي عبيدة مسلم ابن أبي كريمة ينسب إليه بحث في القدر .ر.الدرجيني: الطبقات 2/223.
ر. الشماخي: السير 81 .ر. كوبرلي: الأطروحة: 418.
(41) الشماخي: السير: 81.
(42) واصل بن عطاء(80/181/700- 797) تعتبر كتب الفرق أنه مؤسس فرقة المعتزلة والمعتزلة تبنوا هذا الاسم رغم أنهم يفضلون عليه" أهل العدل والتوحيد". يرجعون جذور مذهبهم إلى الصحابة .ر. القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة ص 214 انظر ترجمته بنفس المصدر: 234 ويختلف تاريخ الوفاة عما ذكره الزركلي وقد حدده ب 131/ 748 .ر. الزركلي: الأعلام 19/121 ( انظر ما سبق 110)
(43) الحسن البصري( 21-110/642- 728): تابعي كان إمام أهل البصرة ولد بالمدينة سنة 21هـ وشب في كنف علي ابن أبي طالب وسكن البصرة ر. القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال: 215- 229 وتعليق 168 ص 215 بتنازعه أهل السنة والمعتزلة، ويختلفان في قوله في القدر إلا أنه يقول بالقدر على رأي المعتزلة. ر. محمد الطالبي: دراسات في تاريخ إفريقية تعليق 2 ص 398. والإباضية رغم أنهم لا ينسبونه إليهم يبرئونه من القول بالقدر. وقال أبو محمد النهدي( من علماء الإباضية ) هو ( الحسن البصري) أبعد الناس عن القدر.
(44) إن كل الفرق تتبرأ من أن تكون قدرية فالمعتزلة يقولون: القدرية هم الذين يزعمون أنه تعالى قدر المعاصي، وجعل ذلك كالعذر للعاصي حتى اعتقد بعضهم أنه لا يقدر ولا يصلح منه غير ما قدر الله... وأصحابنا نفوا المعاصي عن الله وهم أثبتوها فيجب أن يكون اللقب لازما لهم ..." ويعتبرون هؤلاء أن القدرية لقب للذم فمن حمل ذنبه على الله أولى بالذم ممن برأ الله وحمل ذنبه على نفسه" .ر. القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال: 167
إلا أن الإباضية يتفقون مع الأشاعرة في اعتبار المعتزلة قدرية وفي ذلك يقول أبو عمار عبد الكافي..." سموا المعتزلة" مجوسا لأنهم يضيقون على أنفسهم، وغيرهم يجعله الله دون نفسه، ومدعي الشيء أولى بأن يسمى به، دون من جعله لغيره، ولأنهم ضارعوا المجوس بل زادوا على المجوس وذلك أن المجوس نفت عن الله خلق الشرور، وزادت القدرية ( المعتزلة) نفي خلق الخير عن الله عز وجل: الموجز 2/62 .ر.المحشي: حاشية الترتيب: 149.
أما الشيعة فمنهم من يعتبر المعتزلة قدرية ومنهم من يرى خلاف ذلك وفي ذلك يقول الجعفري بعد أن يبين أن الأشاعرة يتهمون المعتزلة بالقدرية والعكس بالعكس: والذي يظهر من أخبار أئمتنا أن القدرية هم المعتزلة كما يصرح بذلك كثير من المتكلمين، غير أن الذي يظهر من كلام أمير المؤمنين"ع" في نهج البلاغة وبعض الأخبار عن أئمتنا. خلاف ذلك " أصول الدين الإسلامي 34".
والناظر في كتب الفرق الإسلامية يتبين أن كلمة قدرية غلبت على تسمية المعتزلة بينهم وبين المجبرة والأنسب أن يسموا أهل العدل والتوحيد.
(45) عمرو بن عبيد( 144/761) يعده المعتزلة من الطبقة الرابعة انظر ما سبق: 110 .ر. القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال : 242 تعليق 308 ومن : 242- 250.
(46) الدرجيني : الطبقات 2/246، أن النقد الداخلي للنص يدفع القارئ إلى الاستفادة منه بحذر ذلك لأن النص يستعمل كلمة إباضية للحديث عن إتباع أبي عبيدة وقد بينا في ما سبق أن هذه التسمية لم تستعمل في النصوص إلا من القرن الرابع 4/10 (انظر ص 56) لواصل بن عطاء أن التسمية الغالبة هي المحكمة أو "أهل الاستقامة".
هذا من جهة. أما جهة أخرى فيصعب أن نتصور أن مثل هذين العلمين يتم تعارفهما في الحج وهما يعيشان معا في مدينة البصرة.
ومهما يكن من أمر يبقى النص معبرا عن مدى الاختلاف من البداية بين المعتزلة والإباضية في شأن القدر رغم أنهما يلتقيان في قضايا أخرى كما رأينا .
وقد ظلت المصادر الإباضية تعتمد هذا النص ، وقل أن تذكر مسألة القدر دون أن يستشهد بهذه المناظرة.
(47) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/429 .ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية 1/ ورقة 137.
(48) لم نتمكن من التعريف به.
(49) ويعلق خميس بن سعيد الرستاقي صاحب المنهج على الموقف كما يلي: قال المؤلف رحمه الله : إن ذلك قاله لترك البحث عن أمر القدر والخوض فيه وإلا فهو عظيم عنده لأن الإنسان يخرج عن دين الإسلام بأقل شيء منه، وقد غضب الله على عزير لأجل سؤاله عن كلمة القدر ، وضل كثير من أهل المذاهب بسبب القدر، فالقدر بحر عميق قد هلك في بشر كثير .ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج 1/430 .ر. الدرجيني: الطبقات 2/233.
ويضيف عمرو التلاتي في شرح النونية ما يلي منسوبا إلى أبي عبيدة : فمن أقر بكون الله عالما بالأشياء قبل وجودها فقد أقر بالقدر . شرح النونية : ورقة 79 وجه .ر. عبد العزيز الثميني: النور ص 212.
(50) وهذا سيكون نواة لتطور الموضوع في المستقبل: القدر من خلق الله والمقدور من كسب الإنسان.
(51) وقد كان أبو عبيدة في خضم المعركة كما سنبين بعد حين، فمن أتباعه من كان على اتصال بغيلان الدمشقي أنظر ما سبق : 106 تعليق 43 ولا نستبعد أن يكون أبو عبيدة قد عرف غيلان هذا.
(52) انظر ما سبق 106 تعليق 43
(53) الدرجيني: الطبقات 2/244 وغيلان الدمشقي.
(54) حاجب الطائي ( ق 2/8) من طبقة أبي عبيدة. دعم الحركة الإباضية تدعيما ماليا. وكانت تعقد المجالس السرية بمنزله .ر. الدرجيني: الطبقات 2/248- 253 .ر. الشماخي: السير: 90- 92.
(55) الدرجيني: الطبقات 2/244 .ر. السير: 84- 85 .ر. النامي: الأطروحة ص 213 .ر. علي يحي معمر: الإباضية بين الفرق الإسلامية: 254- 256.
(56) انظر ما سبق 106 تعليق 43 للتعرف على الشخصيات المذكورة.
(57) يزيد بن فندين( ق2/8) كان ضمن السبعة الذين جعل الإمام عبد الرحمان بن رستم الإمامة شورى بينهم. وثار على الإمام عبد الوهاب بن رستم .ر. الدرجيني: الطبقات1/46 .ر. الشماخي: السير: 154. سليمان الباروني الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية المطبعة البارونية مصر د.ت 2/99 .ر. بحاز إبراهيم باكير: الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية- مجستر في التاريخ الإسلامي. نوقشت بكلية الآداب بجامعة بغداد 1404/1983 ( مرقونة بمكتبتي): 119- 121.
(58) انظر ما سبق . 56 تعليق 68
(59) وائل بن أيوب الحضرمي من علماء النصف الثاني من القرن الثاني/ 8 يقول عنه الشماخي: هو من أفاضل أصحابنا علما وزهدا وتقى وأمرا ونهيا .ر. الدرجيني: الطبقات 2/278 .ر. الشماخي: السير:105.
وقد ذكر الشماخي هذه المناظرة عندما ترجم له لكنه لم يوردها، وقد جاءت كاملة في حاشية يوسف المصعبي على أصول تبغورين ص 81 انظر ما يلي ص 452 من البحث لأن الجدل قام حول الاستطاعة ، وخلال هذه المناظرة سئل وائل بن أيوب عن القدر انتهاء الأمور إلى أوقاتها وبلوغها إلى آجالها وإرجاعها إلى أقدارها. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين ص 81.
(60) ثم جاءت بينهما (مهدي والفتى المعتزل) وجوه من المناظرة والناس يعلمون ما يقولان، فلم يفلح أحد على صاحبه، ثم إنهما دخلا في فنون العلم فخفي ذلك عمن حضرهما، غير أن الإمام يعلم ما يقولان، حتى صار كلامهما عند جماعة من حضرهما كالصفق بين الحجر عند ألإمام وعند غيره، فما كان بأوشك (كذا) أن غلبه المهدي .ر. أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: كتاب السيرة وأخبار الأئمة ، تحقيق إسماعيل العربي إصدارات المكتبة الوطنية الجزائر 1399/1979 : 71 .ر. الدرجيني : الطبقات 1/61- 61.
ومهدي النفوسة (أواخر ق 2/9) من علماء الكلام هو المقوم في الجدال الذي له اليد العليا في البرهان والاستدلال .ر. الدرجيني : الطبقات 2/513 واشتهر باستعانة الإمام عبد الوهاب به ( وهو من نفوسة) لمناظرة المعتزلة . ر. أبو زكرياء يحي بن أبي بكر: كتاب السيرة وأخبار الأئمة ص 67 .ر. الدرجيني : الطبقات 2/313- 314 .ر. الشماخي: السير ص 170.
ر. بحاز إبراهيم : الدولة الرستمية: 365- 367
________________________________________
التعريف الاصطلاحي للقضاء والقدر
جاء في كتاب السؤالات:" القدر هو انتها الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها (61) ".
وجاء في شرح كتاب الديانات:" القدر معناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في الأزل وعلم سبحانه وتعالى أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع بحسب ما قدره سبحانه وتعالى". (62)
ويقول عمر والتلاتي:" القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة ويقول أيضا: القضاء هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها (63) وارتجاعها إلى مقدوراتها". (64)
وأوجز تعريف أورده محمد اطفيش كما يلي:" القدر هو إيجاد الله الأجسام والأعراض والقضاء هو الحاكم بها في الأزل فهو صفة ذات أو إثبات في اللوح فهو صفة فعل". (65)
وبهذا يجمع هذا التعريف بين موقف الأشاعرة_ (66) الذين يعتبرون التقدير صفة فعل بمعنى إيجاد الله تعالى الأشياء في الخارج على قدر مخصوص وبين قول الماتريدية (67) الذين يعتبرونه صفة ذات بمعنى تقدير الأمور في الأزل أي إحاطة علمه به، مع العلم أن الموقف العام يلح على انه صفة ذات .
نكتفي بهذه التعريفات مع الإشارة إلى ورود تعريفات أخرى جمعها التلاتي في شرح النونية (68) لنلخص من هذا إلى النتائج الثلاث التالية:
1) إن هذه التعريفات يكتنفها ضرب من الغموض وكأنها قد مسها شيء من سر القدر، ومعلوم أن اللغة التي تواضع عليها الناس يصعب أن تحد القضايا الغيبية حدا دقيقا كحدها لما يتعلق بعالم الشهادة.
2) كثيرا ما يتداخل التعريفات ومرجع ذلك إلى أن اللفظين تشتركان في الحقل الدلالي لغة فلا غرابة إن وجدنا مثل هذا التشابك.
3) نقر العلاقة التي جعلها بينهما ابن منظور في لسان العرب وهي علاقة الأساس بالبناء فمن يعتبر القدر أساسا أي كان في الأزل لابد أن يعتبر القضاء بناء وهو ما يحدث في الوجود بعد أن لم يكن، والعكس بالعكس والنتيجة في النهاية واحدة وهي العلاقة بين القدر والمقدور والقضاء والمقتضي.
وخلاصة القول إن الأساس المجمع عليه هو وجوب الإيمان بأن القدر من الله تعالى (69) مع اختلافات بعد ذلك في الفهم والتأويل تتأرجح بين الجبر المطلق والحرية المطلقة.
كما يجدر أن نلاحظ أن هذه التعريفات الاصطلاحية خرجت عن دائرة الصراع السياسي والخلقي الذي عرفته القضية خاصة في القرن الأول والثاني للهجرة 7/ و8 حيث كان اتخاذ المواقف العقائدية يؤدي إلى السجن أو الى المشنقة في كثير من الأحيان وكأن القضية ضربا من الترف الفكري والجدل العقائدي لكن كل النصوص التعليمية لا تغفل عن التذكير بهذا الأصل من أصول الدين. (70)
كما أن التراث الإباضي وهو جزء من التراث الإسلامي لم يعتبر الإيمان بالقضاء والقدر مصدرا من مصادر التواكل كما يبدو ذلك على ألسنة بعض العوام وكما يبدو في الشبهات التي تثيرها الفلسفات الغربية عادة حول الديانات عامة وحول الاسلام خاصة وذلك لأن هذا التراث لم يشعر أهله بعد بما يشعر به الناس الآن من تبعية الرقعة التي تدين بالإسلام للقوى العالمية الأخرى التي لا تدين بالقدر وليس لنا في هذا المقام أن نحلل هذه القضية وإنما ننبه إلى أن المسلمين الذين آمنوا بالقدر حق الإيمان كانوا سادة العالم، ولم يكونوا في آخر القافلة.
وبعد النظر في المحور الأول نتدبر أمر المحور الثاني وهو الجبر والاختيار.
==========================================
(61 ) عمرو بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 202. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية 1/ ورقة 126 وجه ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/114.
(62) عبدالله السدويكشي: شرح كتاب الديانات: 13
(63) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 52 قفا .ر. عبد العزيز الثميني: النور: 151.
(64) وأضاف التفسير التالي:" أي علمه تعالى بانتهاء الأمور أي بلوغها ووصولها إلى أوقاتها التي قدرها أي عينها لها، وبرجوعها بعد ذلك العلم إلى ما قدرها لها من نحو موت وبعث بعده سعادة وشقاوة، أو إنهاؤه الأمر وإيصاله إياها بالتربية المحكمة إلى أوقاتها وإرجاعه إياها إلى ما قدره لها.
عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة52 قفا .ر. عبد العزيز الثميني: النور: 151.
(65) امحمد اطفيش: الذهب الخالص بالعلم القالص. تحقيق أبي إسحاق اطفيش .ط 2 دار البعث الجزائر قسنطينة 1400/1980 : 22.
_(66) القضاء يتمثل في إرادة الله الأزلية المقتضية الموجودات على ترتيب خاص والقدر: تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها المخصوصة.
الشيخ زادة: نظم الفرائد وجمع الفوائد ط1 القاهرة 1317/22. أحمد أمين: ظهر الإسلام 4/92.
(67) القضاء:" هو الأمر الإلهي الأزلي." الماتريدي: كتاب التوحيد: 306 القدر: هو تحديد الله أزلا كل شيء بحده الذي سيوجه به من نفع، وما يحيط به من زمان ومكان". بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 315. وهذا نص للبيجوري فيه مقارنة بين موقف الماتريدي والأشاعرة :" اعلم أن الأشاعرة والماتريدية اختلفوا في كل من القضاء والقدر، فالقدر عند الأشاعرة : إيجاد الأشياء على قدر مخصوص ووجه معين أراده تعالى، فيرجع عندهم لصفة فعل لأنه عبارة عن الإيجاد وهو من صفات الأفعال.
وعند الماتريدية نتحديد الله أزلا كل مخلوق بحده الذي يوجد عليه من حسن وقبح ونفع وضر إلى غير ذلك أي علمه تعالى أزلا صفات المخلوقات فيرجع عندهم لصفة العلم وهي من صفات الذات.
القضاء عند الأشاعرة : إرادة الله الأشياء في الأزل على ما هي عليه في ما لا يزال ، فهو من صفات الذات عندهم.
وعند الماتريدية: إيجاد الله الأشياء مع زيادة الأحكام والإتقان فهو صفة فعل عندهم فالقدر حادث والقضاء قديم عند الأشاعرة ولا كذلك عند الماتريدية . البيجوري: شرح جوهرة التوحيد ص 113.
(68) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 52 و 53.
(69) يقول أبو عمار في هذا الصدد :" وإنما عمدت إلى هذا النوع من المسائل في باب التوحيد مع كثرة ما يدخل على القدرية من المسائل من الدلائل ليتبين للناظر أنه أصل في هذا المعنى من أصول التوحيد الذي لا يتم إلا به، ولا يقوم إلا عليه" الموجز :2/28.
(70) ومن ذلك ما جاء في عقيدة عمان: وأن تؤمن بالقدر خيره وشره .ر. كوبرلي: الأطروحة م3 الملاحق: 17 وكذلك ما جاء عند أبي الربيع سليمان بن يخلف في كتاب التحف وندين باثبات القدر. 1/36. وما جاء عند عامر الشماخي " وندين بأن القدر خيره وشره من الله" كتاب الديانات: 43. وقد وقف علماء المرحلة المقررة مع كتاب الديانات عند هذه القضية طويلا: ر. عبدالله السدويكشي حاشية على كتاب الديانات: 13 وعمرو التلاتي: حاشية على كتاب الديانات: 58- 59.
________________________________________
)2- الجبر والاختبار
إن الخوض في قضية القدر أثار عدة قضايا كثيرا ما تطغى على المناظرات وتنسى القضية الأصل.
من ذلك هل للإنسان دخل في اختيار أفعاله أو هو مجبر عليها؟ أو بعبارة أخرى هل له القدرة على خلق أفعاله أو هو مخلوق وما فعل؟ وينبني على ذلك مدى تحديد مسؤولية الإنسان التي تربط بها الأمر والنهي وما ينتج عنهما من ثواب وعقاب.
ومن ذلك من خالق المعصية؟ وما دخل إبليس فيها؟
ومن ذلك قضية العلاقة بين العلم والقدرة والإرادة.
ومن ذلك قضية الاستطاعة والعصمة.
ومن ذلك العلاقة بين مشيئة الله ومشيئة الإنسان.
فلننظر أولا في قضية الجبر والاختيار لنبين موقف الإباضية منها؟
إن التراث الذي يعنينا ككل التراث الإسلامي يستمد جذوره من مواقف العلماء الأول من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام وبذلك تتبلور كل قضية عبر امتداد هذا التراث الزمني.
وما دام الإباضية يقرون أن النصوص التي تتعلق بالقضية من المتشابه (71) فقد عملوا على تأويلها مستعينين بالمحكم من القرآن الكريم وبسنة الرسول عليه السلام.
وإنك لتحس وأنت تتأمل في هذا التراث شعور أصحابه بأن من الآيات ما يغلب عليها جانب الجبر ومنها ما يغلب عليها جانب تخيير الإنسان.
فمن الآيات التي توحي بالاختيار: قوله تعالى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) (42 الشورى 30).
وقوله تعالى: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (18 الكهف 29).
وقوله تعالى: ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (2 البقرة 286).
ومن الآيات التي توحي بالجبر: قوله تعالى ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) (76 الإنسان 30).
وقوله تعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (57 الحديد 22).
وقوله تعالى ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) (18 الكهف 23- 24)
كما أن هذا التراث يرجع بالقضية إلى زمن الرسول عليه السلام والصحابة وأئمة المذهب ليستقي من مواقفهم الحل المناسب.
ومن ذلك ما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سيكون قوم في هذه الأمة يعملون بالمعاصي فيقولون: هي من الله قضاء وقدر، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني بريء منهم" (72) فقال رجل منهم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله متى يرحم الله العباد؟ ومتى يعذبهم؟ فقال:" يرحم عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي منا ويعذب الله عباده إذا عملوا بالمعاصي فقالوا هي من الله قضاء وقدر فالطاعة والمعصية هما من خلق الله، ومن العباد عمل" (73) .
ومن ذلك ما ثبت عن علي ابن أبي طالب عندما سئل عن أفعال العباد أنه قال:" هي من الله خلق ومن العباد فعل" (74) .
ومن ذلك ما جاء في الجامع الصحيح من كلام الربيع تعليقا على مجموعة من الأحاديث في القدر قوله:( فهذه الروايات تدل على أن الله خلق فعل العبد ة وأن العبد لم يفعله دون الله إذ قدره وعلمه وعلم ما هو صائر إليه" (75) .
فواضح إذن من خلال هذه المواقف أنها كانت منطلق الاكتساب لدى الاباضية وقبل أن نتبين مفهوم الكسب يحسن أن نورد حجج الإباضية النقلية والعقلية في الرد على القائلين بالجبر وعلى القائلين بالاختيار.
ويحسن أن نلاحظ هنا أننا بعد نظرنا في كل ما بين أيدينا من التراث الإباضي قديمة وحديثه لم نجد أكثر دقة وشمولا من الفصول التي خصصها أبو عمار عبد الكافي في كتاب الموجز للرد على المجبرة والقدرية فما جاء قبله كان في غاية الاختصار وما جاء بعده كان عالة عليه (76) ودونه استيفاء للقضية ولعل مرجع ذلك إلى اعتماد المتأخرين (77) على شرح المتون مما يجعل ما يوردون من معلومات مبعثرا هنا وهناك.
لذلك سنعمد إلى حوصلة هذه الحجج بقدر الامكان إذ نرى أنها تصور موقف الاباضية من الاتجاهين المتناقضين الأمر الذي أدى إلى اتخاذ موقف وسط.
الحجج النقلية:
تأويل ما اعتمده القدرية والجبرية من النصوص القرآنية
تأويل ما اعتمده القدرية:
1- نسبة الأفعال إلى العباد دون الله تعالى في قوله تعالى: ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله) (5 المائدة 30). وقوله ( بل سولت لكم أنفسكم أمرا) (12 يوسف 18) وقوله: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله) (9 التوبة 105) وقوله: ( جزاء بما كانوا يعملون) (32 السجدة 17).
إن في هذا ردا على الجهمية الذين لا يقولون بالاختيار للعباد ولا يثبتون الاكتساب لهم. أما عند الإباضية فتخرج الآيات من باب الكسب. (78)
2- تفسير القرآن بالقرآن: وذلك بمقارنة السياقات ببعضها.
قال تعالى في شأن تحريف اليهود للتوراة: ( يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) (3 آل عمران 78) يقول المعتزلة اعتمادا على النفي إن في الآية دليلا على خلق الإنسان فعله. ويقول أبو عمار بعد استدلاله بقوله تعالى: ( فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة) (24 النور 61) (79)
توضيحه أن " من عند" لا تدل على الخلق وإنما تدل على الأمر ما يلي:
" يريد تحريف اليهود للكتاب ليس هو من الكتاب ولا من عند الله نزل ردا عليهم في قولهم: إنه من الكتاب ومن عند الله نزل، ولم تكن اليهود تذهب في قولهم ذلك إلى خلق الله الفعل فيكون الله قدر عليهم في ذلك (80)
، فعبارة " من عند" لا تعني الخلق وإنما قد تعني الأمر كما جاء في سورة النور الآية 61.
قال تعالى: ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام) (5 المائدة 103) (81) يقول القدرية إن الله نفى عن نفسه أن يكون جعل ( بمعنى خلق) شيئا من فعل المشركين والآية حسب أبي عمار يجب أن تفهم على ضوء الآيتين التاليتين: ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ) (21 الأنبياء 16) و ( وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) (38 ص27) اللتين تدلان على أن الله لم يخلق ما خلق عبثا كما يدعي أهل التكذيب بالله وإنما خلقها ليحق الحق ويبطل الباطل. ( ما خلقناهما إلا بالحق) (44 الدخان 39) فكذلك مدلول آية المائدة أن الله لم يجعل هذه الأنعام لأن تبحر ولا أن تسيب ولا أن تتخذ وصيلة ولا حاما كما قالوا وإنما جعلها حمولة مأكولة (82) .
3- ألا يعلم من خلق:
يرى أبو عمار أن قوله تعالى ( وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق) (83) أقوى دليل على أن ما أسر العباد وما أظهروه من خلق الله تعالى، ويؤكد على أن فيها احتجاجا على من قالوا لا يكون الفعل مخلوقا (84) .
4- لا تخصيص لقوله تعالى:( خالق كل شيء) (85)
ومن أقوى الأدلة التي أطنب فيها أبو عمار ووقع ترديدها أكثر من غيرها في بقية المصادر دلالة قوله تعالى (خالق كل شيء) و ( خلق كل شيء) (6 الأنعام 101)؟ حيثما وجدنا في القرآن على الامتداح والعموم رغم محاولة القدرية اعتبارها مخصصة بآيات أخرى (86) ، ويقول أبو عمار في آخر التحليل :" وقد امتدح عز وجل بقوله ( خالق كل شيء) بإجماع لو جاز لأحد أن يقول هي خاصة لجاز لمن يزعم أن إبليس ليس بمخلوق..." (87)
وعلى هذا النسق يفسر أبو عمار قوله تعالى ( والله خلقكم وما تعلمون) (37 الصافات 96) بأنه يدل على أفعال العباد لا على الأصنام كما ذهب إلى ذلك المعتزلة وكذلك بين أن في قوله عز وجل ( خلق السماوات والأرض وما بينهما) (25 الفرقان 59) دلالة على أن الله خالق أفعال العباد لأنها تقع بين السماوات والأرض. (88)
هذا تأويل ما اعتمده القدرية فماذا عن تأويل ما حمله الجبرية على ظاهره (89)
==========================================
(71) انظر موقف الإباضية من المتشابه في ما سبق: 271 ، والأمر ليس خاصة بالإباضية إذ يقول علي الشابي:" فآيات الجبر عند المعتزلة وآيات الاختيار عند المجبرة من المتشابه لا حتياج الطرفين إلى تأويلها." المعتزلة بين الفكر والعمل: الشركة التونسية للتوزيع تونس 1979: 70
(72) غير وارد في المعجم المفهرس حسب ونسنك.
(73) المحشي: حاشية الترتيب 1/117 وقد توقف عند قوله عليه السلام: أنا برئ منهم" وقد نقلنا النص عن خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/424.
(74) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/63- 63. ويورد المحشي عدة أقوال منسوبة إلى الإمام علي: حاشية الترتيب7/132 وكذلك لأبن عباس : حاشية الترتيب7/135.
(75) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/10- 11 عدد 802 ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/132 ويشرح كما يلي:" فيه إشارة على أن فعل العبد له جهتان: جهة خلق تضاف إلى الله ، وجهة كسب، بحركة وسكون، تضاف إلى العبد" . انظر ما يلي: 442
(76) أشير إلى المشارق للسالمي وإلى شرح الدعائم لامحمد اطفيش لما لهما من الأهمية لكنهما في رأيي دون تحليل الموجز من حيث الوضوح والاستيعاب والتكامل
(77) اقصد خاصة علماء المرحلة المقررة في البحث، ومن أدلة اعتماد هؤلاء العلماء على كتاب الموجز: ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 21. وبهذا يبرا اعتمادنا أحيانا على أبي عمار عبد الكافي لأنه وإن لم يكن من المرحلة المقررة فإن نصوصه اعتمدت اعتمادا كليا وخاصة إذا علمنا أن للمحشي حاشية على كتاب الموجز إلا أننا لم نحصل عليها. والملاحظ أننا لا نلجأ ‘إلى هذا إلا عند الضرورة لاستيفاء جوانب الموضوع.
(78) والملاحظ أن يوسف المصعبي لم يتعرض لهذه القضية عند تتبعه لهذه الآيات في حاشية على تفسير الجلالين .ر. ورقة 194 وجه ورقة 310 وجه ورقة 265 قفا. لذلك اعتمدنا أبا عمار عبد الكافي: الموجز 2/53.
(79) ونقل يوسف المصعبي ما جاء عند البيضاوي في شأن آية آل عمران 76 فقال: " أي ليس هو نازلا من عنده، وهذا لا يقتضي أن يكون وما هو من عند اللهقوله تعالى فعل العبد فعل الله تعالى". البيضاوي: أنوار التنزيل وأسرار التأويل 1/66 .ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 129 وجه. ولم يتعرض المصعبي للقضية في سورة النور ورقة 618 قفا.
(80) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/54.
(81) روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح ذرها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة التي يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل لأنثى ثم تثني بعد بأنثى وكانوا يسمونها لطواغيتهم أن وصلت إحداها بأخرى ليس بينهما ذكر، والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضي ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل عليه وسموه الحامي. جلال الدين السيوطي: تفسير الجلالين . دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1388/1968: 164.
والملاحظ أن يوسف المصعبي لم يتعرض للقضية عند تفسيره لهذه الآية ر. حاشية على تفسير الجلالين 208 وجه وإنما اكتفى بالاستدلال على الشرح اللغوي الذي نقله الجلالان عن البخاري.
(82) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/55.
(83) الملك 13- 14 أن ما بين أيدينا من حاشية يوسف المصعبي على تفسير الجلالين لم يصل إلى التفسير تفسير هذه السورة.
(84) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/59- 60.
(85) وقد جاءت في الأنعام 102 والرعد 16 والزمر 62 والمؤمنون62.
تدمر كل شيء بأمر(86) مثل وأوتيت من كل (الأنعام 44) وفتحنا عليهم أبواب كل شيء (الأحقاف 25)، ربها ( النمل 23) يفسرها أبو عمار حسب رأي المعتزلة.شيء
(87) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/59. ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 130 قفا. أما يوسف المصعبي فلم يتعرض للقضية في حاشيته على شرح الجلالين .ر. ورقة 220 وجه وورقة 321 وجه.
(88) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/60.
(89) لا يمكن استيفاء جميع الآيات لذلك نكتفي ببعض النماذج المعبرة.
________________________________________
1) الطبع على القلب والختم على السمع:
لقد جاءت آيات كثيرة بهذه الصيغ نذكر منها قوله تعالى: ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) (90) .
وقولـه تعالى: ( بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (4 النساء 155) (91)
يعتبر الجبرية أن الإنسان مجبر على الكفر ويأتي رد الإباضية كما يلي:" إن الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم وطبع عليها بكفرهم الذي اكتسبوه واختاروه فجعل الكفر في نفسه خاتما وطابعا على قلوبهم حيث خلقه في عينه خلافا لعين الإيمان ومضادا له فهما لا يجتمعان في قلب ولا في سمع ولا في بصر ولا في جارحة فاختيار الكافر والكفر هو المانع له والطابع على قلبه والخاتم على سمعه وبصره حتى لا يكون يفعل ضده من الإيمان في حال فعله الكفر" (92) .
2) مشيئة الله
كثيرا ما يحتج أهل الشرك على شركهم بمشيئة الله ومن ذلك ما جاء على لسانهم في قوله تعالى: ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم) (43 الزخرف 20) (93) ... عبادتنا للملائكة بمشيئة الله تعالى إذ لو لم يشأ لم نعبدهم بل يجبرنا على ترك عبادتهم أو يهلكنا إن لم يرض عبادتهم فعبادتنا لهم واجبة أو حسنة أو أحسن أو جائزة.
وذلك باطل لأن الله خلق الطاعة والمعصية وشاء المعصية كما شاء الطاعة فلا يلزم من صدور المعصية منهم أنه أباحها أو استحسنها أو أوجبها.
( ما لهم بذلك من علم)... فإن المشيئة لا تقتضي رضى بشيء ولا قبحا ولا نهيا بل تقتضي أنها ليست أمرا بمعصية ولا نهيا عن طاعة (94) .
ويزيد هذا الموقف توضيحا ما جاء في كتاب المنهج :" والذي نقوله إن لله تعالى مشيئتين في خلقه.
إحدهما مشيئة الأمر الذي أرسل به الرسل وهدى به السبل.
والمشيئة الأخرى مشيئة في خلق الخلق وقسم الأرزاق وما أراد في إنفاذ ما قد سبق عنده في علمه من الأمور وما به الخلق عاملون وإليه صائرون.
ولو كانت المشيئة من أمر الله تعالى واحدة كما قالت القدرية (95) لم يختلف على الله في ما أراد من الخلق كما لم يختلف إرادته في خلق السماوات والأرض وغير ذلك وكان العباد في أمرهم به مطيعين كما أطاعته السماوات والأرض إذا أجابتا حين قال للسماوات والأرض ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (41 فصلت 11) (96) ".
بهذه الطريقة وجد الإباضية مخرجا لما جاء في القرآن بصيغة المشيئة يوحي بالجبر فيميزوا بين مشيئتين مشيئة لأمر ومشيئة إرادة.
كما يحتج الجبرية بقوله تعالى ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) (81 التكوير 29) فيخرجها الإباضية بهذا المسلك.
" وما تشاؤون شيئا أو اتخاذ سبيل إلا أن يشاء الله: إلا وقت مشيئة الله لمشيئتكم...والله عز وجل شاء كفر الكافرين وإيمان المؤمنين بلا إجبار وخلق الكفر والطاعة وللكافر والمؤمن اختيار مخلوق لله عز وجل " (97) .
فكل هذه المواقف من السياق القرآني تبعد التصور الاباضي عن القول بالجبر وإن بدت في بعض الأحيان غامضة.
أما ربط الهداية والضلال بالمشيئة كما جاء في قوله تعالى ( فيضل الله من يشاء) (14 إبراهيم 4).
فلم يطل كل من عمر والتلاتي (98) ويوسف المصعبي (99) الوقوف عنده وإنما اكتفيا بالإحالة على تحليل إسماعيل الجيطالي (100) وقد عبر عن ذلك بصفة أوضح محمد اطفيش كما يلي: " وإضلال الله خذلان وهدايته توفيق، ولا إجبار وهما أزليان ولا يتخلفان" (101) .
كما جاء في تفسير قوله تعالى ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) (16 النحل 93) ما يلي: ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) على الإسلام بالإجبار وليس الإجبار حكمة إذ لا يمدح المجبر ولا يذم فهو لا يستحق ثوابا ولا عقابا أو لو شاء الله لجعلكم على الإسلام باختياركم ولكن يضل من يشاء بالخذلان عن الهدى لاختيار الضلال بالكسب الاختياري، ويهدي من يشاء بالتوفيق إليه لاختيار المهدي، وكلا الاختيارين مخلوق لله سبحانه ومع خلقه لا إجبار هذا مذهبنا فللعبد قدرة مؤثرة بإذن الله عز وجلا مخلوقة له تعالى ولا واجب على الله عز وجل وتوفيقه لمن يشاء فضل وإحسان " (102) .
فلا خلاص حينئذ من قضية الجبر حسب الإباضية إلا عن طريق العون والخذلان (103) مع تحديد القدرة المؤثرة التي تجعل الإنسان مسؤولا على كسبه.
وقد سلك الإباضية نفس المسلك مع ربط الغفران والتعذيب بالمشيئة. (104)
وبعد عرضنا نماذج من الاستدلال بالقرآن يحسن أن نقف عند نماذج من الحديث الشريف.
تأويل ما اعتمده القدرية والجبرية من نصوص الحديث الشريف
- أحاديث يحتج بها على القدرية:
1) ما جاء في لعن القدرية واعتبارهم مجوس الأمة: قال صلى الله عليه وسلم : " القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تصلوا عليهم" . (105)
وما شبه هؤلاء بالمجوس إلا لأنهم يضيفون الخلق لأنفسهم بل تجاوزوا إلى أن هؤلاء لا ينسبون إلى أنفسهم إلا خلق الشرور والقدرية ينسبون لأنفسهم خلق الخير والشر. (106)
ويزيد صاحب التيسير تشنيعا على القدرية حيث ينقل عن علماء ما وراء النهي:" القدرية شر من المجوس لأن للمجوس آلة تعدّ والمعتزلة لا تعدّ آلهتهم لأن كل فاعل عندهم خالق لفعله حتى الدواب. (107)
2) نسبة الخلق إلى الله مع أن الفعل فعل الإنسان
- روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ بن جبل : " إن الله لم يخلق شيئا أحب إليه من العتاق" (108) " ولم يخلق شيئا أبغض إليه من الطلاق" (109) . وقد علمنا أن العتاق والطلاق فعل العباد ". (110)
- روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيل لـه: " يا رسول الله لو سعرت لنا سعرا فقال: إن الله هو المسعر (111) والعباد يحمدون على أن يرخصوا الأسعار ويذمون إذا غلوها.
- وروي عنه عليه السلام مر على جنازة رجل من الأنصار فقال: " اللهم نقه من الذنوب والخطايا كما تنقي الثوب الأبيض من الدنس" (112) . والعباد هم الذين يقصرون الثياب وأضاف رسول الله ذلك إلى الله لأنه المقدر لذلك المجري له على أيدي العباد (113) .
3) نسبة خلق الخير والشر إلى الله صراحة
جاء في الحديث القدسي: "( أنا الله الذي لا إله إلا أنا خالق الخير والشر فطوبى لمن خلقته ليكون الخير على يديه، وويل لمن خلقته ليكون الشر على يديه" (114) .
4) نسبة خلق أفعال العباد إلى الله
جاء في الحديث: " خلق الله العالمين وأفعالهم" كما جاء أيضا: " خلق الله كل صانع وصنعته" (115) .
تلك هي بعض النصوص النبوية التي يحتج بها الإباضية عامة على القدرية
فمـاذا عن الأحاديث على الجبرية؟
========================
(90) البقرة 7 اكتفى يوسف المصعبي هنا بالاعتناء بالجانب البلاغي وبالمقارنة بين موقف المعتزلة والاشاعرة في ما يتعلق بالمجاز دون أن يشير إلى موقف الجبرية من الآية .ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 7 وجه وقفا.
(91) لقد أورد يوسف المصعبي ما جاء عند الزمخشري في شأن الآية وهو ..." وذلك أنهم أرادوا بقولهم قلوبنا غلف أن الله خلق قلوبنا غلفا أي في أكنة لا يتوصل إليها شيء من الذكر والموعظة... كمذهب المجبرة أخزاهم الله، فقيل لهم بل خذلها الله ومنعها الالطاف بسبب كفرهم فصارت كالمطبوع عليها لا أن تخلق غلفا غير قابلة للذكر ولا متمكنة من قبوله( ر. الكشاف 1/578) .ر. فبماحاشية على تفسير الجلالين ورقة 183 قفا . وبداية الآية في سورة النساء هي: نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا
(92) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/88.
(93) لم يبلغ ما بين أيدينا من حاشية المصعبي إلى هذه السورة.
(94) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1:5/240.
(95) القدرية الذين يثبتون القدر وجاءت مرادفة للجبرية.
(96) خميس بن سعيد الرستاقي 1/454-455.
(97) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1، 6/449.
(98) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 69 وجه إلى ورقة 76 وجه.
(99) يوسف المصعبي: حاشية على الجلالين ورقة 341 وجه وورقة 347 وجه لم يشر إلى القضية تماما وإنما تعرض لها في ورقة 341 وجه فاكتفى بنقل شيء من كلام البضاوي.
(100) إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 152 وجه إلى 167 قفا . وملخص ما جاء عند أبي نصر في النونية من بيت 45 إلى بيت 57 يتمثل في نفي القول بالجبر مع تبيين أن الهداية هدايتان هداية بيان وهداية توفيق، وأن الإنسان محاسب على كسبه.ر. أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: النونية 4-5
(101) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1، 5/458.
(102) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1، 5/641.
(103) انظر ما يلي: 477
(3ال عمران 129) فالغفران له بالتوفيق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء(104) إلى التوبة، ويعذب من يشاء تعذيبه بالخذلان .ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط2:2/166. والملاحظ أن يوسف المصعبي لم يشر إلى الآية تماما .ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 139 وجه.
(105) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/10 عدد 789. رواه أبو داود في سننه عن حذيفة ولفظه:" لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر الخ...
ومثل حديث المسند في سنن أبي داود عن أبي عمر مع لفظ وإن مرضوا فلا تشهدوهم وذلك في باب القدر من السنن، وانكر ابن حزم صحة هذا الحديث لطريق الإسناد لأن في سنده عن أبي داود جعفر بن الحارث وهو مطعون فيه. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ( مقدمة التبصير في الدين لزاهد الكوثري: 4-5) أخذ عن تعليق عدد 9 الموجز 2/62.
(106) ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/117.ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/62.
(107) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1 3/114.
(108) يعني مما رغب فيه من غير فرض.
(109) يعني مما هو دون ما نهى عنه من المعصية
(110) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/63 والملاحظ أن الحدثين لم يردا عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(111) رواه مسلم في باب التسعير عن قتادة وحميد عن أنس ولفظه:" قال : إن الله هو المسعرالناس يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا فقال رسول الله القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن القي الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا في مال" .ر. أبو عمار الكافي: الموجز 2/63 تعليق 8 .ر. الترمذي: البيوع 72، أبو داود: يبوع: 49- 50 ابن ماجة: تجارات 27، الدرامي: بيوع 12، أحمد بن حنبل 2/227- 272 3/85، 156، 287 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 2/463.
(112) ر. البخاري: آذان89، دعوات 39، 44، 46، مسلم : مساجد 147، جنائز 85- 867، ذكر 49. أبو داود : صلاة 121. الترمذي: دعاء: 76، 101 النسائي: طهارة 48. 49 مياه 6، غسل 3 ، افتتاح 15. جنائز 77، استعاذة 18، 26. ابن ماجة: إقامة 1 جنائز 23 دعاء3، الدارمي: صلاة 37 أحمد بن حنبل 2/494، 3/354، 6/23، 28، 57، 207.ر. ونسنك: المعجم المفهرس 6/544
(113) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/63.
(114) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة54 قفا، وأورده الجيطالي في شرح النونية ورقة 27 ورواه عن وهب بن منبه. أما صاحب المنهج فذكر النص بطريقة أخرى قائلا: ويوجد في بعض الآثار أن الله تعالى قال:" لا إله إلا أنا، خلقت الشر وقدرته، فويل لمن خلقته للشر وقدرته على يديه فإني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون" خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/433 ولم يرد الحديث عند ونسنك : المعجم المفهرس ويورد أبو عمار عن وهب بن منبه على أنه نقله عن بعض الكتب، الموجز 2/64.
(115) امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/165 ولم يرد الحديثان عند ونسنك في المعجم المفهرس ويعتبر أبو عمار النص الثاني من أقوال حذيفة بن اليمان ويورده كما يلي: " إن الله خلق كل صانع وصنعته" ر. الموجز 2/64.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:15 PM
- أحاديث يحتج بها على الجبرية:
1) توعّد من يحملون ذنوبهم على الله:
- سئل صلى الله عليه وسلم : " متى يرحم الله عباده؟" فقال:" ما لم يعملوا بالمعاصي ثم يقولوا إنها من عند الله جبر ولو شاء الله ما أشركوا" .
- وبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خمسة لا تطفأ نيرانهم يوم القيامة...ورجل حمل ذنبه على الله مثل من قال هو مجبر ليس له فعل"
- وأنه قال: " خصلتان لا تنفع معهما صلاة ولا صوم الشرك بالله وأن يزعم أن الله جبره على معصيته " (116) .
ويقول الرسول عليه السلام: " سيكون في هذه الأمة قوم يعملون المعاصي ثم يقولون هي من الله قضاء وقدر فإذا أدركتموهم فأعلموهم أني برئ منهم " . (117)
1) تأويل أحاديث توحي بالجبر:
يسأل الجبرية عن معنى قوله عليه السلام:" إن السعيد من بطن أمه والشقي من بطن أمه فيجيب الإباضية بما يلي:" والشقي في بطن أمه" بما علم الله أنه سيشقى به من فعله وسوء اختياره لنفسه وجرأته على ربه وكذلك السعيد سعيد في بطن أمه بما علم الله أنه سيسعد به من فعله ولاتباعه لأمر ربه وحسن نظره لنفسه (118) .
فإن قالوا ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يدخل الجنة أحد بعمله"، قيل:" ولا أنت يا رسول الله"، قال:" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" (119) .
قيل إن معنى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل قولهم لا حول ولا قوة إلا بالله أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا ينال شيئا من الخير الذي هو طاعة الله ولا يستعصم عن شيء من معصية الله فيدخل بذلك الجنة إلا أن يعينه الله على ذلك ويوفقه له ويغمده برحمته التي لا تخيب من تغمد بها، وعلى هذا المعنى أمر الله المؤمنين بأن يقولوا: ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (120) ، وهذا من باب العون من الله لأوليائه ، والهداية لأهل دينه. وليس هذا من معنى ما ذهبتم إليه في شيء من أنه يضطر العباد على أفعالهم ويجبرهم عليها فلا يذمون ولا يحمدون" (121) .
ويحسن أن نذكر هنا بتعليق الربيع على مجموعة الأحاديث الواردة في القدر (122) من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " لما خلق الله آدم عليه السلام أخرج من ظهره ذريته كالذر فأخذ مواثيقهم وأمرهم بالسجود فأبت طائفة وأجابت طائفة، فمن أجاب يومئذ فهم المؤمنون وهم السعداء، ومن أبى يومئذ فهم الكافرون وهم الأشقياء" (123) .
والملاحظ غالبا أنه كثيرا ما يقع استغلال ما يعتمده الجبرية للرد على القدرية والعكس بالعكس. ويقول أبو خزر في هذا الصدد:" وذلك أنا نظرنا الى الآيات التي احتجت بها المعتزلة والآيات التي احتجت بها المجبرة والمجبلة فضربنا بعضها بعض" (124) .
وتعتبر النصوص الإباضية أن مرجع الخطأ لدى الفريقين اعتبارهما أن الفعل لا تكون له إلا علة واحدة والصواب أن للفعل جهتين مفترقتين إحداهما جهة خلق لله والتدبير والتقدير، والأخرى جهة التحرك للعبد والسكون والطاعة والمعصية، فجعلتم هاتين الجهتين المختلفتين جهة واحدة فأبطلت المجبرة واحدة وأبطلت القدرية واحدة فضللتم بعد ذلك جميعا عن سبيل الله ضلالا بعيد (125) .
وقبل أن نتحول إلى عرض الحجج العقلية يحسن أن نلاحظ أننا جمعنا بين النصوص القرآنية ونصوص الحديث لما رأينا بينهما من تقارب في معالجة القضية وكان يمكن أن نسلك مسلكا آخر وهو الجمع بين القرآن والحديث هنا هناك، كما تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من الأحاديث المتعمدة ينبغي أن تؤخذ باحتراز لأن عددا منها كما نبهنا الى ذلك لم يرد لا عند الربيع في الجامع الصحيح ولا في بقية الصحاح والمساند التي اعتمدها ونسنك في المعجم المفهرس، وقد أوردناها من باب الأمانة العلمية لأنها كثر ترددها في التراث الذي نحن بصدد تحليله.
ومن الحجج النقلية على القدرية والجبرية إلى الحجج العقلية؟
الحجج العقلية:
الاحتجاج العقلي في الرد على القدرية:
يضع أبو عمار مقدمة يسميها مسألة الجهات ويعتبرها في غاية الأهمية في حل قضية القدر:" والعلم بالجهات هو عمود هذا الباب الذي يرفع عليه سمكة وأسه الذي تقوم عليه دعائمه" (126) .
وضبط في هذه المقدمة أن للفعل جهات كثيرة فهو محدث وطاعة ومعصية، ويكون حسنا وقبيحا، والأساس أن له جهة خلق وهي الله، وجهة كسب وهي للإنسان.
أما المعتزلة فيعتبرون القائلين بنفي خلق أفعال العباد عن الله ثلاث طوائف قبل أن يردوا عليهم:
1- طائفة تقول:الأفعال والحركات كلها من الطبائع: الطبيعة.
2- والثانية تقول: أفعال الاضطرار لا فاعل لها.
3ـ والثالثة تقول: كل شيء خلق الله ما عدا أفعال المكتسبين (127) .
وسنختار من بين الحجج التي اعتمدها أبو عمار ثلاثا جدلية نظرية واثنتين تقومان على الصيغ اللغوية.
أ) الحجج النظرية:
1- حجة الحركة والسكون:
ينطلق أبو عمار بطرح سؤال على القدرية الذين زعموا أن الأفعال غير مخلوقة لله وهو:" هل تخلو هذه الأفعال من أن تكون حركة أو سكونا؟" وعندما يقرون أنها إما حركة أو سكون يتدرج بهم تدريجا جدليا مزدوجا يفرض اختيار أحد موقفين:
- محدثة أو غير محدثة.
فإن كانت غير محدثة فقد أبطلوا وإن كانت محدثة فمن أحدثها؟ وهل تدل بحدوثها على حدوث من حلت به ووصف بها؟
ويصل بهم في النهاية الى السؤال التالي:" من جعلها إذن تدل على حدوث ما قامت به ووصف بها؟" فيفضي إلى جواب حتمي فلا يجدون إلا أن يقولوا إن الله جعل هذه الأفعال من حركات العباد وسكونهم واجتماعهم وافتراقهم دالة على حدوث أجسامهم وجعل ذلك دلالة على وحدانيته جل ثناؤه وربوبيته كما جعل سائر الأفعال من الأشياء كذلك كانت الأشياء متساوية في وجه الدلالة على الله جل جلاله (128) .
2- حجة عجز الأفعال عن أن تقوم بنفسها:
يفضي الجدل إن نسبوا ذلك الى العباد الى انقلاب القيم وأن يصير العصاة ممدوحين على معاصيهم وبذلك يتحتم نسبة ذلك إلى الله تعالى فهو الذي جعل الأفعال عاجزة محتاجة ملازمة للفناء مستحيلا عنها البقاء وجعلها محدثة غير قديمة كائنة بعد أن لم تكن، وجعلها دالة على قدم محدث جميع ذلك وثبوت ربوبيته ووحدانيته (129) .
3- رد ادعاء الشركة في الفعل بين الله والإنسان:
وتعتبر هذه الحجة أقوى حجج القدرية إذ ما دام الفعل لله وللعبد وهو لا يتجزأ فهو شركة بينهما والشركة عن الله منفية.
ويمهد أبو عمار للرد بالتمييز بين الشركة الحقيقية والمجازية، فالشركة الحقيقية كاشتراك رجلين في مال تجارة على قدر النسب والمجازية كتعاون رجلين على عمل ما. وفي كلا الحالين لا يجوز أن يقال إن الله شاركهما، وإن كان المال ملك الله ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (24 النور 33) في الأولى، وكان الله قواهما على التعاون في الثانية، وذلك لاختلاف جهات الإضافة في الفعل ومعانيه.
فسبيل خلق الله لفعل كسبيل ملك الله المال وتقويته للرجلين.
وسبيل اختيار العبد لفعله واكتسابه كسبيل المشتركين في المال والمتعاونين على عمل.
فالمهم حينئذ أن أبا عمار يعتبر أن هذه المسألة التي يعتد بها المعتزلة " هي عند المبتدءين من أهل الإثبات المثبتين للقدر مسألة ساقطة ومعارضة واهية فضلا عن حذاق متكلميهم" (130) .
أ) حجتان تقومان على الصيغ اللغوية:
يعتمد المعتزلة على صيغتين هما:" لو جاز كذا...لكان كذا" و" هل ثمّ إلا الله وما خلق" يفضيان الى ضرب من المستحيل فيسعى أبو عمار إلى الرد عليهما.
1) معارضة القدرية بلو جاز:
يعتبر المعتزلة أن الفعل لا يتجزأ ولا يمكن أن يكون من فاعلين لذلك لو جاز أن يكون الفعل واحدا من فاعلين لجاز أن يكون حركة واحدة من متحركين وسكون واحد من ساكنين.
فيرد أبو عمار القاعدة التي انطلق منها المعتزلة ويعتبرها حكما بغير حجة ثم يعتمد على مبدأ تعدد الجهات ليبرهن على جواز أن يكون فعل واحد من فاعلين مثل جواز إضافة اللون الى اثنين على وجهين مختلفين أحدهما الخلق والآخر الحلول. فيقال هو خلق الله حل في جسد فلان، كذلك بالنسبة إلى الفعل الواحد فهو من الله خلق ومن الإنسان كسب (131) .
2) معارضة القدرية بهل ثمّ؟
يعتبر المعتزلة ما دام ليس ثمّ إلا الله وما خلق ينبغي أن تنتفي الأوامر والنواهي والثواب والعقاب.
فيرد أبو عمار بقوله:" ليس ثمّ إلا الله وما خلق لا على نفي الاكتساب ولا يجوز إرسال الجواب حتى يوصل بالصلة التي تبين بها الجواب". فإن قالوا مماذا غضب الله من نفسه أو من خلقه...قيل لهم: غضب من فعل العبد الذي هو لله خلق ولا يقال غضب من خلقه.
وترجع ردود أبي عمار على كلا الصيغتين الى ما قرره من لإمكان تعدد الجهات الأمر الذي يرفضه المعتزلة (132) .
وقبل أن نتحول الى تعريف الكسب يحسن أن نذكر حجتين عقليتين في الرد على الجبرية.
الاحتجاج العقلي في الرد على الجبرية:
يعتبر الجبرية أن الله فعال ولا يجوز أن يكون فعالا غيره، فلذلك لا يكون الثواب والعقاب إلا عطاء من الله ولا دخل للعبد فيه.
يعتبر أبو عمار أن الجبرية أخطأوا من الجهة التي أخطأ منها القدرية وذلك بنسبتهم الفعل الى جهة واحدة فنسب الجبرية الفعل إلى الله بينما نسبه القدرية إلى الإنسان والجواب حسب أبي عمار واضح مما ذكر من قبل.
ومن بين الحجج التي يذكرها على الجبرية:
1- الفرق بين السّالمين وأهل الزمانات
لو كان الناس جميعا مجبرين فلم التمييز بين السالمين وأهل الزمانان، ونحن نعلم أن الله أسقط أمورا على أهل الزمانات وبسط لهم المعذرة. ( ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج) (48 الفتح 17) من ذلك إسقاط الإقرار بالتوحيد قولا على الأخرس وإبطال فرض الحج والجهاد على المقعد، بينما أوجب ذلك على الأصحاء السّالمين.
ثم يتدرج بهذا التحليل إلى اعتبار أن مثل هذا التصور دفع الملحدين إلى أن يعيبوا على ضعفه الأمة فعملوا على السعي إلى إبطال التوحيد والأمر والنهي (133) .
2-حجة المشيئة (134)
يعتبر الجبرية أن مشيئة الله وعلمه لا يبقيان معنى للكسب والاختيار فيجيب أبو عمار" الذي سألتمونا عنه من هذا أنه ليس في قولنا الله شاء لجميع ما يكون من الخلق عمل العباد وغيره، وأنه عالم بجميع ذلك وليس شيء بخارج من علمه، ولا مجاوز لإرادته ومشيئته مما يوجب أن يكون الله مكرها للعالمين على أعمالهم ولا جابرا لهم على ما يكون منهم من اختيارهم كما أنا وإياكم جميعا نقول: إن الله عالم بجميع ما يحدثه في خلقه ومريد لما يقدره عليهم، ولا يكون من ذلك إلا ما علم وأورد وليس في ذلك أيضا ما يوجب أن يكون الله جل جلاله مجبورا على أفعاله في خلقه، ولا مضطرا عليها إذا كان لا يجاوز شيء من ذلك علمه ولا إرادته وليس العلم والإرادة باللذين يجبران أحدا على فعل ما فعل ولا بمانعين له عن فعل ما لم يفعل (135) ".
بهذا نتبين أن الفكر الاباضي يميز بين المشيئة وبين الجبر تمييزا قطعيا وبهذا يترك المجال للاختيار البشري لتتجلى الحكمة من الأمر والنهي والثواب والعقاب وبذلك يتميز فعل الاختيار عن حركات الاضطرار.
وواضح إذن من خلال هذه الردود على المعتزلة والجبرية أن الإباضية سلكوا مسلكا آخر عبروا عنه بالكسب فمتى نشأ هذا المصطلح وما مدلوله؟
==============================
(116) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة57 وجه .ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 137 قفا.
(117) البرادي: شفاء الحائم . نقلا عن سالم العدالي: البرادي حياته وآثاره : 312 مع الملاحظ أن كل هذه الأحاديث لم ترد عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(118) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/86- 87 .ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 133 قفا.
فعلم الله ليس معناه الجبر وعلى هذا المعنى تحمل بقية الأحاديث الواردة في هذا المعنى. وجاء الحديث بصيغة:" الشقي من شقي في بطن أمه". عند مسلم قدر3، ابن ماجة مقدمة 7، ونسنك: المعجم المفهرس 1/192.
(119) البخاري: رقاق : 18 مرضى 19، مسلم: منافقين: 71. 73. 75. 76. 78. ابن ماجه: زهد 20، الدرامي: رقاق 24، أحمد بن حنبل: 2/235. 256...ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 4/559.
(120) الفاتحة 7.
(121) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/86 .ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 133 قفا.
(122) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 3/10 عدد 802 انظر ما سبق: 427 يفهم ألا جبر إذ الخلق من الله والفعل من العبد.
(123) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 3/10 عدد 802.
والملاحظ أن المحشي ختم شرحه لهذا الحديث ولتعليق الربيع عليه بمجموعة من الأقوال منسوبة إلى علي ابن أبي طالب مفادها ألا جبر وأن المدار على توفيق الله تعالى .ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/132- 135 وجاء بصيغة :" فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها..." ر. أحمد بن حنبل 1/ 272 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/174و 7 /134(كلمة ميثاق).
(124) ر. أبو خرز يغلا بن زلتاف: رسالة في الرد على جميع المخالفين: 36.
(125) ر. المحشي: حاشية الترتيب 7/132.ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/90.
(126) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/41- 42 وقد تعرض لمثل هذه القضية في التعريفات العامة بنفس العنوان تقريبا" في الجهات" ر. الموجز 2/19- 20 ونجد صدى لهذا في المرحلة المقررة عند المحشي: حاشية الترتيب 7/117 لكنه لم يتوسع في القضية ولعل مرجع ذلك إلى الاكتفاء بما جاء عند سلف الإباضية ، كما أن القضية لم تعد قائمة الذات لأن البيئة التي يعايشها الإباضية أشعرية ، والطرفان يقولان بالكسب مع وجود فويرقات بسيطة.
وإتماما للفائدة سيكون منطلقنا من كتاب أبي عمار: الموجز. لأنه أشبع القضية بحثا، وعلماء المرحلة المقررة عالة عليه خاصة في هذا الجانب من الاحتجاج العقلي.
(127) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 23- 24.
(128) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/26- 27.
(129) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/27- 28.
(130) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/48: والسبب في الخلاف هو اختلاف منطلق البحث فالمعتزلة يعتبرون أن الفعل لا يتجزأ ولا يمكن أن يكون له إلا جهة واحدة، بينما يعتبر الإباضية كما رأينا أن للفعل عدة جهات. انظر تحليلا للقضية نفسها عند البرادي: فيذكر مثال البناء، ففعله في الترصيف، والحجارة والطين من خلق الله تعالى فلا شركة .ر. سالم العدالي، حياته وآثاره: 321- 325.
(131) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/36.
(132) نفس المصدر 2/44.
(133) وهذا ما أشرنا إليه من قبل من الشبهات التي يثيرها كثير من أهل الفلسفة حول الإسلام معتبرين القضاء بمثابة ما جاء في قول القائل: ( البسيط)
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
(134) انظر ما سبق: 432 وقد كان المنطلق نقليا وخلصت النصوص إلى التمييز بين مشيئتين.
(135) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/85.
________________________________________
الكـسـب
نشأة المصطلح
إن الناظر في ما بقي من نصوص عن الأئمة الأول أمثال جابر بن زيد وأبي عبيدة والربيع (1) لا يجد أثرا لاستعمال كلمة الكسب بالمفهوم الاصطلاحي الذي اصطبغت به في ما بعد، وإنما نلمس أن المفهوم سابق للمصطلح ذلك أن هؤلاء الأئمة لم يجنح واحد منهم الى طرفي القضية وإنما وقفوا بشدة ضد أصحابهم الذين نزعوا نزعة غيلان الدمشقي وتبرأوا منهم وأطردوهم من حلقاتهم (2) .
وقد جاء التصريح واضحا في عقيدة عمان بالبراءة من المعتزلة ومن الجبرية:
" والبراءة ممن زعم أن:... ليس لله مشيئة في أعمال العباد وأنهم عملوا خلاف ما شاء الله... وهم القدرية والمعتزلة..."
" والبراءة ممن زعم أن الله جبر العباد على الطاعة والمعصية... وهم الجهمية وأشياعهم" (3) .
أما النصوص المغربية التي وصلتنا قبل رسالة أبي خزر وحتى بعدها فإنها تذكر كلمة الكسب أو الاكتساب ذكرا عابرا مما يدل على أن المصطلح لم يتبلور بعد.
ومن ذلك ما جاء في كتاب مسائل التوحيد في صدد الحديث عن التمييز بين الطبع والجبر والاختيار:" وذلك أن الاختيار كل ما اختاره الإنسان واكتسبه من غير كره ولا ضرورة في الأخذ والترك وما يقوم عنها من قصده واختياره" (4) .
ومنع أيضا ما جاء في عقيدة نفوسة:" وقيل إن الجن والإنس مكلفون مأمورون مكتسبون... والحركة على وجهين حركة مضطرة ما يتحرك من غير قصد ولا اكتساب وهو مثل المرتعش والكائن في السفينة وحركة مكتسبة بالقصد والاكتساب" (5) .
لكن الناظر في ردود أبي خزر على المعتزلة والجبرية معا يتبين بوضوح أن الاباضية وقفوا موقفا وسطا وليس الكسب في النهاية إلا منزلة بين الجبرية المطلقة والقدرية المطلقة قد يقترب منن هذا الجانب حينا ومن الجانب الثاني حينا آخر كما سنحاول أن نتبين ذلك بعد حين (6) .
وهذا قوله جاء صريحا في ذلك:" فأخذنا من ذلك (7) بالوسط وهو أعدل القولين وأصوبهما فنفينا عن الإنسان ما ليس من فعله وأضفنا ذلك الى الله بالمعنى الذي يحسن به الإضافة إليه..." (8) .
ويميز أبو خزر بوضوح بين حركة المضطر وحركة المكتسب ويثبت لحركة المكتسب وفعله طرفين فيقول:" ونسبنا الفعل الى الإنسان بمعنى ما فعل، ونسبنا الخلق إلى الله بمعنى ما خلق" (9) ويقول أيضا:" والذي أضفنا إلى الإنسان من الفعل فهو كله من الجهة التي أضفنا إليه أنه تحرك وسكن وكفر وآمن، لم شاركه من هذه الجهة أحد. والذي يضاف إلى الله أنه خلق فعل العباد، فالفعل كله مخلوق ولم يشترك مع الله في خلقه أحد" (10) .
وبهذا يتضح مفهوم الكسب الاصطلاحي وإن لم يسلك أبو خزر في ذلك مسلكا نظريا وإنما يستفاد ذلك كما رأينا من خلال ردوده على المعتزلة والمجبرة وضرب حجج بعضهم ببعض.
ويحسن أن نشير هنا إلى موقف من مواقف الاباضية تفرد به مشائخ جبل نفوسة (11) ولم يمح إلا بعد ظهور النونية في القرن السابع هـ/ الثالث عشر م، وهو المعبر عنه بالجبل باللام وسكون الباء واستمرت الإشارة إليه إلى يومنا هذا على سبيل الذكر فقط.
القول بالجبل:
والجبل لغة من جَبَل الله الخلق: خلقهم ويقال جبله على كذا طبعه. وفي الأثر:" جبلت القلوب على حب من أحسن إليها". (12)
أما في الاصطلاح حسب ما اتفق عليه المشائخ من أهل الجبل مثل أبي هارون الجلالمي (13) وأبي يحيى الفرسطائي (14) وغيرهما" (15) فهو:" ومعنى كونهم مجبولين على أفعالهم أنهم مخلوقون على أن يفعلوا ما علم الله أنهم يفعلونه قبل أن يخلقهم لا أنهم مجبورون عليه ولا دخل لهم فيه ولو بالاكتساب كما تقول الجبرية، ومما يستدلون به على ذلك قوله تعالى: ( واتقوا الله الذي خلقكم والجبلة الأولين) (26 الشعراء 184) وقوله تعالى في الفطرة إنها الخلق: ( فاطر السماوات والأرض) (6 الأنعام 14) أي خالقهما وقوله: ( فطرة الله التي فطر الناس عليها) (30 الروم 30) أي خلق الناس عليها وقوله في الطبع: ( بل طبع الله عليها بكفرهم) (4 النساء 155) فالقلوب مطبوع عليها بالكفر الذي فعلوه واكتسبوه لا على ما قالت الجهمية إنهم مجبورون" (16) .
ومن أدلتهم في الحديث قوله عليه السلام: " جبلت هذه القلوب على حب من أحسن إليها وبغض ما أساء إليها" . (17)
أما في الأدلة العقلية فهم يميزون بين هذا الجبل وما يسمونه بجبل الطبيعة ذاك أن المجبول بهذا المعنى ينتقل من الحب الى البغض أما فعل الطبيعة فلا تغير فيه فالثلج لن يتحول عن البرودة إلى ضدها من الحرارة أبدا كما أن الجبل الطبيعي لا يجري عليه ذم ولا مدح فلا يقال للأبيض لم كنت أبيض؟
ومشائخ جبل نفوسة يحتجون بكل هذه الأدلة على أصحابهم من أهل المغرب (18) الذين يقولون بالاختيار ويعتبرون أن موقفهم أفضل لورود ذكره في القرآن والسنة كما ذكر بينما الاختيار لم يرد ذكره لا في القرآن ولا في السنة وإنما قال تعالى: ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة من أمرهم) (28 القصص 68) (19) .
والناظر في حجج مشائخ أهل المغرب يتبين أنها الحجج التي يستدل بها على الكسب إذ لا يذهب هؤلاء إلى نفي الفعل عن الله تعالى كما يقول المعتزلة.
فواضح من هذا التحليل أن الخلاف بين الطرفين يتمثل في نسبة الاقتراب من الجبر والاختيار إذ نحس أن منزلة القائلين بالجبل أقرب الى الجبر وإن لم يقل أصحابها به بينما منزلة القائلين بالاختيار أقرب الى موقف المعتزلة وإن لم تصل إلى درجتهم في تخصيص العبد بالفعل، والموقف الذي سيغلب على الفكر الإباضي هو موقف مشائخ أهل المغرب كما اتضحت معالمه عند أبي خزر الذي أشرنا إليه من قبل (20)
======================================
(1) انظر ما سبق: 104
(2) انظر ما سبق: 106 تعليق 43
(3) ر. سرحان بن سعيد الأزكوي: كتاب كشف الغمة عن: كوبرلي: الأطروحة م 3 الملاحق: 22.
(4) أبو العباس أحمد ابن أبي بكر: كتاب مسائل التوحيد: 6.
(5) أبو زكرياء يحيى الجناوني: عقيدة نفوسة .ر. كوبرلي: الأطروحة: 3/22.
(6) انظر ما يلي: 453 عرض مواقف بعض الفرق من الكسب.
(7) يشير إلى حجج المعتزلة والجبرية من القرآن الكريم.
(8) أبو خرز يغلا بن زلتاف: رسالة في الرد على جميع المخالفين: 37.
(9) نفس المصدر: 41.
(10) نفس المصدر: 42.
(11) لقد ذكر الجيطالي بعضا منهم وسنعرف بهما مباشرة
(12) ر. ابن منظور: لسان العرب.
(13) أبو هارون الجلالي( موسى بن يونس النفوسي): النصف الثاني من القرن 3/9 من مشاهير فقهاء جبل نفوسة من آجلالم ر. محمد حسن : تحقيق سير الشماخي: 664.
(14) ابن يحيى بن أبي القاسم الفرسطائي. أواخر القرن 3هـ بداية 4هـ /9 و 10م فقيه إباضي وتاجر، دعا إلى الإسلام في السودان وقد أسلم ملكها على يده له مسجده في فرسطاء. ر. محمد حسن : تحقيق سير الشماخي:670.
(15) إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 135وجه.
(16) إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 135وجه.
(17) لم يرد الحديث بهذه الصيغة عند ونسنك في المعجم المفهرس وأنما جاءت أحاديث أخرى ورد فيها ذكر الجبل مثل:" وإنه يصير إلى ما جبل عليه" ر. أحمد بن حنبل 4/ 206.ر. ونسنك: في المعجم المفهرس 1/318. والنص من نفس المصدر السابق ورقة 134 قفا.
(18) يقصد الجنوب التونسي ومنطقة الجريد وأريغ ببلاد الجزائر التي تقابل تقرت حاليا.
(19) ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 134و 135.
(20) انظر ما سبق 449
________________________________________
تحليل مفهوم الكسب
وقبل أن يزيد موقف الكسب توضيحا يحسن أن نشير إلى ظهور موقفين جديدين يتماشيان مع ما أشرنا إليه عند الاباضية من توسط وهما رأي الأشعري والماتريدي وهذان الرأيان تبلورا في ما بعد في المدرستين الأشعرية والماتريدية.
أما الأشعري" فالكسب عنده ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة فإذا توجهت إرادة العبد نحو عمل ما خلق الله قدرة العبد وخلق معها الفعل، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكتسب الفعل بقدرة الله وهذا القصد أو الجزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب" (21)
وبما أن هذه القدرة لا أثر لها في إيجاد الفعل فإن عنصر الاختيار ينتفي وبعبارة أخرى فإن كان الكسب نفسه مخلوقا لله تعالى مثل الفعل نفسه فذلك يؤدي حتما إلى الجبر ولهذا صار كسب الأشعري مضرب المثال في الخلفاء فيقال: أخفى من كسب الأشعري ومهما يكن من أمر يبقى الفرق بين الخلق والكسب في أن الخلق يحيط بالمخلوق من كل وجه بينما الكسب لا يفرض إحاطة الكاسب بالمكسوب من كل وجه. (22)
أما الماتريدي فهو أيضا قد قال بالكسب ومن ذلك ما جاء في كتاب التوحيد:" وليس في إضافتنا (الأفعال) لله سبحانه نفي لمشاركة الإنسان بل هي لله خلقا وإيجادا وللإنسان كسبا واختيارا" (23) .
ويرى الماتريدي أن المؤثر في أصل الفعل قدرته تعالى، وفي وصفه قدرة العبد فإذا ضرب زيد يتيما تأديبا أو ظلما فأصل الفعل وهو الحركة المشتركة بين الضربين مخلوق بقدرته تعالى، وكون الضرب طاعة وحسنا في الأول ومعصية وقبحا في الثاني حاصل بتأثير قدرة العبد وهذا التأثير يسميه الماتريدية الاختيار وسماه أحيانا الكسب (24) .
والمقارنة بين الكسبين تثبت أن نسبة الاختيار أوسع عند الماتريدي.
ومعلوم أن تحليل المدرستين للكسب بلور هذا المفهوم عبر الزمن (25) وليس لنا أن نتوسع في ذلك لكن قد نشير إلى مواقف بعض الأعلام من المدرستين خلال تفاعلها مع الفكر الاباضي وتجدر الملاحظة أن التعايش الفكري ظل واضحا بين هاتين المدرستين والفكر الاباضي على خلاف ما كان بينه وبينهما من تنافر في قضية الذات والصفات وقضية خلق القرآن. (26)
وبعد هذه اللمحة التي تساعد على تفهم تفاعل المدارس الإسلامية في ما بينها وكيف أنها تخدم بعضها البعض حتى وإن تنافرت، يحسن أن نذكر بأن مفهوم الكسب اتضح عند الاباضية في القرن السادس هـ /12م (27) ونكتفي ما جاء في كتاب الموجز عند الرد على القدرية والمجبرة للتدليل على ذلك:" قال جميع الفرق من أهل القبلة الخوارج والاباضية والشيعة والمرجئة: إن العالم وما فيه من جوهر وعرض وخير وشر وطاعة ومعصية ما يرى من ذلك وما لا يرى مما كان منه ومما سيكون- وما يتوهم كونه- أن لو كان كيف كان يكون، فهو خلق الله وتدبير له، والله المقدر لجميع ذلك والمدبر له، وهو الصانع له، والمالك وليس شيء منه بخارج من تدبير الله، وتقديره وملكه وسلطانه وإرادته وعلمه ما يضاف إلى العباد من ذلك وما لا يضاف إليهم وليس في أنه مضاف إلى العباد بأنهم إكتسبوه واختاروه وتحركوا به، وسكنوا وأطاعوا به وعصوا ما يزيل تدبير الله عنه، ولا ما يخرجه من خلقه وتقديره وقدرته، وسلطانه وعلمه، كما انه ليس تدبير الله لذلك وخلقه له، وجعله على ما هو له من كيفية في عينه، وبالذي يزيل عنه أن يكون كسبا للعباد واختيارا لهم، وهذا الذي ذكرناه من هذا القول هو ما عليه جمهور الأمة وصدر الإسلام" (28) .
وجاء فيه أيضا أثناء الرد على الجهمية المجبرة:" وقال أهل الحق: إن الله قدر جميع الأفعال وخلقها، وقضاها من فاعليها ولسنا نقول إنه جبر أحدا على ما كان منه من طاعة أو معصية، ولا نقول إن أحدا أوتي في شيء من التقصير عن طاعة ربه من قبل الله في تقديره لما كان منه من فعله ولا قضائه، ولا علمه أنه سيكون منه، والجبر منع واستكراه ولم نر أحدا من العاملين للطاعة والمعصية مستكرهين على شيء من فعلهم وهم لكل ما فعلوه من ذلك مريدون ولجميع ما أتوا من الفعل المفعول عن المتروك مختارون وإليه قاصدون فبطل بذلك قول جهم من قال بقوله من أصناف المجبرة" (29) .
من خلال هذين النصين وقد أوردناهما على طولهما لما رأينا فيهما من احتراز وتدقيق نتبين أن نسبة الاختيار في الكسب جلية في الفكر الاباضي وفي ذلك بيان للحكمة من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وقد جاء في كتاب السؤالات ما يلي:" ستة مبطلة للجبل والجبر مثبتة للاختيار والاكتساب:" الأمر والنهي، والحمد والذم، والثواب والعقاب" (30) .
ويتضح مبدأ تبني مفهوم الكسب في القرن السابع هـ/ 13م مع أبي نصر القائل في نونيته التي ما يزال صداها الى اليوم في الأوساط الإباضية فهي من المتون التي تحفظ من الصغر على نغم أشبه ما يكون بنغم المدائح:(طويل)
(31)
وكذلك في القرن الثامن هـ/14م مع عامر الشماخي في كتاب الديانات حيث يقول:" وندين بأن أفعال العباد اكتسبوها وعملوها ولم يجبروا عليها ولم يضطروا إليها" (32) ، والملاحظ أنه أورد هذا في باب العدل لنفي الظلم عن الله ولم يذكره في باب القدر إلا أنه لم يغفل في باب القدر عن نسبة خلق أفعال العباد الى الله:"...وندين بأن الله خالق أفعال العباد ومحدثها ومريدها" (33) .
والحاصل من النصين كما ألفنا ذلك اعتبار جهتين للفعل الواحد، الخلق لله والكسب للإنسان، أما الجيطالي في القرن الثامن هـ= 14م وإن بدا مدافعا عن نظرية الجبل في شرح النونية فقد غلب (القول بالكسب) على تحاليله ومواقفه خاصة أثناء الرد على المعتزلة وقد تبنى في ذلك نصوصا كاملة من كتاب الموجز الذي يدافع بشدة عن القول بالكسب والاختيار (34)
أما القرن التاسع هـ = 15 م فيتسم بهذا التحليل الموجز الذي نسبه يوسف المصعبي الى البرادي ويتمثل في ما يلي: ما للإنسان في فعله: القصد إليه، الاكتساب، الاختيار له، التحرك، السكون، مطيع إن أمر الله، عاص إن نهى الله. ما لله من فعل الإنسان: التقدير، التفكير، الإرادة، الخلق، الإحداث العلم به على ما هو عليه في كيفيته وفي حينه الذي يقع فيه" (34مكرر) .
إلا أن البرادي رغم تخصيصه رسالة لتعريف مفهوم الإباضية لعديد من المصطلحات فإنه لم يضبط تعريفا للكسب.
أما القرون الثلاثة التي تعنينا أكثر فقد اهتم فيها بتحليل القضية كل من عبدالله السدويكشي ومحمد ابن أبي ستة المحشي وقاسم الويراني، ويوسف المصعبي وعمرو التلاتي.
أما عبدالله السدويكشي فيثبت بوضوح أن مسألة الكسب من غوامض علم الكلام ويصرح بأن الكسب يخلص من مضيق ويتدرج الى هذه النتيجة بعد عدة تحاليل ينطلق فيها من تحديد الفعل فيذكر في ذلك أنه " عرض يوجد مع الاستطاعة" أو " ما وجد بعد عدم" ثم يبين أن الكسب تبرير للتكليف لأن الله وحده هو المنفرد بالخلق وهو أثر القدرة الحادثة وإن كانت حقيقته غير معلومة وهنا يقرر أن القدرة الحادثة (34مكرر) تتعلق ببعض أفعال الإنسان كالصعود دون البعض كالسقوط.
ثم يفضي به التحليل إلى تقرير ما عبر عنه باختلاف الإضافات وهو شبيه بما رأينا من قبل باختلاف الجهات (35) فيقول:"... فالكسب لا يوجب وجود المقدور ولأجل اتصاف الفاعل بذلك كان مرجعا لاختلاف الإضافات ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا فإن الاتصاف بالقبح بالقصد والإرادة قبيح بخلاف خلق القبيح فإنه لا ينافي المصلحة والعاقبة الحميدة بل ربما اشتمل عليهما". (36)
وبعد أن يوضح حكمة الله في الخلق حتى في ما بدا لنا خبيثا يثبت أن الأمر يختلف بالنسبة إلى كسب الإنسان" فإنه قد يفعل الحسن وقد يفعل القبيح فجعلنا كسبه للقبيح بعد ورود النهي عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب" (37) .
وبعد أن يرد على المعتزلة بإثباته إمكانية وقوع المقدور الواحد تحت قدرتين (38) يقول:" لما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش واحتجنا في التخلص من هذا المضيق الى القول بأن الله تعالى خالق والعبد كاسب، وتحقيقه أن صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل كسب، وإيجاد الله الفعل عقب ذلك الصرف خلق (39) .
ثم يختم بقوله:" وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أن نزيد في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله وإيجاده مع ما للعبد من القدرة والاختيار وإن عبروا عن الفرق بينهما بمثل: الكسب ما وقع بآلة، والخلق ما وقع بلا آلة " (40) .
وبعد أن ميز بين الحركة الإرادية والضرورية للرد على الجبرية تخلص إلى ما يلي:" لا يقال الجبر لازم لكم حيث لم يجعلوا للعبد تأثيرا في أفعاله لأنا نقول بأن الجبر المحظور هو الحسي وأما العقلي وهو سلب الخالقية عن العبد، فهو متوجه على جميع الفرق بل هو محض الإيمان كما أن ما أراده تعالى من العبد لابد من وقعه باختياره فإن الوجوب بالاختيار هو محقق الاختيار لا مناف له" (41) .
فتحاليل السدويكشي قد استفادت ولا شك من كل ما سبق إلا أن نزعته في التحليل لا تعتمد على نقل النصوص وإنما على استيعاب القضية ثم تحرير مراحلها تحريرا ذاتيا ومصل هذا المنهج مكن السدويكشي من السيطرة على القضية نسبيا ودفعه إلى أن يبوح بصراحة بدقة القضية وصعوبة التمكن منها إذ يشعر أن العبارة عاجزة عن تحمل المعاني الخفية التي يحس بها من يحلل مثل هذه القضية.
فتحاليل السدويكشي قد استفادت ولا شك من كل ما سبق إلا أن نزعته في التحليل لا تعتمد على نقل النصوص وإنما على استيعاب القضية ثم تحرير مراحلها ذاتيا ومثل هذا المنهج مكن السدويكشي من السيطرة على القضية نسبيا ودفعه الى أن يبوح بصراحة بدقة القضية وصعوبة التمكن منها، إذ يشعر أن العبارة عاجزة عن تحمل المعاني الخفية التي يحس بها من يحلل مثل هذه القضية.
ونلخص من تحليله هذا إلى تعريفين واضحين لمصطلح الكسب وهما:
1- صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل.
2- ما وقع بآلة. (42)
========================
(21) بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 303- 304 .ر. البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 104. والظاهر أنه يغلب مفهوم الجبر ومن ذلك يقول: " وبالجملة فليس للعبد تأثير ما فهو مجبور باطنا ومختار ظاهرا، فإن قيل إذا كان مجبورا باطنا فلا معنى للاختيار الظاهري لأن الله قد علم وقوع الفعل ولا بد ، وخلق في العبد القدرة عليه. وأجيب بأنه تعالى لا يسأل عما يفعل. ولذلك قال سيدي إبراهيم الدسوقي:" من نظر للخلق بعين الحقيقةعذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم فالعبد مجبور في صورة مختار". شرح جوهرة التوحيد: 105 .ر. الغزالي: كتاب الأربعين: 13: وقد رجح التوسط بين الجبر والاختيار.
(22) ر. حمودة غرابة: الأشعري( أبو الحسن) مكتبة الخانجي القاهرة 1953: 115.
(23) أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد:39.
(24) ر. أبو منصور الماتريدي: كتاب التوحيد: 228- 257 .ر. بلقاسم بن حسن: آراء الماتريدي الكلامية: 303.
(25) cf. Gimaret. Theories de I acte humain en theologie musulmane, ParisVrin , 1980. p61- 234, 361
(26) انظر ما سبق :240 و 354و 364
ملاحظة:
ويحسن أن نشير هنا إلى ما جاء عند الشيعة والمعتزلة: أما عن الشيعة فينسب المحشي إلى جعفر الصادق ما يلي:... أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض ( حاشية الترتيب 1/117، ر. محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي: 40)
وهؤلاء يقولون بالمنزلة بين المنزلتين( يختلف المصطلح عن الاستعمال الاعتزالي) ولهم في ثلاثة تفاسير:
1- أن للفعل الصادر عن إرادة العبد سببين بعيدا وقريبا، فالبعيد إرادة الله والقريب إرادة العبد ، فبالنظر إلى السبب القريب لا جبر، وبالنظر إلى السبب البعيد لا تفويض، فالأشاعرة قصروا نظرهم على السبب البعيد فقالوا بالجبر والمعتزلة قصروا نظرهم على السبب القريب فقالوا بالتفويض.
2- إن الفعل باعتبار صدوره عن إرادة العبد لا جبر عليه، وباعتبار تأثير إرادة الله فيه تكوينا، إذ هو خالق العبد وإرادته، وإن كان الجزء الأخير للسبب الكافي إرادة العبد فهو الله فلا تفويض فيه.
3- إن الفعل باعتبار صدوره عن إرادة العبد لا جبر عليه، وباعتبار إن الله أقدره على ذلك فهو لله فلا تفويض فيه". محمد علي ناصر الجعفري: أصول الدين الإسلامي: 41.
أما المعتزلة فلا يقولون بالكسب ولكنهم يفسرون اللفظة تفسيرهم الخاص وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار:" كل فعل يستجلب به نفع أو يستجلب به ضرر يدلك على ذلك هو أن العرب إذا اعتقدوا في فعل أنه يستجلب به نفع أو يستدفع به ضرر سموه كسبا ولهذا سموا هذه الحرف مكاسب والمحترف بها كاسبا والجوارح من الطير كواسب" شرح الأصول الخمسة: 363- 364.
(27) إن ما جاء في مصادر هذا القرن( 6/12) يحوم حول هذا التعريف.
(28) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/25- 26.
(29) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/80- 81.
(30) عمرو بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 158. كما يقول السوفي في نفس الصفحة:" وحد الاكتساب وجود الإرادة والاختيار... وحد الاضطرار عدم الإرادة" .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 18. وقد نقل النص عن كتاب السؤالات .ر. المحشي: حاشية الترتيب 1/116.
(31) أبو نصر فتح الملوشائي: النونية البيت عدد (32)
(32) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 43 و 44.
(33) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 43 و 44.
(34) ر. إسماعيل الجيطالي: شرح النونية ورقة 130 وجه 153 قفا.
(34 مكرر) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين ص 21.
(34 مكرر) هذا التعبير مقتبس من المدرسة الأشعرية مع الجويني. انظر الإرشاد 97. انظر أطروحة كوبرلي: 432 تعليق 50.
(35) انظر ما سبق:442
(36) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:7.
(37) نفس المصدر:8
(38) قدرة الله بجهة الخلق ، وقدرة العبد بجهة الكسب.
(39) نفس العبارة تقريبا نجدها في شرح جوهرة التوحيد " أما ثبت بالبرهان أن الخالق هو الله سبحانه وتعالى وبالضرورة أن لقدرة العبد مدخلا في بعض الأفعال كحركة البطش دون البعض كحركة الارتعاش احتجنا في التخلص من هذا المضيق بأن الله خالق للفعل لكن للعبد في الاختيار منه كسبن والمقدور الواحد يدخل تحت قدرتين بجهتين مختلفتين فيدخل العبد بجهة الكسب". البيجوري شرح جوهرة التوحيد: 104. وفي هذا دلالة على التفاعل بين المدرستين.
(40) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:8.
(41) عبدالله السدويكشي: حاشية على كتاب الديانات:8.
(42) وقد جاء في المنهج ما يلي:" وحقيقة الكسب كل فعل وقع باستطاعة محدثة مع الفعل". خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/469
________________________________________
أما محمد ابن أبي ستة- المحشي- فقد تبنى موقف كتاب السؤالات (43) وقد أشرنا إليه من قبل. (44)
أما تحاليل قاسم الويراني فتبدو طريفة إذ بين اختلاف الإباضية في القضية، وبين ما ينتابها من غموض فقال:" ومال بهم الأمر في ذلك إلى أن قالوا ليس كونه كسبا من العبد ما يخرجه عن كونه خلقا من الله وأنت خبير بأن هذا لا يشفي الغليل، ثم قرر أن حقيقة الأمر في ذلك: أن الله تعالى خلق العبد ليبلوه وجعل له الاختيار في ما يجترحه. ومعنى الاختيار إذ سنح بباله فعل شيء وتردد في فعله وتركه نشأ عن تردده الميل إلى أحد الجانبين وترجيحه فالميل هو المعبر عنه بالإرادة والترجيح هو المعبر أحد الجانبين ويسمى كسبا بإعتبار أنه مبنى ما يصدر عنه فإذا طفق في إخراج ذلك من العدم إلى الوجود فالمخرج هو لله تعالى وتقدس والعقاب المترتب على الفاعل باختيار الفعل وإرادته إياه" (45) .
والأساس بالنسبة إلى الويراني أنه حاول أن يتخلص مما لا يشفي الغليل فلم يصل هو أيضا إلى ذلك، إلا أنه أضاف فكرة الميل والترجيح واتضح أن الكسب حسب رأيه هو الترجيح المعبر عنه بالاختيار لأنه منطلق كل ما يصدر عنه.
أما عمرو التلاتي فقد تعرض للقضية في مواطن عدة في شروحه ومختصراته والناظر في هذه النصوص يتبين نزعته الى المقارنة مع ما جاء خاصة عند الأشاعرة والماتريدية إلى أن يوشك أن يختلط الأمر على القارئ ولا غرابة في ذلك لأن المواقف متفقة غالبا وإن بدت فيها فويرقات في نسبة الاقتراب من الجبر المطلق والاختيار المطلق والابتعاد عنهما. ونكتفي بما أورده في شرحه على كتاب الديانات من التعاريف وهي:
- " عند غير الاباضية: الكسب هو تعلق القدرة الحادثة بالمقدور. وقيل: هو صرف العبد قدرته وإرادته الى المقدور.
ويستشهد بما جاء في جوهرة التوحيد ويذكر من ذلك:( رجز).
(46)
- والذي في كتبنا أن الكسب:
صرف العبد قدرته وإرادته للفعل.
وقيل : هو ترجيح العبد الفعل على غيره.
وقيل: هو الحركة والسكون وهذا القول الثالث غير ظاهر، لأن كلا من الحركة والسكون فعل لا كسب". (47)
وطرافة التلاتي تتمثل في ما يوفره بين يدي القارئ من نصوص تمكنه من المقارنة بيسر، وتكثر في هذه القضية صيغة " وأصحابنا" و" الأشاعرة" وعبارة " كما تقول الأئمة الماتريدية" وفي هذا دلالة على تقارب وجهات النظر.
والملاحظ أن مدار هذه التعاريف واحد لأنها تتفق على تحميل الفاعل المسؤولية في إتيان الفعل ليستقيم التكليف.
أما يوسف المصعبي فقد سلك مسلك النقل هو أيضا، إلا أنه اكتفى بإيراد النصوص الاباضية مع شيء من الحذف الذي لا يخل بالمعنى ثم خلص إلى النتيجة التالية:" فتحصل من كلامهم رحمهم الله اختلاف في تحقيق مسمى الكسب.
فالشيخ عبدالله( يعني السدويكشي) ذكر أنه صرف العبد قدرته وإرادته الى الفعل.
والشيخ إسماعيل(أي الجيطالي) رحمه الله ذكر أنه الحركة والسكون، وهو المتبادر من كلام صاحب الموجز (أي أبا عمار عبد الكافي) والشيخ قاسم( الويراني) ذكر أن الترجيح يسمى كسبا واختيارا" (48) .
وما يزال الموقف هو نفسه إلى الآن ذاك أن الكسب باب من أبواب نفي الجبر وتمكين الإنسان من الإختيار وفي ذلك يقول السالمي: (رجز)
(49)
ثم يقول:
(50)
ويقول أيضا في جوهر النظام:(رجز)
(51)
ويعلق ناثر جوهر النظام معرفا الكسب كما يلي:" والمنسوب منها (الأفعال) إلى الخلق مجرد كسب يسمى القدرة الحادثة في العبد مقترنة بالفعل المخلوق لله فيه" (52) .
إن هذا العرض لنشأة فكرة الكسب وتطورها تدريجيا الى مصطلح تبين أن الفكر الاباضي ظل وفيا لموقف الأئمة الأول الذين أخذوا عن أصحاب الرسول عليه السلام إلا أن الأحداث السياسية، وقد قلبت الأوضاع في القرن الأول هـ/17م من جراء أحداث الفتنة الكبرى التي أسفرت عن معتقدين متناقضين أحدهما مواكب للدولة يفهم القدر على أنه جبر، والثاني معارض للدولة يفهم القدر على أنه فعل العبد فحسب ليبرهن على اغتصاب الحكم من الأمويين ، دفعت بالاباضية إلى إتخاذ موقف معتدل من القضية رغم معارضتهم للحكم الأموي لأن هذا الموقف لا يبرئ ساحة الأمويين ولا يتعارض مع علم الله في الأزل وإرادته وتجلى ذلك صريحا على لسان الربيع ابن حبيب الذي بين أن الخلق من الله والفعل من العبد. (53)
ومهما بدت مواقف الاباضية التي ذكرنا متباينة في الظاهر من الكسب فهي لم تخرج عن هذا النطاق، إذ لم يقل واحد من هؤلاء العلماء لا بالجبر المطلق ولا بالاختيار المطلق، وحتى ما بدا قريبا من الجبر من قول مشائخ جبل نفوسة ما قبل القرن السابع هـ/13م فقد ميزوه عن الجبر وكذلك بالنسبة إلى مشائخ المغرب فإن قالوا بالاختيار فكان ذلك من باب التعبير عن الكسب.
وإن كان التيار الجبري والاعتزالي دفعا الاباضية الى ضرب حجج بعضهم ببعض فإنهم وجدوا في المدارس الأشعرية والماتريدية والشيعية- الزيدية خاصة- أحسن مساندة لبلورة مفهوم الكسب.
والملاحظ أن القضية بقيت في نطاق الصراع الفكري خاصة بعد انقراض المعتزلة واندماجهم في تيارات أخرى ولذلك لا نجد في رسائل الردود لهذه القضية أثرا ، ذلك لأن المحيط الذي يتعايش معه إباضية المغرب أشعري ويغلب عليه الطابع المالكي والكل يقول بالكسب وإن وجدت بعض الفويرقات كما أشرنا إلى ذلك سابقا.
وهكذا تمضي القرون فيتبلور المفهوم شيئا فشيئا ليصاغ في متون أحيانا ومحللا أحيانا أخرى في دراسات مستقلة، أو في شروح لهذه المتون فتتضح ناحية التنظير ويذكر هؤلاء العلماء تعاريف للكسب تمكن من التعبير عن الفكر الاباضي في القضية في قالب نظري ميسر، لكن هذه التعاريف مهما بلغت فإنها لا تشفي الغليل كما ذكر قاسم الويراني، إلا أنها تقرب المعنى للإنسان.
والواضح من خلال هذه التعاريف أنها تجعل مفهوم الكسب عند الاباضية أقرب إلى مفهوم الكسب عند الماتريدي حيث يستركان في توسيع نسبة الاختيار بينما يظل الكسب عند الأشعري أقرب إلى الجبر، وإنك لتجد ذلك واضحا في الألفاظ المختارة للتحديد مثل الصرف، والميل ، والترجيح، وفي كل هذا سعى الفكر الإباضي إلى أن يجعل للإنسان مسؤوليته مع تأدب مع الله تعالى في إرادته وعلمه وقدرته.
ولا يمكن أن نقف عند هذا الحد إذ ارتبطت بقضية القدر والكسب قضايا أخرى، فلنحاول أن نثبت كيف نظر الاباضية إلى هذا الارتباط.
==========================
(43) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع: 70- 73.
(44) انظر ما سبق: 456
(45) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: ص21، وقد نقل عن قاسم الويراني: شرح النونية، وقد ذكرنا أننا لم نتمكن من الحصول على هذا الشرح.
(46) إبراهيم اللقاني: جوهر التوحيد: 104.
(47) عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات: 57.
(48) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 21.
(49) عبدالله السالمي: المشارق: 313 و 326.
(50) عبدالله السالمي: المشارق: 313 و 326.
(51) عبد الله السالمي: جوهر النظام: 11.
(52) ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر 1/38.
(53) انظر ما سبق: 427
________________________________________
تحليل قضايا تتعلق بالقضاء والقدر
تأتي على رأس هذه القضايا قضية الإرادة الإلهية وعلاقتها بفعل الإنسان.
الإرادة:
لم يقع التركيز على قضية الإرادة في ما وقع بين أيدينا من تراث المرحلة المقررة وهذا عمرو التلاتي يكتفي بتلخيص الموضوع دون أن يدعمه بما يحتاج من الحجج على أساس أنها عرضت من قبل لذلك سنورد تلخيصه هذا ثم نعتمد على ما جاء من تحاليل عند أبي عمار عبد الكافي لاستيفاء الغرض.
وملخص عمرو التلاتي هو:" وإن الإرادة عندنا توجد مع المراد لا قبله ولا بعده كالاستطاعة لأنها علة فيه، والعلة لا تفارق معلولها، وقالت المعتزلة قبله لا معه ولا بعده، وهي عندنا قسمان إرادة العزم وإرادة التمني، فالأولى توجد مع الفعل والثانية توجد قبله، وقد يتخلف المراد عنها كأن توجد هي ولا يوجد هو لأنها ليست علة فيه، وإن إرادة العزم للشرك والمعاصي إرادة خلق لا أمر، وإرادة الإيمان والطاعة إرادة خلق لا أمر، وإن الكافر مكلف عندنا بالإيمان وسائر الطاعات، وبالإنكفاف عن الكفر وسائر المعاصي وإن العاجز والزمن غير مكلفين" (1) .
أما أبو عمار فيشبع القضية بحثا ويمكن أن نعرض تحليله كما يلي: قال الله تعالى: ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (16 النحل 40) ويقول أيضا: ( فعال لما يريد) (11 هود 107).
لا خلاف في أن الله فعال لما يريد لكن ما حقيقة هذه الإرادة؟ وما صلتها بالأمر؟
وما علاقتها بأفعال العباد؟ وما علاقتها بالخلق بصفة مطلقة؟ وما علاقتها بالمراد؟
لقد حرص أبو عمار على أن يثبت موقف الاباضية من هذه العلاقات في نطاق مجادلة أهل الاعتزال.
فإن أقر المعتزلة أن الإرادة صفة فعل فقد أثبت الاباضية أنها صفة ذات أزلية واجبة لـه تعالى لأن الاستكراه عن الله منفي، لا يجوز أن يوصف به في حين من الأحيان (2) فالله تعالى ما يزال مريدا (3) .هذا في ما يتعلق بتحقيقه الإرادة.
أما عن صلتها بالأمر فغن أقر المعتزلة أنها عين الأمر فقد بين الاباضية أنها غير الأمر:" ويقال للمعتزلة في قولهم: إن الإرادة من الله فعل يفعله وهو عين الأمر بالطاعة، فإذا أحدث الإرادة لشيء فعله وإذا أحدث الإرادة للإيمان يأمر بالإيمان، ولا يجوز أن يكون يأمر بالشيء وهو غير مريد لـه، فإذا أراده أمر به، فالإرادة غير الأمر" (4) .
وأما عن صلتها بأفعال العباد فيحددها عند ربطها بالطاعة والمعصية.
ففي ما يتعلق بالطاعة:" فإنا لا ننكر أن يقال :إن الله أراد طاعته من عباده على معنى أمرهم بها ودعاهم إليها" (5) .
وتصطدم الإرادة بمعاصي العباد فيطرح المشكل التالي: هل أراد الله أن يعصى؟
ويجيب أبو عمار: إن كنت تريد أراد الله أن يعصى بمعنى أمر بالمعصية فلا، بل أراد الله أن يطاع بهذا المعنى، وإن كنت تريد أراد المعصية أي جعلها خلافا للطاعة غير مستكره على أن تكون المعصية من العصاة والكفر من الكافرين فهذا ما نقول، فالإرادة في هذا الموضع نفي الاستكراه" (6) .
ويبين البرادي بوضوح هذا المعنى بما يلي:" إن الفائدة في قولنا:" أراد الله المعصية وشاءها ثلاثة أشياء:
1- أحدها: أراد خلقها وشاءها لا على معنى الأمر بها والدعاء إليها مثل ما هو في الطاعة.
2- والثاني: أراد النهي عنها والذم لها والمعاقبة عليها وجعلها مخالفة لطاعته.
1- والثالث: معنى أرادها وشاءها على نفي الاستكراه عن الله عز وجل فيكون معنى أرادها وشاءها لم يكن الله مغلوبا عليها ولم تقع من فاعلها على كره منه" (7) .
وبهذا التأويل للإرادة يكون الرد على المعتزلة في أسئلتهم التي هي ضرب من التعجيز والموقف الاباضي في الإرادة يتمثل في الإلحاح على نفي الاستكراه عن الله تعالى، وكذلك في العلم نفي الجهل عنه تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وأما عن علاقة الإرادة بالخلق فيفصح عنها أبو عمار في رده على المعتزلة أيضا الذين يقولون : عن الإرادة لأن يخلق الخلق هي خلقه له: فبين أن الإرادة مغايرة للخلق ومتقدمة عليه ودليله على ذلك قوله تعالى: ( إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (16 النحل 40) (8) .
ويختم أبو عمار تحليله لهذه القضية بما يلي:" وهذا الذي قلنا به في الإرادة هو قول الاباضية والزيدية والمرجئة والعامة وما عليه صدر الاسلام بنقلهم الجملة التي يتوارثونها عن الماضين من الأسلاف " إن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن"( تبارك الله رب العالمين) (9)
وأما في علاقتها بالمراد فيقول أبو خزر ما يلي:" والذي نقول من ذلك إن الإرادة مع المراد لا قبل ولا بعد، وذلك أن الإرادة علة للمراد ومحال أن تفارق العلة المعلول" (10) ثم يميز بين إرادة العزم ويؤكد أنها لا تكون إلا مع الفعل، وبين إرادة التمني وهي تكون ولا يكون المراد لأنها ليست بعلة له.
فالإرادة حينئذ صفة ذات، وهي مغايرة للأمر، كما أنها تتخلف عن الخلق وتتقدمه، ولا ينكر الاباضية أن يريد الله المعصية لكن لا بمعنى الأمر بها وإنما بمعنى نفي الاستكراه عن الله تعالى، وبمعنى النهي عنها والمعاقبة عليها، وجعلها مخالفة للمعصية، كما يقرون أن إرادة العزم تكون مع المراد بينهما تكون إرادة التمني ولا يكون المراد.
وترتبط بهذه القضية مسألة الاستطاعة.
==============================
(1) عمر التلاتي: شرح النونية ورقة 70 قفا. عبد العزيز الثمينيك النور: 193
(2) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/73
(3) وهنا يحسن أن نذكر بان الإباضية يرون أن الله لا يأمر بما لا يريد، وذلك من باب الحكمة، بينما يرى الأشعرية إمكانية أن يأمر الله بما لا يريد ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 2 1/ 70
(4) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/78
(5) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/ 73
(6) نفس المصدر : 76 ، ويبين يوسف المصعبي موقف المعتزلة كما يلي: " ويقول المعتزلة: إن المعاصي غير داخلة تحت إرادة الله تعالى لأن الإرادة تستلزم الأمر عندهم"، حاشية على أصول تبغورين: 80
(7) ر. سالم العدالي: البرادي: حيلته وآثاره: 320
(8) انظر ما سبق: 374
(9) أبو عمار عبد الكافي: 2/79 - 80
(10) أبو خرز يغلا بن زلتاف: رسالة في الرد على جميع المخالفين: 55
________________________________________
الاستطاعة وتكليف مالا يطاق:
الاستطاعة لغة مصدر استطاع الشيء بمعنى أطاقه وقدر عليه وأمكنه . (11)
والقضية المطروحة في هذا الباب تمس علاقة الاستطاعة بفعل الإنسان، ويحسن أن نمهد للموضوع بنقل المناظرة التي دارت بين إباضي ومعتزلي.
قال كهلان الواصلي لأبي أيوب الاباضي (12) : أتنكر أن الاستطاعة باقية.
فقال أبو أيوب: نعم، وأدعي أنها فانية.
قال كهلان: والله يكذبك إذ يقول: ( فاتقوا الله ما استطعتم) (64 التغابن 16).
فقال أبو أيوب: أرأيت هذه الآية التي تلوت محكمة أو متشابهة فيكون تأويلها على خلاف تنزيلها؟
قال كهلان: بل أنها محكمة لا ينبغي لها من التأويل غير ما سمعت فيها من التنزيل.
قال أبو أيوب: أليس وهي فرض أن تتقوا الله ما استطعتم والاستطاعة باقية فيكم.
قال كهلان: نعم.
قال أبو أيوب: فكل ما استطعتم من تقوى قد كفرتم إن فرطتم.
قال كهلان: نعم.
قال أبو أيوب: فإنكم تستطيعون صدقة أموالكم، وعتق رقبتكم، وقيام ليلكم، وصيام نهاركم، فلو كذبتم على هذه الآية لكان خيرا لكم من أن لو صدقتم، أما شهدتم أنكم تستطيعون ما عددنا من التقوى فضيعتم.
فتعجل كهلان لسأله عن غيرها. (13)
هذا النص دليل على أن القضية مطروحة من عهد مبكر، من النصف الثاني من القرن الثاني/8م (14) كما بين أن الجدل ثار حول الآية المطروحة عن الاستطاعة فإن اعتبرها المعتزلي محكمة ليبرر موقفه من أن الاستطاعة باقية فإن الاباضي وضعها ضمن المتشابهة الذي يحتمل التأويل ليبرز أنها فانية، إذ لو كانت باقية لوجب ألا يتوقف الإنسان لحظة عما عدد من التقوى، فالاستطاعة تفنى بانتهاء الفعل لتتجدد استطاعة أخرى.
قم أن الجدل تركز بعد ذلك على تحديد مفهوم الاستطاعة؟ وهل هي مع الفعل أو قبل الفعل؟ وهل يكلف الإنسان بما لا يطاق؟
وقد جاء تحليل يوسف المصعبي (15) موسعا لهذه القضية وشاملا لها لما جاء قبله من نصوص خاصة عند أبي خزر وتبغورين والمحشي فماذا عن تحديد مفهوم الاستطاعة؟
تحديد الاستطاعة:
يعتبر الاباضية أن الاستطاعة هي صحة الجوارح وسلامتها من شوائب الآفات ويعبرون عنها أحيانا بالقوة (16) ويشيرون إلى أنواع من الاستطاعات مثل استطاعة المال، واستطاعة السبيل، واستطاعة الخلقة (17) ، واستطاعة الفعل، وينبهون إلى أن الجدل قائم حول استطاعة الفعل ويشير تبغورين إلى أن معنى " يستطيع، ويمكن، ويفعل واحد عندنا" (18) .
صلة الاستطاعة بالفعل وتكليف الإنسان بما لا يطاق:
بما إن المعتزلة يعتبرون الاستطاعة باقية فإنهم يرون أنها سابقة للفعل بينما يلح الاباضية على أنها مع الفعل وتنتهي بانتهائه لتظهر استطاعة أخرى مع فعل آخر وهكذا ودليلهم على هذا ما يلي:
1- دلالة الفعل على القوة:
"... إذ جومع (19) على أن الفعل دل على القوة وأنه إذا فني الدليل فني المدلول وذلك أنه من شأن القوة أنها لا تبقى حالين، وكذلك الفعل لا يبقى حالين، فكيف يكون أحدهما دليلا والآخر مدلولا عليه إذا لم يجتمعا" (20) .
2- وجود الفعل بزوال الآفة:
"... لما كانت الآفة تمنع الفعل صحّ عندهم (الاباضية) أن الآفة إذا زالت وجد الفعل، لأن الآفة ضد القوة، فالضد ثابت حتى يتأتى ضده فيزيله فاستدلوا بهذا المعنى على أن القوة مع الفعل إذا زالت الآفة التي تمنع من الفعل وإلا بطلت الأضداد ومناظرة الشيء بنظيره" (21) .
3- العجز عن الجمع بين فعلين في وقت واحد:
" ولا يستطع العبد إلا فعل ما هو فيه لأنه لا يستطيع أن يخلق خلقه يستطيع بها أن يكون فاعلا تاركا، ولا مطيعا عاصيا، ولا قائما قاعدا، ولا قابضا باسطا، ولا آخذا تاركا في حال واحدة، هذا ما لا يصح". (22)
4ـ تأويل قوله تعالى: ( فاتقوا الله ما استطعتم) (64 التغابن16)
في هذا قولان:" اتقوا الله ما استطعتم فعل شيء من الأشياء وهو الذي قدمناه أن الله لا يكلف أحدا إلا مستطيعا لأخذ ما كلف أو تركه، وذلك أنه إذا أشغل قوته بما كلف لم يستطع تركه وإذا ترك لم يستطع فعله بإشغال قوته في ترك ما كلف لأنه لا يستطيع الأخذ والترك جميعا.
والقول الثاني: اتقوا الله ما استطعتم ما دمتم أحياء" (23) .
5- تأويل قوله تعالى: ( ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) (11 هود 20)
" وليس المعنى في هذا أنهم لا يسمعون الأصوات ولا يبصرون الألوان ولكن هذا سمع القبول لا يقبلون ما دعاهم إليه النبي عليه السلام إذ شغلوا قوتهم بترك القبول لما دعاهم إليه، وكذلك " لا يبصرون" على معنى لا يفعلونه، فوصفهم الله أنهم لا يستطيعون فقلنا كما قال الله عز وجل إنهم لا يستطيعون لا لزمانه حلت بهم ولا لمانع من الفعل، وقال الله تعالى: ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا) (17 الاسراء94) فكان قولهم الذي هو فعلهم هو المانع لهم. وأجاز الناس بينهم، وهو قول الرجل ما أستطيع أن أنظر إليك لبغضه لـه، فكان بغضه مشغلا له شاغلا من استعمال النظر إليه وهذا بين واضح أن يكون من أحد في فعل شيء أنه غير مستطيع لضده لإشغاله قوته بما قصد إليه وفعله لا لزمانه ولا لمنع من الفعل" (24) .
تلك هي أبرز الأدلة التي يعتمدها الاباضية في الرد على المعتزلة ليؤكدوا أن الاستطاعة مع الفعل...وهم إلى جانب هذا يردون قول الجبرية الذين يعتبرون أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح. ويقول تبغورين في هذا الصدد ما يلي:" ومن زعم أن الاستطاعة هي المستطيع أو هي الآلات والجوارح أو غير ذلك ففي إثبات الأعراض (25) ما يبطل قولهم، ويدخل عليهم ما ذكرنا من البالغ في أول أحوال بلوغه لا يخلو من أن يكون آخذا أو تاركا، أو متحركا أو ساكنا، كما قلنا في صدر الكتاب فأيما قالوا من ذلك ألزمهم أن تكون إرادته واستطاعته معه إلا أن يأتوا بمحال لا يفهم ولا يعقل...
والجسم عندنا وعندهم لا يخلو من حركة أو سكون باكتساب أو ضرورة وما كان باكتساب فباستطاعته وإرادة وما كان باضطرار فبزمانه وعجز، وهذا لا يخلو من الأحياء والأموات وقد استحالت منهم الأفعال والتكليف وليس فيهم الكلام، فلما كان هذا ثبت أن الاستطاعة مع الفعل والإرادة مع المراد والتقرب مع المتقرب به كما قلنا. وكذلك الأمر مع الفعل إما أمر به أو تركه...." (26)
وبهذا يتجلى نزعة التوسط في رفض الموقفين.
والإباضية يتفقون مع الأشاعرة والماتريدية في أن الاستطاعة مع الفعل (27) وقد حرص يوسف المصعبي في حاشيته على أصول تبغورين أن يلم بالقضية من جميع جوانبها وتتجلى طرافته في المقارنة بين النصوص والمقابلة بينها وقد جاءت استشهاداته في شرحه مكملة لما لم يتعرض إليه تبغورين. (28)
وبقي أن نشير إلى أن هذا التراث يتلاقى مع المعتزلة والماتريدية في أنه لا يجوز التكليف بما لا يطاق وذلك بمنافاته للحكمة الإلهية (29) على عكس الأشاعرة الذين يجيزون ذلك بناء على قدرة الله المطلقة التي لا تحد (30) .
وخلاصة القول إن ما يتعلق بالاستطاعة في القرآن يعتبر من المتشابه وإن الاستطاعة مع الفعل وإنها تفنى بانتهائه وإن حكمة الله تقتضي ألا يكلف الإنسان بما لا يطاق، وهذا يبين أن صلة هذا المبحث وثيقة بالكسب إذ رأينا أن من التعاريف الواردة للكسب أنه كل فعل وقع باستطاعته محدثة مع الفعل.
وإن كانت الاستطاعة مرتبطة بهذا المبحث فإننا كثيرا ما نجد أن التراث الاباضي يعتمد على معنى العصمة والعون والتوفيق والخذلان ليتخلص من المضائق المحرجة التي توحي بفكرة الجبر.
=====================================
(11) ابن منظور الإفريقي: لسان العرب. وجاء في المنهج:" الاستطاعة في اللغة القدرة على الشيء، قال الله تعالى:] فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا[ (58 المجادلة4). من لم يقدر أطعم وزال عنه فرض الصوم لزوال اسم الاستطاعة".
خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/469
(12) لم نتمكن من التعريف بكهلان، أما عن أبي أيوب فانظر: 419 تعليق 59
(13) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 80 . إن مثل هذه المناظرات تنتهي دائما بتسليم الطرف المقابل بسهولة. انظر ما سبق ص 470 تعليق 46 ( مناظرة أبي عبيدة مع واصل بن عطاء).
(14) لقد كتب الإمام أبو اليقظان محمد بن أفلح الرستمي رسالة في الاستطاعة. ر. الدريجني: الطبقات2/319.
ويذكر البرادي أن مناظرات كانت تقوم مع المعتزلة زمن الإمام المذكور أعلاه ر. البرادي: الجوهر 179- 180
وقد كتب أبو عمار عبد الكافي كتابا في الاستطاعة ما يزال مفقودا .ر. الشماخي : السير 441
(15) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 74- 85
(16) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 74، وقد ذكر تبغورين تعريفات أخرى .ر. كتاب أصول الدين: 51. التعبير بالقوة مقتبس من أبي خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين.
(17) استطاع المال: مثل القدرة على الزواج ، استطاع السبيل: بالنسبة إلى الحج استطاعة الخلقة: لا يستطيع الإنسان الطيران.
(18) ر. تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين: 52
(19) نقطة اتفاق مع المعتزلة أن الفعل دليل على القوة.
(20) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين: 50
(21) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين: 50
(22) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/470
(23) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين: 50
(24) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين: 51 وهذا يفسر كيف أن الكفر يشغل الكافر عن استطاعة الإيمان، وأن الإيمان يشغل المؤمن عن استطاعة الكفر.
(25) لتعريف العرض انظر ما سبق: 280 تعليق 57
(26) تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين:55
(27) ر. بلقاسم بن حسن : آراء الماتريدي الكلامية: 304
(28) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 74-85
(29) ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/208
(30) ر. بلقاسم بن حسن : آراء الماتريدي الكلامية: 304
________________________________________
العصمة والخذلان:
جاءت في القرآن الكريم عدة آيات تثبت أن الإنسان لا يدرك الإيمان إلا بفضل من اله. فمنها (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) (24 النور21) كما جاء مثل ذلك في عدة أحاديث نذكر منها قوله عليه السلام: " لن يدخل الجنة أحد بعلمه. قيل ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" . (31)
وتحاول المصادر الاباضية أن توفق بين مسؤولية الإنسان في فعله، وبين هذا المدد الإلهي الذي يمن به على من يشاء من عباده فنقول:" العون والعصمة (32) والتوفيق والتسديد والتأييد، وشرح الصدر الذي خص الله تعالى بها المؤمنين مترادفة على معنى واحد، وهو أمر يوجده الله تعالى فيهم حال إيمانهم ووفائهم بدينه تعالى يحول بينهم وبين الكفر والضلال على أنه أفضل تفضل به عليهم عاصم وحافظ لهم من الشيطان وطرقه وأعوانه وذلك الأمر كيفية نفسانية يجدها المؤمن من نفسه إذا خلا ونفسه حالة وافية بدينة عز وجل كما يجده الصائم من نفسه كيفية مانعه لـه من إبطاله،وعلى أنه لولا تفضل الله تعالى على المؤمنين بها ما زكا أحد منهم لقوله تعالى: ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) (2 البقرة 64) (33) ".
وقد جاءت الإشارة إلى هذا المعنى من زمن مبكر مع أبي عبيدة عندما قيل له: لا يستطيع الكافر الإيمان قال: ما ازعم أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من الحل إلى الحرام لا يستطيع أن يصلي ركعتين وما أزعم أنه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله (34) .
وتزيد النصوص تدقيق مسألة العون فتورد التساؤل التالي: هل العون جزء واحد أو أجزاء متغايرة؟ وتثبت قولين:
1- لكل جزء من الإيمان جزء من العون.
2- العون جزء واحد موضوع لكل الإيمان (35) .
ومهما يكن هذا التفصيل فإن النتيجة واحدة ذاك أن الإيمان بجميع شعبه لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه.
ثم إلى جانب هذا تتعرض المصادر الى حقيقة الخذلان فتبين أنه" ليس بمعنى فيوصف لأنه ترك من الله للكافر إذا لم يعطه من فضله شيئا يعصمه به بل وكله إلى نفسه والوكلان في مثل هذا ليس بشيء إذا لم يفعل ضده" (36) .
والترك من الله على وجهين: فكل ترك ليس فيه فعل ضده فليس بفعل ولا شيء. وكل ترك فيه فعل ضده فهو شيء ومثل ذلك ترك الله أن يميتك أي أحياك...هذا ليس بشيء...وذلك الترك ليس بشيء إلا صلة في الكلام وزيادة على ما وصفنا (37) .
فالخذلان حينئذ ضد العون وإن كان العون فعلا والخذلان تركا.
ويبين هذا التراث في النهاية أن العون يكون للمؤمن في حال فعله الإيمان والخذلان للكافر في وقت فعله الكفر لا قبل ولا بعد (38) ولا حجة لهم على الله أن يعينهم ولا أن يهديهم إلى دينه بعد أن جعل فيهم قوة يقدرون بها على فعل الإيمان ومكن لهم بذلك ما يأتون من ذلك وما يتركون. (39)
إن هذه التحاليل تثبت دائما الفرار من الجبر المطلق ومن الحرية المطلقة ولله أن يعصم من يشاء وألا يعصم من يشاء لا يسأل عما يفعل في خلقه وهم يسألون عما أوجبه عليهم.
بعد أن مررنا بسرعة على موضوع العصمة والخذلان يحسن أن ننظر في علاقة الدعاء والرزق والأجل بالقدر. فإن كان الرزق محددا من الله تعالى والأجل مقدرا فلماذا الدعاء؟
الدعاء: إن كان المعتزلة يرون أن الدعاء تعبير عن العبادة والخشوع فإن الاباضية والأشاعرة يرون أن الدعاء من القدر وفي هذا الصدد يقول الجيطالي:" فاعلم أن القدر والطلب لا يتنافيان فرب أمر قدر الله وصوله إليك بعد الطلب فلا يصل إليك إلا بطلب، والطلب أيضا من القدر ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب فإنهما مقدوران فمن هنا ثبت أنهما لا يتنافيان" (40) .
فالدعاء حينئذ باب من أبواب تيسير المطلوب ولا يتنافى مع قدر الله تعالى.
الرزق: (41) إن الله هو الرزاق العليم فهو رازق لعباده، وتطرح المشكلة في مستوى ما يأكله الإنسان من حرام وتأتي الإجابات كما يلي:" والظاهر أن الرزق هو ما ينتفع به حلالا كان أو حراما أو مكروها كما هو مذهب الأشاعرة (42) وقال تبغورين:" وقال المسلمون ومن وافقهم من الاباضية والمرجئة: من أكل الحرام فقد أكل رزقه وغذاء ولم يأكل رزقه ملكا". (43)
فالرزق حينئذ نوعان: رزق غذاء ويكون حلالا أو حراما (44) ورزق ملك ولا يكون إلا حلالا. كما أنه لا يأكل أحد رزق أحد. والأساس في الرزق أن الله يوسع لمن يشاء ويضيق عمن يشاء وكل ذلك من باب الابتلاء إلى أجل معين.
الأجل: وتطرح المشكلة كما يلي: من قتل مظلوما هل مات قبل أجله أو في أجله؟
والجواب كما يقرر تبغورين" وقول المسلمين في ذلك إن الناس لا يموتون قبل آجالهم ولا يأكلون غير أرزاقهم لقول الله عز وجل: ( فقد جعل الله لكل شيء قدرا) (65 الطلاق3) يعني وقتا لا يتقدمهم ولا يتأخر عنهم كما قال: ( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) (15 الحجر5) . (45)
ويثبت هذا التراث ألا اعتداد بقول المعتزلة إن من مات مظلوما مات قبل أجله.
ويثبت عبدالله السالمي في النهاية أن القضية ليست من المسائل الدينية(الأصولية التي يفسق بها من خالف فيها (46) .
وبعد عرض هذه القضايا المتعلقة بالقدر (47) لم يبق إلا أن نقف عند البعد الحضاري لهذه القضية:
إن لقضية القدر طرفين يتوغل أحدهما في عالم الغيب مع علم الله وقدرته وإرادته ويمتد الطرف الثاني في عالم الشهادة حيث تتم حركات جميع المخلوقات وسكناتها بما في ذلك الإنسان ويبدو أكثرها تعقيدا.
والمتأمل في تاريخ البشرية يحس أن القضية انطلقت مع خلق الإنسان واستكبار إبليس عن السجود لآدم، وما أن هبط الجميع إلى الأرض بعضهم لبعض عدو حتى ظلوا يتجاذبون طرفي حبل القضاء والقدر، ولا تكاد تخلو حضارة من إثارة هذه القضية سواء كانت وثنية أو قائمة على الوحي المنزل من السماء.
وفي محيط عرف الخوض في هذه القضية انتشرت الحضارة الإسلامية بين العرب الذين كانوا يقولون بالجبر وبين اليهود والنصارى ثم المجوس والهنود، وكان التفاعل وكان الأخذ والعطاء والقبول والرفض.
ومعلوم أن منطلق هذه الحضارة الوحي القرآني والنبوي وقد جاءا طافحين بتوضيح هذه القضية وجعلاها أسا من الأسس التي لا يتم الإيمان إلا بها، وألح النبي خاصة على أنها سر من أسرار الله تعالى ونهى عن الخوض فيها.
لكن المسلمين لم ينتهوا عن الخوض فيها عدا الرعيل الأول من الصحابة الذين غلب عليهم طابع الإيمان بما يرون من إعجاز في القرآن الكريم، وبما يلمسون في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من قدوة حسنة وفي كلامه ما يغنيهم عن الجدل والعناد.
وما أن هبت عاصفة الفتنة الكبرى حتى ثارت قضية القدر وعاد تجاذب طرفي الحبل بشدة فأصحاب السلطان ضغطوا على طرف الغيب فجنحوا إلى القول بالجبر حتى يقنعوا الناس أنهم يستمدون نفوذهم من الله والقوى المعارضة ضغطت على طرف عالم الشهادة بقوة واعتبرت أن هذا النفوذ عمل بشري محض واستبداد لا دخل لعالم الغيب فيه.
ولم يغب الإباضية عن هذا الغليان الحضاري بل كان لهم موقفهم من اللحظة الأولى ورغم أنهم من صف المعارضة، ومواقفهم من الأمويين معروفة لم يجنحوا إلى ما جنح إليه المعتزلة ولا إلى ما جنح إليه الجبرية بل كان موقفهم مع الإمام جابر موقف الرسول عليه السلام:" من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" ثم إن الاحتكاك الحضاري بسائر الفرق الناشئة في مدينة البصرة حيث برزت حلقات المناظرات وتمازجي الحضارات وأثيرت القضايا العقائدية بقوة، بحسن نية وبسوء نية، والبصرة هي منطلق دعوة الإباضية ومركزها الأول، دفع بأبي عبيدة إمام الإباضية الثاني إلى التمييز بين القدر والمقدور لتبكيت واصل بن عطاء، وبين أن القدر من الله والمقدور من الإنسان، وإلى البراءة من بعض أتباعه الذين ولوا وجوههم شطر نزعة غيلان الدمشقي، وعلى هذا المسلك درج الربيع بن حبيب حيث جمع كل ما وصله من أحاديث في هذا الموضوع في الجامع الصحيح وعلق عليها بأن الخلق من الله والفعل من العبد.
وفي هذا المحيط المتموج تولدت عن قضية القدر مسائل كثيرة أبرزها قضية الجبر والاختيار أو ما عرف بخلق الأفعال بل صارت مركز الجدل بين المتكلمين وكلما أثيرت قضية القدر تتجه الأنظار إلى هذه المسألة مع مسائل أخرى مثل الاستطاعة والإرادة والعلم.
وبحكم التطور الحضاري وأثر الفكر اليوناني الفلسفي تحول الكفر الإسلامي تدريجيا من طور الجدل المتحمس الدفاعي الى طور التعقيد والتنظير وسلك الإباضية نفس المسلك فنشأت التعريفات الاصطلاحية وقالوا إن القضاء هو إيجاد الله تعالى الأشياء في اللوح المحفوظ دفعة واحدة والقدر هو انتهاء الأمور إلى أوقاتها وارتجاعها إلى مقدورها وثبت أن اللفظتين تلتقيان في الحقل الدلالي وهذا ما جعل التمييز بينهما صعبا مما أدى إلى غموض في التعريفات.
وما أن اعتزل الأشعري المعتزلة وظهر على الناس بمقالاته وإبانته وانطلق من وراء النهر الماتريدي بلمعة وتوحيده حتى سرى في الأمة نبع جديد تسمى بأهل السنة صاغ صياغة جديدة فكرا ساريا عند الناس وإن ثار على الاعتزال فلم يسلم من الجدل الكلامي.
والاباضية على الساحة يتأملون ويقارنون بين مختلف التيارات وموقفهم ثابت فلم يذوبوا في الفكر الاعتزالي رغم الالتقاء في عدة قضايا كما لم يبتلعهم هذا التيار الجديد وإن اتفقوا معه في بعض القضايا ومن بينها قضية القضاء والقدر وما تفرع عنها من قضية خلق الأفعال التي انصهرت في القول بالكسب.
وثبت أن جذور مفهوم الكسب ترجع إلى بداية القرن الثاني/8 مع أبي عبيدة والربيع إلا أن المصطلح لم يتبلور عند الإباضية إلا في ما بعد فقالوا هو صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل مع الإشارة إلى الترجيح والاختيار.
والإباضية كبقية الفرق الإسلامية تلمس في تراثهم إدراكهم أن قضية القدر من غوامض علم الكلام، وأن الالتجاء إلى تحديد جهتين للفعل الواحد، الخلق لله، والفعل للإنسان ليس معناه الشركة، وإنما هو مخرج من مضيق ولذا تجد أن هذا الفكر تفاعله مع الأحداث تقوى فيه نسبة الاقتراب من الجبر كما جاء عند علماء جبل نفوسة القائلين بالجبل وتقوى فيه نسبة الاقتراب من الاختيار كما جاء ذلك عند علماء المغرب، إلا أن النزعة التي بقيت طاغية عند الإباضية عامة هي تقوية نسبة الاختيار حتى يتحمل الإنسان مسؤوليته وتتجلى الحكمة في الأمر والنهي في ما يترتب عنهما من الثواب والعقاب، وتتميز حركات الاختيار عن حركات الاضطرار مع اعتقاد أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه على كل شيء قدير.
ويتلخص موقفهم في قولهم إن فعل العبد لا يوجد إلا بخمسة:
1- إرادة الله تعالى.
2- إرادة العبد.
3- اكتساب العبد.
4- إعانة الله إن كان طاعة وخذلانه إن كان معصية
5- خلقه له في وقت الفعل لا قبله ولا بعده. (48)
والجدير بالملاحظة أن المنهج المتبع في كل هذا الخصم هو منهج علم الكلام عامة إذ يكون المنطلق من النصوص قرآنا وسنة ثم يأتي تأويلها وفهمها حسب مقتضيات اللغة، وملابسات القضية، وارتباطها بسائر الفكر الإباضي وهذا يتجلى بوضوح عند ربط القضية بإرادة الله مع اعتبارها من صفات الذات وعند تبيين أن الاستطاعة مع الفعل وأن الكسب لا يتم إلا بعون الله إن كان طاعة وبخذلان الله إن كان معصية.
وقد جاء المنهج العام في تقرير القضية في التحاليل النظرية وحتى في الشروح قائما على الرد على المعتزلة وعلى الجبرية، وبعد استغلال حجج هذا الطرف على الطرف الثاني يستقر الموقف الوسط ويدعم بحجج نقلية وعقلية، فتغلب النزعة العقلية عند البعض أمثال أبي عمار والسدويكشي وتغلب النزعة النقلية عند البعض الآخر مثل ما نجد عند الجيطالي ويوسف المصعبي.
فواضح إذن أن نزعة الإباضية والزيدية والأشاعرة والماتريدية جاءت توفيقية دون أن تغفل عن أن الإنسان مجبر في ما هو خاضع للإرادة الكونية مما سموه بالاضطرار وأنه مكتسب في ما يقع تحت دائرة الاختيار ويبقى الله تعالى خالق كل شيء.
وبعد هذا ندرك أن القضاء سيظل سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول الإنسان أن يكشف هذا السر وسيظل الإنسان لاهثا وراء استكشاف هذا السر عسى أن يقف أمام الغيب وجها لوجه كما يقف أمام قضايا أخرى.
أما المؤمن الذي أيقن بعقله أن القرآن من الله، وآمن بأن القدر خيره وشره من الله تعالى، فإن هذا القدر يتجلى له في كل حركاته وسكناته فكم من مرة يقدر أن يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر الله، وكم من مرة يقدر ألا يفعل كذا فلا يتم إلا ما قدر اله كما يتجلى في ما حوله من أحداث تدفع إلى التسليم بالقدر فهذا يسقط من الطابق السادس فلا يصاب بسوء وما يكاد يستبشر بوضعه فيذهب ليأتي لأصحابه بالمشروبات تعبيرا عن الفرح حتى تدوسه سيارة تقضي عليه وهذا قطار يكاد يدوس رجلا عابرا من سكته فيتحول في تلك اللحظة عن مجراه ليصطدم بمسكن مجاور فيقضي عليه وعلى من فيه، وما إلى ذلك من الأحداث التي يحار العقل أمامها.
ولعل من أحسن ما يمكن أن تفصل به المسألة أن تبقى قضية القدر في دائرة الإيمان وأن يوضع الفعل في دائرة الشرع وليجتهد الإنسان في العمل مع العلم أن كلا ميسر لما خلق له.
كما أنه على الإنسان ألا يخلط بين دائرتين ، دائرة مشيئة الله تعالى التي لا تحد، ودائرة مشيئة الإنسان المحدودة الضيقة، وعليه ألا يقيس هذه بتلك فيشتبه الأمر عليه ويبعد عن طريق الصواب ومن يقارن بين المطلق والمحدود لن يصل إلى نتيجة ثابتة وسوف يبقى دائما يبحث في حندس لا مخرج منه.
وإن تبين من خلال هذا المبحث أن الإنسان مسؤول فماذا عن الجزاء في الآخرة أو ما عرف بالوعد والوعيد؟
==============================
(31) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 56 وجه. انظر ما سبق : 440 تعليق 119
(32) جاء في المنهج : والعصمة هي الحراسة من مواقعة المعصية ، والقدرة على الطاعة. والعاصم هو الله تعالى ، والمعصوم: المكلف
خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج : 1/467.
(33) والنص ليوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:78
(34) ر. نفس المصدر والصفحة.
(35) ر. نفس المصدر والصفحة.
(36) تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين:59. وتناقش المصادر القضية من جانب آخر وهو إمكانية إطلاق الأسماء على غير شيء، ويحتج الإباضية لإمكان ذلك باطلاق الأسماء على الأزل والعدم والمحال وإن لم يكن واحدا منها موجودا ويعتمدون في ذلك على أن الأسماء لا يشترط في التسمية بها وجود مسمياتها .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 89. ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 78 وجه .ر. يوسف عبد العزيز الثميني: النور: 209- 210 .ر. المحشي: حاشية على قواعد الإسلام: 16
(37) وقد وقع الإلحاح على هذه القضية أنها تختلف عن موقف الأشاعرة الذين يقولون" إن الخذلان هو خلق قدرة المعصية في العبد" .ر. أبو الحسن الأشعري: الإباتة:153 حيث يقول أثناء الرد على المعتزلة " فلا بد لهم أن يثبتوا لهم الخذلان للكفر الذي خلقه الله فيهم".
(38) لأنه لو كان قبل لكان حجة للعبد على الله يوم القيامة ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/468
(39) ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 86.
(40) إسماعيل الجيطالي: كتاب قواعد الإسلام 1/31
(41) " الرزق بكسر الراء بمعنى المرزوق، وهو ما ساقه الله تعالى إلى الإنسان لينتفع به سواء كان بملكه أو بدون ملكه بأن كان ملكا للغير فظلمه إياه وانتفع به، سواء كان مما يؤكل أو مما يلبس أو يتقى به من الحر والبرد أو نحو ذلك، كان المنتفع به عاقلا أو غير عاقل، وهذا مذهبنا ومذهب جمهور الأشاعرة... وفي هذا اختلاف مع المعتزلة الذين يعتبرون أن الرزق هو ما يملك لا ما ينتفع به مطلقا" .ر عبدالله السالمي: المشارق: 268.
(42) لقد بين أبو الحسن الأشعري أن من أكل حراما فقد أكل رزقه وميز بين رزق التغذية ورزق التمليك .ر. الإبانة ط دمشق – بيروت: 151- 152
(43) تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين: 74 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:118
(44) وقد يكون شبهة كما ذكر عبدالله السالمي:" والشبهة أن يتجاذب الشيء أصلان أصل يحله، وأصل يحرمه ولا مرجح لواحد منهما، والواجب فيه التوقف" المشارق: 269
(45) تبغورين بن عيسى الملشوطي: كتاب أصول الدين: 76 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:124- 125.
ر. إبراهيم اللقاني: جوهرة التوحيد مع الشرح:191
وموقف الإباضية هو موقف الأشاعرة .ر. أبو الحسن الأشعري: الإباتة: 150 .ر. إبراهيم اللقاني: جوهرة التوحيد مع الشرح: 160. وفي ذلك يقول عبدالله السالمي:" كل من مات وفارقت روحه جسده بأي سبب كان أو بلا سبب فهو ميت بأجله... هذا مذهبنا ومذهب الأشاعرة. المشارق: 266
(46) ر. عبد الله السالمي: المشارق:267
(47) وقد وقفنا عندها بشيء من الاختصار لاستيفاء المعنى لأن كل قضية منها يمكن أن تفرد ببحث موسع.
(48) ر. امحمد اطفيش: شرح الدعائم 1/183.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:17 PM
الفصل الثاني الوعد والوعيد وقضية الخلود
تمهيد:
لقد انتهينا إلى أن القدر يبقى سرا من أسرار الله تعالى مهما حاول علماء الكلام الاجتهاد في حل هذا اللغز الغيبي.
وقد بينا أن الإشكال يتفاقم كلما حاول هؤلاء العلماء الربط بين العمل وما يترتب عليه من ثواب وعقاب، وجاءت النتائج متباينة بين الجبرية والقدرية وحاول القائلون بالكسب ومنهم الإباضية التوسط بين الطرفين فحملوا الإنسان طرفا من المسؤولية ليستقيم الأمر والنهي.
ومن البديهي أن الأمر والنهي ينبني عليهما الامتثال أو عدم الامتثال وبالتالي تطرح قضية الجزاء أو ما اصطلح على تسميته عند علماء أصول الدين بالوعد والوعيد (1) .
وإن كانت صلة هذه القضية بالقضاء والقدر وثيقة فلعل صلتها أوثق بما اصطلح عليه بعنوان" الأسماء والأحكام" إشارة إلى المسميات التي تميز بها الفرق بين مستويات الامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، ومستويات عدم الامتثال وما ينبني على ذلك من الأحكام في الدنيا والآخرة. (2)
والمتأمل في كتب أصول الدين يدرك يقينا أن سبب الخلاف بين الفرق يرجع إلى الاختلاف في تحديد المسميات وإذا كان المنطلقات متباينة فلا يمكن أن تكون النتائج متفقة.
واضح إذن أن لقضية الوعد والوعيد طرفين، طرفا غيبيا وطرفا في علم الشهادة، وإذا علمنا أن الحدود بين الأرض والسماء ليست في منتهى الدقة ندرك أن القضية لابد من أن تحير المتكلمين وقد حيرتهم فعلا وجعلتهم بين متفائل تفاؤلا مطلقا يحشر كل من قال لا إله إلا الله وإن مات مصرا على المعصية في الجنة بوجه من الوجوه، وبين متشائم تشائما مطلقا يعتبر أن المعصية شرك ومن جزؤ عليها يحل دمه وماله وسبي ذراريه ولا سبيل له إلى النجاة وكان منهم المتشائم والمتفائل والمعتدل في شأن مصير من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.
وقبل أن نحلل هذه القضية يحسن أن نقف عند مسألة الأسماء والأحكام.
قضية الأسماء والأحكام
يقول الحق تبارك وتعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (5 المائدة3).
انطلاقا من هذا المفهوم الواضح السامي أشع الإسلام بفتوحاته على أطراف العالم، لكن ما كاد ينتهي العقد الثالث من القرن الأول هجري/ القرن السابع ميلادي، حتى جدت أحداث جسام (3) أسالت الدماء واطالت الألسن وقدحت الأذهان، وحركت الأقلام، وما تزال.
وقد أسفرت هذه الأحداث عن تقسيم المسلمين إلى ثلاث كتل (4) استقلت كل منها بمفاهيم خاصة تجاه بعض القضايا وعن هذه الكتل تولدت جميع الفرق الإسلامية.
ولقد حللنا موقف الإباضية من تسمية الفرق وبينا رفضهم المطلق لسمة الخارجية (5) فماذا الآن عن موقفهم من مرتكب الكبيرة؟ أمؤمن هو؟ أمسلم هو؟ أكافر هو؟ أم هو فاسق في منزلة بين المنزلتين؟
وقبل أن نجيب عن هذه الأسئلة يحسن أن نحدد مفهوم كلمات تحولت عن مدلولها اللغوي الى مصطلحات شرعية تعتبر مفاتيح لا سبيل إلى ولوج البناء الفكري لكل فرقة دون امتلاكها ومعرفة استعمالها بدقة. وهذه المصطلحات هي: الإيمان والكفر، والنفاق والشرك.
ويحسن أن نلاحظ ملاحظتين قبل الانطلاق في التعريف:
الأولى: منهجية: وتتمثل في أننا لا نعتبر البحث في المسألة فصلا مستقلا وإنما هو توطئة لفصل الوعد والوعيد لذلك سيكون التحليل مختصرا.
الثانية: توضيحيه، وتتمثل في موقف الاباضية من الأسماء عامة، يقول البرادي " واعلم أن الأسماء على أصولنا تنقسم ثلاثة أقسام: أسماء دينية، وأسماء شرعية، وأسماء لغوية.
فالأسماء الدينية تتعلق بها أحكام الدنيا والآخرة. والأسماء الشرعية تتعلق بها
التكاليف مثل الصحة والفساد، والإجزاء وعدمه والإعادة والاحتياط.
والأسماء اللغوية هي المستعملة لموضوعها من غير نقل إلى شيء.
فالأسماء الدينية مثل الإيمان، والكفر، والشرك والإسلام، والدّين، والبّر، والإحسان، والنفاق والفسق والكبيرة والصغيرة. فهذه أسماء جعلت أساسا للشريعة وعلق إليها الثواب والعقاب والحدود والولاية والبراءة، لم تكن العرب تعرفها قبل ورود الشرع بها، ولا تتخاطب بها على هذه الصفة حتى أوقفهم الشرع عليها، وخاطبهم بها... وجميع المعارف وأصول الديانات متعلقة بهذه الأسماء راجعة إليها.
...وأكثر اختلافات الأمة إنما جاء من قبل هذه الأسماء الدينية..." (6)
فماذا حينئذ عن هذه الأسماء الدينية؟
حقيقة الإيمان : (7)
إن تعايش المسلمون الأول مع هذه الكلمة بصفاء تام إذ هي التي حولتهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام (8) ، فإن من جاء بعدهم، وبعد ظهور الفتن يقول لمن يدعي الإيمان رويدك، أامنت بقلبك، أم بلسانك، أم بهاما معا؟ وهلا اعتبرت العمل من الإيمان أم لا؟ وحسب الجواب يوضع المسؤول في زمرة فرقة من الفرق. وتتفق كتب الفرق والأصول على ما لخصه ابن حزم في ما يلي:" قال أبو محمد: اختلفت الناس في ماهية الإيمان:- فذهب قوم إلى أن الإيمان إنما هو معرفة الله تعالى بالقلب فقط، وإن ظهر اليهودية والنصرانية وسائر أنواع الكفر بلسانه وعبادته، فإذا عف الله تعالى بقلبه فهو مسلم من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز الجهم بن صفوان وأبي الحسن الأشعري البصري (9) وأصحابهما.
- وذهب قوم إلى أن الإيمان بالله هو إقرار باللسان وان اعتقد الكفر بقلبه فإذا فعل ذلك فهو مؤمن من أهل الجنة وهذا قول محمد بن كرام السيجستاني وأصحابه.
- وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج (10) إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدّين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح وأن كل طاعة وعمل خير فرض كان أم نافلة فهي إيمان، وكلما ازداد الإنسان خير ازداد إيمانه وكلما عصى نقص إيمانه " (11) فتتلخص المواقف حينئذ في أربعة:
1) الإيمان بالقلب فقط.
2) الإيمان باللسان فقط.
3) الإيمان بالقلب واللسان فقط.
4) الإيمان بالقلب واللسان والأعمال.
وقد سلكت المصادر الاباضية عند تعريف الإيمان مسلك المقارنة أحيانا ومسلك الرد والدفاع أحيانا أخرى. (12)
وهي تثبت أن الإيمان في اللغة يعني التصديق (13) بل ينقل المحشي عن كتاب السؤالات أنه محصور في التصديق . (14)
ويحلل الشماخي الصيغة الصرفية للكلمة كما يلي:" فالإيمان لغة أفعال من الأمن متعد إلى واحد ثم نقل بالهمزة إلى الثاني أي أمنته التكذيب أي صدقته، أو بمعنى صرت ذا أمن منه أي وثقت به، فمعناه إما التصديق مطلقا أو الوثوق فعدي بالباء لتضمنه معنى اعترف وأقر". (15)
ويبين الشماخي أيضا التكامل بين المعنى اللغوي والشرعي:" وأيضا لا ننكر استعمال الإيمان في معناه اللغوي، ولا ينافي الاستعمال الشرعي مع ثبوت النقل" (16) .
كما تلح المصادر على أن الإيمان في الاصطلاح الديني اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان (17) ويتفاوت التوسع في تحليل هذا المفهوم من مصدر الى أخر فهذا الشماخي يقول عن الإيمان :" وفي الشرع أن تشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وبأن ما جاء به حق من جميع المأمورات ووظائف الدين التي كلف بها عباده ". (18)
كما يعبر عن ذلك بصيغة أخرى فيقول:" وفي الشرع الإيمان توحيد: كمعرفة الله عز وجل والرسول وما جاء به، وغير ذلك مما لا يسع جهله. وغير التوحيد: وهو جميع ما أمر الله به سبحانه وتعالى ولو إماطة الأذى وإذا حصلت الطاعة حصل وجوب الثواب والإيمان" (19) .
ويقول البرادي:" حقيقة الإيمان على أصولنا التصديق لله عز وجل باللسان والقلب والجوارح ". (20)
كما يقول محمد اطفيش" والايمان : التصديق في اللغة، وكذلك الإيمان عندنا في الشرع التصديق في القلب بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والإقرار بالعمل وكل طاعة إيمان نفلا أو فرضا عندنا وعند الخوارج والعلاف وعبد الجبار" (21) .
وفي نطاق الرد على المرجئة والجهمية والكرامية الذين يعتبرون أن الإيمان بسيط يثبت الإباضية أنه مركب وفي ذلك يقول المحشي:والإيمان عندنا مركب من القول والعمل كما هو معلوم. قال الشيخ أبو نصر :(طويل)
(22)
وجاءت الإشارة الى هذا المعنى في حواش شرح الجهالات كما يلي:" وأجزاء الإيمان أكثر من أجزاء التوحيد" (23) .
وقد عالج هذه القضية أبو خزر من قبل فقال مستدرجا المرجئة:" نسأل المرجئة عن الإيمان ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار فقد أبطلوا أن تكون معرفة الله إيمانا، يقال لهم أخبرونا عن هذا الإقرار ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار، فقد طلبوا أن تكون معرفة الله إيمانا يقال لهم أخبرونا عن هذا الإقرار ما هو؟ فإن قالوا: هو الإقرار أن الله واحد لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، ما جاء به حق، يقال لهم: هذه ثلاث خصلات بعضها غير بعض، الإقرار بالله غير الإقرار بأن محمدا رسول الله غير الإقرار بما جاء به حق، لأنه يقر بهذا من ينكر هذا يقر بالله أنه واحد من أنكر أن يكون محمد رسول الله . فإن قال: الإقرار بالله إيمان أبطل أن يكون الإقرار بمحمد إيمانا. وكذلك بما جاء به حق غير الإقرار بأن محمدا رسول الله فإذا جاز عندكم أن يكون الإيمان ثلاث خصال لم لا يجوز لغيركم أن يجعله أربع خصال أو أكثر فيجعل الصلاة والزكاة وغير ذلك من الفرائض من الإيمان. إذ أقررتم أن الإيمان خصال" (24) .
========================================
(1) انظر ما سبق:95.
(2) أنظر: تعريف المؤمن والكافر والمنافق والمشرك: 474- 508
(3) انظر ما سبق: 35و 36
(4) انظر ما سبق: 35و 36
(5) انظر ما سبق: 24- 25
(6) البرادي: رسالة الحقائق: 44-45
ويختلف هذا التقسيم عن تقسيم المعتزلة مثلا إذ يقسمونها إلى شرعي وعرفي ولغوي. وعند التأمل ندرك أن ما اعتبره المعتزلة شرعيا يشمل الديني والشرعي عند الإباضية : ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 710 .
(7) ملاحظة: إن الإباضية يعتبرون :" أن الدين والإسلام والإيمان تصدق شرعا على شيء واحد، وإن اختلف مفهوماتها" .ر. أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد 34. وهذا يحتاج إلى مبحث موسع يتجاوز حدود هذه التوطئة.
(8) قال النبي e لحارثة: كيف أصبحت يا حارثة؟ قال: مؤمنا؟ قال: فما حقيقة إيمانك ؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وكأني أسمع عواء أهل النار. فقال له رسول الله e :شهيدا سعيدا". خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/576. لم يرد عند ونسنك
(9) الحقيقة أن الأشعري يقول في الأبانة غير ذلك:" وندين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص..." الأبانة ط1981: 24
(10) مع العلم أن ابن حزم يحشر الإباضية مع الخوارج
(11) ابن حزم : الفصل 3/188- 189.
جاء مثل هذا التحليل عند: عمروس بن فتح: الدينونة الصافية: 5و 7. أبي عمار عبد الكافي: الموجز 2/90- 104. السالمي: المشارق: 331-332. امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط2: 201. الإيجي : المواقف 2/ 454 مع شرح الجرجاني واخترنا نص ابن حزم لوضوح المنهجي.
(12) ر. المحشي : حاشية على كتاب الوضع: 52، 54، 84، 87 .ر. مجموعة من المحشين: حاشية على شرح كتاب الجهالات 56- 58.ر. أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد 33. 128 . الرد على صولة الغدامسي29- 38.
(13) ر. أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد 38و 128. الرد على صولة : 29- 38
(14) ر. المحشي : حاشية على كتاب الوضع: 87
(15) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:29
(16) المصدر السابق: 35
17)) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 37
المحشي : حاشية على كتاب الوضع:44. عمر أبو ستة المجموع المعول: 21
(18) أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد:33 والملاحظ أن صيغة الإيمان في القرآن الكريم جاءت دالة تارة على التصديق، وتارة عليه وعلى غيره من العمل والإقرار، وتارة على غيره. امحمد اطفيش: شرح مقدمة التوحيد ط 2: 201.
ملاحظة: يحسن أن نعرف بمفهوم الإيمان عند الأشاعرة والمعتزلة وفي ذلك يقول البيجوري:" وهذا شرط كمال على المختار عند أهل السنة، فمن أتى بالعمل فقد حصل الكمال، ومن تركه فهو مؤمن لكنه فوت على نفسه الكمال إذا لم يكن مع ذلك انحلال، أو عناد للشارع، أو شك في مشروعيته وإلا فهو كافر في ما علم من الدين بالضرورة.
وذهبت المعتزلة إلى أن العمل شطرا من الإيمان لأنهم يقولان بأنه العمل والنطق والاعتقاد." شرح جوهرة التوحيد: 45
ويلخص القاضي عبد الجبار مواقف المعتزلة من الإيمان كما يلي:" وجملة ذلك أن الإيمان عند أبي علي وأبي هاشم عبارة عن أداء الطاعات والفرائض دون النوافل، واجتناب المقبحات. وعند أبي الهذيل عبارة عن أداء الطاعات الفرائض منها والنوافل واجتناب المقبحات، وهو الصحيح من المذهب الذي اختاره قاضي القضاة: الأصول الخمسة: 707.
انظر في هذا الشأن أيضا : الأيجي: المواقف 2/454 ر. القاضي عبد الجبار الأصول الخمسة: 705
(19) ر. أحمد الشماخي: شرح مقدمة التوحيد:33
(20) البرادي: رسالة الحقائق: 37
(21) امحمد اطفيش: شرح مقدمة التوحيد ط 2: 199
(22) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: النونية . البيتان 97، 98: 7
ر. المحشي : حاشية على كتاب الوضع:9
(23) مجموعة من المحشين: حواش على كتاب الجهالات:68
(24) أبو خرز : الرد على جميع المخالفين: 56- 57
________________________________________
وفي هذا الصدد تسميت المصادر في اعتبار الأعمال داخلة في الإيمان فيقول الشماخي في رده على صولة الغدامسي:" ودليل النقل:
- (وما كان الله ليضيع إيمانك) (25) أي صلاتكم.
- (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم لآياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورق كريم) (8 الأنفال 4، 2)وإنما للحصر أولئك هم المؤمنون حقا يفيد الحصر والتخصيص ومن ليس من أهل الآية أولئك هو المؤمن كذبا أو ليسوا بمؤمنين.
- (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) (32 السجدة18) فإن قسيم الشيء لا يكون قسما منه، وهذه الآية لا وجوب لها إلا تعنتا ...وقوله عليه السلام: " الإيمان نيف وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (26) .
وقوله: " الحياء شعبة من الإيمان" (27) .
- وقوله لوفد عبد القيس: " أتدرون ما الإيمان؟ " ففسره بالشهادتين وذكر الصلاة والصوم والزكاة والحج" (28) .
- وقوله: " لا أمانة لا عهد له، لا إيمان لا أمانة له، لا إيمان لمن لا صلاة له" (29) .
ومثل هذا كثير وسئل عليه السلام عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان لا شك فيه" (30) "فجعله من الأعمال". (31)
ولا يغفل الاباضية عن صحة إيمان من اخترتهم المنية قبل وجوب العمل (32) ويقول السالمي في ذلك: "إن العمل لا يكون من الإيمان إلا إذا كان لازما فيخرج القول بأن جميع الطاعات إيمان، وفيه تنبيه على أنه يأتي على المكلف حال وليس عليه من الأعمال البدينة مفترض، كما إذا لم تبلغه الحجة بشيء من السمعيات أو كان ولم يأت عليه وقت يجب فيه عليه عمل" (33) .
وقيل: كل طاعة فهي من الإيمان ولا يقال كل طاعة لله هي إيمان وليس كل طاعة لله إيمانا لأن فيها الوسائل وترك الوسائل لا يكفر والإيمان إذا ترك كان تركه كفرا (34) .
والمهم في إلحاح الإباضية على اعتبار الأعمال الواجبة من الإيمان وأن الإخلال بشيء منها يفسد الإيمان كله، وهذا موقف من الصرامة بمكان كان له الأثر الفعال في البعد الحضاري لهذه القضية لدى الإباضية (35) .
ثم إلى جانب هذا طرحت قضية الزيادة والنقصان وللإباضية فيها ثلاثة مواقف:
1) الإيمان يزيد وينقص.
2) الإيمان يزيد ولا نقول ينقص وإنما يقال يضعف.
3) الإيمان يزيد ولا ينقص.
وتذكر المصادر عادة المواقف الثلاثة. أما عن الموقف الأول فيقول أبو عمار عبد الكافي:" وقال عز وجل: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا) (9 التوبة124) أي يعملون بما في السورة من الفرائض فيزدادوا بذلك إيمانا ، وقال: (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (48 الفتح4) فهؤلاء قوم مؤمنون مستكملون الإيمان قد أخبر الله عنهم أنهم مع ذلك يزدادوا إيمانا مع إيمانهم فدل ذلك على أن الإيمان خصائل كثيرة تزداد وتنقص" (36) .
ويستدل لذلك صاحب المنهج بحديث للرسول عليه السلام وبأثر لعلي ابن أبي طالب فيقول: " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان يزيد وينقص" (37) وذلك بتأثير الطاعات في القلب. وقال علي ابن أبي طالب: " إن الإيمان يبدو لمعة بيضاء في القلب فإذا عمل العبد بالطاعات الصالحات نمت وزادت حتى يبيض القلب كله..." (38)
وفي هذا المعنى يقول أبو مهدي:" والإيمان يزداد وينقص وخصاله محدودة" (39) وإلى مثل هذا الرأي ذهب أبو حزر بعد الرد على المرجئة حيث أثبت أن الإيمان خصال فقال:" إن الإيمان يزداد وينقص". (40)
أما الموقف الثاني: فتنسبه المصادر العمانية إلى أبي سعيد الكدمي وهو في الحقيقة نوع من التحري في اختيار العبارة، ومواكبة للموقف العام القائل بأن الإيمان كل إذا انتقص جزء منه فسد كله، وهذا ما ينقله عنه صاحب المنهج:" وقال أبو سعيد رحمه الله: الإيمان يزيد ولا ينقص لأنه إذا انتقص منه شيء بطل كله، ويقال إن الإيمان يضعف ولا ينقص (41) .
أما صاحب القاموس فيضيف:" ولا يلحقه اسم النقصان هكذا في قول أصحابنا" (42) .
أما الموقف الثالث: ويبدوا أنه الراجح عند المشارقة فيحلله أحمد الخليلي في تعليقه على قول السالمي:" في وجهة (الإيمان) الشرعي ليس بنقس"، فيقول:" ذهب أصحابنا رحمهم الله إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا المذهب إذ تؤمل له أصالته في العقيدة سواء حملنا الإيمان على حقيقته اللغوية أو حقيقته الشرعية. فإن حمل على حقيقته اللغوية وهو التصديق الذي هو قاعدة الإيمان تجلت صحة هذا المذهب من حيث إن أول واجب يخاطب به الإنسان الإتيان بالجملة التي كان يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تتألف من كليات تنطوي تحتها جزئيات الإيمان الاعتقادي، ولا يلزمه أن يعتقد شيئا من تفاصيلها التي لم تقم بها الحجة عليه، فإذا قامت عليه بشيء من هذه الجزئيات وجب اعتقاده، وتصبح بذلك دائرة الإيمان أوسع من ذي قبل، فإن معرفة الشيء إجمالا تختلف عن معرفته تفصيلا ولا يمكن أن يرجع الإنسان من العلم إلى الجهل، وعليه فإن إنكار شيء مما قامت عليه الحجة في تفسيرها إما أن يؤدي إلى الشرك وإما إلى كفر النعمة وكل منهما مناف للإيمان.
وإن حمل على معناه الشرعي الذي يستمل الاعتقاد والقول والعمل، جلت صحة هذا المذهب حيث إن أول ما يتعبد به الإنسان الاعتقاد، وإذا اعتقد ما لزمه اعتقاده ولم يحضره فرض قولي أو عملي كان مؤمنا كان كامل الإيمان، وإذا وجب عليه شيء من الأقوال أو الأفعال وأداه كما وجب عليه ازداد إيمانه، وإذا أخل بهذا الواجب إنهدم إيمانه كله والله أعلم" . (43)
وينبه السالمي إلى أن القاعدة تتعلق بالشخص الواحد دون المقارنة بين شخص وآخر إذ الإيمان بهذا الاعتبار متفاوت (44) .
كما يعتبر أن تسمية ما رفع من الواجبات على النساء نقصانا من باب الخلاف اللفظي (45) .
إن المتأمل في هذه المواقف الثلاثة يتبين أن الأول اعتمد على المنطق في تقرير النقصان إذ كل ما يزيد ينقص إلا أن الموقفين الآخرين تبنيا ما هو أقرب إلى أسس الإباضية في الإيمان وتحري الكدمي في العبارة يبدو أسلم إذ الضعف يختلف عن النقص، لأن الطاعة تبقى قائمة مع الضعف فلا ينهدم الإيمان، أما مع النقص فإن الطاعة تنهدم فيخشى من ذلك انهدام الإيمان ، ومعلوم أن الإنسان يستحيل عليه أن يأتي بالطاعات دائما على الوجه الأكمل إذ تعتريه حالات ضعف وحالات قوة.
والتأمل في هذه النقطة يبدو في الظاهر كأنه من ترف القول، لكن ارتباطها خاصة بالعمل يعطيها بعدا حضاريا يجعل المؤمن يسعى إلى المزيد من الطاعات والإجادة فيها حتى يقترب من مصاف الصديقين والشهداء والصالحين والأنبياء، وبمثل هذا التنافس في طلب الزيادة والخشية من النقصان يصلح المجتمع، وهذا له بعد حضاري في الحفاظ على توازن المجتمع الأخلاقي إذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات.
والملاحظ أن الإباضية لم يشيروا إلى قضية تعليق الإيمان بالمشيئة لكن كانوا يتحرون الجواب عندما يطرح عليهم السؤال التالي:" أمؤمن أنت"؟
ويقول صاحب المنهج في ذلك :" ومن سئل عن الإيمان- وهو مؤمن- فقيل له: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: إن كنت تريد أني من أهل الإقرار بالإيمان فنعم أنا مقر بالإيمان وبجميع أحكامه، وإن كنت تريد بالإيمان الإيمان الحقيقي الذي قال الله تعالى فيه: ( أولئك هم المؤمنون حقا) (8 الأنفال4) علم لي في ذلك ، وعلمه عند الله" (46) .
ثم يقول بعد تحليله للقضية:" فلا يجوز لأحد أن يقول أنا مؤمن حقا، ولا يكون هذا من الشك في الإيمان، ولا يجوز لأحد أن يقول: إنه من أهل الجنة، لأن ذلك من تكلف علم الغيب الذي لم يجعله الله لأحد من عباده إلا الأنبياء والمرسلين" (47) .
ومعلوم أن هذه القضية أثارت نقاشا طويلا في الأوساط الإسلامية من وقت مبكر، إذ يرجعها القائلون بها إلى ابن مسعود وفي ذلك يقول ابن حزم:" واختلف الناس في قول المسلم أنا مؤمن فروينا عن ابن مسعود وجماعة من الأفاضل ومن بعده من الفقهاء أنه كره ذلك فكان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله" (48) .
وينسب شارح جوهرة التوحيد أبياتا إلى بعض الأفاضل تحوصل الخلاف في هذه القضية فيقول: (رجز)
(49)
ومار الخلاف بين النزعتين في النظر إلى الإيمان الحالي أو الإيمان في المستقبل، فأما من نظر إلى الإيمان الحالي فلم يجز الاستثناء لأن ذلك يوحي بالشك في الإيمان، وأما من نظر إلى الإيمان في المستقبل وإمكانية بقائه إلى النهاية، وإمكانية زواله قبل الموت، فقد أجاز الاستثناء لأن فيه تفويضا إلى الله تعالى، والأساس في النهاية هو ما قال به الغزالي وهو التعليق بالمشيئة للتبرك لأن الإنسان لا يعلم خاتمة أمره، والمدار على الخواتم. (50)
ويذهب ابن حزم إلى أبعد من هذا بالنسبة إلى من يعلم من نفسه أنه مؤمن فيقول:" فواجب عليه أن يقول إنه مؤمن مسلم قطعا عند الله تعالى في وقتي هذا، ولا فرق في قوله أنا مؤمن مسلم، وبين قوله أنا أسود أو أنا أبيض وهكذا سائر صفاته التي لا يشك فيها، وليس هذا من باب الامتداح والعجب في شيء" (51) .
إلا أنه لا يغفل في نهاية الفصل عن التنبيه إلى تفويض أمر المستقبل إلى الله إذ ( وما تدري نفس ماذا تكسب غدا" (31 لقمان 34).
هذا في ما يتعلق بقضية الاستثناء فماذا عما بقي من ملاحظات عن تعريف الإيمان وما يترتب على التوقية في الدنيا والآخرة؟
==================================
(25) البقرة 143:] وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم[
(26) ر. البخاري: إيمان: 3. أبو داود: سنة 14 الترمذ ي: إيمان:6 . النسائي: إيمان: 16. ابن ماجة: مقدمة: 9.أحمد بن حنبل 2/379. 414. 445.ر. . ونسنك: المعجم المفهرس1/109
(27) ر. مسلم : إيمان: 57، 58. البخاري: إيمان: 3. أبو داود: سنة 14 النسائي: إيمان: 16. ابن ماجة: مقدمة: 9.أحمد بن حنبل 2/414. 442 ر. ونسنك: المعجم المفهرس3/133
(28) لم يرد في معجم ونسنك.
(29) ر. أحمد بن حنبل:3/135، 154، 210، 251 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس1/ 120
(30) النسائي: إيمان1. الزكاة 49. الدارمي: صلاة: 135. رقاق:28 أحمد بن حنبل: 2/2589. 3/412.ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 3/166
(31) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:35- 36.ر. امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط2 201- 203
(32) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:35
(33) السالمي: المشارق: 333
(34) ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة 6/57
(35) انظر ما يلي: 753
(36) أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/ 97- 98
(37) ر. ابن ماجة: مقدمة 9 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 2/371.
(38) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/569 .ر. ابن حزم : الفصل 3/194. يبين أنه يزيد وينقص حتى في التصديق حسب المتعلق إذ تصديق الرسل ليس كتصديق عامة الناس.
أما عن موقف الأشاعرة فتأمل ما جاء عند البيجوري:" فتلخص أن الأقسام ثلاثة:
1- يزيد وينقص: وهو إيمان الأمة إنسا وجنا.
2- لا يزيد ولا ينقص: وهو إيمان الملائكة على المشهور.
3- يزيد ولا ينقص: وهو إيمان الأنبياء
وبعد أن بين الحجج العقلية عند القائلين إنه يزد وينقص ذكر أن أبا حنيفة يعتبر أنه لا يزيد ولا ينقص.
أما الخطاب فيبين أنه يزيد ولا ينقص حيث قال:" الإيمان الكامل ثلاثة أمور: قول وهو لا يزيد ولا ينقص، وعمل هو يزيد وينقص، واعتقاد وهو يزيد ولا ينقص.
ويختم بقوله : إن الإيمان يزيد وينقص كما هو التحقيق". البيجوري : شرح جوهرة التوحيد 50- 51.
39) أبو مهدي: رسالة إلى عمان: 86
(40) أبو خرز : الرد على جميع المخالفين: 631
(41) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 1/574
(42) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة: 6/47
(43) أحمد الخليلي: تعليق1 .ر. السالمي: المشارق 334
(44) ر. عبدالله السالمي: المشارق 334-335
(45) نفس المصدر: 335
(46) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/ 575
(47) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/576
(48) ابن حزم الفصل: 3/ 227
(49) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 103
(50) ر. تعليق محمد الطالبي: فصل الإرجاء، دراسات في تاريخ إفريقية . 372 عدد1
(51) ابن حزم الفصل: 3/ 228
________________________________________
ولا بأس هنا من التنبيه إلى أن الإباضية يعتمدون في التعريف أحيانا في الأضداد وفي هذا يقول الشماخي:" فالإيمان توحيد يقابله الشرك، وغير توحيد يقابله كفر النعم" (52) .
هذا في مجال الرد على من اعتبر أن الإيمان يقابله الكفر، ويعتبر الشماخي أن الكفر يقابله الشكر. قال تعالى: ( إما شاكرا وإما كفورا) (76 الإنسان3) ويبين أن المقابلة في علة الإيمان وعلة الكفر إذ على الإيمان الأمر، وعلة الكفر النهي، فكل مأمور به إيمان وكل منتهى عنه كفر (53) .
وإلى جانب هذا يقع الحرص أحيانا على التمييز بين صيغة الفعل وصيغة اسم الفاعل إذ يصح أن نقول آمن في شأن العصاة لكن لا يصح أن يقال مؤمن في شأنهم ، وفي ذلك يقول الشماخي:" يقال آمن ولا يقال مؤمن لأن معناه أقر ولم يوف، والمؤمن هو الموفي ولو كان من آمن يقال له مؤمن لكان المذكورون في قوله: ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) (2 البقرة 85 ) مؤمنين" (54) .
ولا ينبغي أن نغفل عن إشارة عمر أبن أبي ستة إلى التمييز بين إيمان المجتهد وإيمان المقلد، فإذا كان إيمان المجتهد قائما على الأدلة النقلية والعقلية، فإن إيمان المقلد (55) هو الأخذ بقول الغير جزما ممن ثبت صلاحه عند المقلد ، والأساس في الجمع بين العقيدة والقول والعمل سواء أكان ذلك عن اجتهاد أو تقليد.
كل هذا الحرص مداره حينئذ الإلحاح على أن الإيمان الحق لا يستحق إلا بجميع خصاله من فعل وترك، ومن تكاملت فيه هذه الخصال يكون مؤمنا موفيا.
وفي هذا المعنى يقول أبو نصر:(طويل)
(56)
ويحلل الجيطالي المعنى كما يلي:" البيت الثاني يقول من مات على غير الوفاء بجميع الفرائض، وترك جميع الكبائر، فمصيره إلى النار والبوار، فإن قال القائل: كيف أبطلتم جميع طاعات العبد بترك خصلة واحدة؟ قيل له:(أوف بعهدكم) إن الثواب متعلق بالوفاء بجميع الدين، كما قال الله تعالى: ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) (2 البقرة 40) فمن لم يوف بعهد الله فلا عهد له، ولأن الثواب فضل من الله تعالى من غير وجوب ولا إيجاب لأنه المالك القهار.
وأما في جوده وكرمه فنعم، فكما قال الله تعالى: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين) (30 الروم47)، وله على عباده الأمر والنهي، فإن انزاحوا عن محارمه وامتثلوا أوامره، كان لهم عليه الوفاء فضلا وكرما، فإن تركوا خصلة منها كان عليهم العقاب فضلا عن الثواب" (57) .
هكذا يتضح أن في موقف الإباضية صرامة لا تصل إلى ما ينسب إلى الصفرية والأزارقة من شدة تتمثل في نفي عمن لم يهاجر إليهم، وتبعد بهم عن انحلال المرجئة الذين دفعوا الأمة الإسلامية إلى الاستهانة بالعمل أمرا ونهيا.
ومن هنا يتضح البعد الحضاري لهذا التصور الذي لم يتزحزح عنه الإباضية العارفون بعقيدتهم إلى يومنا هذا، ولن تتكامل الصورة إلا بعد معرفة موقفهم من حقيقة الكفر.
ولعله يحسن، قبل أن نتحول إلى ذلك، أن نذكر ما يترتب على الإيمان، وهو كما تبينا اعتقاد وقول وعمل لا يتحقق إلا إذا تكاملت أجزاؤه فإنه يزداد ويضعف ويقابله الشرك من حيث هو توحيد، وكفر النعم من حيث هو عمل، قد يكون عن اجتهاد وقد يكون عن تقليد في الدنيا والآخرة" (58) .
أما في الدنيا فيلخص ذلك شارح النونية كما يلي:" ولاية الموفى منهم بالدين وحبه وطلب الغفران لـه ونصيحته وإعانته على البر والتقوى، وترك ضره وبغضه واغتيابه، وغير ذلك من حقوقه الواجبة له ظاهرا وباطنا.
وأما في الآخرة فقد وعد الله تعالى بأن يفي بوعده ألا وهو جنة النعيم.
وبعد تعريف الإيمان فلنعرف الكفر.
حقيقة الكفر:
رأينا في الباب الأول عند الحديث عن افتراق الأمة كيف أن مختلف الفرق تسم بعضها البعض بسمة الكفر، وتتأرجح المواقف في ذلك بين طرفين متناقضين، طرف من عرفوا بالخوارج هؤلاء الذين تروي عنهم مصادر الفرق الأخرى أنهم يعتبرون كل من خالفهم كافرا مشركا، وإن صلى وصام، وطرف عرفوا بأهل الإرجاء هؤلاء الذين اشتهروا بقولتهم:" لا تضر مع الإيمان معصية". بين هؤلاء وأولئك تتنزل جميع الفرق الإسلامية، فما هي منزلة الإباضية في هذا الخصم؟ وما هو مفهوم الكفر عندهم؟ وما هو حكم الكافر في الدنيا والآخرة؟
لقد تبرأ عبدالله بن إباض إمام الإباضية من اللحظة الأولى من نافع بن الأزرق، وميز بين كفر الشرك وبين كفر النعم، واستمر هذا الموقف إلى يومنا هذا إلا أن بقية الفرق لم تنتبه إلى هذا التمييز بوضوح لأنها تحشر الإباضية في زمرة الخوارج فماذا عن كفر النعم؟
أ) الإباضية وكفر النعم؟
إن هذا الموقف تأصل من وقت مبكر مع الأئمة الأول، ويتضح ذلك خاصة في ما جمعه الربيع بن حبيب في الجامع الصحيح من أحاديث جاءت بعنوان:" الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين" (59) .
وعوض أن أتتبع التطور التاريخي للقضية رأيت من الأصلح أن أعتمد خاصة على مصادر المرحلة المقررة في تعريف كفر النعم لأن هذا المصطلح ظل نفسخ عبر الزمن. (60)
الكفر لغة:
يورد الشماخي (61) والمحشي (62) أن الكفر هو الستر والتغطية، وسمي الليل كافرا لأنه يستر كل شيء بظلمته (63) وهو أيضا الجحود لقوله تعالى: ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه) (3 آل عمران115) ويشير المحشي إلى أن كلمة كفر قد تعني البحر لأنه يحجب كل شيء كما أن الحارث يسمى كافرا باعتباره يستر البذر". (64)
فالكفر لغو حينئذ هو الستر والتغطية (65) .
الكفر شرعا:
ينقل المحشي عن عقيدة أبي سهل أن الكفر في الشرع " هو جميع ما أوجب الله عليه العقاب" وذلك عند شرحه للتعريف الذي تبناه الجناوني وهو " الاستفاد الى ولي النعمة" (66)
أما الشماخي فيقول: " وأطلقت كلمة الكفر في عرف الشرع على الشرك تارة وعلى النفاق أخرى، وهو ضد الإيمان والكفران جحود النعم" (67) .
فاتضح حينئذ أن الإباضية يقسمون الكفر إلى قسمين هما كفر الشرك وكفر النعم، وقد كان هذا التمييز مصدر إشكال للفرق الأخرى، لأن كلمة الكفر تطلق في أغلب النصوص بدون إضافة الشرك أو النعم، ولهذا كثيرا ما تتهم الفرق الأخرى الإباضية بأنهم يكفرون غيرهم دون الوقوف على هذا التمييز الاصطلاحي- كفر النعم- من القرآن الكريم والسنة الشريفة وقد جمع الشماخي هذه الأدلة في رده على صولة الغدامسي كما يلي:
" فإن قلت ضد الإيمان الكفر كما تقدم، ولو كانت العبادات إيمانا لكان تاركها كافرا.
قلت: الأمر كذلك، ولكن يسمى كفر نعمة خلاف الخوارج (68) قال تعالى: ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) (3 آل عمران) والخطاب للمصدقين. وقال تعالى: ( هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) (27 النمل 40) وقال تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (5 المائدة44)، وقال تعالى: ( ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) (69) (24 النور 55) وقال تعالى: ( فكفرت بأنعم الله) (70) (16 النحل 112) (71) .
وبعد هذا الاستدلال بالقرآن الكريم يورد ما لا يقل عن عشرين حديثا محور بعضها إطلاق الكفر صراحة على المصدقين ونذكر منها قوله عليه السلام حين سأله الرجل عي فريضة الحج فقال: " أفي كل عام يا رسول الله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تفعلوا، ولو لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم" (72) . وقولـه صلى الله عليه وسلم : " ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة" (73) وقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا كفر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما" (74) ، ومحور البعض الآخر نفي العصاة من دائرة الجماعة المسلمة مثل قوله عليه السلام: " من غشنا فليس منا" (75) .
ثم يختم هذا الاستدلال بقوله:" وكثرة الدليل تمنع التأويل" (76) وإن بدت لهجته قاطعة هنا لأنه كان في صدد الرد، فقد جاء موقفه أكثر احترازا عند معالجة نفس القضية في شرح عقيدة التوحيد حيث يقول:" وهو- كفر النعم- كثر وإن كان في بعضها احتمال الوجه الأول- الشرك- وأستغفر الله من حمل كتابه على غير معناه، وللأمة في الكفر خلاف وتشعيب" (77) .
ويحاول الشماخي أن يعلل هذا التقسيم في سياق جدلي فيقول:" فإن قلت لأي علة جعلت بعض الكفر شركا وبعضه غير الشرك ، فالجواب: أن تذكر علة المخصوص فيقال لعلة المساواة، ولو خصصت بالسؤال النفاق لكان الجواب بالخلف" (78) .
ويعتبر في سياق آخر أن المفهوم الثاني مجاز " أقول: لم نقل إن كفرهم شرك بل كفر نعمة ، وهو مجاز" (79) .
================================
(52) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:34
(53) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:34
(54) (54) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 44
(55) ر. عمر أبو ستة: المجموع المعول: 24
(56) أبو نصر فتح بن نوح : النونية البيتان 88. 89:
(57) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/ 69 نقلا عن شرح النونية للجيطالي.
(58) عمرو التلاتي : شرح النونية ورقة 136 وجه. عبد العزيز الثميني: النور 344
(59) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 3/2- 5 والأحاديث من عدد 743 إلى عدد 767. انظر ما يلي حيث اعتمدنا هذه الأحاديث في قضية الوعد والوعيد وقضية الخلود.
(60) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/ 121.ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2 ، 1/37- 42
(61) ر. أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 127
(62) ر. المحشي: الرد على صولة الغدامسي: 37
(63) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع: 85
(64) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع: 26
(65) ر. ابن منظور لسان العرب مادة كفر
(66) ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع:86
(67) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 127 وعن الشرك والنفاق انظر ما يلي: 518 و 514
(68) يعني الازارقة والصفرية
(69) والسياق عن وعد الله للمؤمنين.
(70) والسياق عن قرية مطمئنة كان يأتيها رزقها رغدا.
(71) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 37.
(72) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 2/2 .ر.الترمذي: تفسير سورة المائدة 05. النسائي: مناسك 1. ابن ماجة : مناسك :2 الدارمي: مناسك 4 .أحمد بن حنبل 1/255، 291 ر. ونسنك المعجم المفهرس 7/138 مع اختلاف في الصيغة.
(73) ر. مسلم إيمان 134. الدارمي سنة 15. الترمذي إيمان9. ابن ماجة اقامة 77. الدارمي صلاة 29، أحمد بن حنبل 3/23. 60. 142.ر. ونسنك المعجم المفهرس 6/37.
(74) ر. مسلم: إيمان 1/1. أحمد بن حنبل 2/23.60. 142.ر. ونسنك: المعجم المفهرس 6/34.
(75) مسلم: إيمان 164. أبو داود: بيوع 50. الترمذي: بيوع 72. ابن ماجة: تجارات 36 الدرامي: بيوع 10 .أحمد 2/50. 3/466. 4/45 ونسنك 4/515
(76) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:38
(77) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 127
(78) نفس المصدر
(79) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:44
________________________________________
ويزيد المحشي القضية توضيحا حيث يعتبر كفر النعمة فسقا فيقول:" واعلم أن الكافر والفاسق واحدا" كما يقول :" صاحب الكبيرة نسميه فاسقا كافرا"، ويستدل لذلك بقوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) (32 السجدة20) وقوله: ( النار وعدها الله الذين كفروا) (22 الحج 72) فالفاسق الذي جعل مأواه النار هو الكافر الذي وعده النار فثبت التساوي" (80) .
كما يستدل يوسف المصعبي بقول البرادي الذي يسوي بين الفسق وكفر النعمة حيث يقول" الفسق أيضا الخروج من الإيمان(جانب العمل). تقول العرب فسقت الرطبة أي نفينا عنها قشرتها وخرجت منها. وذلك بعد أن بين أثناء الرد على المعتزلة الذين يعتبرون الفسق منزلة بين المنزلتين، أن الفسق والكفر مترادفان بدليل قوله تعالى: ( وقو نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين) (51 الذاريات46) وقوله تعالى: ( ففسق عن أمره ربه) (18 الكهف 50). ثم يعلق على كلام تبغورين بقوله:"فالمناسب للمصنف رحمه الله أن يثبت التساوي بين الكفر والفسق بالقرآن" (81) .
ويقول يوسف المصعبي أيضا في شأن التسوية بين كفر النعمة والنفاق ما يلي:" وأما الإباضية... فصاحب الكبيرة عندهم بريء من الشرك والإيمان موسوم بالكفر والنفاق كما قال تعالى: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) (4 النساء 143). (82)
وقد وضح أبو عمار القضية من قبل بعد أن أورد هذه الآية كما يلي:" لا إلى المشركين في الحكم والسيرة ، ولا إلى المؤمنين في الاسم والثواب ، كما قال عز وجل: ( ما هم منكم ولا منهم) (58 المجادلة14) (83) نفاهم من المؤمنين أن يكونوا معهم في التسمية بالإيمان والمودة في الدين، ونفاهم من المشركين أن يكونوا معهم في التسمية بالشرك وأحكام المشركين". (84)
ويشير الشماخي أيضا إلى أن كفر النعمة يرادف مفهوم الفجور والعصيان أيضا (85) .
وهكذا يتضح أن الإباضية يعتبرون أن كفر النعمة مرادف للفسق والنفاق (86) والفجور والعصيان، فالكفر حينئذ أعم من الشرك ويقول يوسف المصعبي في ذلك:"
وأما على أصلنا من كون الكفر أعم من الشرك فيصدق على المنافق والفاسق" (87) .
وقد حلل أبو عمار هذا التساوي في صدد الرد على المعتزلة فقال:" قاسم الكافرين والفاسقين والضالين والظالمين والفجار مشتمل على جميع أسماء أهل النار، كما أن اسم المؤمنين والمسلمين والمهتدين والبارين مشتمل على جميع أسماء أهل الجنة، وستدل على ذلك بعديد من الآيات مثل قوله تعالى: ( واتقوا النار التي أعدت اللكافرين) (3 آل عمران 131) حيث سمى أهل النار كافرين وقوله تعالى: ( وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم) (56 الواقعة93) حيث سماهم ضالين:
ويختم بقوله:" فذل بهذا الذي قلنا أن هذه الأسماء كلها مقرونة بإثبات الوعيد، منوطة بوجوب العقاب ، ولن يجوز أن يكون وجوب العقاب إلا للكفر، كما لا يجوز أن يكون وجوب الثواب إلا للإيمان". (88)
وإن عتبرت المصادر الإباضية أن كفر النعمة مرادف للفسق وما إلى ذلك فهي تجعله ضد الإيمان كما أشرنا إلى ذلك في التعريف الشرعي. (89)
ولتوضيح هذه الضدية ينقل يوسف المصعبي عبارة أبي عمار التالية:" إنما يضاد المؤمن الكافر ويضاد الكافر المؤمن" (90) ويقول أيضا:" إن الإيمان والكفر ضدان فلا يرتفعان معا كسائر الأضداد" (91) .
كما جاء الحديث عن هذه الضدية خلال تحليل مفهوم الاستطاعة والعون، وفي ذلك يقول يوسف المصعبي:" والكافر ممنوع من الإيمان يعني بالاشتغال بالكفر ، فلذلك لا يكون معذورا لأن منعه، وعدم استطاعته إنما جاءا من قبله كما دل عليه قوله تعالى: ( وما منع الناس أن يؤمنوا...) (18 الكهف55) (93) (92) .
فالمهم إذن أن الدخول في الإيمان هو الخروج من الكفر كما أن الدخول في الكفر هو الخروج من الإيمان.
وتجدر الملاحظة هنا أن هذه المصادر تجعل للكفر قواعد وأركانا، وقد تستعمل كلمة قوائم عوض قواعد، وذلك للتحذير من كل ما يوصل إلى الكفر بنعم الله تعالى.
أما قواعده ، أو قوائمه فهي: الجهل والحمية والكبر والحسد. وأما أركانه فهي: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب (94) . وتكتفي هذه المصادر بتوضيح معاني هذه الكلمات بالاعتماد على نصوص من القرآن ومن الحديث لتبين مدى صلتها بالكفر.
ومن كفر النعمة إلى مرادفه النفاق.
==========================
(80) المحشي: حاشية على كتاب الوضع: 55.ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين35
(81) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين36
(82) يوسف المصعبي: حاشية على تبغورين 26
(83) وبقية الآية ] ألم تر إلى تولوا قوما غضب الله عليهم...[
(84) أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/117
(85) ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:45
(86) انظر ما يلي: 514
(87) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:26
(88) أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/126- 127
(89) انظر ما سبق: 508.
(90) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:32
أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/124- 125 ويضيف مجموعة من الكلمات المتضادة بقوله:" ويضاد الموحد المشرك، كما أن المشرك يضاد المهتدي، كما أن المهتدي يضاد الضال... وكذلك يضاد المؤمن الكافر، كما يضاد الكافر المؤمن، فمن تدبر ما قلنا من هذا وجده كما وصفنا إن شاء الله ". وهذا في صدود الرد على المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين
(91) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 35
(92) وبقية الآية ] إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا[.
(93) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 79.
(94) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد:54- 57.ر. المحشي: حاشية على كتاب الوضع 98.99
________________________________________
الإباضية والنفاق:
ذكرنا أن كلمة النفاق تأتي بمعنى كفر النعمة إلا أن المصادر الإباضية تتوسع في بسط مفهومها فهي لغة: كما جاء في الصبحاح: والنافقاء إحدى حجرتي اليربوع يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه فإذا أوتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فإنتفق، أي خرج. والجمع النوافق إلى أن قال : ونافق أي أخذ في نافقاء، ومنه اشتقاق المنافق في الدّين الخ..." (95) .
وقال صاحب كتاب العدل والإنصاف:" أبواب حجر اليربوع: القاصعاء والرهطاء والنافقا: باب مستخف يخرج منه عند الضرورة إذا خاف، فأخفاه عن العيون" (96) .
النفاق شرعا: قال في كتاب العدل والإنصاف:" هو اسم شرعي فسره أهل العلم فقالوا اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج، وهذه المقالة تروي عن الحسن البصري ومعناه عن حذيفة بن اليمان (97) وهو قول جل الصحابة" (98) .
ويقول المصعبي :" والذي عليه أصحابنا ومن وافقهم أن النفاق في الأفعال لا في الاعتقاد فلا فرق بين منافق العصر وغيره من الموحدين" (99) .
ويلح المصعبي على أن النفاق يكون في الأفعال عند شرحه لقوله تعالى: ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (9 التوبة75- 77) فيقول:" قلت فظاهر هذه القصة( قصة ثعلبة) يدل كما ذهب إليه الأصحاب على أن النفاق في الأفعال لمن أنصف" (100) .
كما بين أن النفاق والإيمان لا يجتمعان عند تعليقه على هذه الآيات بقوله:" فلما أخبرهم عن الوعد باللسان وعقب بالنفاق في القلب عقوبة لهم، ولن يستقيم الإيمان والنفاق في قلب واحد" (101) .
ويقول الشماخي:" اعلم أن أصل النفاق الخلف لقوله تعالى: ( فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (9 التوبة77).
ويفسر ذلك المحشي كما يلي:" يعني أن أصل النفاق الذي ينبني عليه هو الحلف والكذب لأن الأصل ما يبنى عليه غيره كما يدل عليه ظاهر الآية، وليس المراد أن الحلف والكذب هما عين النفاق بل سببان له.
ويضيف الشماخي ذكر نوعين من أنواع النفاق:
أولا: نفاق الخيانة وهو ما ضيع من الفرائض وارتكاب الكبائر بشهوة، وقد قال عليه السلام:" إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف" (102) .
ثانيا: نفاق التحليل والتحريم وهو ما يقوله أهل الخلاف من غير الحق وما ارتكبوه بتأويل وديانة" (103) .
وقد عدد الشماخي عند تعريفه للكبائر جميع كبائر النفاق فقال:" وقال أصحابنا : الكبيرة كفر وضلال وفسق... فمنه شرك، ومنه نفاق وهو جميع ما حرمه الله تعالى إن افتراقه غير محلل، أو ترك شيئا مما أوجب عليه محرما له، ككسب الحرام، وأكله من أموال الناس، ومن الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، والنبيذ، والمسكر، والبول، والغائط، وأنجاس أهل الشرك، وذبائحهم، وجميع الفواحش ما ظهر منها وما بطن من الزنا ومقدماته، والربا ، والغش، والتطفيف، والبغي، والسرقة، والخيانة، وقول الزور مطلقا، من الكذب، والقذف، والشهادة، وحكم الجور، والرشوة عليه، وقتل النفس، وفعل الميسر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، ومنع الحق مطلقا ولو نفقة عبدك وامرأتك، والسحر، والتنابز وكتمان الشهادة، وترك الصلاة والصوم، ومنع الزكاة، وترك الحج، والكبر والحسد، وسوء الظن، واليأس من الرحمة، وأمن مكر الله، والإصرار على الصغيرة والعصبية، والرغبة في الاستحلال ، أو التحريم مع التحليل" (104) .
أما أصناف المنافقين فقد عددها المصعبي تبعا للأصل الذي يشرحه (105) فقال:" وإنما كان أول النفاق في أهل القبلة بتركهم الهجرة فسماهم الله منافقين.
ومن المنافقين من أصاب النفاق بإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الصدقات.
ومنهم من نافق بمنعه الصدقة مثل ثعلبة وغيره.
ومنهم ( الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم) (9 التوبة 79).
ومنهم المخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد.
ومنهم (الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين) (9 التوبة 107).
ذاك هو مفهوم النفاق، وتلك هي أصناف الكبائر التي تندرج تحته، وهؤلاء هم أصناف المنافقين حسب المصادر الإباضية، فماذا عن الشرك ؟
==================================
(95) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:86
(96) نفس المصدر
(97) حذيفة بن اليمان( ت36/ 656) صحابي. فاتح . صاحب سر النبي في المنافقين ر. الزركلي: الأعلام 2/180- 181
(98) يوسف المصعبي:حاشية على كتاب الديانات: 17 و حاشية على أصول تبغورين:26
(99) يوسف المصعبي:حاشية على كتاب الديانات: 17 و حاشية على أصول تبغورين:26
(100) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:29
(101) نفس المصدر
(102) ر. البخاري: شهادات 28. وصايا8 مظالم 17. أدب 63 مسلم لإيمان 107، 108 أبو داود سنة 15 الترمذي إيمان 14 النسائي إيمان 20. أحمد بن حنبل 2/189- 198 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 5/549.
(103) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد:128
(104) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 145- 150
(105) والأصل هم لتبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول تبغورين 22. 24.ر. يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين 25- 32
________________________________________
الإباضية والشرك
لقد ذكرنا أثناء تعريف الكفر أن الإباضية يقسمونه إلى قسمين فحللنا ما يتعلق بالقسم الثاني وهو كفر النعمة وبقي أن نقف عند القسم الأول وهو الشرك فكيف عرفته المصادر؟
لم نلمس أي اهتمام بالمدلول اللغوي إلا في إشارة عابرة عند المحشي عند المقابلة بين التوحيد والشرك حيث بين أن التوحيد أوسع من الإفراد كما أن الشرك أوسع من المساواة ثم قال في صيغة جدلية:" اللهم إلا أن يقال مراد أصحابنا رحمهم الله أن ذلك معناهما بحسب اللغة" (106) .
أما المدلول الشرعي فقد حددته المصادر كما يلي:" الشرك يكون جحودا كفعل أهل الدهر والثنوية، ويكون مساواة كشرك من سواهم والأصل فيه المساواة أي أن تساوي بين الله والخلق في صفة أو فعل أو ذات" (107) .
فالشرك حينئذ نوعان: شرك جحود ويفسر التلاتي ذلك بقوله:" إنكار الله رأسا" (108) وتضيف المصادر "إنكار رسول من الرسل أو كتاب من كتبه، أو آية أو كلمة أو حركة أو سكون من كتبه، أو صفة من صفاته أو فعل من أفعاله" (109) .
وشرك مساواة أي جعل شريك لله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
فالمشرك حينئذ هو الجاحد أو المساوي بين الله والخلق (110) .
وفعل الشرك أن يعبد غير الله أو يقرب إلى الله بمعصية أو باللسان خاصة (111) .
ولا تطيل المصادر في الاستدلال على الشرك من السياق القرآني بل تكتفي بالإشارة إلى أن كلمة كفر يغلب على استعمالها معنى الشرك في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ( وإن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) (2 البقرة6).
وتتعرض المصادر إلى الحديث عن الشرك عند توضيح الصلة بين العلم والعمل فيقول أبو مهدي مثلا:" والشرك يصح فيه العلم وإن عمل به بطل العلم" (112) .
كما تعتبر أنه لا يسع جهل الشرك ويقول الشماخي في هذا الصدد:" ولا يسع جهل الشرك، لأن من جهله لم يعلم التوحيد، ومن لم يعلم التوحيد فهو مشرك فينتج من جهل الشرك مشرك" (113) .
ويعدد الشماخي كبائر الشرك كما عدد كبائر النفاق:" فمنه (الكبير) شرك وهو منا كان تكذيبا لله وإنكارا لشيء مما أمر به نصا، كإنكار توحيد الله أو شبهه بخلقه أو سواه بغيره في ذات أو صفة، أو ينكر وجوده أو يجهل معرفته أو ينكر حرفا من كتبه، أو نبيا أو رسولا، أو ملكا أو جهل البعث، أو شك في وجه من وجوه التوحيد التي لا يسع جهلها، أو وصف الله بصفات النقص كما وصفت المشبهة، أو يتقرب إلى الله بمعصية منصوص عليها، أو يترك بعض الطاعات ويقول أمر الله بذلك، أو يتقرب إلى الخلق بأفعاله من جميع الطاعات كالذبح والصلاة، أو يدعو إلى عبادة غير الله، ويدخل في ما ذكرنا الاستحلال لما حرم الله تعالى نصا، أو يحرم ما أحل الله نصا بغير تأويل، أو جهل الشرك ويدلك على ذلك قوله تعالى: ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (6 الأنعام 121)" (114) .
وهكذا على هذا الأساس من الفهم تقوم الأحكام إذ الفرق واضح بين أحكام كبائر الشرك، وكبائر النفاق فماذا عن صلة الأسماء بالأحكام؟
الأحكام المترتبة على هذه الأسماء:
يقول أبو عمار عبد الكافي:" فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة:
1) القتل للمشركين، والسبي، والغنيمة، وتحريم الذبائح، وتحريم المناكحة، والموارثة، والمدافنة معهم إلا ما يحل من أهل العهد من ذلك.
2) وتحريم القتل للمنافقين (كفار النعم) إذا هم لم يظهروا نفاقهم، وتحريم السبي، والغنيمة منهم، وتحليل الذبائح، والمناكحة والموارثة، والمدافنة معهم، وتجريح شهاداتهم، وإبطال عدالتهم، وإقامة الحدود عليهم وفيهم، ولذلك يروى عن الحسن أنه قال:" وإن الحدود في المنافقين" (115) .
1) وللمؤمنين وجوب الولاية والمودة والمحبة في الدين، والاستغفار لهم، وتجويز شهاداتهم، وإثبات عدالتهم، والتزكية لهم.
فهذه أحكام ثلاثة لأسماء ثلاثة، قال الله عز وجل:( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما)(33 الأحزاب 72-73) فجعلهم ثلاث منازل معروفة غير مجهولة في كتاب الله عز وجل" (116) .
وقد عبر عامر الشماخي عن هذا المعنى بقوله:" ندين بأن منزلة النفاق (كفر النعمة) بين منزلة الإيمان ومنزلة الشرك، وندين بأن المنافقين ليسوا بمؤمنين ولا بمشركين، وندين بأن المشركين ليسوا بمؤمنين ولا منافقين، وندين بان المؤمنين ليسوا بمنافقين ولا بمشركين، ومن سمى كل واحد منهم باسم صاحبه فقد كفر" (117) .
وبين صلة الأحكام بهذه الأسماء كما يلي:" وندين بأن الأسماء تابعة، أي موافقة للأحكام". (118)
هذا عن الصلة بين الأسماء والأحكام ويحسن أن نبين صلة هذا بمواقف لبعض الفرق الإسلامية الأخرى قبل أن نتحول إلى قضية الوعد والوعيد والخلود.
واضح من خلال هذا العرض أن الإباضية يتفقون وسائر الفرق الإسلامية في شأن المؤمن الموفي وفي شأن المشرك إلا أنهم يختلفون عن غيرهم في شأن كفر النعمة.
فإن قال المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين واعتبروا مرتكب الكبيرة فاسقا ولم يطلقوا عليه تسمية الكفر كما فعل ذلك الإباضية مع إضافة " النعمة" فإن الاختلاف بينهما لفظي لأن حكم الفاسق عند المعتزلة هو حكم كافر النعم عند الإباضية ، وفي ذلك يقول يوسف المصعبي" أما عند المعتزلة فكلمة كفر مختصة بالشرك...والخلاف بيننا وبينهم في الحقيقة لفظي بالنظر إلى إطلاق لفظ الكفر وعدمه أما أحكامه فهي متفقة عندنا وعندهم في الدنيا والآخرة" (119) .
أما عن موقف الأزارقة والصفرية من اعتبار العصاة مشركين على أن الكفر لا يعتبر إلا شركا فإن رد الإباضية كان عمليا كما أشرنا إلى ذلك من قبل وكانت القطيعة بين الطرفين من اجتماع صومعة البصرة وقد أشار الشماخي إلى ذلك بقوله:" ولكن يسمى كفر نعمة خلاف الخوارج" (120) ، وقد توسع أبو عمار عبد الكافي من قبل في الرد على هؤلاء (121) فالخلاف حينئذ جذري بين الطرفين كما لاحظنا أن الخلاف جذري بين الإباضية والمرجئة في شأن الإيمان. (122)
أما عن موقف الأشاعرة من القضية فيقول المصعبي:" وأصل الأشعرية الكافر خاص بالشرك" (123) إلا أن احمد الشماخي يشير في رده على الغدامسي إلى أن مفهوم كفر النعمة موجود عند الأشاعرة" (124) .
فالمفهوم الغالب حينئذ عند الأشاعرة أن الكفر يعني الشرك ولذلك يكون الصدام بين الطرفين ، لكن عند التأمل يثبت أن الخلاف في البداية لفظي خاصة في ما يترتب عليه من أحكام الدنيا. فالإباضية متفقون والأشاعرة على أن العصاة من أهل القبلة يحرم قتلهم، ويحرم سبيهم والغنيمة منهم، ويحل دماؤهم، ومناكحتهم ، وموارثتهم، والمدافنة معهم. وتجرّح شهادتهم، وتبطل عدالتهم، وتقام عليهم الحدود عند ثبوت إدانتهم بالبينات الشرعية، إلا أن الإباضية يتجاوزون الأشاعرة في تبطيق البراءة الشخصية (125) من هؤلاء حتى يقلعوا عن معاصيهم التي يجاهرون بها.
أما في ما يتعلق بأمر الآخرة فالخلاف جذري كما سنبين ذلك بعد حين (126) .
=============================
(106) المحشي: حاشية على كتاب الوضع 9. لم يطل في المدلول اللغوي لأنه لم يكن مثار جدل
(107) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 127 ر. أبو مهدي عيسى إسماعيل: جواب لأهل عمان 91
(108) أبو سليمان التلاتي: شرح عقيدة التوحيد: 128
(109) ر. نفس المصدر.
(110) ر. أبو مهدي عيسى إسماعيل: جواب لأهل عمان 91
(111) ر. أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 126
(112) ر. أبو مهدي عيسى إسماعيل: جواب لأهل عمان 91
(113) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 130
(114) أحمد الشماخي: شرح عقيدة التوحيد: 148
(115) ملاحظة: إن هذا الحكم يتعلق بمن ثبت عليه كفر النعمة من الإباضية وغير الإباضية وهذا تغفل عنه كتب الفرق لأنها تتصور أن هذا لا يطبق إلا على المخالفين.
(116) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 117- 118.
(117) عامر الشماخي: كتاب الديانات: 445- 45 ر. عمرو التلاتي: شرح كتاب الديانات 68- 70
(118) نفس المصدرين السابقين: 45 و 73
(119) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 35 ر. القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة: الأصل الرابع : المنزلة بين المنزلتين 696- 711 .ر. الإيجي : المواقف: 2/459
ولزيادة تحليل ردود الإباضية على المعتزلة ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/123-129
(120) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:37
(121) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/118- 122
(122) انظر ما سبق: 505
(123) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 26. وهو قول الشيعة الإمامية أيضا .ر. محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف 1/139.
(124) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 44 وفي هذا الصدد فقد جاء عند يحي بن سلام وهو من أسلاف الأشاعرة أن الكفر على أربعة وجوه:
الوجه الأول: الكفر يعني الكفر نفسه، يعني الكفر بتوحيد الله والإنكار له.
والوجه الثاني: الكفر يعني الجحود.
والوجه الثالث : الكفر يعني كفر النعمة. وذلك في البقرة] واشكروا لي ولا تكفرون[(152)، ولا تكفروا نعمتي. وقال في النمل:] أأشكر أم أكفر[ (40) يعني أم أكفر النعمة. وفي لقمان] ومن كفر[(12) يعني كفر النعمة، وقال فرعون:] وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين[ ( الشعراء19) يعني الكافرين إذ ربيتك صغيرا وأحسنت إليك ، ونحوه كثير.
والوجه الرابع : الكفر يعني البراءة
ر. يحي بن سلام: التصاريف. قدمت له وحققته هند شلبي. الشركة التونسية للنشر والتوزيع. تونس 1979 ص 104- 105. وعن ابن سلام. ر. الزركلي: الأعلام 9/2
ويعدد سعيد بن تعاريت أسماء القائلين بكفر النعمة من غير الإباضية فيقول: " وهو مذهب الحسن البصري وعليه ابن مجاهد والمحدثون والبخاري، وروي ذلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهي رواية عن أحمد اختارها طائفة من أصحابه، وهي قول ابن حبيب من المالكية كما ذكر ذلك أبو الفرج في شرح الأربعين النونية وقال خليل في توضيحه: أعلم أن ابن حبيب وافقه على تكفير تارك الصلاة كثير من المحدثين كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم، وكترك صوم رمضان اهـ.
ونقل الفاكهاني على رسالة في باب الصلاة عن ابن حبيب وابن عبد الحكم وابن عيينة أن تارك الصلاة عامدا أو مفرطا كافر وكذا تارك الزكاة والصوم والحج" . المسلك المحمود: 64- 65
ملاحظة : واضح أن كلمة كفر" استعملت عند هؤلاء جميعا بمعنى كفر النعم لكنها لم تأخذ بعدا اصطلاحيا حضاريا كما هو الأمر عند الإباضية إلى حد أنها صارت من خصائصهم العقائدية التي يتميزون بها عن غيرهم.
(125) وهذا المبدأ يكون قوي المفعول عند انعدام الإمام العادل الذي يقيم الحدود ويردع المتمردين على حدود الله تعالى.
(126) انظر ما يلي مبحث الوعد والوعيد والخلود.
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:21 PM
الوعد والوعيد
لغة: جاء في لسان العرب ما يلي: وعده الأمر وبه عدة ووعدا وموعدا وموعدة، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول ومفعولة... قال ابن جني: ومما جاء من المصادر مجموعا معملا قوله:" مواعيد عرقوب أخاه بيثرب" والوعد من المصادر المجموعة ، قالوا: الوعد حكاه ابن جني.
وقال مجاهد في قوله تعالى: (ما أخلفنا موعدك بملكنا) (20 طه87) قال: الموعد العهد، وكذلك قوله تعالى: ( فأخلفتم موعدي) (20 طه 86) قال: عهدي. وقوله عز وجل ( وفي السماء رزقكم وما توعدون) (51 الذاريات22) قال: رزقكم المطر، وما توعدون: الجنة، قال قتادة في قوله تعالى: (واليوم الموعود) (58 البروج2) إنه يوم القيامة.
وفرس واعد: يعدك جريا بعد جري، وأرض واعدة: كأنها تعد بالنبات. وسحاب واعد: كأنه يعد بالمطر. يوم واعد: يعد بالحر... ويقال للدابة والماشية إذا رجي خيرها وإقبالها واعد، وقال الراجز:( رجز)
ويقال : هذا غلام تعد مخايله كرما، وشيمه تعد جلدا وصرامة.
والوعيد والتوعد: التهدد، وقد أوعده وتوعده.
قال الجوهري: الوعد يستعمل في الخير والشر.
قال ابن سيده: وفي الخير الوعد والعدة، وفي الشر الإيعاد والوعيد فإذا قالوا أوعدته بالشر أثبتوا الألف مع الباء، وأنشد لبعض الرجاز:( رجز)
قال الجوهري: تقديره أوعدني بالسجن ، وأوعد رجلي بالأدهم. ورجله شثنة أي قوية على القيد.
قال الأزهري: كلام العرب وعدت الرجل خيرا، ووعدته شرا (1)
وأوعدته خيرا، وأوعدته شرا، فإذا لم يذكروا الخير قالوا: وعدته ولم يدخلوا ألفا، وإذا لم يذكروا الشر قالوا: أوعدته ولم يسقطوا الألف، وأنشد لعامر بن طفيل:(طويل)
(2)
وإذا أدخلوا الباء لم يكن إلا في الشر، كقولك أوعدته بالضرب، وقال ابن الأعرابي : أوعدته خيرا، وهو نادر وأنشد(بسيط)
قال الأزهري: هو الوعد والعدة في الخير والشر...
ويقال : اتعدت الرجل إذا أوعدته، قال الأعشى: فإن تتعدني أتعد بمثلها...
أبو اليهثم : أوعدت الرجل أوعده إيعادا وتوعدته توعدا واتعدت اتعادا.
ووعيد الفحل: هديره إذا هم أن يصول.
نتبين من خلال ما اورده ابن منظور من الشروح والشواهد أن مادة وعد تستعمل لمدلولات مادية كجري مادية كجري الفرس ونبات الأرض، ولمدلولات معنوية كمخايل الغلام التي تعد كرما. كما نلاحظ تداخلا في الحق الدلالي بين صيغة المجرد وعد وصيغة المزيد أوعد فكلاهما تستعملان للخير والشر، ويبدو أن مرور الزمن غلب دلالة الخير لوعد ودلالة الشر لأوعد، ومن هناك كان منطلق مصطلح الوعد والوعيد وإن لم يشر إلى ذلك ابن منظور كما رأينا في تفسيره مادتي قضاء وقدر، حيث غلب الشرح الاصطلاحي العقائدي على الشرح اللغوي، ولعل ذلك يرجع إلى أن موضوع الوعد والوعيد لم يقرح المتكلمين كما قرحهم موضوع القضاء والقدر.
اصطلاحا: معلوم أن الوعد والوعيد أصل من أصول المعتزلة لذلك نجدهم أكثر اعتناء من الفرق الأخرى بالتعريف الاصطلاحي.
وهذا القاضي عبد الجبار يعرف الوعد والوعيد كما يلي:
" أما الوعد فهو كل خبر يتضمن إيصال نفع إلى الغير ، أو دفع ضر عنه في المستقبل، ولا فرق أن يكون حسنا مستحقا وبين أن لا يكون كذلك" (3)
.
وأما الوعيد، فهو كل خبر يتضمن إيصال ضرر إلى الغير، أو تفويت نفع عنه في المستقبل، ولا فرق بين أن يكون حسنا مستحقا، وبين أن لا يكون كذلك".
أما الإباضية فقد جاء تعريفهم كما يلي:
والوعد هو الإخبار بالخير كما في قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا) (18 الكهف 107).
والوعيد هو الإخبار بالشر كما في قوله تعالى: ( إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها) (98 البينة 6).
ويذكر التلاتي أن " الوعد يكون في الخير والشر لقوله تعالى: ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) (48 الفتح29) وقوله: ( النار وعدها الله الذين كفروا) (22 الحج72) ، والوعيد لا يكون إلا في الشر" (4)
. وجاء في قاموس الشريعة ما يلي:" الوعد هو ما وعد الله أهل طاعته من الثواب في الآخرة وهو حق. والوعيد ما أوعد الله أهل الكفر والمعاصي من العقاب في الآخرة وهو حق" (5)
.
فالتعريف الاصطلاحي بقي في مستوى التعريف اللغوي إلا أن الخير والشر يقصد منهما الثواب والعقاب في الآخرة والاستدلال القرآني شاهد على ذلك.
فالمهم حينئذ أن التعريف الاصطلاحي يربط العمل بالجزاء الأخروي، وصارت الكلمتان مقترنتين للدلالة على أصل من الأصول التي اختلفت الفرق في شأنها، وإن كان الاختلاف لا يتعلق إلا بالوعيد...
ذلك هو التعريف الاصطلاحي فماذا عن الأطوار التاريخية التي مرت بها هذه القضية؟ وما هي العوامل التي دفعت إلى قيام هذا الخلاف بين المسلمين في شأن الوعيد بعد أن كانوا على رأي واحد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وما هو موقف الإباضية وسط هذا الخضم بصفة عامة وبصفة أخص بالنسبة إلى المرحلة التي تعنينا؟
==============================
(1) من ذلك قوله تعالى:] وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار[(9 التوبة72)
وقوله تعالى:] وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم[(9 التوبة 68)
(2) هذا البيت يذكره القائلون بإخلاف الوعيد، ويعتبرونه شاهدا لغويا يدعم موقفهم إلا أن القائلين باثبات الوعيد يعتبرون أن الإحجاج بالنصوص النقلية قرآن أو حديثا أقوى.
(3) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 134- 135
(4) عمرو التلاتي : شرح النونية ورقة 107 وجه. عبد العزيز الثميني: النور ص 276- 277.
نلاحظ اتفاقا مع المعتزلة في أن الوعد والوعيد من الأسلوب الخيري وليس من الأسلوب الإنشائي. (انظر ما يلي ص: 633)
(5) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة، ط. دار جريدة عمان للصحافة والنشر سلطنة عمان 1983. نشر وزارة التراث القومي بعمان. 6/5 .
والمؤلف من علماء الإباضية بعمان(ق13/19) حسب ما ورد في تقديم الجزء الأول من كتاب قاموس الشريعة: 15 للمحقق عبد الحفيظ شلبي.
________________________________________
التطور التاريخي لقضية الوعد والوعيد:
إن الإسلام صريح في إطلاق قضية الجزاء من بدء الخليقة إذ يربطها القرآن الكريم بهبوط آدم من الجنة إذ يقول تعالى: (اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليه ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآيتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (2 البقرة38-39)
ويتجدد التذكير بالوعيد قبيل ارتكاب أول جريمة على وجه الأرض حيث يقول هابيل لأخيه قابيل: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين) (5 المائدة 28- 29).
فمفهوم الوعد والوعيد- وهو محور قضيتنا- قديم حينئذ قدم وجود الإنسان على وجه البسيطة، ولذلك يبين القرآن الكريم أن وظيفة الأنبياء والرسل تتمثل في التبشير بالثواب والإنذار من سوء المآب. قال تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون) (الأنعام48-49).
كما أن الناظر في الديانات الوضيعة يلمس تأثرها من قريب أو من بعيد بما أنزل من رب العالمين إذ لكل منها تصور خاص للثواب والعقاب، ونذكر على سبيل المثال أن المزدكية تثبت أن الإنسان إثر موته يحاسب، ثم توزن سيئاته وحسناته، فإن ثقلت حسناته فإلى النعيم الأبدي، وإن استوت حسناته وسيئاته فإلى قرار هادئ ليس فيه إلا الشعور بالبرودة والحرارة، وأما إن ثقلت سيئاته فإلى جهنم حيث يسام سوء العذاب طيلة تسعة آلاف سنة ثم تفتح جهنم ليكون بعث جديد يجدد العالم ويطهر العصاة بصفة نهائية ويعيش الناس إلى الأبد في عالم لا شر فيه (6)
واضح من خلال هذا التصور أثر الوحي السماوي الذي استمر مع جميع الأنبياء والرسل، والمهم عند الفرس أن إنفاذ الوعيد مؤقت بزمن محدود وألا خلود في العذاب.
أما أهل الكتاب فقد أثيرت عندهم قضية الخلود في النار وعدمه، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) (3 آل عمران24) وفي قوله تعالى: ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند اله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) (2 البقرة80).
والرد القرآني صريح على هؤلاء إذ اعتبر أن قولهم من باب الافتراء ومن باب أن يقول الإنسان على الله ما ليس له به علم (7)
.
والمتأمل في كتاب الله يتبين قيام رسالة الإسلام كبقية الرسالات السابقة على التبشير والإنذار، وهاك على سبيل المثال آيتين جاء فيهما لفظ الوعد والوعيد صريحا. الأولى قوله تعالى ( لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد) (39 الزمر20) والثانية قوله تعالى: ( وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا" (20 طه 113).
ومعلوم أن منطلقات كتب أصول الدين هي النصوص النقلية من قرآن كريم وحديث شريف (8)
، ولذلك نحس أن قضية الوعد والوعيد وقعت إثارتها زمن الرسول عليه السلام والقرآن يتنزل إلا أن إجاباته عليه السلام لم تفسح المجال لأي جدل كما سيقع في ما بعد، ومن ذلك ما جاء عن جابر بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هلك المصرون"- ثلاثا- فقال رجل: يا رسول الله، فأين قول الله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)(4 النساء) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب: أنا يا رسول الله، فقال اقرأ:( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (20 طه82) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا" (9)
فالسائل حينئذ استفسر عن المشيئة المتعلقة بمغفرة ما دون الشرك من المعاصي فجاء جواب الرسول صلى الله عليه وسلم شافيا انطلاقا من آية أخرى بينت أن المشيئة تتعلق بمن تاب وآمن وعمل صالحا ، وبذلك فهي لا تشمل المصر على المعاصي.
ومن ذلك ما جاء في الحديث عند وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم عند قبرين قوله: " رجلان يعذبان في القبر ولا يعذبان على كبير، أما أحدهما فإنه لا يستبرئ من البول والغائط وأما الثاني فالذي يمشي بين الناس بالنميمة" . (10)
المهم أن المرحلة لم تكن مرحلة جدل وإنما هي مرحلة عمل، والقول الفصل الذي لا يرد للرسول صلى الله عليه وسلم .
وما أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وبويع أبي بكر الخلافة حتى أثار النقاش حول معنى الزكاة وكان موقف الخليفة حازما حيث اعتبر أن مانع الزكاة مرتد، ويجب أن يحارب رغم انه يتفوه بالشهادتين، ويؤدي الفرائض الأخرى، وقولته في هذا شهيرة:" والله لو منعوني عقال بعير كانوا يعطونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه بالسيف". وهنالك يسأله عمر: " كيف تقاتل قوما يشهدون أن لا إله إلا الله وقد أخبر الرسول أن من قالها فقد عصم دمه وماله؟" (11)
فيأتي جواب أبي بكر حاسما ودقيقا:" ألم يقل الرسول " إلا بحقها؟" ألا إن الزكاة من حقها" (12) .
وبهد هذا الحوار الحاد بين موقفين متضاربين استقر الأمر على تكفير مانع الزكاة وانتهت حروب الردة بعد حين واستقر الوضع. وتستقر الخلافة زمن عمر وما كان للمسلمين وقت للجدل وهم مشغولون بتبليغ رسالة الإسلام في أطراف البلاد، ومع ذلك جاء في بعض أقوال عمر ما يوحي بأن التساؤل حول الوعد والوعيد مطروح ومن ذلك قوله:" الشاك في وعد الله كالشاك في الله، وما شكوا في وعد الله حتى شكوا في الله" (13)
. وكذلك ما جاء عن الحسن عن كعب (14)
قال: وقف عمر بن الخطاب على كدية من رمل، فجلس إليها فبكى حتى بل لحيته فقلت يا أمير المؤمنين ، ما يبكيك؟ قال ذكرت أهل النار فقلت: لو جعل عدد كل حبة من هذا الرمل ستة يعذبون على حسابها، ثم يخرجون من النار لطمعوا بالخروج يوما من الدهر، لكن لم يجعل لهم وقتا وما هم بخارجين منها أبدا" (15) .
وليس لنا أن نقتضي كل مواقف الصحابة وأقوالهم (16)
، والأساس أن كل ما ذكر يوحي بأن قضية التمييز بين المعاصي وما يترتب عليها من الأحكام ومن الوعد والوعيد تثار مع حدوث وقائع لم يكن لها مثيل زمن الرسول عليه السلام.
ويستفحل الأمر في أخريات حياة عثمان، وتختلف مواقف الصحابة تجاه بعض تصرفات الخليفة فمن مخطئ ومصوب ومتوقف، إلا أن مجرى الأحداث لا ينتظر أحدا، وتكون القطرة التي تفيض الكأس ويقتل عثمان، وينطلق النزاع الدموي ممزوجا بالجدل الكلامي خاصة حول حكم مرتكب الكبيرة ومصيره، ويشير ابن تيمية إلى أن الخوارج هم أول من أثار هذه القضية (17)
فحكموا عليه بالشرك- حسب ما ينسب إليهم- (18)
فحل دمه وسبيه وغنم ماله. (19)
إلا أن الأمر في رأينا لا ينحصر في هؤلاء، بل شملت القضية كل المسلمين خاصة وأن الانتماءات لم تكن واضحة كوضوحها الآن، وعلى هذا الموقف من مرتكب الكبيرة سينبني القول في الوعد والوعيد.
ومن هنا ستأخذ القضية أبعادا سياسية وماورائية، فالأمويون جنحوا إلى التسامح وإلى الإرجاء أو إلى القول بإخلاف الوعيد وذلك لتجرئهم على ارتكاب الكبائر واستهانتهم بها، فغلبوا جانب الرحمة الإلهية على جانب العدل ، كما غلبوا الجبر على جانب الاختيار ليوحوا للعامة أن خلافتهم بقضاء وأن طاعتهم أمر واجب.
وأما العلويون فالزيدية منهم قد اشتركوا مع المعتزلة في سلب الإيمان عن مرتكب الكبيرة، إلا أن الإمامية لم يخرجوه من الإسلام. (20)
وأما المحكمة الأول فقد أدنوا عثمان في السنوات الست الأخيرة من حكمه، وأوجبوا على علي التوبة من قبوله التحكيم ثم اختلف موقفهم في شأن مرتكب الكبيرة من اجتماع البصرة (21)
فكثيرا منهم كفروه كفر شرك وأحلوا دمه وسبي ذراريه وغنم ماله (22) .
وهنا قعد عنهم عبدالله بن إباض إمام الإباضية ولم يجز الخروج ومن ذلك الحين سيتبلور موقف الإباضية تدريجيا ليتخذ من البداية خطأ واحد ستتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل إلى يومنا هذا، ويتجلى هذا الموقف في العقيدة العمانية المنسوبة إلى عبدالله ابن اباض، وجاء فيها ما يلي:"....وان يؤمن...أن الله لا يخلف وعده ولا يبطل وعيده" (23)
.
وفي هذه الأثناء بدأت تتبلور مدرسة الاعتزال مع غيلان الدمشقي وواصل ابن عطاء والحسن البصري من قبل لأن المعتزلة يعتبرونه من طبقاتهم ويتجلى موقفهم في هذه المحاور التي دارت بين عمرو بن عبيد وأبي عمرو بن العلاء النحوي. (24)
إن أبا عمرو بن العلاء النحوي المعروف بالقرآن وإعرابه، التقى مع عمرو ابن عبيد المعتزلي فقال له: يا أبا عثمان، ما شيء بلغني عنك في الوعيد؟ فقال له: يا أبا عمرو، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا، فالله منجز وعده ووعيده. فقال يا أبا عثمان، إن الله وعد وعدا وأوعد وعيدا فالله منجز وعده ومؤخر وعيده، أما تعلم أن العرب لا تعد ترك الوعيد ذما، وإنما تعده تكرما، وفضلا أما سمعت الذي يقول : (طويل)
فقال هؤلاء العرب يمتدحون بخلف الوعيد وإنجاز الوعد، ويرون أن هذا تكرم وفضل.
فقال عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو، وشغلك الإعراب عن الصواب؟ أما سمعت أن الذي يقول شعرا: (بسيط).
فهذا ممدوح على هذه الصفة، إذ لا يخلف وعده، ولا ما توعد به، والله تعالى أصدق القائلين. وقد قال: ( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم) (7 الأعراف44) وقال: ( ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد) (50 ق 29) وقال: ( لا تبديل لكلمات الله) .
هذه المناظرة صورة لما كان يدور حول القضية من جدل وكل ينتصر لرأيه اعتمادا على القرآن الكريم وعلى أشعار العرب.
وسبق أن روينا اعتماد جابر بن زيد على حديث الرسول عليه السلام: " هلك المصرون" (25)
، وكذلك يروى عنه أنه سأله رجل قائلا:" يا أبا الشعثاء،أرأيت قول الله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (4 النساء48) فقال جابر: أو أنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال: وأين أنبأني يا أبا الشعثاء؟ قال: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (4 النساء31) (26)
فالوعيد حينئذ نافذ لمن مات مصرا على المعصية ولهذا نلمس الإتفاق بين الإباضية والمعتزلة في إنفاذ الوعيد.
===============================
(6) ر. كريستوس: 366- 367
(7) انظر ما يلي: 718 كيف كانت الآيتان مثار جدل بين الفرق الإسلامية .
(8) انظر ما يلي : 600 وما يليها.
(9) ر. يوسف المصعبي:حاشية على كتاب الديانات:22 ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:37 . عمرو بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 52 .ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة6/9 والحديث لم يرد عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(10) جاء الحديث عند أحمد بن حنبل:" إنهما ليعذبان في الغيبة والبول" 2/5- 39.ر. ونسنك: المعجم المفهرس 1/234 .ر. الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 2/25 عدد 487
(11) ر. البخاري: اعتصام 2، جهاد 102، زكاة1، استتابة 3.
مسلم: إيمان 32، 33، أبو داود: زكاة1. الترمذي: إيمان النسائي: زكاة 3. جهاد 1. تحريم 1. ر. ونسنك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 4/249.
(12) ر. البخاري: جهاد102، صلاة 28، زكاة1، حدود 9، اعتصام 2، مسلم: إيمان 32- 36 الترمذي: إيمان 1، تفسير سورة الغاشية . أبا داود : زكاة1، جهاد 95. النسائي: زكاة 3. جهاد 1، تحريم 1 ، إيمان 15. ابن ماجة: فتن 1. الدارمي: سير 15. ابن حنبل: 4/8، 9 ، 5/246 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 1/485.
(13) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة6/10
(14) كعب الأحبار(ت 32/652) هو كعب بن ماتع الحميري من يهود اليمن، أسلم زمن أبي بكر .ر. الزركلي: الأعلام : 6/85.
(15) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة6/13
(16) نذكر بما لاحظناه من قبل أن مثل هذه المواقف ينبغي أن يحترز في شأنها.
(17) ابن تيمية : الفتاوى الكبرى: 1/37
(18) يشهد ابن تيمية بعدم الاطلاع المباشر على كتب الخوارج ويبين أن اطلاعه كان عن طريق خصومهم .ر. نفس المصدر السابق1/37
(19) انظر ما سبق: 52- 53
(20) ر. الشيخ المفيد ( محمد بن النعمان) (ت 413/1022) أوائل المقالات في المذاهب المختارات، تعليق السيد هبة الدين الشهرستاني. تبريز 1364: 15 .ر. عمارا لطالبي : آراء الخوارج الكلامية 1/135
(21) انظر ما سبق: 52 تعليق 48.
(22) حسب روايات خصومهم
(23) ر. كوبرلي: الأطروحة : 3 الملاحق العربية: 17
(24) والمعتزلة لقبوا بالوعيدية لقولهم بإنفاذ الوعيد .ر. القاضيس عبد الجبار: الأصول الخمسة: 611- 672.
(25) انظر ما سبق: 531.
(26) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:39 .ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2، 2/45 .ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة6/9
________________________________________
ويأتي الربيع بن حبيب بعد حين ليجمع كل ما بلغه من أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم تثبت إنفاذ الوعيد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وذلك في ما اصطلح على تسميته بكفر النعمة (27)
، ومن ذلك الحين جاء التدعيم في بقية التراث الإباضي معتمدا اعتمادا كليا على هذه الأحاديث.
وسنكتفي بذكر ما يلي منها:
1) التوعد بجهنم صراحة لأهل الكبائر.
- قال صلى الله عليه وسلم : لولا أن أهل السماوات وأهل الأرض اشتركوا في دم امرئ مسلم حراما لكبهم الله جميعا على مناخرهم في النار" . (28)
- وقال صلى الله عليه وسلم : " من آذى مؤمنا أو روعة أطال الله روعته في جهنم" (29)
.
2) النذير بالحرمان من الجنة
-- قال الربيع بن حبيب ، قال جابر بن زيد يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة مخنث ولا ديوث (30) ولا فحلة النساء ولا الركاضة، قيل وما الركاضة يا رسول الله قال: التي لا تغار" (31) .
وينسج عمروس بن فتح على نفس النسق في معرض الرد على المرجئة فيقول:"... وما ردوا من تنفيذ وعيد الله، وهو أسبه بقول اليهود ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) (2 البقرة 80)" (32) .
وكذلك يقول أبو الربيع سليمان بن يخلف:" وندين بإنفاذ الوعد والوعيد وأن الله لا يخلف الميعاد، ولا يبدل القول لديه وأنه منجز وعده ووعيده" (33)
. ويعيد أو سهل العبارة تقريبا بقوله:" اتفقت الأمة على أن الله صادق في وعده وأنه لا يبدل القول لديه وانه لا يخلف الميعاد..." (34) .
ولا أراني مضطرا بأن أورد مثل هذه الصيغة من أقوال جميع من كتبوا في أصول الدين إلى يومنا هذا، فلا اختلاف عند الإباضية في هذا الأصل. وأكتفي بما جاء عند عمرو التلاتي في كتاب نخبة المتين للتعبير عن رأي علماء المرحلة المقررة وهو:" واتفقوا (أئمة الإباضية) على أن الله تعالى لا يخلف وعده ولا وعيده..." (35) .
فالأساس حينئذ أن الإباضية ما يزالون منذ نشأتهم إلى يومنا هذا يتمسكون بموقف واحد ألا وهو صدق الله في وعده ووعيده، فكيف تتجلى العوامل التي دفعتهم إلى ذلك من خلال احتجاجهم لموقفهم وردهم على القائلين بخلف الوعيد من الفرق الإسلامية؟
تحديد من ينفذ فيهم الوعيد:
قبل أن نعرض الأدلة على إنفاذ الوعيد يحسن أن نحدد من يشملهم هذا الإنفاذ.
لقد سبق أن رأينا موقف الإباضية من الأسماء وما يترتب عليها من الأحكام (36)
وقولهم بأن مرتكب الكبيرة كافر كفر نعمة فهل أن جميع الذنوب تعتبر كبائر أم أن المعاصي مستويات متفاوتة؟..
لقد كانت هذه القضية مثار جدل من زمن مبكر فهذا ابن عباس يعتبر أن المعاصي من الكبائر باعتبار عظمة من يعصي. (37)
وعلى هذا الأساس بني الأزارقة موقفهم كما يذكر عنهم، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك واعتبروا أن كل عصيان شرك، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: ( وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (6 الأنعام 121). (38)
وما قعد عبدالله بن إباض منذ إجتماع صومعة البصرة عن هؤلاء إلا لمخالفتهم في الحكم بالشرك على جميع المسلمين واستحلال دمائهم وسبي ذراريهم وغنم متاعهم. (39)
ومن ذلك الحين اتضح لدى الإباضية عدم الخلط بين الشرك وبين بقية الذنوب فماذا عن المعاصي؟ وهل يترتب عليها دائما نفس الحكم؟
إن المتأمل في كتاب الله تعالى مثل قوله عز وجل: ( إن اله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (4 النساء48) ومثل قوله:( إن تتجنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)(4 النساء31) ومثل قوله: ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32) وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مثل الحديث المذكور أعلاه في شأن اللذين يعذب أحدهما من أجل إهمال الاستبراء والآخر من أجل ما كان يأتيه من النميمة بين الناس (40)
، وفي كتب الأصول والفقه يتبين بوضوح أن الذنوب تتفاوت حسب عوامل متعددة فما هي أهم تسميات الذنوب المنصوص عليها في القرآن الكريم؟
=================================
(27) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/2- 5 الباب الأول : الحجة على من قال إن أهل الكبائر ليسوا بكافرين.
(28) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/ 4 عدد 757 .ر. الترمذي ديات 8. ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 2/ 146
(29) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/ 4 عدد 758 .ر. الدارمي: أدب 85. الترمذي فتن3. أحمد بن حنبل : 5/ 362 وجاء بصيغة لا يحل لمسلم أن يروع مسلما . ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 2/ 320.
(30) ديوث: من داث فلان: فقد الغيرة والخجل فهو ديوث (بدون شدة) . وتديث فلان: قاد على أهله . ( المعجم الوسيط)
(31) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/ 2 عدد 743 .ر. أحمد بن حنبل: 2/69. 128. 134. النسائي 2/162. انظر ص 621. لزيادة التوسع
(32) عمروس بن فتح: الدينوية الصافية: 60
(33) أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب التحف 1/35
(34) أبو الربيع: العقيدة. ر. كوبرلي: الأطروحة : الملاحق العربية: 3/ 70
(35) عمرو التلاتي: نخبة المتين: 154، وانظر كذلك شرحه لكتاب الديانات حيث يقول:" وندين بأن الله لا يخلف وعده ولا عيده، كما في قوله تعالى: ] ما يبدل القول لدي[ ( 50 قَ 29): 67
(36) انظر : 520
(37) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 وجه
(38) ر. عثمان بن خليفة السوفي: رسالة الفرق ط. حجرية د.ت : 6122
(39) انظر ما سبق : 21- 22
(40) انظر ما سبق: 531. وجاء في حاشية عبدالله السدويكشي على كتاب الإيضاح ما يلي: قال العلماء وما يعذبان في كبير، أي في ظنهما، أو كبير تركه عليهما، أو عند الناس وإن كان كبيرا عند الله ، وبه يبطل ما توهم أن النميمة ليست من الكبائر والله أعلم. عامر الشماخي: كتاب الإيضاح ، تحقيق لجنة من الأساتذة ، مطبعة الوطن بيروت 1390/ 1970، ط 2. 1/9. وقد أورد الإيجي هذا الحديث للتدليل على عذاب القبر كما يلي:" مر عليه السلام بقبرين فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير بل لأن أحدهما كان لا يستبرئ من البول، وأما الثاني فكان يمشي بالنميمة". ولم يشر إلى أن المعصية من الكبائر أو الصغائر. الايجي : المواقف: 2/452
________________________________________
تسمية الذنوب:
إن امتنع آي القرآن الكريم ينتبه إلى وجود عدة أسماء لمدلول الخروج عن طاعة الله تعالى بوجه من الوجوه عدا الشرك وهذه الأسماء هي: السيئة ، الكفر (41)
، الإجرام، الإثم، الذنب، المعصية، الفاحشة ، الوزر، الخطيئة، الكبيرة، الصغيرة، اللمم (42)
.
ترتيب الذنوب:
نجد عند الإباضية ترتيبين للذنوب:
أما الترتيب الأول فقد روعي فيه صلة الإنسان بالله وصلته بالآخرين، واعتمادهم في ذلك ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يرويه أبو عبيدة عن ناس من الصحابة أنه قال:" الذنوب على وجهين ، ذنب بين العبد وربه وذنب بين العبد وصاحبه ، فالذنب بين العبد وربه إذا تاب منه كان كمن لا ذنب له، أما بينه وبين صاحبه فلا توبة له حتى يرد المظالم الى أهلها". (43)
وأما الترتيب الثاني فاجتهادي وهو تنازلي، وفي ذلك يقول الوارجلاني " الشرك أعظم الذنوب، والكبير دونه فوق المعصية، والمعصية دون الكبير وفوق السيئة، والسيئة دون المعصية وفوق الخطيئة، والخطيئة دون السيئة وفوق الكراهية، والكراهية دون الخطيئة وفوق الإباحة" (44)
.
تعريف الأصوليين: رغم كثرة استعمال الأصوليين لهذه الكلمات فإنهم لا يعتنون غالبا بتحديدها تحديدا ثابتا واضحا ذلك يرجع إلى تقاربها من حيث الاستعمال في القرآن الكريم كما بينا ذلك.
وقد حاول البرادي مستعينا بما جاء قبله أن يضع لها تعاريف في رسالة الحقائق ومع ذلك فإنه غفل عن تعريف الإثم والفاحشة والوزر والخطيئة واللمم.
فما هي المعصية؟ يقول البرادي:" المعصية هي فعل ما نهى عنه فاعله وكذلك الذنب". (45)
ويقول يوسف المصعبي معرفا المعصية مع زيادة تدقيق" والمذهب...أن المعصية كل ما قارنه النهي من شرك وغيره". ثم يبين مخالفة الخوارج كما يلي:" وخالف في الأصل الثاني أعني قولنا وليست المعصية كلها شركا الخوارج حيث زعموا أن المعصية كلها شرك...." (46) .
ويورد أبو عمار في شرح الجهالات ما يلي:" إن من المعصية استفسادا ومنها غير استفساد ، فالكبائر كلها استفساد والصغائر ليست باستفساد ، ويقال كل كبيرة معصية، وليس كل معصية كبيرة، كما يقال كل صغيرة معصية وليس كل معصية صغيرة. ولا يقال في المعصية إنها غير كبيرة، ولا في الكبيرة إنها غير معصية، كما لا يقال في المعصية إنها غير الصغيرة ولا في الصغيرة إنها غير المعصية، وإنما يقال : الكبيرة غير الصغيرة، والصغيرة غير الكبيرة، وكذلك يقال إن من المعصية كبيرة وصغيرة، والكبيرة ما قارن العقاب والصغيرة ما قارن الاستثناء" (47)
.
وإن اعتبر أبو عمار المعصية اسما عاما (48)
فإن أبا يعقوب الوارجلاني يعتبرها دون الكبيرة وفوق السيئة (49) .
ومن خلال هذه التعريفات نتبين أن الغالب على المعصية أنها اسم مرادف للذنب وهي كل ما قارن النهي، وتنقسم إلى كبائر وصغائر.
فماذا عن السيئة؟ السيئة:" ما أساء فيه المرء إلى نفسه" (50)
وإن جاء تعريف البرادي لغويا جافا فإن الوارجلاني اكتفى بترتيب السيئة واعتبرها دون المعصية وفوق الخطيئة (51) ، أما أبو عمار عبد الكافي فقد اعتبر السيئة اسما عاما مثل المعصية (52)
وكذلك فعل صاحب المنهج حيث يقول:" والسيئات هي كل ما عصي الله به من صغير وكبير" (53)
.
وإن لم تطل هذه المصادر في تعريف هذه التسميات فإنها توسعت أكثر عند تقسيمها إلى كبيرة وصغيرة فما هي الكبيرة؟
الكبيرة:
" حقيقة الكبيرة على أصولنا ما أوجب الله عليه حدا في الدنيا وعقابا في الآخرة، وهي ضربان معلوم ومجهول" (54)
، ويكتفي أبو عمار باعتبار الكبيرة استفسادا وأنها ما قارنها العقاب. (55)
ويقول عمرو التلاتي:" إن الكبائر جمع كبيرة، وهي عند بعضهم ما توعد عليه بخصوصه في الكتاب أو السنة كالقتل والزنا وعند آخرين ما فيه حد كالقذف ، وعند قوم كل ذنب ولا صغيرة عندهم نظرا إلى عظمة من عصى- تعالى- وشدة عقابه وهذا هو اللائق بمذهبنا المبني على اليقين والاحتياط. وعند آخرين كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة ديانته كسرقة لقمة والتطفيف بتمرة" (56) .
" وقال ابن عباس: الكبائر ما ذكره الله في سورة النور من أولها إلى قوله: ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون) (24 النور31) فأوجب الله لهم الفلاح بالتوبة من جميع الذنوب بقوله: ( قد أفلح المؤمنون) (23 المؤمنون1).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه " الكبائر ما ذكره الله في سورة النساء الى قوله: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (14 النساء31)". (57)
ويستوفي السالمي القضية تمحيصها بإيراد تحديدات ابن حجر ومناقشتها وهي سبع، وتحديدات الغزالي ولسنا نرى من الضروري إيرادها كلها وإنما محورها ما ذكره عمرو التلاتي، والأساس في أن السالمي عول على التحديد الخامس وهو عين ما ذكره البرادي، الحد في الدنيا والوعيد في الآخرة. وقد جاء ذلك في قوله:" ولما كان الحد الخامس(أنها ما أوجب الحد أو توجه إليه الوعيد) من هذه الحدود هو الذي عول عليه جمهور الأصحاب رحمهم الله وكان ما عداه من الحدود مدخولا عولا عليه الناظم" (58) (59) .
ويضيف محمد اطفيش تقليدا آخر لحد الكبيرة ينسبه إلى ابن عباس ويتمثل في الإصرار حيث يقول: قال ابن عباس:" كل ذنب قام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة" (60) .
ويلاحظ التلاتي أن كل ما صدق عليه أنه كبيرة يصدق عليه أنه كفر وأنه ذو عقاب ، وكل ما صدق عليه أنه ذو عقاب يصدق عليه انه كبيرة وانه كفر كالزنا وترك الزكاة (61)
وقد عبر صاحب النونية عن ذلك كما يلي:(طويل)
(62)
فللكبيرة من خلال هذه التعاريف طرفان، طرف في الدنيا وهو إقامة الحد، وإن كانت الكبائر المذكورة في القرآن والسنة تشمل كثيرا مما لا حد فيه، وطرف في الآخرة وهو الوعيد والعقاب ويشمل الكل ولذلك عمم أبو عمار وقال ما يشمله العقاب مهما كان نوعه في الدنيا وعقاب الآخرة أشد.
ثم إلى جانب هذا تقسم المصادر الكبائر إلى معلومة ومجهولة معنى ذلك أنها لا يمكن أن تقع تحت الحصر.
أما المعلومة منها فهي التي ورد ذكرها في القرآن الكريم (63)
وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم . ومن ذلك ما جاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا الكبائر السبع الموبقات، الشرك بالله والقتل والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتامى، والفرار من الزحف وقذف المحصنات" (64) .
كما تقسمها إلى كبائر شرك وكبائر نفاق (65) ويقول أبو عمار في هذا الشأن:" فإن قال الكبائر كلها معلومة ؟ فقل إن بعض الكبائر معلوم لما جاء فيه من النص وبعضها مجهول: يريد أن كل ما جاء فيه من الله وعيد فهو معلوم، وما لم يأت فيه من الله وعيد فمجهول غير معلوم . ومن قول بعض العلماء إن لم يأت من الله فيه دليل يدل على انه كبير فإنهم يناظرونه بالذي أتى فيه عنه وعيد، فما كان مثله وما هو أكبر منه فهو كبير والله أعلم" (66) .
وقد عبر عمرو التلاتي عن هذا الموقف باختصار ونسبه إلى أصحابنا أي علماء الإباضية. (67)
وقد حرص هؤلاء العلماء على إحصاء ما علم من الكبائر (68) مع شعورهم أنها لا يمكن أن تقع تحت الحصر، وفي ذلك ينقل الشماخي ما جاء عن جابر بن زيد أن أنس يروي أشياء من الكبائر لم يروها الناس أدق من الشعر" (69) فماذا عن الصغائر؟
================================
(41) انظر ما سبق: 506
(42) لم نجد – حسب مطالعتنا – تمييزا اصطلاحيا دقيقا بين هذه الأسماء لذلك سنكتفي بالوقوف عند خمسة تتردد أكثر من غيرها وهي:" المعصية " السيئة ، الكبيرة ، الصغيرة، اللمم.
(43) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح : 2/ 66 عدد 691
ر. المحشي : حاشية الترتيب 6/ 115- 118 .ر. عبدالله السالمي: شرح الجامع الصحيح تحقيق عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية دمشق 1383/ 1963. 3/ 496. لم يرد الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس
(44) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان.ط1 ،2/3
(45) البرادي: رسالة الحقائق: 40
(46) يوسف المصعبي: حاشية على كتاب الديانات: 11. ويحيل على عمرو بن خليفة السوفي: رسالة في الفرق الإسلامية . 61
ملاحظة: تعريف المعتزلة للمعصية:" وحقيقة المعصية فعل ما يكرهه الغير مع نوع من الرتبة، وهو أن يكون العاصي دون المعصي، ولهذا لا يقال عصى الأمير فلانا كما يقال عصى فلان الأمير ، ولا يفهم من إطلاق هذه الكلمة غير معصية الله تعالى ، حتى إنك لو أردت غيرها لقيدت فقلت: عصى فلان أباه ، أو جده ، أو الأمير إلى غير ذلك. القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة : 611.
تعريف الأشاعرة للذنب:" عبارة عن كل ما هو مخالف لأمر الله تعالى في ترك أو فعل." الغزالي: الإحياء: 11/2093
(47) أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات: 90، وجاءت نفس الصيغ في الموجز 2/ 120- 121
(48) ر. أبو عمار عبد الكافي: الموجز 2/ 121
(49) ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1، 2/ 43
(50) البرادي: رسالة الحقائق: 40
(51) ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1، 2/ 43
(52) ر. أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:91
(53) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 2/252.
ويذهب الأشاعرة نفس المذهب غذ يعرف البيجوري السيئة كما يلي:" هي ما يذم فاعله شرعا، صغيرة كانت أو كبيرة ، وسميت سيئة لأن فاعلها يساء ( كذا ) عند المقابلة عليها يوم القيامة." شرح جوهرة التوحيد: 173
(54) البرادي: رسالة الحقائق: 38، ر. أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي حيث يقول في النونية : ( ص 6 عدد 83): ( طويل)
فحد الكبير الحد في عاجل الدنيا
وسوء العذاب يا شر مسكن
ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 2/206 . ويضيف على الحد والعقاب أو لعن الله عليه أو رسوله... أو ما أجمع عليه أهل العلم أنه من الكبائر فهو كذلك ، وما أشبه الكبير فهو كبير" المنهج 2/217.
(55) ر. أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:90 ويقول أيضا :" لو سأل فقال لم كانت الصغيرة غير الكبيرة؟ قيل للعقاب الذي ليس في الصغيرة..." نفس المصدر 91. ويقول أيضا :" كل معصية جاءت فيها صفة زائدة على النهي في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله وفي آثارهم، إن ذلك دلالة على وجوب العقاب وكونها كبيرة" . الموجز 2/278
(56) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 104 قفا. عبد العزيز الثميني: النور: 270- 271.
(57) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 106 وجه و قفا. عبد العزيز الثميني: النور: 275 .ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 1/74.
(58) عبدالله السالمي نفسه
(59) عبدالله السالمي: المشارق:375
(60) امحمد اطفيش: هيميان الزاد إلى دار المعاد، مطابع سجل العرب عمان. نشر وزارة التراث القومي ط 2، 1402/1982 . 4/ 281
(61) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 112 قفا.
(62) أبو نصر فتح بن نوح الملوشاني: النونية 6 عدد 85
ملاحظة: يحسن أن نورد هنا تعريف المعتزلة للكبيرة: يقول القاضي عبد الجبار:" إن الكبيرة في عرف الشرع هو ما يكون عقاب فاعله أكثر من ثوابه إما محققا أو مقدرا". الأصول الخمسة : 232 . (وانظر معنى محققا ومقدرا: 550 تعليق 78.
أما الأشاعرة فالكبائر عندهم :" هي الذنوب العظيمة من حيث المؤاخذة " البيجوري: شرح جوهرة التوحيد :174.
وهذا يبين اتفاق الإباضية والأشاعرة وإن اختلفت الصيغة فما عبر عنه الإباضية بالعقاب عبر عنه الأشاعرة بالمؤاخذة، وهذا يختلف عن رأي المعتزلة الذين يعتمدون على الموازنة بين الثواب والعقاب.
(63) انظر ما سبق 544 سورة النساء وسورة النور.
(64) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات : 52
ر. أبو عبدالله الصدغياني: رسالة إلى أهل وارجلان : 2
وقد جاء الحديث عند البخاري أدب 6ـ إيمان 16، ديات 2. استتابة 1. الترمذي: تفسير سورة النساء 4، 6، 7. النسائي: تحريم قسامة 48. الدارمي : ديات 9. أحمد بن حنبل 2/201. 214. 3/ 495 ر. ونسنك : المعجم المفهرس5/516 . والملاحظ أن هذه السبع تختلف أثناء التعداد فنجد مثلا عقوق الوالدين واليمين الغموس وقول الزور ، والسحر.
وقد أورد البيجوري هذا الحديث ثم بين أن السبع ليست بقيد بل غير ذلك وهذا رأينا تصرف طيب في فهم الحديث لأن الكبائر لا تنحصر في هذا العدد .ر. شرح جوهرة التوحيد : 174
(65) انظر ما سبق: 514
(66) أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:92
(67) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 109 قفا، ورقة 111 قفا. عبد العزيز الثميني: النور: 287- 282
وعن معنى قياس مالم يرد ذكره على ما جاء فيه نص يقول أبو نصر فتح ابن نوح الماوشائي : (طويل)
وما لم يجئ فيه الوعيد فإنه
النونية : 6 بيت 84. يقاس إلى النصوص فيه المبين
(68) أنظر الآيات والأحاديث التي اعتمدت
أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 270- 279 عدد جملة من الكبائر بعنوان في وسم الكبائر بسمة الوعيد .ر. أمحمد اطفيش: جامع الشمل في حديث خاتم الرسشل. المطبعة الشرقية عمان. نشر وزارة التراث القومي 1404/ 1984: ص 228- 239 " ما جاء في الكبائر".
(69) أحمد الشماخي : الرد على صولة الغدامسي: 46. وسيستغل النص بصفة أوسع في موضوع الشفاعة . انظر ما يلي : 679
________________________________________
الصغيرة:
جاء في رسالة الحقائق ما يلي:" حقيقة الصغيرة في كتاب الجهالات ما جاء فيه من الله الاستثناء وليس بسديد عندي لأن الاستثناء جاء في الكبائر بعد التوبة منها فيلزم على قوله أن تدخل في الصغائر ، والحد السديد عندي فيها هو ما يكفر باجتناب الكبائر، وهي كلها عندنا غير معلوم ولا معين ونعنيها في الحكم خاصة" (70) .
ويقول أبو عمار:" فكل ما كان مغفورا لأهله، متروك المؤاخذة عليه فهو صغير غير كبير، وغير كفر"
(71) ويضيف في شرح كتاب الجهالات أنها ليست استفسادا فإن قال: لم لا تكون الصغيرة استفسادا وهي منتهى عنها؟ قيل: إنما لم تكن استفسادا لعلة أنها ليست الكفر، فإن قال: وما العلة التي لمن تكن بها الصغائر كفرا؟ فقل: لأن الله أوجب فيها الاستثناء، فإن قال ما وجه النهي عن الصغائر إذا لم تكن استفسادا؟ قيل: لئلا يكونوا مستخفين بحق الله في ما دون الكبائر. فإن قال: ولم حتى قضيت أن في المنهي عنه صغيرا؟ قيل له: لما جاء في ذلك من الخبر الصادق" (72) .
وكذلك يذكر يوسف المصعبي أن الصغيرة معفو عنها في حق المؤمن (73) فينقل عن محمد بن محبوب في قوله تعالى: ( إلا اللمم) وهو ما دون الكبائر من الذنوب التي تكون بين الله وبين عباده مثل الغمزة واللمزة والنظرة، وما كان أهله يدينون بالتوبة منه بالاستغفار فذلك هو اللمم. وكل ما لم بالقلب منة ذكر المعصية، أو هم بها العبد ، أو نوى فعلها، من غير شتم المؤمنين ولا وقوع في أعراضهم فهذا إذا نسي أن يستغفر الله منه، والله واسع المغفرة إذا كان الفاعل ممن يدين الله تعالى بالتوبة منه، ومن جميع ما نهى الله عنه (74) .
وسلك السالمي مع الصغيرة مسلكه مع الكبيرة فأورد عدة تعاريف وناقشها ، ومن ذلك ما ذهب إليه مالك من أن الكبائر معاصي أهل البدع، والصغائر معاصي أهل السنة. وهو باطل لأن في معاصي أهل السنة الزنا، وشرب الخمر وقتل النفس، إلى غيرها من الكبائر التي جاء النص بأنها موبقات. ومن ذلك ما قيل من أن الكبائر معاصي إبليس، والصغائر معاصي من سواه وهو باطل أيضا لأنه إما أن يريد بمعصية إبليس الاستكبار والوسوسة للناس وبغض الحق وأهله فالكبائر غير منحصرة في ما ذكر وإما أن يريد بها أن المعاصي التي تصدر من غير إبليس صغائر ولا تصدر الكبيرة إلا من إبليس فيلزمه جهل الشرك، وقتل النفس، والزنا وشرب الخمر ونحوهما، من غير إبليس صغائر ولا يشك عاقل في بطلانه (75) .
ويجمع السالمي مختلف الآراء الواردة عند الإباضية في ما يلي:"( قوله وعكسه الصغيرة ) (76) أي عكس الكبيرة من الذنوب هو الصغير ، والمراد بالعكس هنا مطلق المخالفة أي ما عدا الكبير من الذنوب فهو صغير بناء على المذهب المشرقي أن الصغائر موجودة في الخارج وأنها معلومة للعلماء وهو مذهب النكار (77) وجمهور قومنا، وذهب أصحابنا من أهل المغرب وبعض أهل المشرق إلى أنها موجودة لكنها غير معينة" (78) .
هذا ما جاء عند من يقرون بوجود الصغائر أو لم تعلم فماذا عمن ينفون الصغائر؟
يقول عمرو التلاتي:" وقد اختلف العلماء في وجود الصغيرة فقال بعض المرجئة لا وجود لها وإن كل ما عصي الله به كبيرا نظرا إلى عظمة الرب جل جلاله لا إلى الفعل الذي عصي به وهو المشهور عن أئمة المذهب رحمهم الله تعالى وهو اللائق بأصولهم المبنية على التحقيق والاحتياط، ووفاقا لابن عباس رضي الله عنه حيث قال:" ليس في ما عصى الله به صغيرة" (79) .
واضح أن هذا الموقف مردود لأنه يتعارض وما جاء في القرآن الكريم من نصوص صريحة تثبت ذكر الصغائر من ذلك قوله تعالى: ( كل صغير وكبير مستطر) (54 القمر53) وقوله تعالى: ( ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (18 الكهف49) وقوله تعالى: (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32).
وقد انتبه التلاتي إلى القضية فبين أن بعض الأصحاب حمل كلام ابن عباس على خلاف ظاهره ، وهو أن المراد منه توفير المعاصي والترهيب منها لا عدم وجود الصغائر (80) ويستشهد بكلام ابن محبوب المذكور أعلاه (81) في تعريف الصغائر.
فالأساس في هذه التعاريف أن عند الإباضية خلافا في وجود الصغيرة، فجاء قول ينفي وجودها أصلا بناء على حديث ابن عباس ونسب إلى أئمة المذهب بدون تحديد، وجاء قول يقر بوجودها وهو ما عليه جمهور الإباضية إلا أن أهل المشرق منهم والنكار يعتبرون أنها معلومة لكن المغاربة وبعض المشارق يرون أنها غير محددة وعلى هذا المعنى ألح كل من البرادي وأبا عمار وعثمان بن خليفة السوفي. (82)
والملاحظ أن الذين يعتبرون أن الصغائر معلومة يكتفون بذكر بعضها ومن ذلك ما ذكره ابن محبوب، ويذكر السالمي منها الكذب إن خف والرقص واللعب (83) إلا أن الذين يتوقفون عن تعدادها يبينون أن في ذلك حكمة، وهاك توضيح عمرو التلاتي لهذه الحكمة:" وقال أصحابنا... وغيرهم الصغائر كلها غير معلومة لأنه ليس من الحكمة أن يبينها الله تعالى لعباده لأنه لو بينها لهم لاستخفوا بحقه تعالى، وعصوه بفعلها... فثبت أنها غير معلومة، وأن عدم علمها أولى للعباد وأدخل في زجرهم عن عصيان الله تعالى بوجه من الوجوه لأنهم كلما أرادوا ارتكاب ذنب خافوا كونه كبيرة وتركوه" (84) .
نتبين من هذا حينئذ أن الموقف القائل بجهل الصغائر أقرب إلى الحكمة من التشريع الذي يورد حكم الصغائر ، ويبين السالمي أن للصغائر حكمين:
أ- أنها مغفورة بفعل الحسنات بشرط اجتناب الكبائر قال تعالى: ( إن الحسنات يذهبن السيئات) (11 هود114) وقال تعالى: ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (4 النساء31) والمراد بالسيئات هنا الصغائر. وقال تعالى: ( والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة) (53 النجم32) والمراد باللمم الصغائر من الذنوب.
أ- أن الإصرار عليها كبيرة قال تعالى: ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) فمدحهم بعدم الإصرار على المعصية وفي مدحه تعالى لهم بعدم الإصرار ذم للإصرار وما ذمه تعالى فهو كبير، بيانه انه تعالى لا يذم شيئا وهو يرضاه لعباده وقد قال تعالى: ( ولا يرضى لعباده الكفر) (39 الزمر7) فاستنتج من الآيتين أن الإصرار كفر نعمة" (85) .
فالأساس بالنسبة إلى المسلم أن يحرص على عدم اقتراف الذنوب صغيرها وكبيرها سواء استطاع أن يميز بين الصغائر والكبائر أو لم يستطع ذلك. وإن وقع فما عليه إلا أن يسارع إلى التوبة النصوح فماذا عن التوبة والإصرار والإحباط؟
=============================
(70) البرادي: رسالة الحقائق: 38
(71) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/121. ويوضح صاحب المنهج الفرق بين الكبائر والصغائر كما يلي:" والفرق بين ارتكاب الصغائر والكبائر من المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم أن المواقع للكبائر يكفر بمواقعتها في حين ذلك كان منه على العلم أو الجهل ، أو الرأي أو الدين ، ولا ينفس له ذلك طرفة عين دون التوبة من ذلك والرجوع عنه والإقلاع.
وبارتكاب الصغائر من الذنوب مع اجتناب الكبائر على الجهل للصغائر مع التوبة منه في الجملة سالم بذلك لأنه دائن بالتوبة من جميع الكبائر والصغائر ، ولأنه غير كافر ولا هالك بمواقعة الصغير حتى يصر عليه ويعزم أنه لا يتوب منه." خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج : 2/222.
(72) أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات:90
(73) ر. يوسف المصعبي: حاشية على الديانات: 12
(74) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 قفا. ر. خميس بن سعيد الرستاقي : المنهج : 2/198. ر. عبد العزيز الثميني: النور: 284
(75) ر. عبدالله السالمي: المشارق:377
(76) يشير إلى المنظومة التي هو بصدد شرحها وهي من نظمه.
(77) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 66. ويذكر نفس الموقف انظر تعريف النكار: 213 تعليق 4
(78) عبدالله السالمي: المشارق: 376. ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 66.
ملاحظة:
تعريف المعتزلة:" وأما الصغيرة فهو ما يكون ثواب فاعله أكثر من عقابه إما محققا أو مقدرا". القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 632 ثم يعلل الاحتزاز بقوله إما محققا وأما مقدار كما يلي:" واحترزنا من الموضعين ( الموضع الثاني الكبيرة انظر ما سبق 545 تعليسق 62) بقولنا إما محققا وإما مقدار عن كان له ثواب لكان يكون محبطا بما ارتكبه من المعصية ، أو يكون عقاب ما أتى به من الصغيرة مكفرا من جنب ما يستحقه من الثواب" الأصول الخمسة : 632.
تعريف الأشاعرة :" وكل ما خرج عن حد الكبيرة وضابطها فهو صغيرة" البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 196
أما المرجئة فينسب إليهم الأشعري قولين، فمنهم من يقر بوجود الصغائر ومنهم من لا يقر إلا بالكبائر .ر. المقالات: 1/5.
(79) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 وجه قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 284 .ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 1/72- 73 والنص مقتبس من أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات: 92.
(80) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 وجه قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 284 .ر. ناصر بن سالم الرواحي: نثار الجوهر: 1/73.ر. أبو يعقوب الوارجلاني: يناقش الاختلاف الوارد حول وجود الصغيرة ثم يقرر أنه لا بد من صغير وكبير." الدليل والبرهان ط 2، 3/ 103. أما عن المعتزلة فيعدد الأشعري مواقفهم في شأن هذا الاختلاف إلى ثلاثة أقاويل أساس التمييز فيها قائم على ما جاء فيه الوعيد أو ما كان عمدا. ( أبو الحسن الأشعري: المقالات 1/332)، إلا أن القاضي عبد الجبار يلح كما ذكرنا من قبل على التمييز بين الكبير والصغير لأن الدليل الشرعي يفرض ذلك ، بينما لو وكل الأمر إلى العقل لكانت المعاصي كبائر .ر. الأصول الخمسة : 633- 634
أما الخوارج كما ينسب إليهم ذلك فغنهم لا يعترفون بالصغائر ويحلل القول في ذلك : الأصول الخمسة : 633
أما الأشاعرة فكما رأينا من تعريفهم يقرون بوجود الكبائر والصغائر ويحلل القول في ذلك الغزالي في الأحياء .ر. 11 /2093- 2105.
(81) ويشير إلى قول ابن محبوب الذي أورده من قبل وهو :" ما دون الكبائر هي الذنوب التي بين العبد وبين الله تعالى مثل الغمزة و الهمزة والنظرة وما كان أهله يتدينون بالتوبة منه والاستغفار فذلك هو اللمم وكل قائم بالقلب من ذكر المعصية والهم بها ونية العمل لها من غير شتم المؤمنين ولا وقوع في عراضهم فهو من اللمم ، ونسيان الاستغفار منه لا يضر صاحبه إن كان يدين بالتوبة منه ومن جميع ما نهى الله عنه" عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 10 وجه قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 284
(82) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 66.
(83) عبدالله السالمي: المشارق:376
(84) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 110 قفا، 111 وجه . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 285. وقد جاء هذا المعنى محللا بصفة أدق عند أبو عمار عبد الكافي: شرح كتاب الجهالات: 90، 92- 93 .ر. عبدالله السالمي: المشارق:376 ةهذا مسلك المعتزلة إذا اعتبر القاضي عبد الجبار أن معرفة الصغائر ضرب من الإغراء بالقبيح وذلك ما لا يجوز على الله تعالى." الأصول الخمسة : 635.
(85) عبدالله السالمي: المشارق: 378، وقد جاء نفس المعنى عند عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 111 وجه قفا . وقد خيرنا عبارة السالمي لدقتها ووضوحها. ر. عبد العزيز الثميني: النور: 287
________________________________________
ما الذي ينفي إنفاذ الوعيد؟
قبل أن نتحول إلى إنفاذ الوعيد، وأدلة الإباضية على أنه واجب وجوب حكمه يحسن أن نذكر ما أتاح الله تعالى للعباد من فرص في هذه الحياة للنجاة من وعيد الآخرة.
التوبة وفضل الله تعالى
إن قضية المعاصي تترتب عليها مسألة العقاب إلا أن الإنسان قد يغفل عن هذا العقاب حينا، وقد ينتبه أحيانا أخرى ، فجعل الله للإنسان سبيلا إلى الخلاص مما اقترف من الكبائر، وهذا الباب هو التوبة ، فما هي التوبة؟ ومتى تكون نافعة ومتى تكون غير نافعة؟ وهل تحبط أعمال المؤمن باقتراف المعاصي والإصرار عليها؟
حقيقة التوبة:
التوبة لغة من تاب توبا وتوبة ومتابا وتابة: رجع عن المعصية.
والتوبة: الاعتراف والندم والإقلاع ، والعزم على ألا يعاود الإنسان ما اقترفه (1)
وقد عرف الرسول عليه السلام التوبة بقوله " التوبة من الذنب ألا تعود إليه أبدا" (2) وبقوله " الندم التوبة" (3) . وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" صفة التوبة النصوص أن يتوب العبد من ذنب فعله، ويعتقد الندامة عليه والانقلاع وألا يعود إلى عصيان الله بعد ذلك أبدا، ويردّ التبائع على قدر ما كانت عليه ، فغن عاد بعد ذلك فليست الأولى بتوبة نصوح" (4) .
ويقول البرادي في رسالة الحقائق:" حقيقة التوبة الندم بالقلب والعزم على الترك مع الإمكان. وقال غيرنا الرجوع عن الطريق البعيد إلى الطريق القريب" (5) .
ويعرفها عمرو التلاتي كما يلي:" التوبة: بمعنى الإقلاع من الذنب، والندم عليه، والعزم على عدم العود إليه" (6) .
ويقول التلاتي أيضا: " لا توجد التوبة إلا بوجود ستة أشِياء: الندم على الذنب الماضي، والعزم على عدم العودة إليه، وأداء الحقوق لأهلها، وقضاء الفرائض المضيقة كلها، والحزن المؤدي إلى ضعف البدن بحيث يلتزق جلده على عظمه، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما ذاقت حلاوة المعصية" (7) .
نلاحظ من خلال هذه التعريفات أنها تتكامل ، فإن سكت البرادي عن العزم على عدم العودة فقد ذكره التلاتي، إلا أن البرادي ألح على نقطة مهمة وهي العزم على الترك مع الإمكان، وكأنه بهذا يخرج من عجز عن إتيان تلك المعصية لسبب ما، وفي هذا كلام سيأتي في ما بعد عند الكلام عن توبة العاجز (8) ، مع التنبيه إلى تدارك ما يمكن تداركه من قضاء فروض وأداء حقوق. ولا نرى فائدة في زيادة التحليل لأن التوبة متفق عليها عند جميع المسلمين وغن اختلفوا في بعض جزئيات كما سنبين ذلك فماذا عن حكمها شرعا؟
حكم التوبة:
يقول عثمان بن خليفة السوفي في هذا الشأن:" والكف عن الذنوب فرض، ومعرفة ذلك فرض" (9) .
ويعبر عمرو التلاتي عن نفس المعنى بقوله:" واتفقوا (أئمة الإباضية) على أن التوبة واجبة على المسلمين (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ) (24 النور 31). (10)
ويزيد ذلك تحليلا بقوله:" وإنها (التوبة) واجبة على المكلف في أول أحوال بلوغه، وغن لم يعلم لنفسه ذنبا لأنه قل من يسلم منه، ولأن حقوق الله أعظم واكثر من أن يقوم بها" (11) .
ويشبع عبدالله السالمي القضية تحليلا فيقول:" فهي (التوبة) إما واجبة، وإما مندوبة، فالفور واجب منها، وهو ما إذا عصى المكلف فإنه يجب عليه أن يرجع عن عصيانه في الفور فأما وجوبها فمأخوذ من قوله تعالى: ( وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون) (24 النور31) وأما وجوب الفورية فيها فلما في تأخيرها من الإصرار المحرم قطعا (12) .
وأما المندوب منها فهو تكرار توبة من عصى فتاب إذا تذكر ذنبه الذي تاب فإنه يندب له أن يعيد توبته، ولا يجب عليه إعادتها خلافا لبعضهم لن الصحابة ومن كان لأسلم بعد كفره يتذاكرون ما كان منهم في الجاهلية من الكفر ولا يجددون له توبة" (13) .
ويلح محمد اطفيش على وجوب التوبة رغم صعوبة ترك الذنوب فيقول:" والتوبة من الصغائر والكبائر واجبة ولو كان لا طاقة للإنسان على ترك الذنب لأن التوبة حق الله وإجلال له واجب على كل حال" (14) .
فالمسلمون يكادون يجمعون على وجوب التوبة والنصوص صريحة في ذلك من القرآن والسنة فماذا عن القبول من الله تعالى؟
قبول التوبة من الله تعالى:
قبل أن ننظر في قضية قبول التوبة يحسن أن نحلل هنا موقف الإباضية من علاقة الثواب بالعمل.
===============================
(1) ر. ابن منظور : لسنان العرب
(2) امحمد اطفيش: جامع الشمل : 239 وذكر أنه رواه ابن مردوية والبيهقي في شعبة عن ابن مسعود.
(3) ر. الغزالي: الأحياء 11/2073. ويقول المحقق عن الحديث إنه جاء عند ابن ماجة وابن حبان والحاكم. أما ابن ماجة فصحح اسناده من حديث ابن مسعود . ورواه ابن حبان والحاكم من حديث أنس وقالا صحيح على شرط الشيخين .ر. الأحياء : تعليق1 : 2073.
جاء بصيغة " التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم ..." احمد 1/446. ر. ونسنك: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث 1/284.
(4) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 216.
ملاحظة:لقد جاءت عدة تعريفات للتوبة كلها تحوم حول ما ذكرنا فلذلك نكتفي بالإحالة على مصادرها. ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 215و 216 .ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 2، 3/106 .ر.خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج 2/245- 249 .ر. امحمد اطفيش: شامل الأصل والفرع : 1/68 (وقد نبه إلى أداء الكفارات).
أما الأشاعرة فيعرفونها كما يلي:" وفي الشرع : الندم على المعصية من حيث هي معصية مع عزم ألا يعود إليها إذا قدر عليها." الإيجي : المواقف 2/450. ويضيف البيجوري مبدأ إرجاع حقوق العباد لكن المحقق بذكر أن الندم وحده كاف مع التفويض إلى الله تعالى كما وقع لآدم عليه السلام. ر. البيجوري : شرح جوهرة التوحيد: 196.ر. الطاهر بن عاشور : التحري والتنوير ط2: 1/438 حيث بين أن التوبة علم علم وحال وعمل.
(5) البرادي: رسالة الحقائق: 39 وعن القول المنسوب إلى غير الإباضية ر. الغزاليك حديث الأربعين : 143
(6) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 142 وجه و قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 356 و 347
(7) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 142 وجه و قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 356 و 347
(8) انظر ما يلي: 571
(9) عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات:219
(10) عمرو التلاتي : نخبة المتين: 159
(11) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 142 وجه و قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 357.
ويعبر الغزالي عن موقف الأشاعرة كما يلي: "إذا عرفت حقيقة التوبة انكشفت لك أنها واجبة على كل أحد وفي كل حال ." كتاب الأربعين 144 ر. الأحياء : 11/2073. أما البيجوري والقرطبي فلم يكتفيا بذكر الوجوب بل ناقشا المعتزلة في قول بعضهم بعدم الوجوب.ر. البيجوري : شرح جوهرة التوحيد: 157 .ر. القرطبي: احكام القرآن 5/90. وينقل الإيجي عن الآمدي أن الأمر ظاهر في الوجوب لكنه غير قاطع لجواز أن يكون رخصة إيذانا بقبولها ودفعا للقنوط ر. الإيجي: المواقف 2/451.
أما موقف المعتزلة فيلخصه الأشعري كما يلي:" واختلفوا (المعتزلة) في وجوب التوبة : فقال قائلون: التوبة من المعاصي فريضة ، وأنكر ذلك آخرون". المقالات 2/170.
(12) انظر ما يلي: 575 و 589.
(13) عبدالله السالمي: المشارق: 416. ويناقش السالمي الجبائي من المعتزلة الذي يرى ألا توبة من الصغير لأنه يكفر باجتناب الكبير فيقول:ط تكفيرها باجتناب الكبائر لا ينافي وجوب التوبة منها على الإجمال": المشارق: 416.
ويتفق الإباضية والأشاعرة في وجوب الفورية واعتبار التأخير ذنبا آخر. ر. البيجوري : شرح جوهرة التوحيد: 196. وينبه البيجوري إلى الاختلاف مع المعتزلة الذين يعتبرون أن الذنب يتعدد الزمن بينما يعتبر الأشاعرة أنه ذنب واحد ولو تراخي . والإباضية في هذا يلحون على قضية الإصرار(انظر ما يلي: 575)
(14) امحمد اطفيش: شامل الأصل والفرع: 1/77
________________________________________
موقف الإباضية من علاقة الثواب بالعمل:
بناء على التحسين والتقبيح العقليين يقرر المعتزلة وجوب الثواب على الله تعالى كما يوجبون عليه قبول توبة التائبين.
يقول القاضي عبد الجبار:" وأما الشروط في استحقاق الثواب والعقاب في الأفعال فكالشروط في استحقاق المدح والذم عليهما (15) غير أنه لابد من اعتبار شرط آخر فيهما وهو أن يكون الفاعل ممن يصح أن يثاب أو يعاقب، وإن شئت قلت الشرط هو أن يكون الفاعل ممن يفعله لشهوة أو شبهة... وغنما لم يكن بد من اعتبار هذا الشرط لأنه لو لم يعتبر للزم استحقاق القديم تعالى العقوبة، ومعلوم أنه لو قدر وقوع القبيح من جهته لم يستحق العقوبة وإن استحق الذم، تعالى عن ذلك علوا كبيرا" (16) .
ثم يبين أن المؤثر في استحقاق المدح والثواب"إنما هو فعل الإنسان للواجب واجتنابه للقبيح وما يجري هذا المجرى" (17) ويخلص إلى النتيجة التالية:" وإذا قد عرفت هذه الجملة فاعلم أنه تعالى إذا كلفنا الأفعال الشاقة فلابد من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله، بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدا لا يجوز الابتداء بمثله ولا التفضل به وإلا كان لا يحسن التكليف لأجله" (18) .
ويرد على من يعتبر أن الله يثيب على ما ليس فيه مشقة بقوله:" إنا لا نوجب أن يكون في نفس الفعل مشقة، بل يجوز أن يكون في سببه أو في مقدمته أو في ما يتبعه ويتصل به" (19) .
وهكذا يتناسق هذا الموقف مع قول المعتزلة بالعدل الإلهي، وبهذا يتضح قولهم بأن الثواب استحقاق وأنه ثمرة من ثمرات الإيمان والعمل الصالح، وبالتالي فهو واجب على الله تعالى إذ العدل الإلهي يقتضي أن يجارى المحسن حسب ما قدمت يداه.
وقبل أن نورد حجج مخالفيهم على هذا الموقف يحسن أن نشير إلى أن أبا القاسم خالف أصحابه في هذا الرأي وذهب إلى أن الثواب جود من الله تعالى:" عن القديم تعالى إنما كلفنا هذه الأفعال الشاقة لما له علينا من النعم العظيمة فإن ذلك غير ممتنع ، فمعلوم أن من أخذ غيره من قارعة الطريق فرباه، وأحسن تربيته، وخوله وموله، وأنعم عليه بضروب النعم، جاز له أن يكلفه فعلا يلحقه بذلك مشقة، نحو أن يقول: ناولني هذا الكوز أو تمم هذا السطر، ولا يجب أن يغرم في مقابل ذلك شيئا آخر، كذلك في القديم تعالى فنعمه عندنا لا تحصى وأياديه لدينا لا تحصى، ولما ذهب في ذلك إلى ما ذكرناه قال: إنه إنما يثيب المطيعين لا لأنهم استحقوا ذلك بل للجود" (20) .
ويرد القاضي عبد الجبار على أبي القاسم ردا شديدا معتبرا أن في هذا القبول تناقضا وبمثابة من قال:" يجب أن تفعل ويجب ألا تفعل وهذا محال" (21) .
تبين من هذه النصوص حينئذ أن جمهور المعتزلة يوجبون الثواب على الله تعالى فماذا عن الأشاعرة؟
يقول البيجوري:" وبالجملة فهو سبحانه وتعالى لا تنفعه طاعة ولا تضرع معصية، والكل بخلقه فليست الطاعة مستلزمة للثواب، وليست المعصية مستلزمة للعقاب، وإنما هما أمارتان تدلان على الثواب لمن أطاع والعقاب لمن عصى" (22) .
فالأشاعرة يعتبرون أن الثواب وعد من الله وأنه تفضل وغنما يقع لإخباره بذلك لأن الله تعالى يستحيل في حقه أن يحتم عليه الأمر (23) .
أما الإباضية فيقول عنهم الأشعري:" وقالوا (يقصد جل الإباضية) : جزاء الله في العباد أكثر من تفضله، وعافيته أكثر من ابتدائه، والثواب واجب بالاستخلاف والتفضل والابتلاء ابتداء". (24)
فهل اتخذ الإباضية فعلا موقف المعتزلة في إيجاب الثواب بالاستحقاق على الله كما يذكر الأشعري رغم مخالفتهم في وجوب الصلاح والأصلح على الله؟
وفي هذا الشأن يقول عمرو التلاتي:" واتفقوا أيضا على أن الله تعالى لا يجب عليه لعباده شيء من الصلاح والأصلح لنه لو وجب عليه ما خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا بالفقر وفي الآخرة بالعذاب الأليم المخلد فيه، المبتلى في الدنيا بالأسقام والمحن والآفات، ولنه لو وجب عليه ما بقي للتفضل محل، ولم يكن له خيرة في الإنعام، وهو باطل لقوله تعالى: ( وربك يخلق ما يشاء ويختار) (28 القصص68) وقوله: (يختص برحمته من يشاء) (2 البقرة 105) (25) .
وبما أن الإباضية لا يقولون بوجوب الصلاح والأصلح على الله فإنهم يعتبرون ألا موجب على الله في شأن الثواب، وهذا الوارجلاني، عند تحليل ما يتعلق بالوعد والوعيد ، يذكر ما يثبت ألا موجب على الله وأن الوجوب وجوب حكمة فيقول:" لا موجب على الله وإنما الوجوب في حق الحكمة" (26) كما يرد على من قال بان الثواب حتم بقوله:" فالذين قالوا إن الثواب حتم على الله قد أساءوا الأدب إنما كان ينبغي لهم أن يقولوا حتم في واجب الحكمة بعد أن يصح ما قالوا إنه واجب" (27) .
ويؤيد هذا الموقف ما جاء في الموجز عند تفسير حديث الرسول عليه السلام (28) حيث يقول:" إن معنى ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا ينال شيئا من الخير الذي هو طاعة الله، ولا يستعصم عن شيء من معصية الله فيدخل بذلك الجنة إلا أن يعينه الله على ذلك ويوفقه له، ويغمده برحمته التي لا يخيب من تغمد بها". (29)
فموقف الإباضية صريح في رفض موقف المعتزلة القائل بوجوب الاستحقاق والفرق شاسع بين الوجودي وجوب الحكمة ووجوب الاستحقاق إذ وجوب الاستحقاق إنما يتوجه من القوي إلى الضعيف وذلك من علامات النقص التي تعالى الله عنها علوا كبيرا، بينما وجوب الحكمة فضل من الله ورحمة.
ولعل الأشعري وقعت بين يديه بعض المتون المختصرة (30) التي وردت فيها كلمة الوجوب فأضاف الاستحقاق رغم أنه أشار إلى التفضل، وتحول فيها كلمة الوجوب فأضاف الاستحقاق رغم أنه أشار إلى التفضل وتحول بذلك المعنى عن الأصل وعن سياق مبادئ الإباضية العامة وأبرزها في هذا الشأن اعتبارهم أن التحسين والتقبيح شرعيان فالحسن ما حسنه الشرع ووعد عليه حسن الثواب والقبيح ما قبحه الشرع وتوعد عليه سوء العقاب.
ونورد نصين متأخرين عن زمن الأشعري لعلهما يشعران بما جاء قبلهما مما لم يصلنا من النصوص.
الأول في القرن الخامس/ 11 " وذلك أن ولايته(الله) وجوب الثواب لأوليائه وعداوته وجوب العقاب لأعدائه" (31) .
والثاني من القرن الثامن/ 14 :" ومما يجب على المكلف أن يعلم أن الله أمر بطاعته وأوجب عليها ثوابا، ونهى عن معصيته وأوجب عليها عقابا" (32) .
وما كان يخفى على الجيطالي أن الوجوب وجوب الحكمة بعد تحليل الوارجلاني للقضية في الدليل والبرهان.
ويشير أحمد الشماخي كذلك إلى أن الثواب فضل من الله إلا انه يضيف أنه خاص بالمتقين:" قولك: بل يفضل الله" أقول: الأمر كذلك لكنه أخبر أنه فضله ورحمته خاصان بالمتقين (فسأكتبها للذين يتقون) (7 الأعراف 156) وكثر في القرآن ( بما كنتم تعملون) (5 المائدة 105) ( بما أسلفتم) (69 الحاقة24) وما شاكلها. فإن حملنا أخبار الله تعالى على الصدق فقد أخبرنا بأنها خالصة للمؤمنين(فسأكتبها للذين يتقون) كما هو مذهب كل مؤمن مسلم" (33) .
ويذكر عمرو التلاتي أن " كل نعمة فضل من الله تعالى، وأن كل نقمة عدل منه عز وجل" (34) .
وإذا تأملنا في المصادر الإباضية المتأخرة نتبين بوضوح مناقشتها لهذه المقولة وردها لرأي المعتزلة القائلين بوجوب الثواب على الله ومن ذلك ما جاء في كتاب المعارج:
" ذهبت المعتزلة أيضا بناء على قولهم بتحكيم العقل إلى وجوب ثواب الطاعة عقلا على الله تعالى، واحتجوا على ذلك من الكتاب العزيز بقوله تعالى: ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما) (4 النساء100) قالوا: فهذه الآية تدل على أن العمل يوجب الثواب على الله لأنه تعالى قال: (فقد وقع أجره على الله) وذلك يدل على قولنا من ثلاثة أوجه: أحدهما انه ذكر لفظ الوقوع، وحقيقة الوجوب هي الوقوع والسقوط قال تعالى: ( فإذا وجبت جنوبها) (22 الحج39) أي وقعت وسقطت. وثانيها: أنه ذكر بلفظ الأجر والأجر عبارة عن المنفعة المستحقة، فأما الذي لا يكون مستحقا فذلك لا يسمى أجرا بل هبة. وثالثها: قوله(على الله) وكلمة(على) للوجوب قال تعالى: ( ولله على الناس حج البيت) (3 آل عمران97).
وأجيب بأنه لا نزاع في وجوب الثواب على الطاعة لكن ذلك بحكم الوعد والعلم والتفضل والكرم لا بحكم الاستحقاق الذي لو لم يفعل لخرج عن الإلهية...فهو سبحانه وتعالى يقبل توبة التائب تفضلا منه ووفاء بوعده ويثيب المطيع تفضلا منه، ووفاء بوعده والله أعلم" (35) .
ويقول أيضا:"...أهل الاستقامة يقولون إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله والمعتزلة يقولون بوجوب ذلك عليه، تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين" (36) .
فالمهم حينئذ أن موقف الإباضية جاء موقفا ذاتيا مستفيدا من هذا وذاك دون أن يكون تابعا تبعية مطلقة لأي طرف، فهم يرون أن الثواب واجب وجوب حكمة تتناسق والعدل الإلهي، فالله يوجب على نفسه ما يشاء دون أن يوجب عليه أحد، وعبر الأشاعرة عن ذلك بقولهم إنه يمكن أن يعكس فيعاقب المحسن ويثيب المسيء، وفي موقفهم رد عنيف على المعتزلة، كما أن الإباضية ألحوا إلحاحا كبيرا على جانب الفضل والرحمة وهذا هو الموقف المستقر في الفكر الإباضي عبر القرون ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا) (24 النور 21) لأن عمل الإنسان مهما كان لا يمكن أن يعادل ما يتمتع به من نعم، فالثواب حينئذ في مستوى صلته بعمل الإنسان الموفي أقرب إلى الوجود لارتباط النتيجة بالسبب، وفي مستوى صلته بالمثيب إنما هو تفضل ورحمة لأن الله غني عن العالمين.
وعلى هذا ينبني موقف الإباضية من قبول التوبة.
=============================
(15) " فكذلك المدح أيضا قسمان على ما ذكرنا ، فقسم يتبعه الثواب من جهة الله تعالى والشرطة في استحقاقه شرطان: أحدهما يرجع إلى الفعل وهو أن تكون له منفعة زائدة على حسنة ، والآخر يرجع إلى الفاعل وهو أن يكون عالما بأن له صفة زائدة على حسنة ، فلا بد من اعتبارهما معا كما في الذم ، ولهذا قلنا: إن الصبيان لا يستحقون على أفعالهم المدح، لما لم يعلموا أن لها صفة زائدة على الحسن". القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613.
(16) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613- 614
(17) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613- 614
(18) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 613- 614
(19) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 616-617
(20) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 618
(21) نفس المصدر 619
(22) البيجوري :شرح جوهرة التوحيد : 108. بل يذهب إلى أكثر من ذلك وهو إمكانية العكس ، فحتى لو عذب الله المطيع وأثاب العاصي لكان حسنا . ر. الإيجي : المواقف 2/451 حيث يبين ألا وجوب
(23) انظر أدلتهم عند الجويني: الإرشاد ، تحقيق محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد مطبعة السعادة مصر 1369 : 381 وعند ابن تيمية: مناهج السنة ط 1 مصر 1321: 1/129
ومنها من النقل:
قوله تعالى ] ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله[ (الروم45) وقوله تعالى: ] ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا[ (النور21). وقوله عليه السلام: " لن يدخل أحد منكم الجنة من أحد قالوا: ولا أنت يا رسول الله ، قال: ولا أنا . إلا أن يتغمد ني الله برحمته منه وفضل" (انظر تخريج الحديث 440 تعليق 119).
ومن العقل:
يتحقق الوجوب في حق من لو فرض منه ترك الوجوب لاستحق الذم أو العقاب، والله منزه عن ذلك ، ولو قدر أنه عذب من يشاء لم يكن لأحد منعه وقد قال تعالى :] قل فمن يملك من الله شيئا[ ( المائدة 17) – عبادات العبد لا تفي بنعم الله تعالى عليه شكر له عليها ، فلم استحقاق الثواب في أعمال وقعت عوضا عن جزء قليل من نعيم استوفاه العبد.
(24) أبو الحسن الأشعري: المقالات: 1/188
(25) عمرو التلاتي : نخبة المتين:160
(26) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1: 1/58
(27) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 1: 1/58
(28) يشير إلى الحديث الذي ورد فيه قوله عليه السلام: إلا أن يتغمد ني الله برحمته. انظر:562
(29) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/87 مع الملاحظ أن أبا عمار لم يلح على قضية الثواب لأنه في صدد الرد على الجبرية.
(30) ومعلوم أن الأشعري لا يحيل على مصادره.
(31) أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب التحف : 1/38
(32) إسماعيل الجيطالي: القناطر: 1/326- 327
(33) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 41
(34) عمرو التلاتي : نخبة المتين:160
(35) عبدالله السالمي: المعارج. مطابع سجل العرب، عمان، نشر وزارة التراث القومي 1/174
(36) عبدالله السالمي: المشارق: 294. وقد عبر امحمد اطفيش عن نفس المعنى ر. تيسير التفسير ط 2 ، 2/482 وكذلك ط 2 ، 2/141.
________________________________________
قبول التوبة فضل أم استحقاق؟
إن أحسن ما يرجوه التائب أن يقبل الله توبته، وأن يعفو عن معاصيه وأن يبدل سيئاته حسنات، وأن يدخله جنة النعيم، إلا أن علماء الكلام أثاروا نقطة الاستحقاق والفضل هنا كما فعلوا بالنسبة إلى الثواب.
فالمعتزلة يرون انه يجب على الله قبول التوبة نقلا وعقلا. أما النقل فاعتقادهم على قوله تعالى: ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) (4 النساء17) حيث اعتبروا أن(على) بمعنى الوجوب ولولا ذلك لكانت الآية مساوية لقوله تعالى (فأولئك يتوب الله عليهم) (4 النساء17).
يرد السالمي بما يلي:" وأجيب عن ذلك بأنه تعالى وعد بقبول التوبة من المؤمنين فإذا وعد الله بشيء وكان الخلف في وعده محالا كان ذلك شبيها بالواجب فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة(على) وبهذا الطريق ظهر الفرق بين قوله( إنما التوبة على الله) وبين قوله( فأولئك يتوب الله عليهم).
فإن قيل: فلم أخبر عن قبول التوبة، وكل ما أخبر الله عن وقوعه كان واجب الوقوع فيلزمكم ألا يكون فاعلا مختارا.
أجيب بأن الإخبار عن الوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للإيقاع ، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلا مختارا في ذلك الإيقاع فسقط احتجاجهم بالآية" (37) .
ثم يرد على قولهم بوجوب قبولها عقلا اعتمادا على تحليل الفخر الرازي الذي يدلي بأربعة حجج نكتفي بذكر واحدة منها:" إن التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على الله لصار فعل العبد مؤثرا في ذات الله وفي صفاته، وذلك لا يقوله عاقل" (38) .
ومن خلال هذه الردود نتبين اتحاد الموقف بين الإباضية والأشاعرة فالكل يرى أن قبول التوبة أفضل من الله تعالى. وهذا السالمي يقول:" منتهى التوبة وثمرتها حط الأوزار بمعنى إزالة الآثام عن المذنب وتلك الثمرة إنما هي بمحض تفضل منه تعالى لا بوجوب عليه" (39) .
فقبول التوبة حينئذ تفضل من الله تعالى وفضل ورحمة فمتى تقبل التوبة ومتى لا تقبل؟
متى تقبل توبة التائبين؟
يقول الله تعالى: ( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما) (4 النساء17).
بين محمد اطفيش أن الجهالة تتمثل في السفه وتشمل من علم ومن لم يعلم، ويستدل بقول قتادة:إن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أجمعوا على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة ولو مع علم وان كل من عصى الله فهو جاهل ولو كلن عالما (40) .
كما بين أن التوبة من قريب يفسرها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " عن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" (41) .
إن هذا المعنى لا ينفي المبادرة إلى التوبة حال الوقوع في المعصية إلا أنه يجعل فسحة للتائب ويؤازره هذا رد الله تعالى على إبليس حينما طلب الإمهال وأثبت أنه لن يخرج من قبل آدم ما دام فيه الروح بما يلي: " وعزتي لا احجب عنه التوبة ما دام فيه الروح" . (42) هذا في ما يتعلق بالجهالة وسعة الزمن، بقي أن نذكر ببعض الشروط.
شروط التوبة:
سبق أن ذكرنا عند التعريف شروط التوبة فيستحسن أن نقف عندها بشيء من التحليل:
1) الندم: "هو غم يصيب الإنسان ويتمنى أن ما وقع منه لم يقع وذلك حياء من الله تعالى وأسفا على عدم رعاية حقه" (43) .
ومن أسباب الندم خوف عدم القبول، ومن علامات مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، وقلة الكلام والطعام والمقام (44) .
2) الاستغفار:هو طلب الغفران للذنب سواء كان ذلك الطلب بالقول والقلب أو بالقلب فقط لقوله تعالى: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) (3 آل عمران 135). ويرجع ذلك إلى أصل الذنب فالمعصية القلبية يناسبها الاستغفار القلبي والجهرية يناسبها الاستغفار القولي (45) .
3) العزم على ألا يعود في المستقبل إليه أو إلى مثله: والفرق واضح بين العاجز والقادر، أما القادر على العودة فلا تعتبر توبته نصوحا حتى يمكن من الذنب عشر مرات مع توفر الأسباب الداعية له وامتناعه منه. (46)
وأما العاجز فالشرط في حقه عزمه على الترك لو عادات إليه قدرته على الذنب (47) .
1) الرجوع بانكسار: ولا تتم التوبة إلا بالإقلاع بصفة نهائية عن الذنب بتذلل وانكسار نفس لأن ما فات من العمر لا يمكن أن يرجع.
وإثبات هذتا الشرط يخرج المقلع اضطرارا خشية تعزيز من الإمام أو نتيجة فقدان جارحة وفي نفسه لو يستطيع لفعل (48) .
بقي أن نشير إلى أمرين:
1) فمن كانت معصيته في حق الله تعالى فهذه الشروط كافية لكن يتحدد الفرق بين المستحل للمعاصي وبين المحرم لها.
أما المحرم (49) لها: أي الذي يعتقد أنه ينتهك حرمات الله فعليه مع التوبة استدراك ما فاته بالقضاء مع أداء الكفارة.
وتجدر الإشارة إلى الحج والزكاة بالنسبة إلى من كان موسرا حالة العصيان، وصار معسرا عند التوبة ، والرأي الراجح أنه معفو عنه، ومنهم من يأمره بالوصية وإلى جانب هذا أداء الكفارة وللإباضية تحليل موسع للكفارات (50) .
وأما المستحل (51) ّ فيعامل معاملة من أسلم بعد كفر، والإسلام يجب ما قبله، والدينونية عليه سوى الرجوع إلى الحق والدينونة ببطلان ما كان عليه (52) .
2) ومن كانت معصيته تعلق بها حق من حقوق العباد فتوبته تكون حسب الاستحلال والتحريم.
أما المستحلّ: فتجزيه التوبة من ذلك الشيء دون غرمه سواء كان قائما في يده أو كان قد أتلفه وهذا القول ظاهر في المشركين لقوله تعالى: ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) (8 الأنفال38) كما أن السيرة أيدت ذلك لن الرسول عليه السلام لم يسترجع الدور التي انتزعها المشركون من المسلمين حتى بعد إسلامهم عند فتح مكة. وقد قال عمر: ولسنا بنازعين شيئا من يد أحد إذ أسلم عليه، وعلى هذا اجتمعت الأمة المحمدية (53) .
بقي الخلاف في المرتد (54) والذمي (55) وما اغتصبه المشركون من المسلمين (56) والموحد والمستحلّ بتأويل الخطأ (57) .
وأما المحرِّم فعليه التنصل من حقوق العباد فيؤديها لأصحابها إن كان قادرا، وإن كان غير قادر، أو تعذر عليه وجود أصحابها أو تعذر عليه ما يتخلص به فإنه يجب عليه حينئذ أن يعتقد الخلاص عند القدرة عليه، فإن حضره الموت ولم يجد سبيلا إلى الخلاص وجبت عليه الوصية ولا شيء عليه فوق ذلك. أما إذا عفا صاحب الحق فلا غرم. (58)
أما إذا غفل عن ذلك في توبته فلابد من المقاصة وذلك بأن يؤخذ من حسنات الظالم ويعطي للمظلوم، فإذا نفذت حسنات الظالم طرح عليه من سيئات المظلوم. (59)
واضح من خلال ما ذكرنا أن الإباضية وسائر علماء الإسلام (60) قالوا وأطالوا في موضوع التوبة والتائبين ، لذلك نكتفي بهذا القدر مع الإلحاح على أن المصادر الإباضية تركز خاصة على أن وعد الله تعالى خاص للتائب الذي ختم عمره بالتوبة وهذا ما سيتجلى بوضوح في المباحث اللاحقة.
وبعد أن علمنا إجمالا متى تقبل التوبة فمتى لا تقبل هذه التوبة؟
=================================
(37) عبدالله السالمي: المعارج 1/172- 174
(38) عبدالله السالمي: المشارق 420- 421 .ر. الفخر الرازي التفسير الكبير 10/2- 3 .ر. البيجوري : شرح جوهرة التوحيد : 197- 198.وقد أورد مختلف الفويرقات بين علماء الأشاعرة ومحورها أن التوبة إما أن تقبل قطعا بدليل قطعي أو ظنا بدليل ظني.
ر. القرطبي : أحكام القرآن 5/90- 91. ويختم بقوله: والعقيدة أنه لا يجب على الله شيء عقلا، فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب وذلك من فضل الله ورحمته".
(39) عبدالله السالمي: المشارق: 420.
ولم يتوسع يوسف المصعبي في القضية وإنما اكتفى بذكر عبارة البيضاوي أن قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته .( البيضاوي : أنوار التنزيل 1/83) وذلك لتوضيح عبارة الجلالين " التي كتب على نفسه قبولها بفضله". حاشية على تفسير الجلالين ورقة 158 قفا. ولذلك سنعتمد تفسير امحمد اطفيش رغم تأخره عن المرحلة المقررة لاستكمال القضية.
(40) ر. امحمد اطفيش : تيسير التفسير ط 2 ، 2/285
(41) ر. نفس المصدر والصفحة . وعن الحديث ر. الترمذي : دعوات 98 ابن ماجة : زهد 30 ، أحمد بن حنبل 2/132- 153. 3. 425. ر. ونسنك : المعجم المفهرس 4/480
(42) ر. نفس المصدر 282. والحديث القدسي لم نجد ذكره عند ونسنك : المعجم المفهرس.
(43) عبدالله السالمي: المشارق: 417، واكتفى عمرو التلاتي بذكر الأسف شرح النونية ورقة 142 وجه، وكذلك عبد العزيز الثميني: النور: 356 بينما يزيد السالمي فكرة الندم لوجه الله تعالى لأن الندم قد يكون لأجل مصيبة حصلت له .ر. المشارق: 417
(44) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 142 قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: ص 357
(45) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 144 وجه قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 362 . ر. عبدالله السالمي: المشارق: 418 وعن المعاصي القلبية مثل الحسد . ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 202 وجه قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 476- 477. ر. عبدالله السالمي: المشارق: 424- 431
(45)
(46) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 143 قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 360 وعن موقف الأشاعرة ر. البيجوري :شرح جوهرة التوحيد :196. وأورد قولين أحدهما يقر ضرورة العزم ، والآخر يقر بعدم اشتراطه بل التفويض كاف.
(47) ر. عبدالله السالمي: المشارق: 418
(48) ر. عبدالله السالمي: المشارق: 418
(49) المحرم: المنتهك هو ما يأتي الأشياء المحرمة في دينه على غير اعتقاد لها باستحلال . ر. عبدالله السالمي: المشارق:443
(50) ر. فتاوي أبي النجاة يونس التعاريتي جمعها تلميذه سلامة الجناونيز البارونية بدون رقم . مجموع فتاوي عبدالله السدويكشي ط. بالبارونية 1315هـ مجموعة فتاوي المحشي ط. بالبارونية 1315هـ وقد جمع القول في قضية الكفارات إبراهيم بيوض (ت 1401/1981) نشأ بمدينة القرارة وفيها حفظ القرآن الكريم. عصامي في تكونه لأنه تحمل المسؤولية من صغره . لم يدرس في غير وادي ميزاب ، اهتم بالتدريس وبالإصلاح الاجتماعي ومنطلقة في ذلك القرآن الكريم، وقد فسره في حلقات متلاحقة طيلة نصف قرن، ويسعى تلاميذه الآن إلى تخريجه من المسجلات بعنوان " في رحاب القرآن" . ويعتبر رائد النهضة الميزابية واستمر إلى وفاته شيخا للمجلس الأعلى لنظام العزابة بوادي ميزاب.
وإلى جانب هذا كان له نشاط علمي على مستوى القطر الجزائري إذ كان من الأعضاء الموسسين لجمعية العلماء ، كما كانت له مواقف سياسية جرئية زمن الاستعمار إذ رفض فكرة فصل الجنوب عن الشمال .ر. محمد علي دبوز: نهضة الجزائر الحديثة : 3/ 6-81
وعن الكفارات : ر. مخطوطة الفتوى بمكتبتي الخاصة بخط كاتبه الخاص وبإمضائه.
(51) المستحل: هو الذي يأتي الأشياء المحرمة في دين الله اعتقادا منه أنها حلال معتمدا على التأويل .ر. عبدالله السالمي: المشارق:443
(52) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 143 قفا . ر. عبد العزيز الثميني: النور:ص 360. ر. عبدالله السالمي: المشارق:438
(53) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 143 قفا . لم يتوسع في القضية التوسع المطلوب وكذلك تبعه عبد العزيز الثميني: النور:ص 360. لكن قد توسع في القضية عبدالله السالمي: المشارق: 447- 450 ولذلك اعتمدنا تحاليله لاستكمال الفائدة رغم أنه خارج عن مرحلتنا، وقد اتضح استيعاب للموضوع حيث ذكر أقول أبرز علماء الإباضية في المشرق والمغرب.
(54) المرتد : إذا أخذ شيئا من أموال المسلمين عند ارتداده هل يرد عند التوبة؟ أما الحنيفة فيوجبون عليه لكن الإباضية يعفونه منه اعتبارا أنه مثل المشركين.
(55) الذمي: إذا اغتصب من أموال المسلمين وهو تحت الذمة يرجعه عند إسلامه، يذهب الزمخشري ويؤيده امحمد اطفيش إلى وجوب الرد لكن جمهور الإباضية لا يفرقون بينه وبين المشرك فلا رد عليه.
(56) ما اغتصبه المشركون من المسلمين هل يكون لهم قبل أن يسلموا وليس لصاحبه أن يأخذه منهم وتجوز معاملتهم فيه أم لا : قولان:
أ- ذهب إلى جواز معاملتهم فيه دون أخذه كل من الربيع بن حبيب وأبي يعقوب الوارجلاني والمحققين من أهل المغرب وصححه القطب (امحمد اطفيش)
ب- وذهب إلى الأخذ وعدم المعاملة كل من ابن بركة وصاحبه السؤالات (أبي عمرو السوفي) والإمام أفلح والمحقق الخليلي ولكل من الطرفين دليله الشرعي.
(57) الموحد المستحيل بتأويل الخطأ أقوال:
أ) مثل المشركين لا إرجاع.
ب) عليه أن يرجع.
ج) إن تاب ومعه عين ما أخذ يرجعه، وإن تاب وليس معه ما أخذ فلا غرم، والدليل سرية أسامة بن يزيد وموقفه مع الرجل الذي صرح بكلمة الإيمان عندما حوصر فقتله أسامة على أساس أنه تعوذ بها، فنهره الرسول عليه السلام ونزل قوله تعالى :] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا[(4 النساء94) ر. عبدالله السالمي: جوهر النظام، تعليق أبي اساق اطفيش عدد 1 ص 267 ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 143 قفا.
(58) ر. المحشي : حاشية على كتاب قواعد الإسلام : ورقة 265 وجه إلى 270 قفا ر. عبد الله السلامي: المشارق: 445 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/231- 232 وقد حلل القضية تحليلا موسعا.
وهذا الموقف هو ما قال به الأشاعرة مع شيء من الفارق بين الشافعة والمالكية وفي ذلك يقول البيجوري :" فان تعلقت المعصية به( حق آدمي) فلها شرط رابع وهو رد الظلامة إلى صاحبها أو تحصيل البراءة منه تفصيلا عندنا معاشر الشافعية وأما عند المالكية فيكفي تحصيل البراءة إجمال ، وفيه فسحة ، فإن لم يقدر على ذلك بأن كان مستغرق الذمم فالمطلوب منه الإخلاص وكثرة التضرع إلى الله تعالى لعله يرضي عنه خصماءه يوم القيامة " شرح جوهرة التوحيد 196- 197
(59) ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/232
(60) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 2، 3/102- 104 .ر. ابن تيمية : الفتاوي الكبرى 7/487- 501. ويذكر عدة أسباب لدفع الذنوب مثل المصائب ويرد قول من يقول بأن الذنوب لا تدفع إلا بالتوبة .
________________________________________
متى لا تقبل التوبة؟
لقد بينا أن قبول التوبة فضل من الله تعالى لذلك ينبغي لمن ابتلى بشيء من المعاصي ألا يتوانى في التوبة، ويتوب في حال الإمكان قبل أن يغلق عليه باب التوبة (61) فمتى يغلق باب التوبة؟
الإصرار على الذنب:
تميز المصادر الإباضية بين التمادي والإصرار وفي ذلك يقول عمرو التلاتي:" إن الفرق بين المصر والمتمادي أن المصر هو الناوي لعدم التوبة من عصيانه وللقاء ربه به كالمشرك. والمتمادي هو الناوي للتوبة من عصيانه في وقت ما، وللقائه تعالى بها فهذا ترجى له النجاة من النار دون الأول" (62) .
ولسنا في حاجة إلى إطالة الحديث عن المتمادي فهو غافل يرجى أن ينتبه من غفلته ليرتقي في مدارج التوبة، وإنما القضية مع المصر فقد جاءت في شأنه عدة آراء.
الإصرار:
لغة: أصررت على الشيء إذا أقمت ودمت عليه ومنه قوله تعالى: ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (3 آل عمران 135) (63) وقال أبو الهيثم: أصرّي أي اعزمي كأنه يخاطب نفسه من قولك/ أصرّ على فعله يصرّ إصرارا إذا عزم على أن يمضي فيه ولا يرجع... وأصرّ على الذنب لم يقلع عنه. وفي الحديث: " ما أصر من استغفر" (64) أصر على الشيء يصر عليه إصرارا إذا لزمه وداومه وثبت عليه، وأكثر ما يستعمل في الشر والذنوب يعني من أتبع الذنب الاستغفار فليس بمصر عليه وإن تكرر منه. وفي الحديث : " ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوه وهم يعلمون" (65) .
أما المعنى الشرعي:فقد جاء ضمن الشروح اللغوية وفي استدلال ابن منظور بالقرآن والحديث أحسن برهان على ذلك وقد غلب المعنى الاصطلاحي الشرعي على المفهوم اللغوي إلى أن صارت كلمة الإصرار أكثر ارتباطا بالذنب والعصيان.
وتلح المصادر الإباضية مع تغريف الإصرار على ألا سبيل للمصر إلى النجاة يوم القيامة لأنه معاند محاد لله ولرسوله وقد شمل الوعيد الذين يحادون الله ورسوله.
وهذا أبو نصر يصوغ هذا المعنى في ما يلي: (طويل)
وقد اعتبر أبو عمرو السوفي الإصرار من الكبائر متشهدا بقوله عليه السلام: " هلك المصرون" (67) .
وسئل عثمان بن خلفة السوفي:" هل يكون الإصرار بالحديث أو بالاشتغال بغير التوبة قال: لا، حتى يقول لا أتوب، قال: والإصرار الإقامة على الذنب والاعتقاد للعودة إليه". (68)
ويلح الصدغياني على هلاك المصرين بمناقشة الأشاعرة في رجاء المغفرة لأهل الكبائر المصرين عليها فيقول بعد سرد عدة أدلة:" ومثل هذا كثير في الوعيد لأهل الكبائر الذين ماتوا على كبائرهم مصرين" (69) كما يقول في نفس الرسالة:" وقلتم أنتم (الأشاعرة) مؤمن ولي الله لا يعذب مع الإصرار على الذنب دون التوبة والاستغفار... والكبائر ينوب بعضها عن بعض فمن أصر على كبيرة فقد خرج من الإيمان ودخل الكفر" (70) .
ويقول أبو مهدي أيضا بعد عرض الأدلة حول إنفاذ الوعيد للمصرين: " ومثل هذا كثير من الوعيد لأهل الكبائر الذين ماتوا على كبائرهم مصرين". (71)
وتعرض أحمد الشماخي للقضية في رده على صولة الغدامسي (72) وفي شرح العقيدة ونكتفي بذكر النص الثاني:" كل مصر كافر، وإن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر تصير الأعمال هباء فتحبط ويغضب الله على أهلها ويسخط". (73)
ويورد عمرو التلاتي موقف الإباضية كما يلي:" وقال أصحابنا رحمهم الله تعالى:" من عمل صغيرة أو كبيرة وأصل عليها واستكبر وتهاون بها ولم يتب منها حتى مات عليها أدخله الله عز وجل النار.
وان من أصر ولو على أخذ حبة بغير حق وجبت له النار ولو أمضى عمره في طاعة الله عز وجل وأنفق ماله في سبيل الله ولا يقبل منه شيء من ذلك ولو مثقال ذرة حتى يتوب، فإن تاب رجونا له أن يجدد الله له ثواب عمله السابق منه حال إصراره كما يدل لذلك نحو قوله صلى الله عليه وسلم :" من كذب وأصر فهو في النار مخلد" وقوله عز وجل في الحديث القدسي:" لا أقبل عثرة المصرين في الدنيا والآخرة" (74) .
وإن الإصرار على المعاصي لا شيء أعظم منه عند الله تعالى لما فيه من عدم مبالاة صاحبه من سخط الله واستخفافه به واستقلاله به وبارتكاب المعاصي (75) .
وتطيل كتب إباضية المشرق التحليل في هذا الشأن ونكتفي بذكر شيء مما أورده خميس الرستاقي حيث يقول:" ومن الكبائر التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإصرار على جميع المعاصي وكذلك في كتاب الله تعالى وإجماع أهل العدل وكمن الكتاب قوله تعالى:( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون) (49 الحجرات 11) وقال النبي صلى الله عليه وسلم :" هلك المصرون"... والإجماع من أهل العدل في ما دانوا به انه لا يكون الغفران من الله تعالى على الإصرار على الذنوب قلت أو كثرت صغرت أو كبرت" (76) .
هذا شيء من النصوص قديمها وحديثها يثبت إنفاذ الوعيد في المصرين وهم في الحقيقة ليسوا من الذين لا تقبل توبتهم رغم توجههم للتوبة وإنما هم قوم أعرضوا عن التوبة إعراضا تاما عن وعي وإدراك، فهؤلاء لا يمكن بحال أن تهدي لهم التوبة رغم إعراضهم عنها، وقد اتضح أن الإباضية يستدلون لذلك بالنصوص قرآنية منها قوله تعالى أثناء عرض بعض صفات المتقين الذين يكرمهم الله بجنة النعيم: ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون) (3 آل عمران135).
ويقول محمد اطفيش (77) عند شرح هذه الآية:" يعلمون أني أعاقب على الإصرار والإصرار على الذنب كبيرة في حق من علمه ذنبا ومن لم يعلمه لكنه في حق من علم أقبح وأكبر فقد يعذر الجاهل في أمر ولا يعذر العالم" (78) .
ثم يقول بعد قليل:" وذكر الأجر للعالمين ولم يبق للمصرين إلا العقاب لحديث:" هلك المصرون" وغيره من الأحاديث والآيات الدالة على عقابه الملحقة الفاسق بالمشرك" (79) .
وقد جاءت آيات أخر في ذم المصرين إلا أنها جاءت متعلقة بالكفار وببعض صفاتهم وهي قوله تعالى في قوم نوح: ( واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) (45 الجاثية 8) وقوله تعالى في ذم أصحاب الشمال: (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) (56 الواقعة 46).
ومن الأحاديث المعتمدة في هذا الشأن قوله عليه السلام: " هلك المصرون" (80) وقوله: " لا صغير مع إصرار ولا كبير يكبر مع توبة واستغفار" (81) وقوله: " لا توبة مع إصرار" (82) وقولـه: ... والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه" (83) وقوله: " من كذب وأصر فهو في النار مخلد" (84) .
من خلال ما ذكر يتضح أن الإصرار من الكبائر ولعله من أكبرها الآن المصر على المعصية لا سبيل له إلى النجاة ولذلك ألحت المصادر الإباضية على أن المصر حتى على الصغيرة يعتبر كافرا كفر نعمة حكمة أن ينفذ فيه الوعيد فيخلد في النار كما على جماعة المسلمين أن يبرءوا منه إن ثبت لديهم إصراره وعناده، وقد استدلوا على ذلك بالقرآن وبأحاديث منها ما ذكره غيرهم ومنها ما لم يذكره غيرهم (85) .
=============================
(61) ر.خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/239
(62) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 116 وجه . ر. عبد العزيز الثميني: النور: 297 ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2/109
(63) انظر : 579
(64) ر. أبو داود: وتر 26. الترمذي: دعوات 106 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 3/293 ر. ابن منظور: لسان العرب.
(65) ر. أحمد بن حنبل : 2/165. 219.ر. ونسنك : المعجم المفهرس 3/298 .ر. ابن منظور: لسان العرب.
(66) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: النونية : 6 بيت 86
(67) عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 52
(68) نفس المصدر : 216 .ر امحمد اطفيش: شرح النيل ( موسوعة فقهية) ط 2 دار الفتح بيروت 1392- 1972 ، 17/ 404
(69) أبو عبدالله الصدغياني: رسالة لأهل وارجلان : 3- 4
(70) المصدر السابق: 2
(71) أبو مهدي : الرد على البهلولي : 140
(72) أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:39- 40
(73) أحمد الشماخي: شرح العقيدة: 51
(74) وجاء عند ونسنك ما يشبهه " ويل للمصرين الذي يصرون على ما فعلوا" أحمد 2/165... ونسنك: 3/298 انظر ما يلي: 580و 588
(75) ر. عمرو التلاتي : شرح النونية ورقة 15 قفا. عبد العزيز الثميني : النور: 297
(76) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/ 219 ر. كذلك 2/ 252- 253 ر. عبدالله السالمي: المشارق: 376- 378
(77) لقد اكتفى يوسف المصعبي بذكر قول الزمخشري وهو :" وفي هذه الآيات بيان قاطع أن الذين آمنوا على ثلاث طبقات متقون وتائبون ومصرون، وأن الجنة للمتقين والتائبين منهم، دون المصرين، ومن خالف في ذلك فقد كابر عقله وعاند ربه." الزمخشري: الكشاف 1/465، وهذا القول معبر عن رأي الإباضية .ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 139 وجه
(78) امحمد اطفيش: هيميان الزاد إلى دار المعاد ط2 ،4/283
(79) نفس المصدر السابق 285
(80) انظر ما سبق: 530
(81) وجاء برواية أخرى :" لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الاصرار " أخرجه اسحاق عن عائشة ورواه الطبراني عن أبي هريرة . ورواه الثعلبي أيضا عنه. ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/212. التعليق السابق ص 210 ، تعليق 1 للمحقق.
(82) رواه القرطبي ولم أجد له سندا .ر. نفس المصدر السابق ص 210 ، تعليق 1 للمحقق.
(83) امحمد اطفيش:جامع الشمل: 239
والملاحظ أن هذه الأحاديث المذكورة لم ترد عند ونسنك في المعجم المفهرس . انظر ما سبق 577
(84) امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط 2: 55
(85) والملاحظ أن كلا من القرطبي ومحمد عبده جواد مغنية يقتربون كثيرا من موقف الإباضية في هذه القضية .ر. القرطبي: أحكام القرآن 4/215 ر. محمد عبده: تفسير المنار: 4/136، محمد جواد مغنية : التفسير الكاشف. دار العلم للملايين بيروت ط 2 1981: /158- 159
________________________________________
الإحباط
لغة:" حبط حبطا وحبوطا: عمل عملا ثم أفسده والله أحبطه. وفي التنزيل: ( فأحبط أعمالهم) (47 محمد 9و18). الأزهري: إذا عمل الرجل عملا ثم أفسده قيل حبط عمله وأحبط صاحبه، وأحبط الله أعمال من يشرك به. وفي الحديث :" أحبط الله عمله" أي أبطله (86) .
قال الأزهري: ولا أرى حبط العمل وبطلانه مأخوذا إلا من حبط البطن لأن صاحب البطن يهلك وكذلك عمل المنافق يحبط غير أنهم سكنوا الباء من قولهم حبط عمله يحبط حبطا، وحركوها من حبط بطنه يحبط حبطا ، كذلك ثبت لنا عن ابن السكيت وغيره. ويقال حبط دم القتيل يحبط حبطا إذ هدر. وحبطت البئر حبطا إذا ذهب ماؤها. وقال أبو عمرو الإحباط أن تذهب ماء الركية فلا يعود كما كان" (87) .
ولقد أثار المعتزلة قضية الإحباط من وقت مبكر وهذا تعريفهم له:" وجملة القول في ذلك هو أنا قد ذكرنا أن المكلف إما أن تخلص طاعاته أو معاصيه أو يجمع بينهما ويخلطه، فإذا أجمع بينهما فلا سبيل إلى التساوي على ما تقدم، فليس إلا أن يكون أحدهما أكثر من الآخر، والآخر أقل منه، فيسقط الأقل بالأكثر وهذا هو الذي نعنيه بالإحباط والتكفير" (88) .
ويختلف أبو علي وأبو هاشم في الموازنة بين الطاعات والمعاصي فيرى أبو علي أن المعصية تحبط الطاعة تماما، بينما يرى أبو هاشم أن فعل الطاعات يخفف على المعاصي من العذاب ، وينتصر الجبائي لأبي هاشم ومن ردوده، على أبي علي قوله:" أما ما ذكره (أبو علي) أولا، وهو أن الفاسق لإقدامه على المعاصي وارتكاب الكبائر أخرج نفسه من أن يستحق الثواب فلا يصح ، لن الفاسق أتى بالطاعة على الوجه الذي كلف وامر به، وعلى حد(كذا) لو تفرد عن الكبيرة لكان يستحق عليها الثواب وارتكابه الكبيرة بعد ذلك لا يخرجه من أن يكون مستحقا للثواب ففسد ما ظنه" (89) .
أما المرجئة فتركوا الباب مفتوحا ورجوا لمن يخلط بين الطاعات والمعاصي الغفران وخلود الجنان. ويقول أبو يعقوب الوارجلاني " وهنا (بالنسبة الى المصر على ارتكاب الكبائر) اختلفنا مع المرجئة، فرجوا لـه الجنة مع مناصبته الله تعالى بالفجور" (90) .
والملاحظ أن المصادر الإباضية لم تطل الكلام عن قضية الإحباط إذ يقع التعرض عليها غالبا عرضا عند الحديث عن توبة المرتد ولعل مرجع ذلك إلى ورود المسألة في آية البقرة في شأن المرتد. قال تعالى: ( ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (2 البقرة 217).
والملاحظ أن صيغة ح.ب.ط وردت في القرآن الكريم ست عشرة مرة جلها متعلقة بالمشركين والمنافقين (91) نذكر منها قوله تعالى: ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون) ( 9 التوبة 17). (92)
والبقية لها صلة بالكبائر يستشهد منها عادة بقوله تعالى في سوء الأدب مع الرسول عليه السلام: ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) (49 الحجرات2).
والأساس حينئذ ألا خلاف بين الأمة في إحباط أعمال المشركين والمنافقين وغنما الخلاف في ما يتعلق بالمرتدين وبصالح أعمال مرتكبي الكبائر فما هو موقف الإباضية من ذلك؟
الإحباط والتائبون من الردة:
قال عثمان بن خليفة السوفي:" وندين باستتابة المرتد وقتله إن أبي...وفي المرتد سنتان، سنة عمر وسنة معاذ" (93) وبين أن عمر أمر أن يستتاب ثلاثا ثم يقتل إن امتنع بينما أمر معاذ بأن يقتل مباشرة (94) .
ويورد المحشي مختلف الأقوال في المرتد مع إبراز موقف الإباضية فيقول:" وأما المرتد فالحاصل أن فيه ثلاثة أقوال إذا رجع إلى الإسلام :
أ- منهم من يقول لا يبطل عمله ولا ثوابه حتى يموت على ذلك، وهو مذهب الشافعي واستدل بظاهر قوله تعالى: ( ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر) (2 البقرة 217).
ب- ومنهم من يقول: بطل ثواب عمله ولا يطالب بالإعادة إلا في الحج، وهو مذهب مالك.
جـ ومنهم من يقول بطل عمله وثوابه ويطالب بالإعادة وهو الراجح عند أصحابنا على ما يفهم من كلام السؤالات (95) حيث صدر به والله أعلم لقوله تعالى: ( لئن أشركت ليحبطن عملك) (39 الزمر 56).
وأما الآية التي استدل بها الشافعي فأجيب عنها بأنه سبحانه وتعالى رتب الردة والموت على الكفر شيئين الإحباط والخلود في النار فالأول مرتب على الردة والثاني على الموت عليها، فلا دليل في الآية على ما ذكره الشافعي.
فإن تاب أعاد ما مضى على التفصيل السابق في السؤالات فيمن ارتد زلة فكيف بمن ارتد متعمدا. نعم ظاهر الأثر المحكمي عن بعض أصحابنا المشارقة في كيفية توبة المرتد يدل على أنه كالشرك الأصلي فيكون قولا رابعا في المرتد. ولعل الرخصة التي ذكرها في السؤالات تشير إلى هذا، لكن ذكرها فيمن ارتد زلة" (96) .
وقد توسع كل من محمد اطفيش وعبدالله السالمي (97) في القضية وأقاما عدة مقارنات لا تخرج عما ذكره المحشي عدا في بعض الجزئيات.
تلك هي مواقف عدد من العلماء في شأن الإحباط والمرتد ويعجبنا منها تنبيه مغنية على ضرورة إعادة ما فاته أثناء الارتداد وبالنسبة إلى البقية ففي خلاف العلماء رحمة للأمة ولكل دليله، ومن رأى الإحباط والإعادة اختار ما هو اكثر احترازا وهذا شأن الإباضية في جل اختياراتهم.
صاحبة بدعة يدعو إلى بدعته:
إن مصادر المرحلة المقررة لم تقف عند هذه القضية (98) في ما وقع بين أيدينا ولعل ذلك يرجع إلى أن أبا يعقوب الوارجلاني قد حللها تحليلا موسعا.
ومنطلق ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته" (99) .
وقد ميز أبو يعقوب بين المجتهد المتأول الذي لا يقطع عذر الآخرين وبين المبتدع الذي يقطع عذر الآخرين ويحول قوله إلى العمل، واستشهد بموقف أئمة الإباضية من نافع بن الأزرق كيف أنهم ألحقوه بالمبتدعين لأنه حمل السيف لحمل الناس على رأيه.
كما بين الرسول عليه السلام قطع في ثلاث فرق القدرية والمرجئة والمارقة.
ثم صنف المبتدعين إلى ستة أصناف وقد تفاوت حكمه عليها (100) .
وأشار إشارة مهمة تبين يأس هؤلاء من رحمة الله فيقول:" وسعة رحمة الله كثيرة ولا مطمع فيها لصنفين: مصر على معصية الله عازم أن يلقى الله عز وجل بها يوم القيامة ومبتدع في دين الله عز وجل منعكس متنكس عن الله عز وجل" (101) .
فمن خلال ما جاء عند الوارجلاني نتبين احتراز الإباضية في شأن المبتدع فهم لا يخرجونه عن الملة إلا إذا ثبت لديهم تحريفه للنصوص وحمل الناس على ذلك (102) .
كما انهم يشترطون في توبته أن يخبر من كان يدعوهم بضلالته فإن تابوا مثله فتلك بغيته وإن واصلوا غيهم فهو معذور (103) .
والمهم حينئذ أننا رأينا أن الإباضية قاسوا من نسبتهم إلى البدعة (104) لذلك كان موقفهم من المبتدعين من الاحتراز بمكان.
ذلك هو موقف الإباضية من المبتدع الداعي الى بدعته فماذا عن مرتكب الكبيرة؟
================================
(86) لم يرد هذا الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس
(87) لسان العرب مادة حبط
(88) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 625
(89) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 630
ويلخص الرازي موقف المعتزلة كما يلي: فقال المثبتون للإحباط والتفكير: المراد أن عقاب الردة الحادثة يزيل ثواب الإيمان السابق إما بشرط الموازنة على ما هو مذهب أبي هاشم، وجمهور المتأخرين من المعتزلة ، أولا بشرط على ما هو مذهب أبي علي: الفخر الرازي التفسير الكبير : 6/38
(90) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: 109
(91) ما يعبر عنه الإباضية نفاق العصر أي المخرج من الملة ، أنظر ما سبق : 514
(92) ر. 6 الأنعام 81، التوبة 69. 18 الكهف 105. 39 الزمر 65. 33 الأحزاب 19. 47 محمد 9 و 28و 32. 3آل عمران 22. 5 المائدة 53 ( عن النفاق)
(93) عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات:258
(94) ر. نفس المصدر والصفحة .ر. عن موقف معاذ القرطبي: أحكام القرآن: 3/47
(95) واختلفوا في من ارتد زلة عن دينه ثم رجع سريعا إلى دينه، قال يغسل ثيابه وجسده ويعيد ما مضى من صلاته وصيامه وقال بعض لا يعيد إلا الحج . عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات: 26
(96) المحشي: حاشية الترتيب: 1/94. حاشية على كتاب قواعد الإسلام :62
(97) ر. امحمد اطفيش:شرح النيل ط 2: 14/786، هيميان الزاد إلى دار المعاد ط 2 4/ 186- 187. تيسير التفسير ط 12/329، ر. عبدالله السالمي: شرح الجامع الصحيح: 1/102- 103.
ملاحظة: ويتعرض كل من الزمخشري في الكشاف(1/357) والرازي في التفسير الكبير (6/38) والقرطبي في أحكام القرآن (3/46- 49) ومحمد عبده في تفسير المنار( 2/318)، ومحمد جواد مغنية في التفسير الكاشف( 1/326) في تفسيرهم للآية 217 من سورة البقرة ، ولا يبعد حديثهم عن قول من ذكرنا من علماء الإباضية ، مع ملاحظة أن محمد عبده ألح على جانب الإحباط.
(98) ر. المحشي: حاشية الترتيب 8/65- 68. وقد حلل البدعة من وجه آخر حيث بين مفهومها اللغوي ثم ميز بين البدعة السيئة والبدعة الحسنة.
(99) امحمد اطفيش:جامع الشمل: 237. وقد ذكر أنه رواه ابن ماجة وابن أبي عاصم عن ابن عباس.ر. أبن ماجة : مقدمة7 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 1/152
(100) ر. أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط 2، 34/112و 115- 116
(101) أبو يعقوب الوارجلاني: نفس المصدر ط 1: 2/57
(102) وقد بين ابن تيمية أن العلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه قولان كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم.ر. الفتاوي الكبرى: 7/618- 619 كما يشير الغزالي إلى ثقل وزر المبتدع لأنه يضل كثيرا من عباده ر. كتاب الأربعين : 149.
(103) ر. عبدالله السالمي: جوهر النظام: 266
(104) انظر ما سبق: 57 وما يليها .
________________________________________
الإحباط ومرتكب الكبيرة:
إذا لاحظنا الخلاف بالنسبة إلى المرتد فمن باب أولى أن يكون الخلاف أشد بالنسبة إلى أصحاب الكبائر فماذا عن موقف الإباضية؟
يقول ابن جعفر (ق3/9):" والمسيء من عباد الله من ختم عمره بالإصرار ولو على مثقال ذرة فالمسيء يوم القيامة لا يقبل الله منه حسنة ولا ثواب لـه عليها يوم القيامة، إذ كان في حكم الله أن حسنات المصر محبوطة" (105) .
كما يقول أيضا:" وكذلك السيئات هي لأهلها وغنما أهل السيئات فهم كل من مات مصرا، غير تائب منيب وقد قال الله تعالى: ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) (4 النساء123) يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم (ولا أماني أهل الكتاب) يعني الذين أتوا الكتاب من قبلهم الآيات_و_الأحاديث (من يعمل سوء يجز به)(4 النساء123) يعني من يعمل سوء ممن يموت مصرا عليه يجز به. ( ولا يجد له وليا ولا نصيرا) (4 النساء123).
وقال : ( إن الله لا يظلم ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) (4 النساء40) فإنما يضاعف مثقال ذرة من الحسنات لمن لقبه تائبا لا لمن لقبه مصرا على معصيته، (وما ربك بظلام للعبيد) (41 فصلت46) كان في عدله أن المصر حسناته محبوطة وسيئاته غير مغفورة وإذ كان في عدله بتعطفه وفضله أن سيئات التائب مغفورة وحسناته مقبولة مشكورة" (106) .
ويسلك احمد الشماخي نفس المسلك فيقول:" كل مصر كافر، وإن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر تصير الأعمال هباء (107) ، وتحبط ويغضب الله على أهلها ويسخط. ثم يستدل بقوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (2 البقرة264). وقوله (اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)( 47 محمد28) وقوله: ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا لـه بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وانتم لا تشعرون) (49 الحجرات2) وقول عائشة : " بلغوا زيدا أنه قد أبطل حجه وغزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب" وقوله عليه السلام: " الرياء يحبط العمل" (108) وعنه: " من كذب وأصر في النار مخلد" (109) .
ويطالب صولة الغدامسي بالنص المثبت للإحباط فيجيبه الشماخي كما يلي:" أقول: الأمر كما ذكرت والنص قوله صلى الله عليه وسلم : " هلك المصرون" 110) .
وفي الإيضاح في كتاب البيوع ما يدل على هذا حيث قال في فصل بيوع الذرائع:" وحجة من أبطلها ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت لسرية زيد بن أرقم: (111) أبلغني زيدا انه قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك أن زيدا ابتاع جارية من سريته بثمانمائة درهم إلى خروج العطايا فاشترتها منه السرية نقدا بستمائة درهم والله أعلم... فظاهر هذا يقتضي أن إبطال العمل مشروط بعدم التوبة" (112) .
ويعيد محمد اطفيش نفس الأدلة التي أوردها الشماخي وغيره، مثل قوله عليه السلام: " هلك المصرون" بعد أن قدم لها بقوله:" أدلة الإصرار المبطلة للعمل أدلة على أنه لا تعد الحسنات والسيئات ويعتبر الأكثر، وعلى أن الكبيرة تبطل الأعمال كقوله عليه السلام: " هلك المصرون" (113) .
ويتخذ السالمي نفس الموقف بقوله:" في الآيتين: ( لا ترفعوا أصواتكم) (49 الحجرات2) ( ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) (2 البقرة 264) أيضا دليل على إحباط العمل بالكبيرة من الذنوب لأن رفع الصوت والجهر به ليس بشرك إجمالا وكذا المن والأذى وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي: " الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك (114) " (115) .
أما صاحب المنهج فقد تعرض لقضية الإحباط وتوسع فيها ومن ذلك قوله:" وقيل إن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر يصير العمل هباء ويسخط الله على أهلها وبالتوبة من الذنوب والإقلاع عنها يتجاوز الله لأهلها وعنها.
وهذه المسألة التي بان بها أصحابنا عن مخالفيهم فقال مخالفوهم: إن كل من أقر بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وصام وصلى وحج وعمل الفرائض وفي خلاف ذلك يسرق ويزني ويكذب ويرتكب أنواع المعاصي قالوا: ( خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم) (9 التوبة102) (116) ، وغلبت حسناته سيئاته ، والسيئة واحدة والحسنة عشر أمثالها، والحسنات يذهبن السيئات فبلغ من قولهم إن الله لا يعذب أحدا من أهل المعاصي بسيئات عملها وهو مقيم عليها" (117) .
ومن ذلك: قال أصحابنا:" إن كل من عصى الله بصغير من الذنوب أو كبير وهو عالم به وأصر عليه ولو حبة مما ظلم فقد وجبت له نار جهنم خالدا فيها وبطل عنه جميع إحسانه ولم ينتفع بسالف إيمانه، ولو أذاب بدنه في عبادة الله وأتبعه، وأنفق ماله في سبيل الله وأذهبه، لم يقبل شيء من عمله حتى يقلع عن تلك الذنوب والمعاصي السالفة ويتوب منها، ثم عند التوبة يقبل الله حسناته ويشكره ويتجاوز عن سالف سيئاته ويغفرها له، لأن الله يحب التوابين ويتقبل من المتقين" (118) .
ومن ذلك بالنسبة إلى التائب من الكبائر:" وأما من تاب من الكبائر فقول يرد عليه عمله الصالح وقول إنه يعوض في مستقبل عمره، ويضاعف له في عمله إذا صدق في توبته وإن عصى الله المدة الطويلة ثم تاب محا الله عنه جميع ذنوبه ورضي عمله إذا مات على صدق الإيمان" (119) .
وهكذا إن بين الشماخي والمحشي(من المرحلة المقررة) موقف الإباضية من القول بالإحباط فإن يوسف المصعبي اكتفى بالتلميح الى ذلك دون أن يحلل (120) .
أما من استوت سيئاته فرأي جمهور الإباضية انه من أهل الأعراف إلا أن يوسف المصعبي ينقل عن عثمان السوفي بعدم إمكانية استواء الحسنات والسيئات لن من سبقت له الحسنى سيئاته مغفورة له ومن سبقت له الشقاوة والعياذ بالله أعماله محبطة فلا يتصور استواء الحسنات والسيئات (121) .
وعمدة موقف الإباضية صريح الآية: ( وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم) (7 الأعراف46) وتفسير ابن عباس الذي يقول:" الأعراف حائط بين الجنة والنار ، عليه رجال يعرفون أهل النار بسواد وجوههم وأهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم" (122) .
من خلال ما عرضنا من نصوص مدى تضارب الآراء في هذه القضية ونخلص بالنتيجة التالية، وهي أن موقف الإباضية جاء صلبا في شأن المصرين فمن مات على إصراره يخلد في النار وهم لا يطالبون التائب بإعادة ما أتى من الواجبات عند عصيانه (123) ، كما يرون مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات مع اعتقاد أن الحسنات تخفف من ثقل السيئات، لكن المدار في النهاية لا يقوم على هذه الموازنة وإنما أساسه حسن الخاتمة (124) ، وإلى جانب ذلك يقرون أن الاستواء بين الحسنات والسيئات ممكن، ومآل من استوت حسناتهم وسيئاتهم الأعراف حيث لا نعيم ولا شقاء. وفي هذا الشأن تلح المصادر الإباضية على أن يحرص المؤمن على التعديل بين الخوف والرجاء حتى لا يغلب عليه الأمل فيجنح إلى التهاون ولا يغلب عليه اليأس فيميل إلى العناد (125) .
كل هذا طبعا قبل أن يغلق باب التوبة فمتى يغلق هذا الباب؟.
=============================
(105) ابن جعفر : الجامع: 1/86. وابن جعفر(ق3- 4/9- 10) هو أبو جابر محمد جعفر الأزكوي من بلدة أزكى في داخلية عمان. من أصحاب مدرسة الرستاق.ر. تقديم كتاب الجامع: 1/10- 13.لعبد المنعم عامر.
(106) ابن جعفر : الجامع: 1/86- 87
ويقول المعتزلة بسقوط الثواب، وقد جاء عند القاضي عبد الجبار ما يلي:
"وعلم أن الثواب يسقط بوجهين :أحدهما بالندم على ما أتى به من الطاعات والثاني بمعصية هي أعظم منه". الأصول الخمسة: 643
(107) قال تعالى: ] وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا[ (25الفرقان 23)
(108) لم يرد النص بهذه الصيغة ولكن جاء بصيغة أخرى تفهم نفس المعنى وهي "اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا" معنى ذلك أنهم لا أجر لهم في الآخرة .ر. أحمد بن حنبل: 5/428 .ر. ونسنك :المعجم المفهرس 2/202. وقد جاء عند الربيع بن حبيب كما يلي:"يدعى المرائي يوم القيامة بأربعة أسماء على رؤوس الخلائق يا غادر، يا فاجر، يا خاسر بطل عملك، وخسر أجرك فخذ أجرك ممن عملت له فلا أجر لك عندي يا مرائي. "الجامع الصحيح: 4/20 عدد 986
(109) انظر ما سبق: 578و 580 وما يلي 747
(110) انظر ما سبق: 533 .ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 42
(111) زيد بن أرقم (ت68/687) صحابي شهد صفين مع عليز ومات بالكوفة ر. الزركلي: الأعلام 3/95
(112) المحشي: حاشية الترتيب 1/92 وقد نقل النص عن عامر الشماخي: كتاب الإيضاح ط 2- 3/45
(113) امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط2 ص55
(114) انظر ما سبق: 588 وجاء حديث يقترب منه ونصه" أن الرياء شرك ر. الترمذي: نذور9. ابن ماجة: فتن 16. أحمد بن حنبل 5/418.ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/203
(115) عبدالله السالمي: شرح الجامع الصحيح 1/102- 103.
(116) قيل: ألوئك قوم أساؤوا ثم تابوا إلى الله من ذنوبهم . وقيل: إن هذه نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريضة إنه الذبح ورأى أنه قد خان الله ورسوله ، فندم وتاب وربط نفسه بسارية المسجد حتى تاب الله عليه وعلى الثلاثة الذين خلفوا. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/211
(117) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/ 210
(118) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/210- 211
(119) نفس المصدر : 215.
وقفنا عند تفسير قوله تعالى:] وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلصوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله يتوب عليهم إن الله غفور رحيم[ (9التوبة 102) في عدة تفاسير.
أما ابن عباس (في المقباس)، والبيضاوي، والطاهر ابن عاشور فقد مروا على الآية دون التعرض لقضية الإحباط . واكتفى الزمخشري بإثارة نكتة بلاغية تتعلق بمفهوم الخلط بين التوبة والإثم (ر. الكشاف 2/210) أما الرازي فيعتبر أن القول بالإحباط باطل (التفسير الكبير 16/174 ،177) وكذلك محمد جواد مغنية ( ر. التفسير الكاشف 2/326- 327).
ويشبع الإيجي القضية تحليلا حيث يرد على المعتزلة والخوارج القائلين بالإحباط (ر. المواقف 2/448- 449).
وبهذا نتبين أن الأشاعرة والإمامية يتفقان في نفي إحباط الأعمال بينما يتفق الخوارج والمعتزلة في القول بالإحباط أما المرجئة فيرون أنه لا تضر مع الإيمان معصية.
(120) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 280 وجه وقفا.
(121) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 231 وجه
(122) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/216- 217 .ر. ابن عباس: تنوير المقباس في تفسير ابن عباس. دار الأنوار المحمدية للطبع والنشر القاهرة 1393/1972 ص 128
ولزيادة التوضيح ر. البيضاوي: أنوار التنزيل: 1/161، الزمخشري : الكشاف2/81، الرازي : التفسير الكبير 14/86- 89. القرطبي : أحكام القرآن 7/211.محمد عبده : تفسير المنار8/431- 433. محمد جواد مغنية : التفسير الكاشف8/331- 333. والطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير: 8/140- 143
وتورد هذه التفاسير مختلف الأقوال في أصحاب الأعراف وتصل إلى اثني عشر والراجح عند أغلبهم أنهم من استوت حسناتهم وسيئاتهم.
(123) ويقول المحشي في ذلك : " وأما مرتكب الكبيرة فالظاهر أنه لا يعيد" حاشية الترتيب: 1/93
(124) ر. البرادي: الجواهر: 225 حيث عقد فصلا للحديث عن أهوال الموت .
(125) ر. امحمد اطفيش: شرح النيل : 16/586- 604 وقد حوصل أهم ما جاء في كتب أصول الدين عند الإباضية وعند غيرهم.
________________________________________
قضية غلق باب التوبة:
إن هذه القضية غيبية لا مجال للعقل فيها وتشير النصوص الواردة في شأنها إلى أن الإغلاق يتم في الحالات التالية: عند غرغرة الموت ، عند نزول العذاب، عند طلوع الدابة التي تكلم الناس، وعند طلوع الشمس من مغربها.
- الغرغرة:
من غرغرت الروح أي ترددت في الحلق عند الموت (126) .
قال صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن يغرغر قبل الله منه" (127) .
وقد اكتفى يوسف المصعبي بإيراد الحديث المذكور دون أن يتوسع في الموضوع. (128)
وجاء في المنهج ما يلي:" والتوبة مقبولة ما لم يحضر الموت، وأفر بما قيل إن الله يقبل توبة العبد ما لم يتغرغر بالموت" (129) .
كما جاء فيه أيضا:" وقال تعالى: ( ثم يتوبون من قريب) (4 النساء17) قبل أن تحبط الحسنات بالسيئات فتحبطها ، وقيل ما دام العبد صحيحا قبل المرض والموت. وقيل ما كان قبل الموت فهو قريب وقيل ما كان قبل معانيه ملك الموت فهو قريب.
وقيل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما هبط إبليس لعنه الله قال: وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله عز وجل: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر بها" (130) .
وهذا جاء مؤازرا لقوله تعالى في سورة النساء: ( وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) (4 النساء18) ولقد فسر محمد اطفيش هذه الآية متعمدا على عدة أحاديث توحي بقبول التوبة قبيل الغرغرة مثل:" قوله عليه السلام في آخر خطبة " من تاب وقد بلغت روحه حلقه تاب الله عليه" (131) وقوله: " من تاب قبل الغرغرة قبلت توبته" (132) رواه الترمذي عن ابن عمر...ثم يقول: ويجاب بأن الغرغرة أحط من الحلق وأن الموحد تقبل عنه ما دام فيه الروح والعلم لله تعالى. ثم يعلق بقوله:" وظاهر الآية العكس".
ثم يضيف :" وعن ابن عباس لو غرغر المشرك بالإسلام لرجوت له خيرا كثيرا. وعنه صلى الله عليه وسلم : " يغفر الله لعبده ما لم يقع الحجاب" (133) قيل وما وقوع الحجاب؟ قال:" تخرج نفسه وهي مشركة" ويجاب أيضا بأن معنى الآية أن المسوف والمصر لا تتحقق توبتها، وقيل لا تقبل توبة الآيس" (134) .
والملاحظ من كلام صاحب التيسير وما جمعه من نصوص الحديث أنه إلى القبول أميل إلا أن الآية لا تحتمل ، فلذلك صرح بان ظاهر الآية العكس.
وبهذا يتضح أن الإباضية يعتبرون مثل الأشاعرة أن الغرغرة تسد باب التوبة فما هو موقفهم من التوبة عند نزول العذاب؟
- لا توبة عند نزول العذاب:
قال تعالى: ( فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين-84- فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك المبطلون) (40 غافر 85).
ولا ترى ضرورة في زيادة تحليل إذ الآية صريحة في أن هذا ناموس من نواميس الحياة لم يستثن إلا مرة واحدة مع قوم يونس عليه السلام ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم الى حين) (10 يونس98).
وقد بين يوسف المصعبي أن توبتهم كانت نصوحا وان يونس اختفى قبل أن يأذن له الله لذلك قبلت (135) .
- خروج الدابة:
قال تعالى: ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) (27 النمل82).
لقد اكتفى يوسف المصعبي بإيراد ما جاء عند البيضاوي والزمخشري في شأن هذه الدابة (136) ، وقد اختلف المفسرون في صفاتها اختلافا كثيرا (137) والأحسن الوقوف عند ظاهر النص والاعتبار والاستعداد قبل حلول مثل هذه العلامة من علامات الساعة.
- طلوع الشمس من مغربها:
لقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : " إن للتوبة بابا عرض ما بين مصراعيه ما بين المشرق والمغرب لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها" (138) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" (139) .
هذا في ما يتعلق بانقضاء فرصة التوبة بقي أن المصادر الإباضية تشير إلى أن هناك ذنوبا لا سبيل إلى التوبة منها وأخرى تغفر بدون فماذا عن هذا وذاك؟
- ما لا سبيل إلى التوبة منه:
جاء في كتاب السؤالات:" ومن أفعال المكتسب مالا يمكن التوبة منها في قول جل أصحابنا وذلك نحو : المتردي من الجبل والمهاوي التي يهلك فيها" (140) .
وهذا واضح لأن المنتحر ليس في إمكانه أن يتدارك أمره وهو بالتالي أغلق باب التوبة على نفسه بنفسه.
- ما يغفر بدون توبة:
وذلك لعفو الله بمنه وكرمه عنها على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " عن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (141) وفي حديث آخر: " إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (142) .
فدل هذان الحديثان على أن العفو والتجاوز منه تعالى إنما هو لأربعة أمور: الخطأ والنسيان والاستكراه وحديث النفس.
وبهذا تبينا الحالات التي يغلق فيها باب التوبة، وكيف أنه يستحيل على المنتحر أن يتدارك أمره، إلا أن الله رحيم بعباده حيث يتجاوز عنهم ما ارتكبوه خطأ أو نسيانا، وما بقي في مستوى الحديث النفسي وما استكرهوا عليه. ومع ذلك فإن الإنسان كثيرا ما يغفل عن أمر ربه فلا يبادر إلى التوبة بل يصر على الكبائر وهو بهذا يغلق باب التوبة على نفسه بنفسه وفي هؤلاء يتم إنفاذ الوعيد فما هي أدلة الإباضية النقلية والعقلية على هذا الإنفاذ؟
===================================
(126) ابن منظور: لسان العرب.
(127) امحمد اطفيش: جامع الشمل: 240 ويذكر أنه رواه الحاكم . وجاء عند أحمد بن حنبل 5/362 ونصه:" من تاب قبل أن يغرغر نفسه قبل الله منه" ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 4/480
(128) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة158 قفا.
(129) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/243
(130) ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 2/229. حديث قدسي لم يرد عند ونسنك لكن جاء ما يفيد معناه في حديث للرسول عليه السلام: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". ر. الترمذي : دعوات 98 أبن ماجة : زهد : 30 الموطأ: حدود 2ز أحمد بن حنبل 2/133، 153.ر. ونسنك : المعجم المفهرس 4/480
(131) غير وارد في المعجم المفهرس
(132) غير وارد في المعجم المفهرس
(133) غير وارد في المعجم المفهرس
(134) امحمد اطفيش :تيسير التفسير 2/286.
ملاحظة : لقد استفدنا من الرستاقي و امحمد اطفيش لأننا لم نجد بحثا موسعا في ما بين أيدينا من نصوص المرحلة المقررة .
ولزيادة التوضيح ر. الرازي : التفسير الكبير 10/7،محمد عبده : تفسير المنار4/449- 350.. والطاهر ابن عاشور: التحرير 4/281. والكل يلح على عدم قبول التوبة في حال الغرغرة، وفي ذلك يقول صاحب المنار: " وعلينا أن نأخذ بالأحوط والأسلم"
ويقارن البيجوري بين الأشاعرة والماتريدية فيقول:ط ولا فرق في عدم صحة التوبة في حال الغرغرة عند الأشاعرة بين الكافر والمؤمن العاصي وأما عند الماتريدية فلا تصح من الكافر في حال الغرغرة وتصح من المؤمن حينئذ.." جوهرة التوحيد: 197
(135) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 293وجه.
(136) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 648 قفا، وورقة 649 وجه
(137) ر. الرازي : التفسير الكبير 24/218 .ر. القرطبي : أحكام القرآن 13/234- 238 ر. محمد جواد مغنية : التفسير الكاشف 6/40
(138) ر. امحمد اطفيش : جامع الشمل: 239. الطبراني في كبيره. لم يرد عند ونسنك : المعجم المفهرس 4/12- 13
(139") ر. امحمد اطفيش : جامع الشمل: 240.ر. مسلم عن أبي هريرة : الذكر 43. ر. أحمد بن حنبل 2/275 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 1/282. وجاء نفس الأمر عند الأشاعرة ر. البيجوري: جوهرة التوحيد 197.
(140) عثمان السوفي : كتاب السؤالات: 218، وفي هذا إشارة إلى حديث الرسول عليه السلام:" من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم" انظر ما يلي: 623.
(141) ر. ابن ماجة : الطلاق 16 ر. ونسنك المعجم المفهرس 6/443.
(142) ر. البخاري: الإيمان 15. الطلاق11. الترمذي: الطلاق8. تفسير سورة البقرة 27. ابن ماجة : طلاق14. أحمد بن حنبل 2/255.ر. ونسنك :المعجم المفهرس 1/433.
________________________________________
أدلة الإباضية على إنفاذ الوعيد
أجمع المسلمون على إنفاذ الوعيد في المشركين الذين يموتون على الشرك، والنصوص قطعية في ذلك، منها قوله تعالى: ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) (5 المائدة72) وقوله تعالى ( ويوم نحشرهم ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم. وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون) (10 يونس28).
ثم اختلفوا في ما سوى الشرك من المعاصي وقد بينا موقف الإباضية من الأسماء وموقفهم من الأحكام (1) فما هي أدلتهم على موقفهم من إنفاذ الوعيد في كفار النعم؟
وكيف يحتجون على من يرى بإخلاف الوعيد نقلا وعقلا؟
الحجج النقلية من القرآن الكريم:
لقد تجاوزت الفرق الإسلامية ما تشابه من الآيات المتعلقة بالوعيد ويمكن أن نحصر المواقف في ثلاثة (2) :
1) نفاة الإنفاذ على الإطلاق، وينسب هذا الموقف إلى بعض فرق المرجئة.
2) مثبتو الوعيد على الإطلاق لمن يموت على المعصية من الكبائر وينسب هذا الموقف الى المعتزلة والصفرية والزيديةوالإباضية والماتريدية (3) .
3) القائلون بالمشيئة بمعنى إن شاء الله أنفذ، وإن لم يشأ لم ينفذ، وينسب هذا الموقف إلى الأشاعرة والشيعة الإمامية.
وقد كان مدار الجدل حول عديد من الآيات سنحاول أن نرتبها حسب أهميتها في الموضوع عسى أن نوضح مدى تفاعل آراء الإباضية مع آراء أبرز الفرق الإسلامية.
المجموعة الأولى من الآيات (4) :
- ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (5) .
- ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى) (20 طه82). (6)
- (إن الله يغفر الذنوب جميعا) (1) 39 الزمر) (7)
إن ما اطلعنا عليه من كتب أصول الدين عند الإباضية في المرحلة المقررة وما قبلها وما بعدها لم تهتم في موقفها من هذه الآيات بأسباب النزول وإنما أقامت هذا الموقف اعتمادا على الأسس التالية:
- النقل عن الرسول والصحابة والسلف.
- التأويل وعدم الاقتصار على الظاهر.
- الربط بين الخصوص والعموم.
- الاستثناء والشريطة أو ما سمي بالمشيئة.
- التحليل البلاغي.
والملاحظ أن نزعة التحليل جاءت جدلية تغلب عليها اللهجة الدفاعية، وهذا ناتج عن الاحتكاك الحضاري ببقية الفرق الإسلامية ، وتتفاوت اللهجة مرونة وحدة حسب العصور وتجدر الإشارة إلى أن هذا الموقف جاء ذاتيا لم يعول فيه أصحابه على تحليل المعتزلة وغيرهم ممن اتفقوا في القول بإنفاذ الوعيد عدا ما جاء في العصر الحديث في تفسير محمد اطفيش وليس من الغريب أن يأخذ هؤلاء العلماء عن بعضهم البعض وقد غلب على المتأخرين مسلك الإحالة على السابقين ممن توفرت نصوصهم أكثر إلا أنها كلها سكتت عن أول من ركز هذا الموقف بوضوح (8) ، وهو أبو خزر يغلا بن زلتاف(ق 4هـ/10م) وسنورد هذا النص بعد حين (9) لما له من أهميته ولننظر الآن في اعتماد المنهج النقلي.
أ- اعتماد المنهج النقلي (10) :
لقد تناقلت المصادر الإباضية نصوصا عن الإمام جابر بن زيد يرفعها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتمثل في ما يلي: روي عن جابر بن زيد رحمه الله أن رجلا قال يا أبا الشعثاء، أرأيت قول الله تعالى: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية فقاله جابر: أوأنبأك الله لمن يشاء أن يغفر؟ قال وأين أنبأني يا أبا الشعثاء، قال ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) (4 النساء31).
وذكر جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هلك المصرون" ثلاثا فقال رجل يا رسول الله فأين قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفيكم أحد يقرأ سورة طه؟ فقال أبي بن كعب أنا يا رسول الله فقال اقرأ ( وإني لغفار لم تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى)(20 طه82) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لهؤلاء وقعت المشيئة ثلاثا (11) وكان جابر يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول " من أطمع في الجنة من آيسه الله منها جمع الله بينهما في النهار" (12) .
أما الوارجلاني فينقل عن جابر في الرد على من ربط الأمر بالمشيئة كما يلي:" وقد عارضوا بالمشيئة مشيئة الباري سبحانه حيث يقول ( إن الله لا يغفر أن يشرك به) وقال جابر بن زيد: قد أخبرنا الله تعالى بمشيئته فيهم أولها التوبة قال الله عز وجل ( وإني لغفار لمن تاب) والثاني الحسنات قال تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) (11 هود114) والثالث: الاسترجاع عند المعصية قال الله تعالى ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) (2 البقرة156).
فوعد أفضل من المغفرة وما وراء هذا معاند مصر طاغ مستكبر وقالب فروته يدعو الى بدعته ولا سبيل للمشيئة في هذين لإبطال الحكمة فيهما" (13) .
هذه نصوص نقلية لا نجد لها أثر عند غير الإباضية يتناقلها الإباضية عن إمامهم جابر بن زيد مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتظافر في ما بينها فتفسر قوله تعالى ( يغفر لمن يشاء) تفسيرا واضحا لا تترك المشيئة مطلقة بل تربطها بضرورة التوبة، وعلة ذلك إقرار حكمة الله تعالى إذ ليس من الحكمة أن يسوى بين التائب والمصر (14) .
ومع ذلك لم تكتف كتب الأصول بهذا التحليل النقلي بل لجأت الى التحليل العقلي اعتمادا على مقارنة النصوص القرآنية والربط بينها حتى يتعزز موقفهم القائل بأن هذه الآية لا تنفي إنفاذ الوعيد كما يذكر ذلك غيرهم (15) .
ب- التأويل وعدم الاكتفاء بالظاهر (16) :
قال أبو خزر: ومما تحتج به المرجئة ولا نعلم لهم في كتاب الله حجة أوثق في أنفسهم منها قول الله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فقالوا إن الكبائر التي هي دون الشرك فإن الله يغفرها بلا توبة.
يقال لهم أخبرونا عن هذه الآية أتحملونها على ظاهرها أو تحتها معنى؟ فإن قالوا ليس تحتها معنى وحملوها على ظاهرها فإنما قال الله( عن الله لا يغفر أن يشرك به) فهو إذن لا يغفر الشرك لمن تاب، وإن كان تحت الآية معنى غير ظاهرها فينبغي أن يكون إنما يغفر لمن تاب من الكبائر، ويغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر لأن ذلك كله دون الشرك، ولو حمل القرآن على ظاهره لتناقض . ألا ترى أنه قال في هذا الموضع لا يغفر الشرك، فلو حمل القرآن على ظاهره لم يغفر الشرك به لمن تاب منه.
وقال في موضع آخر ( إن الله يغفر الذنوب جميعا) فدخل في الجميع الشرك وغيره من الذنوب فلو حملت الآية على ظاهرها لكان الشرك مغفورا بلا توبة، لأنه قال( يغفر الذنوب جميعا).
ومما يبين أنها في التائبين قول الله عز وجل ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم (أي الله) بذنوبكم بل انتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) (5 المائدة18) ولو حمل هذا أيضا على ظاهره لغفر لليهود والنصارى بلا توبة وكذلك المنافقين قوله ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات إن شاء أو يتوب عليهم) (33 الأحزاب73) وفي إجماعهم أنه لا يغفر لليهود والنصارى والمنافقين إلا بتوبة ما يقضي على الآية الأخرى ( لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (4 النساء116) للتائبين ويغفر الصغائر للمجتنبين للكبائر لن ما اجتمع عليه الخصمان قاض على ما اختلفوا فيه" (17) .
هذا ما جاء عن أبي خزر، أما أبو يعقوب الوارجلاني فقد عبر عن هذا المعنى كما يلي:" فإن قيل: تعلق التوبة بالآية( إن الله لا يغفر...) لم يوجد ظاهرا ولا مضمرا قلنا بل وجد ظاهرا ومضمرا. أما الظاهر فقول الله تعالى( وإني لغفار لمن تاب) وأما المضمر فلأن التوبة في إزاحة المعاصي وبطلان العقاب عن المعاصي بلا توبة ولا رجوع يدل على إباحتها وليس لمغفرة المعاصي بالمشيئة لا بالتوبة طائل،أشبه شيء بالإباحة" (18) .
ويسلك أبو عمار مسلكا قريبا من هذا التأويل إلا أن تحليله أدق مما سبق، ولم يعرج على اليهود والمنافقين وإنما اكتفى بالربط بين الصغائر والكبائر. فيقول في صدد الرد على القائلين بعدم الإنفاذ:" فإن سألوا عن قول الله عز وجل ( إن الله لا يغفر)... قيل لهم فقد قال الله أيضا (إن الله يغفر الذنوب جميعا) ولم يخص ذنبا من ذنب ولا غير شرك من شرك فيجب بهذا من قول الله أن يكون يغفر الشرك وغير الشرك والقرآن يصدق بعضه بعضا. والذي قال أهل التفسير في تأويل قول الله عز وجل ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) يقول لا يتجاوز عن شرك لقيه به عبده، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فقالوا: إن ما دون الكبائر مغفور لأهله متروك لهم إذا هم اجتنبوا الكبائر فوقع الغفران على الصغائر التي يوجب عليها العقاب وأكد ذلك بقوله ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه يكفر عنكم سيئاتكم) (4 النساء31) فدل على أنهم إن اجتنبوا الكبائر كفرت عنهم سيئاتهم التي هي دون الكبائر فإن لم يجتنبوا فلا، وقوله ( لمن يشاء) فقد شاء أن يغفر لمجتنب الكبائر ما دون الكبائر ولم يشأ أن يغفر لمرتكبها إذا هو لقي الله بها.
وقال الله عز وجل ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) (53 النجم32) يريد من ألم منهم بما دون الكبائر فقال ( إن ربك واسع المغفرة) (35 النجم32) وهو تأويل سهل قريب والحمد لله" (19) .
نلمس من هذه التأويلات أنها لم تنتهج نهج الجدل العقلي في تحميل النصوص مالا تحتمل وإنما سلكت مسلكا مقارنا حصل منه تعزيز للقول بإنفاذ الوعيد في أهل الكبائر. وواضح أنها نصوص متكاملة تأخذ من بعضها البعض لتصل إلى نفس النتيجة والمدار في كل ذلك أنه كما يخرج المشركون والمنافقون وأهل الكتاب من عموم الآية ينبغي أن يخرج أهل الكبائر المصرون وتبقى المشيئة مرتبطة بأهل الصغائر والمتأمل مليا يتبين أن هذه التخريجات ليست إلا صياغة كلامية لما نقله جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيبقى في هذا المحيط ما عبر عنه بالخصوص والعموم.
================================
(1) انظر ما سبق: 488
(2) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية : ورقة 107 وجه .ر. عبد العزيز الثميني: النور 277.ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة 6/6
(3) وذهبت الماتريدية إلى أنه يمتنع تخلف الوعيد كما يمتنع تخلف الوعد ولا يرد على ذلك أن الوعيد يتخلف في المؤمن المغفور له لأن الآيات الواردة بعموم الوعيد مخرج منها المؤمن المغفور له، من إنقاذ الوعيد ولو في واحد الآتي في قوله: وواجب تعذيب ارتكب...كبيرة..." البيجوري : شرح جوهرة التوحيد : 101- 102
(4) وقد اخترنا هذا النسق لأن هذه الآيات يستدل بها في ما بينها وكلما تعرض موقف لواحدة قل أن يسكت عن الأخريات، وحجة الجميع في ذلك أن القرآن كلام واحد مواقفه ما يلي:" لأن القرآن في حكم كلام واحد..." الكشاف: 3/403.
وقد نبه محمد جواد مغنية إلى هذا التفاعل بين الآيات بوضوح وصراحة في قوله :" وبعد أن تمهد معنا هذا نقارن بين ثلاث آيات ومن نتيجة المقارنة يتضح المراد من قوله تعالى] إن الله لا يغفر أن يشرك به[، وهي آية 53 الزمر,آية طه والثالثة هي الآية المذكورة : النساء 48و 116. التفسير الكاشف 2/343.
وما صرح به مغنية جاء ضمنيا في جميع ما اطلعنا عليه من كتب الأصول وكتب التفسير التي سنحيل عليها أثناء التحليل.
(5) قد تكررت مرتين في سورة النساء ويحسن أن نذكر ما جاء بعدها لأنه تقع الإشارة إليه أثناء التحليل . والآية ختمت بقوله تعالى] من يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما[(4 النساء48)، وقد جاءت بعدها إشارة إلى الذين يزكون أنفسهم مع تبيين أن الله يزكي من يشاء.
وما الآية 116 فقد جاءت بعد توعد الذين يشاقون الرسول وختمت بقوله تعالى: ] ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا[(4 النساء116).
(6) وقد جاءت آية كاملة في سياق تحذير بني إسرائيل من الطغيان في نعم الله تعالى والكفر بها.
(7) هذه الجملة جزء من الآية التالية:] قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم[. وقد جاءت مبشرة في سياق أساسه التحذير من مغبة السيئات لما ينجر عنها من سوء العقاب . وقد جاء بعدها أمر بالإنابة وهو قوله تعالى: ] وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون[ (39 الزمر 54).
(8) هذا بناء على ما بين أيدينا من نصوص وإلا فأن دقة النص ووضوحه تدلان على أن صاحبه أخذ هو الآخر عمن سبقه مثل كتاب التوحيد الكبير لعيسى ابن علقمة المصري أو غيره.
(9) انظر ما يلي: 605
(10) وقد وردت هذه النقول عند كل من أبي يعقوب الوارجلاني وأبي مهدي والشماخي والتلاتي والثميني وابن تعاريت وقد جمعها صاحب قاموس الشريعة مع اختصار لما أضافه الوارجلاني ولذلك سنجمع بين النصين مع العلم أن ما يسند إلى جابر مروي عن الرسول e وقد أشرنا إلى ذلك باختصار في التمهيد . انظر ما سبق : 487و 530
(11) انظر : 530
(12) ر. عمرو التلاتي : شرح النونية ورقة 108 وجه، أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 158. يوسف المصعبي : حاشية على تفسير الجلالين ورقة 166 قفا و167 وجه . عبد العزيز الثميني : النور 278- 279 جميل بن خميس السعدي : قاموس الشريعة : 6/9و 10.
والحديث : من أطمع في الجنة..." لم يرد عند ونسنك
(13) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل 2/45 .ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي: 39 . نقل نص أبي يعقوب مكتفيا بذكر الآيات فاختصاره جاء وافيا ووددنا لو أحال أبي يعقوب.
(14) إن تمسك الإباضية بالحكمة فقد عولت الفرق الأخرى على الفضل والرحمة.
(15) يقول الإيجي في المواقف: 2/449 مع الشرح (الثاني الآيات الدالة عليه) أي على العفو عن الكبيرة قبل التوبة نحو قوله :] ويغفر من دون ذلك لمن يشاء[(النساء 31) فإن ما عدا الشرك داخل فيه، ولا يمكن التقييد بالتوبة لأن الكفر مغفور معها، فيلزم تساوي ما نفي عنه الغفران وما ثبت له وذلك مما لا يليق بكلام عاقل فضلا عن كلام الله (و) قوله ] إن الله يغفر الذنوب جميعا[( 39 الزمر53) فإن عام للكل فلا يخرج عنه إلا ما أجمع عليه (و) قوله ] وإن رك لذو مغفرة للناس على ظلمهم[ والتقرير ما ذكرناه آنفا إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة : 449
ويورد البيجوري وهو في صدد الانتصار إلى قول الأشاعرة بعدم إنقاذ الوعيد ما يلي: قال الله تعالى :] إن الله لا يغفر أن يشرك به[ وهذه الآية مقيدة لقوله تعالى :] إن الله يغفر الذنوب جميعا[. كما ينقل حديثا عن الرسول عليه السلام:" من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".
جوهرة التوحيد 101. ولم يرد عند ونسنك : المعجم المفهرس: 7/255.
(16) ر. أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين : 61- 62 ر. أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 158.ر. جميل بن خميس السعدي : قاموس الشريعة : 6/9.ر. عبدالله السالمي: المشارق: 301- 302.
(17) أبو خرز يغلا بن زلتاف: الرد على جميع المخالفين : 61- 62.
لقد استفاد أبو عمار عبد الكافي من هذا النص إلا أنه صاغه صياغة جدلية أدق ر. الموجز: 2/115. كما استغله عبدالله السالمي استغلالا ذكيا في ما قرره من ردود .ر. المشارق: 301- 302 وكذلك فعل جميل ابن خميس السعدي مع تصرف واضح في صيغة الجدل.ر. قاموس الشريعة 6/9
(18) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 158- 159 ، ينقل أبو مهدي النص عن أبي يعقوب الوارجلاني ولم نتمكن من تحديده في ما بين أيدينا من مؤلفات أبي يعقوب.
(19) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/113- 115
________________________________________
جـ ) العلاقة بين الخصوص والعموم:
يقول أبو مهدي بعد أن أورد ما نقل عن جابر بن زيد (20) :" والعموم يحمل على الخصوص عند الأصوليين والعاقل لا يستدل بالعموم حتى يعلم أنه باق على عمومه لن اكثر العمومات قد خصصت بل حكي عن بعضهم أنه قال: ما من عام إلا قد خص إلا قوله تعالى ( والله بكل شيء عليم) (2 البقرة282) والآية الكريمة (يغفر لمن يشاء) معناها إن تاب" (21) .
واضح أن أبا مهدي يعتبر قوله تعالى ( يغفر لمن يشاء) نصا عاما يخصصه قوله تعالى ( إني لغفار لمن تاب...) فيترتب على ذلك ألا غفران بدون توبة كما تقول طائفة من المرجئة وألا إرجاء للمشيئة كما يقول الأشاعرة فتفسير العام بالخاص يوجب تقييد المشيئة بالتوبة.
د- عدم تعليق الغفران بالمشيئة فحسب:
إن يوسف المصعبي يكتفي بإيراد جملة مما جاء عند أبي يعقوب الوارجلاني نقلا عن جابر بن زيد:" شاء أن يغفر للتائب لقوله تعالى ( إني لغفار لمن تاب) ثم يحيل على كتاب الدليل والبرهان (22) والحقيقة أن هذه المسألة حللها كل من أبي عمار عبد الكافي وعبدالله السالمي (23) تحليلا وافيا. وقد حرص السالمي على استيعاب كل ما سبقه من أقوال وصاغ ذلك في حلقات مترابطة متدرجة متكاملة أقامها على حوار هادي أساسه (فإن قيل أو قالوا . قلنا) هدفه الوصول الى تخصيص المشيئة بضرورة التوبة النصوح التي استوفت جميع الشروط" فمن شاء أن يغفر لـه وقفه على تلك الشروط فوفى بها، فهذه فائدة التعليق بالمشيئة" (24) .
هـ- التحليل البلاغي (25) :
ويورد يوسف المصعبي كلام الزمخشري حيث يقول:" فإن قلت: قد ثبت أن الله عز وجل يغفر الشرك لمن تاب منه، وانه لا يغفر ما دون الشرك إلا بالتوبة فما وجه قوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به) قلت: الوجه أن يكون الفعل المنفي والمثبت جميعا موجهين إلى قوله تعالى- لمن يشاء- كأنه قيل إن الله لا يغفر لمن يشاء الشرك، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب ونظيره قولك: إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء، تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ويبذل القنطار لمن يستأهله" (26) .
وقد زاد كل من محمد اطفيش (27) وسعيد بن تعاريت (28) القضية تحليلا في ما بعد.
فالإباضية حينئذ استفادوا هذا الدليل من المعتزلة وتبنوه، ومهما يكن من أمر فإن هذا التخريج البلاغي ليس من التعسف في شيء كما ذهب إلى ذلك السيد علي بن محمد الجرجاني في حاشيته على الكشاف حيث يختم انتقاده بقوله:" وما هذا إلا من جعل القرآن تبعا للرأي نعوذ بالله من ذلك" (29) ما دامت اللغة العربية تتحمل ذلك، والزمخشري لا يشق له غبار في هذا الباب وهو من أئمة اللغة قبل كل شيء.
والملاحظ أن هذه الجملة تكررت بنفس الصيغة وفي نفس السورة ليس بينهما إلا ثماني وستين آية، وقد اعتبر يوسف المصعبي مثل الزمخشري أن ذلك من باب التأكيد (30) .
ذلك هو موقف الإباضية من هذه الآيات وقد جمعوا فيها بين الاعتماد على النقل وعلى التأويل والربط بين الخصوص والعموم، والتحليل البلاغي ليصلوا إلى أن المشيئة مرتبطة ارتباطا جوهريا بالتوبة وهكذا يخرج المصرون من هذه المشيئة وهم في هذا يتفقون والمعتزلة بينما يختلفون عن الأشاعرة الذين يتركون المشيئة مطلقة فتشمل المصرين أيضا وقد نبه إلى ذلك يوسف المصعبي (31) بوضوح.
المجموعات الأخرى من الآيات:
وإذا كان مثار الجدل شديدا مع الآيات السابقة فإن آيات أخرى لا تخلو من مثل ذلك الجدل ، ولذلك رأينا أن ننظر في بعض الجموعات الأخرى مع العلم أننا لا يمكن أن نستوفيها عن آخرها وإنما ننتخب ما جاء أكثر تعبيرا عن مسلك الإباضية في الدفاع عن موقفهم وكذلك مسلك الفرق الأخرى في توظيف هذه الآيات في الخط المغاير ومنها:
1) آيات مفادها ألا تبديل لكلمات الله
وما دام عنوان القضية إنفاذ الوعيد أو خلف الوعيد فللقائلين بالإنفاذ أن يحتجوا بمثل هذه الآيات على عدم جواز الخلف وللآخرين أن يردوا معتبرين الخلف من باب التفضل والرحمة والله ( لا يسأل عما يفعل) (21 الأنبياء23) ومن هذه الآيات ما يلي
- ( ما يبدل القول لدي) . (32)
- ( إن الله لا يخلف الميعاد) . (33)
- ( فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم) .
- (فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا قالوا نعم) (34) 34).
- ( لا تبديل لكلمات الله) (35) 35).
يقول أبو عمار بعد الاستشهاد بهذه الآيات: " وذلك أن الله عز وجل وعد قوما وتوعد آخرين، فجعل وعده بالجنة لأوليائه المؤمنين وجعل وعيده النار لأعدائه الكافرين، ولن يجوز أن يكون وعده أو وعيده مبدلا ولا محولا ولا مستثنى فيه، ولا مرجوعا عنه إذ لا يجوز أن تكون أخباره جل جلاله متكاذبة ولا متناقضة" (36) .
ويعتبر عمرو التلاتي كذلك أن في عدم التعذيب تبديل القول وهو نقص في حقه تعالى لا يجوز عليه (37) .
وجاءت الآيات في قاموس الشريعة في سياق الرد على من يعتبر أن إخلاف الوعيد أمر ممدوح مع تبيين أن الممدوح بحق هو من لا يخلف وعده ووعيده (38) .
أما محمد اطفيش فبين أن (ما يبدل القول لدي) تحمل عدة تأويلات كلها توعد، وذلك منن بينها " مطلق الوعد والوعيد" (39) وجاء موقفه صريحا من قوله تعالى ( لا تبديل لكلمات الله) أي لا تبديل لا لوعده ولا لوعيده ولا لشيء مما قضى وهذا لعمومه (40) .
واضح أن هذه الآيات فعل بها مثل اخوتها السابقة وكل وجهها وجهته واستدل بها على الطرف المقابل والمهم أن الإباضية لا سبيل لهم من أن يسلموا من هذا المسلك ما دام النص من المتشابه ويتحمل التأويل ولا لوم عليهم في ذلك لأنهم يقرون بالتأويل من بداية الشوط كما رأينا (41) .
=============================
(20) انظر ما سبق: 603
(21) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 158
ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 166 قفا و 167 وجه.
(22) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 167 وجه.
(23) لقد حرر هذه القضية كل من أبي عمار في الموجز 2/115 والسالمي في المشارق 301- 302 ونختار نص السالمي لأنه جاء أكثر شمولا ولا شك أنه استفاد من كلام أبي عمار الذي جاء واضحا دقيقا إلا أنه مختصر.
(24) ر. عبد الله السالمي: المشارق:302
(25) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 167 وجه. الزمخشري: الكشاف 1/ 532
(26) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 167 وجه. الزمخشري: الكشاف 1/ 532
(27) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط2: 2/336
(28) ر. سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود: 127- 128
(29) السيد علي الجرجاني: حاشية على الكشاف:1/533
ولو تأمل الجرجاني نفسه في ما قاله لوجد هو أيضا أنه حمل النص على رأيه وهذا اتهام قل من يسلم منه من أهل التفسير والتأويل.
ورأينا أنه لا حرج في ذلك ما دام النص يحتمل، وتلك قيمة المتشابهات في القرآن الكريم. انظر ما سبق: 271 وما يليها
(30) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 177قفا
ملاحظة: لقد نبه صاحب المنار إلى أن المفسرين ذهبوا إلى أن التكرار من باب التأكيد والأولى أن يعلل تعليلا نفسيا ، ومحوره أن القصد من الإعادة إثارة النفوس حسب متطلبات السياق لأن القرآن كتاب هداية .ر. تفسير المنار: 5/418 ويطرب محمد جواد مغنية لهذا التحليل وينقل نص المنار بحذافره.ر. التفسير الكاشف: 2/440.
(31) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 166 قفا ورقة : 177قفا.
(32) لقد جاءت هذه الجملة في سياق تخاصم أهل النار ردا من الله تعالى والآية هي:] قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد(28)ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد[ (50 قَ28- 29).
(33) جاء في سياق توعد الغافلين عن العذاب] ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد[(13 الرعد 31).
(34) والسياق في حوار أهل الجنة وأهل النار والآية هي:] ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم[(7 الأعراف44)
(35) جاءت في سياق تبشير أولياء الله والآية ] لهم البشري في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم[(10 يونس 64).
(36) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/105، انظر قضية أن الوعيد خبر أو إنشاء في ما بعد: 633
(37) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 107 قفا .ر عبد العزيز الثميني: النور 278
(38) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/10
(39) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1: 6/513
(40) ر. نفس المصدر 3/76.
والملاحظ أن يوسف المصعبي لم يقف عند القضية عند شرحه لهذه الآيات إلا وقفة عابرة ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 291 وجه.
ويذهب المعتزلة نفس المذهب فيقول القاضي عبد الجبار ما يلي: " ويدل على أن الوعيد الوارد عن الله لا يتبدل ولا يتغير ، وأنه لا يجوز أن يكون فيه إضمار وشرط ، ولا أن يكون خارجا عن وجه التعمية ولا يجوز فيه الخلف لأن كل ذلك يقتضي التبديل ، وقد أبى الله تعالى ذلك في وعيده ، وبين أنه وإن فعل ما توعد به فليس بظلام للعبيد لأن لم يفعل بهم إلا ما استحقوه من العقاب على ما كان منهم من المعاصي ". القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن 2/626.
(41) انظر ما سبق 271.
________________________________________
2) آيات مفادها أن العذاب على من كذب وتولى:
- ( فأنذرتكم نارا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) (42) .
- (إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى) . (43)
- فاتقوا النار التي وقودها والحجارة أعدت للكافرين) (44) .
وقد سلك السالمي مع هذه الآيات مسلكا يتمثل في ذكر موقف من يرون القصر على صنف ، ثم يجيب: آية سورة الليل: قال فقد قصر الرب تعالى النار على من كذب وتولى والفاسق يكذب.
الجواب (45) : إن قصر إصلاء النار إنما هو على الشقي وهو اسم شامل للمشترك والفاسق وما بعد الشقي وهو وصف له، لم يتناوله القصر لكن فهم منه على سبيل الصفة وقد عرفت أن مفهوم الصفة دليل ظني اختلف في وجوب العمل به فضلا من أن يثبت به العلم الاعتقادي.
- آية سورة طه: وجوابه
" ليس في الآية قصر العذاب على المكذب المتولي وغنما فيها إخبار عنه انه معذب وخص بالذكر في الآية لاقتضاء المقام ذلك فإنه في خطاب فرعون لعنه الله فلو إن العذاب على من كذب وتولى أو فعل كبيرة مع التصديق لم يناسب المقام".
- آية سورة البقرة: " وصح استدلاله بها لنه يخص اسم الكافر بالمشرك وجوابه: لا نسلم تخصيصه به فغن الفاسق كافر كفر نعمة ولو سلمنا اختصاص اسم الكافر بالمشرك لقلنا إن جوابها كجواب التي قبلها" (46) .
ويقول صاحب قاموس الشريعة في شأن هذه الآية ما يلي:" الجواب هو إنا بينا أنه لا يجب أن يحكم بأن المتروك حاله خلاف المذكور وإذا كان كذلك لم يدل قوله تعالى ( أعدت للكافرين) أنها لم تعد لغيره وذلك يسقط التعلق" (47) .
ويمر محمد اطفيش على آية سورة البقرة دون أن يشير إلى القضية إلا انه صرح في آية سورة الليل بما يلي:" والحصر إضافي أي إنما يدخل المشرك الشقي لا الموحد المطيع فيبقى الموحد الفاسق لم يذكر فيؤخذ حكمه من الآي الأخر والأحاديث وهو دخول النار وعدم الخروج" (48) .
وإنه لمن نفل القول أن نذكر أن المسلك واحد وأساسه استغلال الآي لسياق الفكر العام لدى كل جماعة والمتشابه يحتمل كل هذه الوجوه.
كما نلاحظ أن حجج الإباضية هي نفس حجج المعتزلة وما دام الموقف واحدا فلا حرج في ذلك، يبقى أن السالمي جعل كل هذه النصوص في سياق واحد مما جعل الموقف أكثر وضوحا، ولا يجب أن نغفل عن حقيقة أساسية وهي الاختلاف في الأسماء فمدلول كلمتي " كافر" و" فاسق" يختلف كما رأينا (49) من فرقة إلى أخرى.
وقبل أن نختم القول مع هذا المسلك من الاحتجاج القرآني يحسن أن نذكر مجموعة أخرى من الآيات مفادها إنفاذ الوعيد في عصاة أهل الصلاة.
3) مرتكب الكبيرة وآيات الوعيد (50) :
- ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (51) .
- ( ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا) . (52)
- ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا أليما) . (53)
هذه ثلاثة كبائر تجمع الفرق على أنها كبائر وهي أكل أموال اليتامى والناس بالباطل وقتل المؤمن عمدا.
هذه ثلاثة كبائر تجمع الفرق على أنها كبائر وهي أكل أموال اليتامى والناس بالباطل وقتل المؤمن عمدا.
ويقول أبو عمار في شأن هذه الآيات وآيات أخرى (54) : " وهذا كله في كتاب الله عز وجل وعيد لهل الكبائر من أهل الملة على كبائرهم، أو يقول قائل إنه وعيد للمشركين على هذه الكبائر، وليس بوعيد لأهل الكبائر من أهل التوحيد؟ ويقال عند ذلك فكذلك النهي عن هذه الكبائر إنما هو نهي للمشركين، وليس هو لأهل الكبائر من أهل التوحيد لما كان هذا الوعيد جاء مقرونا بالنهي ولا يجد في ذلك فرقا أبدا مع ما في قوله بذلك من الفساد الذي لا يتوهم غايته ولا تكيف نهايته إذا كان الوعيد للمشركين أن يكون الله غنما حض المشركين على ألا يولوا أدبارهم للمسلمين ويتوعدهم على أن يفعلوا ذلك فيقول: ومن يولي دبره من المشركين للمؤمنين فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير...وهذا من الهذيان الذي لا يتكلم به المجنون المغلوبون على عقولهم أو من هو في مثل حالهم" (55) .
وينقل يوسف المصعبي ما جاء عند الزمخشري ومفاده أن الآية من الأدلة القطعية على إنفاذ الوعيد في أهل الصلاة ويختم السياق بتعجب ممن يرون خلف الوعيد كما يلي:" والعجب من قوم يقرأون هذه الآية ويرون ما فيها... ثم لا تدعهم أشعبيتهم وطماعيتهم الفارغة واتباعهم هواهم وما يخيل إليهم مناهم، أن يطعموا في العفو عن قاتل المؤمن بغير توبة..." (56)
ويذكر عمرو التلاتي بعد إيراد مثل هذه النصوص أن " القول بحمل تلك النصوص على خلاف ظاهرها غير معول عليه" (57) .
وكذلك يبين السالمي أن الوعيد يشمل مرتكبي الكبائر وهم كفار نعمة حسب المصطلح الإباضي (58) .
ويتبنى جميل السعدي موقف أبي عمار في التحدي والتهكم إلى أن يقول:" ولعمري إن من زعم أن الوعيد في أهل الشرك خصوصا لقد أباح الدماء والحرام وأسقط الحساب صراحا لأن المحارم إنما تتقي من اجل العقاب فمن أبطل الوعيد فقط أباحها" (59) .
ولم يشر محمد اطفيش إلى هذه القضية الكلامية عند تفسيره لهذه الآيات (60) .
واضح من خلال هذا التحليل أن حجج الإباضية والمعتزلة أقرب إلى الظاهر في هذه الآيات وان الرازي اضطر في ردوده إلى أن يستعمل حجج المعتزلة في تفسيق المؤمن للرد عليهم فحمل الآية أكثر مما تتحمل.
والحق- حسب ما رأينا- وغن كانت المجموعتان السابقتان تحتملان مختلف وجوه التأويل لأن ظاهرها واضح فهي تستهل بنداء المؤمنين ثم تذكر المعصية وما ينتظرها من عذاب مبين، وغاية القائلين بعدم إنفاذ الوعيد أن يرجعوا إلى القول بالعذاب المؤقت فالخروج من النار من طريق الفضل أو الشفاعة وهو مالا يقول به الإباضية.
وبعد الاستدلال بالقرآن الكريم يأتي الاستدلال بالحديث الشريف؟.
الحجج النقلية من الحديث الشريف:
إن المتمتع لما عرضه الإباضية وغيرهم من الأدلة النقلية يلمس بوضوح وفرة النصوص القرآنية وندرة الاحتجاج بنصوص الحديث وذلك أن جل الأحاديث المتعلقة بالموضوع لم تبلغ درجة التواتر لكنه يلجا إليها من حين لآخر لمؤازرة النص القرآني وتقويته.
وقدن أوردنا بعضا من الأحاديث التي تتوعد مرتكبي الكبائر بالنار ونضيف إليها قول صلى الله عليه وسلم : " القليل من أموال الناس يورث النار" (61) .
يذكر السالمي أن الحديث بهذا النص تفرد به الربيع وقد جاء معناه في عدة أحاديث ( منها ما رواه البخاري في باب إثم من ظلم شيئا من الأرض) عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أخذ من الأرض ومصداقه في حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين" ورواه أحمد أيضا ومصداقه في قوله تعالى: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (4 النساء10). عن أبي برزة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارا، فقيل يا رسول الله من هم؟ قال: ألم تر أن الله يقول:( إن الذين يأكلون)".. . (62) .
والمهم تعليق السالمي بعد شرح الحديث بقوله:" وأحاديث الباب (63) قاطعة بتعذيب الظالم إذا مات على ظلمه فهي حجة على المرجئة مع اعترافهم بصحتها" (64) .
كما يمكن أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من كذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" (65) .
ولم يلح المحشي كثيرا على قضية الوعيد إلا انه نقل ما يدل على التمييز بين من كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ومن كذب على غيره ومن ذلك: قال الطيبي: والمعاصي توعد عليها بالنار...
الجواب الثاني:... ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه وكذب على غيره أن يكون مقرهما واحدا أو طول إقامتهما سواء ، فدل قوله صلى الله عليه وسلم (فليتبوأ) على طول الإقامة بل ظاهره انه لا يخرج منها لأنه لم يجعل له منزلا غيره.
ويعلق المحشي :" أقول هذا هو الحق، وما ذكره (أي الطيبي وهو ليس من الإباضية) من خروج العصاة باطل" (66) .
ويعلق السالمي على هذا الحديث المذكور بما يشبه ما علق به على الحديث السابق وبصيغة أعم، " والحديث يدل على القطع بتعذيب أهل الكبائر وتخليدهم في النار، وهو حجة على من خالفنا في ذلك والله أعلم". (67)
وانظر إلى الوعيد القطعي الذي يصبه الرسول صلى الله عليه وسلم على من يدعي انه من أهل الجنة: " من قال أنا من أهل الجنة فهو من أهل النار" .
ويعلل السالمي هذا الحكم بأنه حكم بالغيب وادعاء ما ليس لـه وذلك كبيرة توجب دخول النار ويختم بما يلي:" وفي الحديث وجوب الخوف والرجاء لأن القطع بأحد الطرفين من غير وحي كفر" (68) .
ويستشهد محمد اطفيش عند تفسيره لقوله تعالى: ( ولا تقتلوا أنفسكم) (4 النساء29) بحديثي الرسول صلى الله عليه وسلم .
- من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا (69) . ومن قتل نفسه بحديدة فهو يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا (70) .
ولم يعلق عليهما إلا أن مواطن الاستشهاد في تقرير إنفاذ الوعيد إذ الآية تختم بقوله تعالى ( ومن يفعل ذلك عدونا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (71) .
ويورد المحشي في حاشية الترتيب ما يلي:" قال الربيع بن حبيب قال جابر بن زيد يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل الجنة مخنث ولا ديوث ولا فحلة النساء ولا الركاضة.
قيل وما الركاضة يا رسول الله؟ قال التي لا تغار" (72) .
قوله : "لا يدخل الجنة مخنث...." وجه الدليل منه أن من لم يدخل الجنة كان من أهل النار ومن كان من أهل النار فهو كافر لقوله تعالى: ( النار وعدها الله الذين كفروا) (22 الحج72) فعلم منه انه لا يدخل النار إلا كافر ولذلك قال الشيخ أبو نصر: (طويل)
وروي في الجامع الصغير من كتب قومنا في هذا عدة أحاديث منها " لا يدخل الجنة إلا رحيم" (73) ومنها " لا يدخل الجنة قاطع رحم" (74) ومنها " لا يدخل الجنة خب" (75) " ولا بخيل ولا منان.. . (76)
وتأولها الشارح على قاعدة مذهبهم الفاسد من انه محمول على المستحل ليكون شركا لن الكفر عندهم هو الشرك أو لا يدخل الجنة مع السابقين إليها أو لا يدخلها حتى يعاقب إلا أن يغفر اله له ولولا التأويل لأشركوا" (77) .
كما يعلق المحشي على ما أورده ابن حجر من شروح لقول الرسول عليه السلام: " إذا قال رجل لرجل أنت عدوي فقد كفر أحدهما" (78) بقوله " ثم لما كان الكفر عندهم خاصا بالشرك احتار في تأويل هذه الأحاديث المصرحة بكفر الموحد..." (79) .
كما يعدد المحشي من لا يكلمهم الله يوم القيامة وهؤلاء الذين غضب الله عليهم نفذ فيهم الوعيد أقول:" والذي يتحصل مما ذكره في الجامع فيمن لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم نحو تسعة عشر صنفا: وهم المسبل إزاره خيلاء والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقطع بها مال امرئ مسلم (80) ، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر حلف لـه بالله لقد أعطي لـه فيها كذا وكذا الخ، ورجل حلف على سلعته لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل مائه ورجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا وشيخ زان، وملك كذاب، وعائل سكير، والعاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال ، والديوث، ومدمن الخمر، وحر باع حرا، وحر باع نفسه، ورجل أبطل كراء أجير حين جف رشحه" (81) .
هذا وإن اعتمد الإباضية أحاديث تعزز موقفهم فقد اعتمد غيرهم أحاديث تدعم رأيهم في عدم إنفاذ الوعيد وفي ذلك يقول صاحب قاموس الشريعة:" وقد صح في آيات الوعيد لفسقة المؤمنين روايات معهم موافقة على ثبوته فيهم وروايات على العفو عنهم، وروايات بالشفاعة وروايات بتعذيبهم على قدر أعمالهم فصح أن روايات كثيرة معهم غير صحيحة لأنها روايات تناقض بعضها بعضا متى صحت واحدة كذب ما خالفها لا محالة" (82) .
وتبقى القضية حينئذ محل أخذ ورد بالنسبة الى الاحتجاج بالحديث وذلك لاختلاف الروايات والإباضية مثل غيرهم تجمع لديهم كما بينا رصيد من الحديث يدعم قولهم بإنفاذ الوعيد. ومن الأدلة النقلية فإلى الأدلة العقلية.
=======================
(42) 92 الليل 14- 15- 16 جاءت الآيات متكاملة.
(43) 20 طه 48 جاءت في سياق تبليغ موسى وهارون الدعوة لفرعون.
(44) 2 البقرة 24جاءت في سياق يدعو الناس عامة إلى الخضوع إلى الله تعالى ولي النعم ويتحدى المشركين بأن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم فإن عجزوا فلا سبيل إلا الخشية من العذاب.
(45) لقد ذكر ثلاثة إجابات اكتفينا بذكر جواب منها.
ملاحظة : لم يتعرض يوسف المصعبي للقضية تماما عند تفسير هذه الآيات ر. حاشية على تفسير الجلالين ورقة 22 قفا، ورقة 469 وجه . لذلك اعتمدنا على السالمي، واخترناه لإلمامه بالقضية وجمعه بين كل هذه الآيات في سياق واحد.
(46) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 300
(47) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/18
(48) امحمد اطفيش: هيميان الزاد 2، 1/359 ر. تيسير التفسير ط1، 6/612- 613
ملاحظة : لم يهتم مغنية في تفسيره بهذه القضية في سورة البقرة م1 ص 65 لكن الرازي رد بوضوح على المعتزلة فقال:] أعدت للكافرين[ وليس فيه ما يدل على أن هناك نيرانا أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة". التفسير الكبير: 2/122
أما آية سورة الليل فقد ألح كل من الزمخشري: 4/261- 262 والقاضي عبد الجبار في تنزيه القرآن عن المطاعن: 465- 466، وفي متشابه القرآن 2/692 على أن السياق لا يخرج فساق أهل الصلاة.
ويتأول الرازي حجج القاضي حجة حجة فيضفها ثم يقرر ما يلي:
1- لا يصلاها : لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال صلى الكافر النار إذا لزمها مقاسيا شدتها وحرها، وعندنا أن هذه الملازمة لا تثبت إلا للكافر ، أما الفاسق فإما ألا يدخلها ، أو إن دخلها تخلص منها.
2- أن يخص عموم هذا الظاهر بالآيات التالية على وعيد الفاسق .29/204 إلا أن جواد مغنية 7/575 ينطلق من تفسير عبده ليقارن بين الشقي والأشقى ثم يقول: " والتفاوت بين الشقي والأشقى إنما هو في أليم العذاب وشدته لا في أصل العذاب، وعليه يكون المراد بالأشقى هنا من عصى الله وأعرض عن أمره سواء أعرض عنه لأن لا يؤمن بالله وشريعته أم آمن به وبشريعته ولكنه قصر وتهاون، لا فرق بين الاثنين لأن الإيمان وسيلة للعمل وليس غاية في نفسه، فقد ثبت بنص القرآن أن من آمن ولم يعمل فهو والكفر بمنزلة سواء قال تعالى:] لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا[ (6 الأنعام 158) أي لم تؤمن إطلاقا أو آمنت ولم تعمل.
(49) انظر ما سبق 506
(50) لا يمكن أن نذكرها كلها وإنما نكتفي بذكر ما جاء في سورة النساء.
(51) 4 النسائي 10 جاءت الآية في سياق توزيع الميراث والظلم في ذلك.
(52) 4 النسائي 30 والوعيد للذين يأكلون الأموال بينهم بالباطل.
(53) 4 النسائي 93 والسياق في حكم كفارة من يقتل أخاه المؤمن خطأ.
(54) مثل قوله تعلى: ] يا أيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير[(8 الأنفال16).
(55) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/122- 113
(56) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 175 وجه ر. الزمخشري: الكشاف: 1/554. والملاحظ أن المصعبي لم يتعرض للقضية مع الآيتين 10و 30 من سورة النساء .ر. ورقة 156 وجه وورقة 156 وجه وورقة 162 وجه.
(57) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 107 قفا .ر عبد العزيز الثميني: النور 278
(58) ر. عبد الله السالمي: المشارق 299
(59) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/7
(60) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط2، 2/272و 310و 385.
والملاحظ أن القاضي عبد الجبار لم يتعرض لقضية إنقاذ الوعيد في أهل الكبائر في تنزيه القرآن عن المطاعن: 88و 93و 104 وقد نقلنا رأي المعتزلة عن الزمخشري . وكذلك لم يقف محمد جواد مغنية في تفسير الكاشف عند القضية ر. 2/260و 304و 408.
أما الرازي فقد رد على المعتزلة بشدة وبين أن الوعيد مختص بالكفار ر. التفسير الكبير 10/73. وكذلك سلك القرطبي نفس المسلك ر. أحكام القرآن 5/154و 158و 334.
(61) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 2/66 عدد 690. لم يتعرض المحشي عند شرح هذا الحديث لقضية الوعيد ر. حاشية الترتيب 6/115. لم يرد هذا الحديث عند ونسنك في المعجم المفهرس.
(62) عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح:32/494 تعليق 495 والحديث المستشهد به لم يرد عند ونسنك
(63) وهو باب الوعيد في الأموال.
(64) عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح:3/495
(65) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح ج 2 عدد 639 .ر. البخاري: علم 38، جنائز 33، أنبياء 50، أدب 109. مسلم : زهد 72، أبو داود : علم 4. الترمذي: فتن 70، علم 8، 13 تفسير الفاتحة 1، مناقب 19، ابن ماجة مقدمة 4. الدارمي مقدمة 25. 46 أحمد بن حنبل 2/47... ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 5/10
(66) المحشي: حاشية الترتيب:6/256
(67) عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح:3/600. ويشير الشارح إلى أن هناك من حكم بالشرك على من يكذب على رسول الله e ومن ها هنا اختلف قومنا في تشريك الكاذب على رسول الله e وفي قبول توبته (أ) وعندنا أنه لا يشرك بل يكفر كفر نعمة، وأن توبته بشرطها مقبولة".
أ) ويعلق المحقق –التنوخي- بما يلي : علينا ألا نحسب أن تشريك المسلم هين بل هو عند الله عظيم ، يفعل ذلك المتألون كما مر بنا (ب) على الله الرحيم الغفار يقولون هذا في الجنة وهذا في النار فالذي يطمئن إليه القلب ويرضى عنه الرب أن نجعل هذا الكفر كفر نعمة لا كفر إلحاد برب العباد، ولو شددنا في التفكير لأخرجنا اكثر مسلمي هذا العصر من الإيمان ، ولحجرنا واسعا على المسلم في التشديد في الكذب، ولا سيما بعد أن عم البلاء، فلنرحم من في الأرض يرحمنا من في السماء.ر. عبدالله السالمي : شرح الجامع الصحيح : 3/600
ب) (كما مر بنا إشارة إلى حديث الرسول عليه السلام" ويل للمتألين من أمتي الذين يقولون فلان في الجنة وفلان في النار".
" وجاء في اللسان(ألا) وقد تأليت وائتليت وآليت على الشيء وآليته على حذف الحرف: أقسمت وفي الحديث: ومن يتأل على الله يكذبه أي من حكم عليه وحلف كقولك والله ليدخلن الله فلانا النار، وينجحن الله ويقولون : فلان في الجنة وفلان في النار. عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح: 3/597 تعليق عدد 1 للتنوخي.
(68) والحديث :" من قال أنا أهل الجنة فهو من أهل النار" جاء عند الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 2/737 ص 73. ويذكر عبدالله السالمي أنه الحديث الثاني في البخاري من باب ( الدخول على الميت بعد الموت إذا ادرج في كفنه) .ر. شرح الجامع الصحيح 3/596- 597 مع تعليق المحقق عدد2 ويصعب التمييز عند ونسنك بين هذا الحديث وغيره لأنه جمع كل الأحاديث التي ورد فيها ذكر "أهل الجنة ". تحت عنوان واحد .ر. المعجم المفهرس 1/377.
(69) ر. مسلم إيمان 175. الترمذي طب7. النسائي: جنائز 68، الدارمي الديانات 10 . أحمد بن حنبل 2/254 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 2/ 250.
(70) ر. البخاري: جنائز 83. أدب 44. 73 مسلم إيمان 175. 177 الترمذي:إيمان 16، طب7. النسائي إيمان 7. 31. جنائز 68 الدارمي: ديات 10. أحمد بن حنبل 2/254 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 5/268 انظر ما يلي : 746.
(71) النسائي 30.ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط 2، 2/309- 310 .
(72) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 3/2 عدد 743. لم يرد هذا الحديث عند ونسنك بهذه الصيغة لكن جاء بصيغة اللعن" لعن النبي المخنثين من الرجال." البخاري: لباس 62، حدود 33 الترمذي أدب 34. الدارمي : استئذان 21، أحمد بن حنبل 1/ 225 .ر. المعجم المفهرس 2/ 86. وجاء أن الديوث ممن لا ينظر الله إليهم يوم القيامة . أحمد بن حنبل 2/ 134، 69. 128. النسائي 69 .ر. المعجم المفهرس : 2/ 162 انظر ما سبق: 537.
(73) لم يذكره ونسنك لكن نجد نصا قريبا منه وهو "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" ر. البخاري: جنائز 32، إيمان 9، مرضى 9، توحيد 25...ر. المعجم المفهرس 2/237
(74) ر. مسلم بر 18. 19. أحمد بن حنبل : 2/ 284، 3/14, 83. 4/ 229 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/237
(75) الخب : من خب يخب خبا: خدع وغش فهو خب.(المعجم الوسيط)
(76) ر. الترمذي: بر 41. أحمد بن حنبل 1/4، 7 ر. ونسنك: المعجم المفهرس 6/273
(77) المحشي: حاشية الترتيب:7/1و 2
(78) ولفظه في البخاري: إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ر. البخاري أدب 73.، مسلم: إيمان 111، الموطأ: كلام 1. أحمد بن حنبل 2/18. 44. 60 ر. ونسنك: المعجم المفهرس 6/41
(79) المحشي: حاشية الترتيب: 7/13- 14
(80) قال الخطابي: خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة في كل وقت لأن الله عظيم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة تجتمع فيه وهو وقت ختام الأعمال والأمور بخواتمها .
(81) المحشي: حاشية الترتيب:7/32. ويقصد بذلك من ماتوا على ذلك وإلا فمن تاب تاب الله عليه.
(82) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/37 ومن الأحاديث المعتمدة عند القائلين بعدم إنقاذ الوعيد قوله e :" من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له، ومن أوعده على عمل عقابا فهو بالخيار إن شاء عذبه وإن شاء غفر له". ر. البخاري : تفسير سورة الممتحنة 3، توحيد 31، حدود 8- 14، مسلم حدود 16، إيمان 11. النسائي: صلاة 6.ر. ونسنك : المعجم المفهرس 4/163
ومنها أيضا ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: قال: قال رسول الله e :" أما أهل النار الذين هم أهلها فيها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم أو قال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل". (الحبة بالكسر: واحد الحب وهو بزر ما لا يقتات كبزر الرياحين . حميل السيل: ما يحمل من الغثاء والطين. ضبر الشيء : جمعه .ر. القرطبي: أحكام القرآن: 5/54) ر. مسلم : إيمان 306. ابن ماجة زهد 37 . أحمد 3/ 20 ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 7/25.
________________________________________
الأدلة العقلية:
يصعب أن نجد أدلة عقلية صرفا في علم الكلام وإنما هي في الحقيقة أدلة مركبة العقل والسمع. جاء العقل فيها منطلقا من النقل مؤازرا له لذلك فبعد أن عرضنا الأدلة النقلية الصرف يحسن أن نقف عند الأدلة التي يغلب عليها طابع العقل، ومنطلقنا في هذه القضية ما قاله الإيجي في تلخيص مواقف القائلين بإنفاذ الوعيد والرد عليهم:"
وأما العقاب ففيه بحثان:
الأول: أوجب جميع المعتزلة والخوارج عقاب صاحب الكبيرة (83) لوجهين: الأول أنه أوعد بالعقاب وأخبر به، فلو لم يعاقب لزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وأنه محال.
الجواب: غايته وقوع العقاب فأين وجوبه.
الوجه الثاني: إذا علم المذنب أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له على ذنبه وإغراء للغير عليه وأنه قبيح مناف لمقصود الدعوة.
الجواب: منع تضمنه للتقرير والإغراء إذ شمول الوعيد وتعريض الكل للعقاب وظن الوفاء بالوعيد فيه من الزجر والردع ما لا يخفى واحتمال العفو عن البعض احتمالا مرجوحا لا ينافي ذلك" (84) .
لقد أفلح الإيجي في تلخيص هذه المواقف واكتفى بإيراد دليلين ترجع إليهما بقية الأدلة لذلك سنسلك نفس المسلك ونتأمل في مدى قوة ردوده أمام حجج القائلين بإنفاذ الوعيد.
أولا: موقف الإباضية من خلف الوعيد
1) خلف الوعيد كذب وأمر قبيح:
إن اعتبر القائلون بخلف الوعيد أنه مدح في حق الله تعالى فقد رد عليهم القائلون بإنفاذ الوعيد- والإباضية منهم- بأنه من أكبر النقائض ومما جاء في هذا الصدد عند أبي عمار:" فلو كان وعده أو وعيده مبدلا أو محولا أو مستثنى فيه لكانت جميع أخباره جل جلاله ذات تكاذب وتناقض وهل الوعد والوعيد إلا إخبار منه عز وجل بأنه اعد للفريقين ما وعدهم بع وتوعدهم بع وقال: ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين) (3 آل عمران131) وقال: ( قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا) (22 الحج72) وكيف يخبر بأنه أوعد ما لم يوعد أو وعد ما لم يعد؟ أو يكون يعد ويوعد ثم لا يفي بما وعد ما لم يوعد؟ ولا يوجد شيء من ذلك على ما أخبر به، وهذا غاية الوصف لله عز وجل جلاله بالكذب تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا، وقال الله عز وجل في إبليس ( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) (4 النساء120) فحاشا لله أن تكون مواعيده كمواعيد الشيطان" (85) .
ويقول المحشي في هذا الشأن ما يلي:" والحجة عليهم قوله تعالى: ( ما يبدل القول لدي) (50 ق29) يعني أن هذا إخبار من الله تعالى ولابد من وقوعه وإلا لزم الكذب فإن لم يصدق فعله قوله فهو كاذب" (85 مكرر .
ويورد صاحب قاموس الشريعة ما يلي:" فإن قال قائل إن الله تعالى ينجز وعده ويبطل وعيده.
قيل له: إنه قال: إنه يجازي عصاة عبيده أعمالهم السيئة إذا لم يتوبوا منها وهو يعلم أنه يوقع بهم الجزاء ولابد لهم من ذلك، أو يكون قال ذلك وهو لا يدري أنه يوقعه بهم أم لا، أو يكون قال ذلك وهو يعلم أنه لا يوقعه، فإن كان قاله وهو يعلم أنه يوقعه بهم فهذا هو الكذب والله يتعالى عن ذلك علوا كبيرا لن من هذه صفته مذموم وقد ذم الله قوما بقوله: ( لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون) (61 الصف3).
فكيف يجوز أن يوصف الله تعالى بما لا يجوز أن يوصف به الكريم من خلقه وهو الأعز الأكرم الذي له الصفات العلا والأسماء الحسنى في الآخرة والدنيا.
وإذا كان قال: إني أفعل بهم وأعاقبهم على معاصيهم وهو لا يدري يعاقبهم عليها أم لا فهذه صفة الجاهل الذي لا يعلم ما يكون والله سبحانه عالم بما يكون" (86) .
والملاحظ أن وجه الخلاف بين القائلين بالخلف وبين الإباضية يتمثل في أن القائلين بالخلف يرون أن الكذب لا يتعلق إلا بالماضي (87) بينما يرى الإباضية أن :" الكذب في الحقيقة هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به، أو هو الخبر غير المطابق للواقع سواء كان ذلك في الماضي أو المستقبل" (88) .
وبهذا نتبين أن الإباضية يعتبرون أن الخلف ضرب من الكذب وهو أمر قبيح لا يليق بالله تعالى كما يرفضون القول بالبداء.
2) قضية البداء (89) :
ويرد أبو عمار على من يعتبر أن خلف الوعيد من الكرم والجود والإفضال (90) كما يلي:" قيل لـه: ويحك قد ناظرت ما لم يكن نظيرا وشبهت ما ليس بشبيه، وذلك أن أحدا منا قد يعد ويوعد وهو لا علم له بالذي تصير إليه عاقبة وعده وتوعده ثم يكون من بعد ذلك تبدو لـه أمور يتبين بها أن عاقبة وعيده إذا هو أمضاه تصير إلى فساد وتنتهي إلى هلاك فيرى أن الخلاف للذي توعد به أصلح من إمضائه وإتمامه فيقصر عندما بدا لـه من إنجاز ما توعد به والله عز وجل غير موصوف بأن يكون يجهل عاقبة أمر من الأمور فيكون يبدو له ما لم يكن يعلم من ذلك" (91) .
ويتعرض الصدغياني لهذه القضية بلهجة حادة مثل قوله:" وانتم الأشعرية أبطلتم الوعيد لأهل الكبائر وقلتم ذهب الوعيد في البيد" (92) ومثل قوله- وقد جمع بين المرجئة والأشاعرة-: وانتم الأشعرية والمرجئة اجترحتم واذهبتم الوعيد بالبيد، أقبح بهم من عبيد وصفوا الله بصفة الآدميين ومع ذلك لا يتقون الله ومعنى البداء ظهر وقد بدا أي ظهر لمعبودهم أمر قد خفي عنه وعجز حتى لا ينفذ ما توعد به فحاشا ربنا من ذلك ومن وصف الله بالبدا قد وصفه بالجهل لأنه خفي عليه أمر حتى ظهر فرأى مصلحته في رجوعه كملوك الدنيا ربما يوعد ويرى أنه تدخل عليه وعثة في ملكة فيقف ويرجع، ما أبعد مذهب من قال بهذا بعدما قلنا لهم... (93) " (94)
كما يتعرض المحشي لهذه القضية بقوله:" فما ذكروه من الخلف في الوعيد نوع من البداء تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" (95) .
3) قضية المدح والرحمة:
وإن حلت المصادر الإباضية على قضية امتناع البداء عن الله تعالى فهي تعتبر خلف الوعيد أمرا قبيحا وهي بذلك ترد بشدة على من اعتبر خلف الوعيد من باب الرحمة وبالتالي يمدح صاحبه ويحمد على ذلك ومن ذلك ما جاء عند أبي عمار في ما يلي:" ولعله يقول: أوليس الله جل جلاله رحيما بخلقه غنيا عن عذابهم يمن برحمته ولا يظلم بعذابه وهو قد وعد ثوابه على الطاعة وتوعد بعقابه على المعاصي فلم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به من الثواب؟
قيل له: لسنا ننكر بل نقول بأن الله عز وجل رحيم بخلقه لطيف بعباده يمن بالرحمة ولا يظلم بالعذاب ومعنى ذلك أنه متفضل على خلقه برحمته يصيب بها من يشاء من عباده على غير استحقاق منهم ولا استيجاب ولا يظلم بالعذاب فيؤاخذهم على غير ما عملوا، أو يعذبهم على ما لم يفعلوا، وليس هذا من الذي قلنا بأنه يثيب أولياءه بأعمالهم على ما وعدهم ويعاقب أعداءه على ما توعدهم في شيء" (96) .
وير جميل بن خميس على من يعتبر الخلف من الصفات المحمودة بما يلي:" واتفق أهل المذاهب الأربعة إلا من شاء تعالى منهم، على أن خلف الله لوعيده لفسقة المؤمنين من هذه الأمة من الصفات المحمودة في الله تعالى لأنها صفة في الناس وفي الملوك من أحمد الصفات والله تعالى أحق لها ولم يفصلوه على ما في عقولهم من معرفتهم به أنه لا على الإطلاق هو محمود في الناس وفي الملوك بل في مواضع هو من الصفات الذميمة لأنه يكون على وجوه" (97) .
وبهذا نتبين أن الإباضية لم يعتبروا خلف الوعيد من الرحمة وبالتالي لا يمكن أن يعتبروه من الكرم.
4) خلف الوعيد والكرم:
إن حجة الإباضية في رفض مبدأ الكرم تتمثل في أن الله يكون أكرم لو عفا عن المشركين وفي ذلك ينقل جميل بن خميس العدوي عن شرح النونية ما يلي:" فإن قالوا أوليس خلف التوعد مما يعد عند العرب من الجود، ويستحق به صاحبه لعلة فاعله المدح وحسن الثواب فلم لا يكون عند الله عز وجل بهذا أولى إذ هو غني عن تعذيب العباد؟ قلنا أو ليس من عفا منا عن الأمر العظيم والذنب الجسيم أبلغ له في المدح وحسن الثناء؟ فإن قالوا: بلى، قلنا: فلم أوجبتم الوعيد من الله سبحانه في أهل الشرك؟ إذن أو ليس عفوه أعظم المدح له؟ فإن حاولوا فصلا بينها فلا يجدوه" (98) .
لقد ثبت من هذا أن الإباضية يرفضون أن يكون خلف الوعيد من باب الكرم وبهذا يستوفون الرد على تعليلات القائلين بالخلف كما لا يغفلون عن المظهر البلاغي للقضية فهل نصوص الوعيد ضرب من الخبر أو الإنشاء؟
5) قضية الخبر والإنشاء:
وبما أن الكذب لا يمس إلا الأسلوب الخبري هناك من تصرف في اعتبار آيات الوعد والوعيد من الأسلوب الإنشائي الذي لا يحتمل الصدق والكذب.
وينقل يوسف المصعبي نص كلام هؤلاء العلماء دون أن يسنده إلى أصحابه (99) كما يلي:" وقال بعضهم: الوعد إنشاء على الأصح يعني إنشاء الضمان عند وجوب الوصف والكذب مخصوص بالإخبار.
قال بعض الأئمة مراده أن الوعد والوعيد كلاهما إنشاء فالخلف في الوعيد ليس بكذب فلا نقض، فأما الوعد فلأن مقتضى الكرم ألا يتخلف عنه، فعدم جواز الخلف لا لنه كذب بل لأن الكريم إذا وعد وفي وإذا أوعد تجاوز.
ثم يرد فيقول: والجواب والله أعلم:" اعتماد الإنشاء مردود فغن علماء العربية نصوا على أن الجملة الشرطية إذا كان جوابها خبرا تكون خبرية وهذه الآية كذلك (100) .
وإن أراد أنها إنشائية باعتبار أمر لازم كما أشار إلى ذلك بقوله يعني إنشاء الضمان عند وجود الوصف فتمويه لا يلتفت إليه لما يترتب عليه من الفساد مع لزوم تبديل القول على كل حال كما أورده الخصم على نفسه ولم يجب عليه بما يصغي إليه" (101) .
فالإباضية حينئذ يعتبرون نصوص الوعيد من الأخبار الصادقة التي لا يصح الخلف فيها كما انهم يرفضون مبدأ الخلف لما ينتج عنه من بطلان حكمة التشريع.
ثانيا : موقف الإباضية مما ينتج عن الخلف:
- الإغراء على القبيح وإبطال المر والنهي:
إن النفس البشرية ميالة إلى الشهوات ولا سبيل إلى إبعادها عنها إلا بالردع والزجر فإذا بطل الزجر وعلم الإنسان ألا وعيد اتبع نفسه هواها وارتكب ما لا يتصور من النواهي والمصادر الإباضية تلح على هذا المعنى وتتفق في هذا مع المعتزلة (102) ومن ذلك ما جاء في قاموس الشريعة:" وقال تعالى: ( وأن تغفر أقرب للتقوى) (2 البقرة237) والمراد لمن جاء طالبا للعفو والمتعدي عليه قادر على الزجر والأدب وإلا كان ذلك مما يؤدي السفهاء الجراءة والظلم للنبلاء والعافي على هذا ليس من الصفات المحمودة بل هي من أشد صفات الذم فصح أن هذه الصفة لذات الله ليست من الصفات المحمودة وانه تعالى منزه عن ذلك، ومنزه عن خلف الوعيد لكل من توعده لأنه مما يؤدي إلى فتح أبواب الجراءة على عصيانه وعصيان أولي الأمر من أوليائه من العلماء والأمراء والقضاة فيجوز إبطال وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحمدة العفو عن الآتين المنكر التاركين الواجب من المعروف إذا كان العفو محمودا على الإطلاق من التاركين الواجب من المعروف إذا كان العفو محمودا على الإطلاق من صفات الله وصفات الناس وهذا باطل لا يقول به إلا ممسوخ العقل" (103) .
كما يقول أيضا:" من زعم أن الوعيد في أهل الشرك خصوصا لقد أباح الدماء والحرام وأسقط الحساب صراحا، لأن المحارم إنما تتقى من أجل العقاب فمن أبطل الوعيد فقد أباحها" (104) .
وفي هذا المعنى يقول الوارجلاني ما يلي:" ولو وعد المغفرة والرحمة من وراء ذلك لرجعت المعاصي بحال الإباحة ولم يبق إلا أن يأمرهم بها" (105) .
ويزيد المصعبي خطوة في توسيع القضية وبين أن القول بخلف الوعيد " يؤدي إلى إباحة المعاصي وكل ما جازت إباحته جاز الأمر به فيكون فرض المعصية أمرا جائزا وهذا محال على الله تعالى" (106) .
وكذلك لا سبيل إلى اعتبار الوعيد مجرد تهديد لأن مثل هذا الموقف يؤدي إلى الجرأءة على المعاصي وانتهاك المحرمات فلا تستقيم الدنيا قبل الآخرة.
هكذا إن انطلقنا في التمهيد للحجج العقلية من تلخيص الإيجي فيحسن أن نختم هذا الاستدلال بما ذكره محمد عبده في هذا الباب منطلقا من واقع المسلمين المرير القائم على مبادئ القائلين بإخلاف الوعيد حيث يقول:" إن كثيرا ممن يدعون اتباع السنة جرأوا الناس على هدم الدين بناء على أن مدار السعادة في الآخرة والنجاة من النار هو الاعتراف بالدين الى حد أن بعض الكبراء قال: إنني لا أنكر أنني آكل الربا ولكنني مسلم أعترف بحرمته" (107) .
والمتأمل في واقع المسلمين عامة يدرك ما لهذا الرجاء العريض والأمل الواسع في العفو عن مرتكبي الكبائر المصرين عليها إلى الموت من أثر مقيت حيث استهان الناس بجميع الرذائل وانتهكوا الحرمات جهارا، ويعتبر من نفل القول أن نستدل على هذا بما عرفه الأدب من خلاعة ومجون واستهتار.
وإن قالت فرق إسلامية بإنفاذ الوعيد مثل المعتزلة والأزارقة فإنهم انقرضوا مع مر الزمان فالفكر الاعتزالي تسرب إلى كالفكر الإسلامي تقريبا وإن بقي أكثر نصاعة في الفكر الشيعي والفكر الأزرقي لا نستطيع أن نقول فيه القول الفصل إلا انه متهم من قبل خصومه بأنه اعتبر الكبائر من باب الشرك، فلم يبق حينئذ إلا الاباضية ممن يعتقدون إنفاذ الوعيد، وأنت إن تأملت في بيئتهم زمن الازدهار في الظهور أو الكتمان (108) تجد مجتمعا أقر ما يكون إلى الاسلام لأن من يعتقد أنه معاقب لا محالة إن هو لم يتب يكون أكثر احترازا ممن يعتقد انه معفو عنه، وفي أقصى الحالات يعذب قليلا ثم إلى النعيم الأبدي، ولا أبالغ في شيء إذا قلت إن مجتمع ميزاب حيث تطبق أصول الإباضية من أن
نظف المجتمعات الإسلامية في هذا العصر.
أما الإباضية بجربة حيث غفل الناس عن أصولهم فقد دب إليهم الفساد ونهشهم الحرام وصار الكثير منهم لا يتورع عن المجاهرة بالمعصية إذ لا رادع مع الجهل بالأصل مثل ما حدث في جل أطراف العالم الإسلامي.
أما جبل نفوسة فما يزال أهله أكثر غيرة على أصول مذهبهم.
إلى هذا الحد يقف تحليلنا لقضية الوعد والوعيد ويحسن أن ننظر في بعض القضايا المتفرعة عنها قبل أن نقتحم قضية الخلود.
إن قضية الوعد والوعيد أو بعبارة أصح قضية الوعيد ترتبط بها قضايا أخرى كانت مثار جدل بين المسلمين نختار ترتيبها حسب تدرجها الزمني عذاب القبر، الشفاعة ، وجود النار وفناؤها، الورود والخلود.
===========================
(83) ويضيف الشارح- إذا لم يتب عنها .ر. المواقف: 2/446.
(84) ويأتي الشرح كما يلي:" يعني أن الوعيد عام تناول كل واحد من المذنبين فظاهره الذي يقتضي ظن الوفاء به في حقه فيحصل لكل منهم الظن بكونه معاقبا بذنبه، وذلك كاف في زجر العاقل عن استقراره على ذنبه بعدم التوبة عنه، وفي ردع غيره عن اقترافه.
وأما توهم العفو الناشيء عن عدم وجود العقاب فاحتمال مرجوع لا يعارض ظن العقاب المقتضي للانزجار فقد ظهر أن المذنب لا علم له بأنه لا يعاقب بل ولا يظن لذلك ظنا فلا تقرير ولا إغراء ". الإيجي المواقف 2/446.
ويشير التفتازاني إلى مثل هذا المعنى حيث بين أن عموميات الوعيد ترجح جانب الوقوع وهذا لا يؤدي إلى إبطال الأحكام الشرعية ومثل هذا الترجيح كاف للابتعاد عن المعاصي .ر. التفتازاني شرح العقائد النسفية :117
(85) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/105- 106
المحشي: حاشية على كتاب الوضع:81
(85 مكرر) المحشي: حاشية على كتاب الوضع:81
(86) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/5. راجح أيضا: 8 ويصرح أنه اخذ عن الجيطالي شرح النونية.
(87) ر. محمد الدواني: شرح العقائد العضدية: 59
(88) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول الدين:19
(89) البداء : هو ظهور ما لم يعلم، والله تبارك وتعالى يتعالى عن البداء. عثمان السوفي: كتاب السؤالات:100
(90) وفي قياس البشر إذا توعدت ثم تبين لك خطأ موقفك فإنك تتراجع ويعد ذلك من الشيم الحميدة.
(91) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/107
(92) الصدغياني: رسالة إلى أهل وارجلان:4
(93) ذكر الآيات من نوع] لا يبدل القول لدي[
(94) الصدغيان : رسالة إلى أهل وارجلان: 6، ثم يورد في نفس الصفحة أدلة القائلين بالبداء وينسب ذلك إلى مالك بن أنس وقد رأيت في تفسير الملكي ثلاثة أقوال عن مالك بن أنس:
أحدهما قال: الله تبدو له البداوات والدليل عنده قوله تعالى ] لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا[ (33 الأحزاب60) معنى لنغرينك بهم أي ليسلطن عليهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا. قال : وقد مات رسول الله e ولم يسلم عليهم ولم يقل لهم فهذا دليل على أن الله تبدو له البدوات..."
(95) المحشي: حاشية على كتاب الوضع: 83 ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/8 ويذكر أنه اخذ عن الجيطالي شرح النونية.
(96) أبو عمار عبد الكافي: الموجز: 2/107- 108
(97) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/24، ويتلخص تعداد الوجوه في تبيين مواطن الضعف في عفو السلاطين مما لا يليق بالله تعالى ر. سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود:125- 126
(98) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/8
ر. سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود: 126 وقد سلك التفتازاني في الوعيد مسلك الإباضية فاعتبر أن الخلف في الوعيد ليس من الكرم في شيء فيقول: " زعم بعضهم أن الخلف في الوعيد كرم والمحققون على خلاف كيف وهو تبديل للقول وقد قال الله تعالى:] ما يبدل القول لدي[ (50 قَ29) ر. التفتازاني: شرح العقائد النسفية 117
(99) وينسبه سعيد بن تعاريت إلى الشنواني وهو أيضا نقله عن بعضهم . المسلك المحمود: 126
(100) يقصد بقوله تعالى: ] ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره[ (99 الزلزلة8)
(101) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 22- 23
(102) " إن الفاسق إذا علم انه لا يعاقب وإن ارتكب الكبيرة كأن يكون مغري على القبيح، ويكون في الحكم كأن قيل له، افعل فلا بأس عليك" القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 650
(103) جميل بن خميس: القاموس: 6/25- 26
(104) نفس المصدر: 6/7
(105) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل: 2/46
(106) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 25
(107) محمد عبده : تفسير المنار: 3/99 وما استشهدنا بموقف محمد عبده إلا لنبين الالتقاء بينه وبين الفكر الإباضي في هذه النقطة بالذات.
(108) انظر ما سبق: 54 تعليق 57
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:29 PM
القضايا المتفرقة عن الوعد والوعيد
عذاب القبر
قال تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه قال يا ويلتاي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين) (5 المائدة31).
إن هذا السياق القرآني يبين أن الله علم البشر كيف يحترمون موتاهم فيوارونهم في التراب حتى لا تبقى جثثهم كجيف الكلاب وما إليها، وفي هذا تكريم من الله تعالى يذكر به في قوله (ثم أماته فأقبره) (80 عبس21) فالقبر حينئذ هو الموضع الذي يدفن فيه الميت من بني آدم، وإن علم الله البشرية هذا المسلك من أول ما عرف الإنسان الموت فإن البشر اختلفوا عبر الزمان في مواراة موتاهم فعمد من عمد منهم إلى الإحراق مع المحافظة على الرماد في قوارير تحفظ، وعمد من عمد إلى تحنيط الأموات قبل الدفن ولجأ البعض إلى الدفن الجماعي في سراديب تحت الأرض، وتفنن من تفنن في بناء القبور، وأهرام مصر أكبر شاهد على ذلك.
وليس غرضنا في هذا الفصل أن نحلل هذه القضية وإنما المشكل المطروح ماذا عن أحوال أهل القبور أو ما يسمى بالحياة البرزخية (1) وما هو موقف الإباضية من ذلك؟
إن المتتبع للقرآن الكريم لا يجد إشارات واضحة لتصوير أحوال أهل القبور، وإنما تأول المفسرون بعض الآيات (2) ورأوا فيها دليلا على ثبوت تنعم أصحاب القبور وتعذبهم، أما في الحديث فقد جاءت نصوص عديدة في الصحاح وغيرها تقر ما ينظر الناس في قبورهم من سعادة أو شقاء (3) .
ويكاد يجمع المسلمون (4) على هذا التصور باستثناء بعض المعتزلة (5) والنكار (6) من الإباضية ولذلك أثيرت القضية في الكتب الأشعرية كما أنهم ينكرون ما جاء من أحاديث في هذا الشأن أو يتأولونها (7) ومن أدلتهم العقلية أو إن أردنا الأدلة المادية المخالفة للمعقول:
أ) لو كان لعذاب القبر أصل لكان يجب في النباش أن ترى العقوبة المثوبة للمعاقب والمثاب فكأن يشاهد عليه أثر الضرب وغيره لكن الواقع غير ذلك.
ب) لو كان في القبر عذاب لوجب أن يسمع أنين من لم يدفن مثل المصلوب وأن يشاهد اضطرابه.
جـ ـ ويبدي هؤلاء حيرة في شأن من يحرق أو تأكله السباع (8) .
كل هذه أدلة حسب هؤلاء تؤكد حياة في القبر وألا عذاب ولا ثواب. لكن غفل هؤلاء عن أن عالم الغيب لا يقاس بمقياس العقل، ولا يقارن بعالم الشهادة وإنما توضح بعض معالمه النصوص المنزلة بالنسبة إلى من يؤمن بالتنزيل وعلى هذا الأساس كان رد المثبتين للحياة في القبور بما في ذلك من شقاء أو سعادة.
الأدلة على ثبوت الحياة البرزخية:
يقول القاضي عبد الجبار وهو يعبر عن موقف المعتزلة الذين ألفنا أنهم معتدون بالعقل ويقدمونه على النقل:" فأما الكلام في أن ذلك كيف يكون ...فإن ذلك مما لا يهتدي إليه من جهة العقل وإنما الطريق إليه السمع" (9) وذلك للرد على هؤلاء المنكرين من أهل الاعتزال وتناولتها مصادر الإباضية للرد على النكار وقد استوفى القضية الوارجلاني بحثا من القرن السادس6 /12 مما أدى المصادر اللاحقة إلى أن تكتفي بالإحالة على تحليله.
فيحسن في البداية أن نتعرض لحجج منكري الحياة البرزخية ثم نعرض بعد ذلك حجج المثبتين وردودهم.
حجج منكري الحياة البرزخية:
إن هؤلاء المنكرين (10) يحتجون بأدلة نقلية وعقلية:
ومن أدلتهم النقلية قوله تعالى ( لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولى) (44 الدخان56) ولو أحيوا في القبر لذاقوا موتتين (11) أي لزم إحياؤهم فيه ثم إماتتهم بعد التعذيب.
وكذلك قوله تعالى: ( يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا) (36 يس52) قالوا لو كانوا معذبين في القبر ما سموه مرقدا.
وكذلك قوله تعالى ( ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) : (30 الروم55) قالوا لو كانوا معذبين لاستطالوا المدة ولما أقسموا انهم لم يلبثوا إلا ساعة (12) .
ويورد السالمي نفس الرأي في الدعوة الى الاعتماد على النقل دون العقل وفي ذلك يقول:" ولا سبيل إلى العدول من مقتضاها (الأحاديث) الى محض القول بالرأي وليس شعري أي مدخل للرأي في ما غاب عنا علمه ولم تصل إليه عقولنا بل الواجب في هذا ونحوه التسليم لأخبار الشارع فيه، وقبول ما جاء فيها من لسانه فمن بلغه التواتر في ذلك وجب عليه القطع بوقوعه على حسب الأخبار لأنها جاءت من طرق صحيحة" (13) .
ردّ ما احتج به المنكرون من ادلة عقلية:
أ) مسألة عدم مشاهدة أثر العذاب عند النبش:
" إن اكثر ما في هذا النباش وغيره لا يرون أثر العقوبة على الميت ومن المجوز ألا يعذب الله تعالى في هذه الحالات التي يطلع عليها النباش أو غيره أو يعذبه على وجه يستتر عنهم لوجه من المصلحة يرى في ذلك" (14) .
ب) مسألة عدم المشاهدة ليست حجة:
وفي ذلك يقول السالمي:" وأجيب عن الأول(من قتل فصلب) بأنه يحتمل أن يخلق فيه حياة لا ندركها نحن" (15) .
ويتوسع صاحب قاموس الشريعة في ذلك كما يلي:" إن الله تعالى لا يفوته الذي قبر ولا الذي لم يقبر، ولا حجة لمن احتج بمن لم يقبر لأن المخلوق الذي لم يملك الشيء الذي فاته..ولذلك لا يقدر عليه لأنه لم يوجده من بعد العدم..." (16) .
ج)مسالة من أكلته السباع:
يقول السالمي في ذلك:" وأجيب عن الثاني(من أكلته السباع) انه مبني على انه يشترط في الحياة وجود البنية بتمامها ونحن لا نقول به لإمكان أن يخلق الله لكل جزء انفرد حياة يحس بها ألم العذاب" (17) .
وقبل أن نتحول إلى الردود القائمة على الأدلة النقلية يحسن أن نلاحظ أننا لم نجد في المرحلة المقررة من اهتم بالأدلة العقلية والردود عليها من ذلك المحشي وهو أحد أقطاب هذه المرحلة اكتفى بتحليل الأحاديث دون أن يكترث بحجج المنكرين العقلية (18) .
الأدلة النقلية من القرآن الكريم:
يقول أبو يعقوب الوارجلاني:" وفي القرآن إشارة إليه على رأي المفسرين وهم القدوة في ذلك" (19) إلا انهم لم يذكروا ولو آية واحدة وكذلك المحشي في حاشية الترتيب (20) وكذلك السالمي (21) إلا أننا إذا تتبعنا تيسير التفسير نجد أن محمد اطفيش تعرض إلى الموضوع في ما يلي:
1) قوله تعالى: ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل) (40 غافر11).
فأورد أقوالا لعدة علماء مفادها إثبات عذاب القبر وقال السدي (22) " والإحياء الأولى إحياؤهم في القبر للسؤال" (23) .
2) قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (24) .
يذكر صاحب التيسير أن الآية دليل على ثبوت عذاب البرزخ في ما قبل، ثم يزيد القضية تحليلا فيقول:" لكن الآية في الأرواح" ووردت أخبار بثبوته للأبدان وفيها أرواحها وذلك قبل قيام الساعة (25) ثم استشهد بعدة أحاديث (26) .
ويقول السالمي:" ولقد تكلف ابن أبي نبهان وهو ممن ينكر عذاب القبر تأويل هذه الآية حتى خرج بها عن أسلوب النظم الشريف فقال فيها:" تقديم وتأخير والأصل ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا (27) "
3) قولـه تعالى: (مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) (28) يبين محمد اطفيش أنها نار البرزخ التي يحرق بها قبل البعث، يحرقون بها في الماء وفي ذلك إثبات عذاب القبر (29) .
وأثناء الرد على المنكرين لعذاب القبر يقلب السالمي عليهم الحجة ويعتبر أن في الآيتين المستشهد بهما دلالة على عذاب القبر:
( يا ويلتنا من بعثنا من مرقدنا) (36 يس52) واجيب بأنهم سموه مرقدا(مرحلة القبر) نظرا إلى ما شاهدوا من هول الموقف حتى صار القبر بالنسبة إليهم كالمرقد، وكذلك في شأن عدم استطالة مدة القبر فمدة البرزخ بالإضافة الى ما بعدها من الأبد أقل من ساعة" (30) .
( لا يذوقون فيها إلا الموتة الأولى) (44 الدخان56) ويجاب بأن الخطاب لأهل الجنة فإذا أحياهم الله في القبر لما أراده منهم فلا يسمى بعد تلك الحياة موتا بالإضافة إليهم. كيف وقد ورد في الحديث أن المؤمن يرى منزله في النار إن لو عصى ومنزله في الجنة إن لو أطاع فيريد أن ينهض إليه فيقال لـه: لم يأت أوان ذلك، نم سعيدا نومة العروس" (31) .
تلك هي الأدلة القرآنية وصدق أبو يعقوب الوارجلاني في موقفه حيث اعتبر أنها إشارات على رأي المفسرين إذ لا نلمس في هذه النصوص تصريحا ظاهرا ولذلك احتيج الى التأويل وقد عزز المفسرون جميعا موقفهم بالحديث بينما رأينا من المفسرين من لم يقبلوا مثل هذا التأويل فسكتوا عنه لأنهم يقرون بعذاب القبر إلا أنهم لم ينتبهوا مثل هذا التأويل ولهم ذلك.
==================================
(1) ) البرزخ: الحاجز بين شيئين، وما بين الموت والحياة، فمن مات فقد دخل البرزخ قال تعالى] ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون[(23 المؤمنون 100).
(2) انظر ما يلي: 643
(3) انظر ما يلي أثناء التحليل: 646
(4) اعتبر الأشعري أن الصحابة أجمعوا على القول بعذاب القبر .ر. الإبانة : 184.
(5) يقول الإيجي : وأنكره ( إحياء الموتى في قبورهم ضرار بن عمرو ، وبشر المريسي، وأكثر المتأخرين من المعتزلة). المواقف: 2/451.
ويذكر القاضي عبد الجبار أن ضرار بن عمرو كان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة، ويرد تشنيع ابن الراوندي على المعتزلة في عذاب القبر .ر. الأصول الخمسة : 720. والملاحظ أن الأشعري قد بالغ عندما اعتبر أن كل المعتزلة أنكروا عذاب القبر: الأبانة ص 181. ويقول جميل بن خميس السعدي في هذا الشأن " وأنكر عذاب القبر بعض المعتزلة والروافض لأن الميت جماد لا حركة له ولا إدراك فتعذيبه محال" قاموس الشريعة: 6/216.
(6) انظر تعريف النكار في ما سبق: 213
ويذكر صاحب قاموس الشريعة أن ناصر ابن أبي نبهان من إباضية عمان ممن ينكرون عذاب القبر .ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/216. 219 . وهذا موقف يعتبر شاذا بالنسبة إلى رأي جمهور الإباضية .
(7) ر. عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح: 2/358.
(8) ر. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة 733. الإيجي: المواقف: 2/452.
(9) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة: 732.
(10) يتفاوتون في الإنكار. لقد رأينا أن ضرار بن عمرو، معتزليا أو جبريا ، وبشر المريسي ينكران القضية إطلاقا.
بينما لا ينكر الجبائي والبلخي إلا سوء تسمية الملكين بمنكر ونكير إذ لا يليق حسب رأيهما أن تسند مثل هذه الأسماء القبيحة إلى الملائكة.
ويتصور أبو الهذيل العلاف وبشر بن المعتمر أن تعذيب الكافر لا يتم إلا بين النفختين. أما الصالحي وابن جرير الطبري وطائفة من الكرامية فييجزون التعذيب بدون إحياء.ر. الإيجي : المواقف: 2/ 451- 452.
(11) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 273 ر. الإيجي: المواقف: 2/452.
(12) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 273 ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/219.
(13) عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح: 2/358.
(14) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة 733.
ملاحظة: لقد ورد النهي عن انتهاك حرمات القبر إذ حرمة الميت كحرمة الحي، ويورد امحمد اطفيش الحديث التالي وهو قوله عليه السلام:" حرمة أحيائنا كحرمة موتانا". وفاء الضمانة: 1/294 (لم يرد هذا الحديث في معجم ونسنك) .
(15) عبد الله السالمي: المشارق: 274.
(16) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/198، والإيجي يذهب إلى نفس الرأي بدليل أن صاحب السكتة حي أنا لا نشاهد حياته ر. المواقف: 2/453.
(17) عبد الله السالمي: المشارق: 274.
(18) ر. المحشي: حاشية الترتيب: 4/67- 82
(19) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2:2/318.
(20) ر. المحشي: حاشية الترتيب: 6/67- 82
(21) ر. عبد الله السالمي: شرح الجامع الصحيح: 2/348- 361.
(22) السدي(ت128/745) إسماعيل بن عبد الرحمن. تابعي حجازي الأصل. وهو صحاب التفسير والمغازي والسير.ر. الزركلي: الأعلام: 1/313.
(23) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1: 5/107 ر. السالمي : المشارق: 272 وقد سلك كل من الرازي : 27/40- 41. والقرطبي : 15/297- 298 في تفسيرهما نفس المسلك إلا أن الرازي ناقش حجج المنكرين بينما اعتبر ابن عاشور: 23/98 أن الآية بمعزل عن أن يستدل بها لثبوت الحياة عن السؤال في القبر. أما جواد مغنية : 6/441- 442 فإنه لم يشر البته إلى القضية.
(24) 40 غافر 46 والسياق يشير إلى آل فرعون.
(25) امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1:5/1273
(26) سنوردها بعد قليل انظر :646. ويتفق الرازي :27/73 والقرطبي :15/318- 319 في تفسيرهما على أن الآية دليل على إثبات عذاب القبر، ويعدد القرطبي أسماء من قالوا بذلك وهم : مجاهد وعكرمة ومقاتل ومحمد بن كعب ، ويدعم موقفه بعدة أحاديث.
بينما ذكر ابن عاشور :23/58 القضية باحتراز فذكر أنه عذاب قبل عذاب يوم القيامة وأن أرواحهم تشاهد المواضع التي أعدت لهم في جهنم . وسلك مغنية: 6/456 نفس المسلك :" إن ذلك بعد الموت وقبل يوم القيامة".
ويقول الأشعري تعليقا على هذه الآية في "باب الكلام عن عذاب القبر". "فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا" وقال:" سنعذبهم مرتين ، مرة بالسيف ومرة في قبورهم ، ثم يردون إلى عذاب غلظ في الآخرة" الإبانة :182.
(27) عبد الله السالمي: المشارق: 272 ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/202.
(28) 71 نوح 25 والسياق عن قوم نوح.
(29) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير ط1: 6/363
ويقف الرازي في تفسيره: 30/ 145 نفس الموقف : تمسك أصحابنا في إثبات عذاب القبر بقوله تعالى : ويذكر الآية وينسب القرطبي:18/310- 311 القول للقشيري.
أما ابن عاشور : 29/212 ومغنية :7/431 فلم يشيرا إلى الموضوع عند تفسير هذه الآية
والملاحظ أن نفس هذه الآيات هي التي يعتمدها القاضي عبد الجبار للتدليل على ثبوت عذاب القبر فيقول :" أما ثبوته فالذي يدل عليه قوله تعالى :] مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا..[(71 نوح25) فالفاء للتعقيب من غير مهلة، وإدخال النار لا وجه له إلا التعذيب ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى:] النار يعرضون عليها غدوا وعشيا[(40 غافر 46) الآية ووجه دلالته على عذاب القبر ظاهر غير أنه يختص بآل فرعون ولا يعم جميع المكلفين.
والدلالة التي تعم قوله تعالى:] ربنا أمتنا اثنين وأحيينا اثنين[(غافر11) ولا تكون الإماتة والإحياء مرتين إلا وفي إحدى المرتين إما التعذيب في القبر أو التبشير على ما نقوله. ثم ينفي قول من قال إن الإماتة الأولى حال الإنسان وهو نطفة".
القاضي عبد الجبار : الأصول الخمسة: 731.
(30) عبد الله السالمي: المشارق: 272
(31) ر. ابن ماجة: جهاد 16، ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/201 الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح 4/19 عدد 982.
________________________________________
الأدلة النقلية من الحديث الشريف:
لقد خصص الربيع في الجامع الصحيح بابا لموضوع القبور في الجزء الثاني (33) ورجع الى ذلك في حديث طويل آخر الجزء الرابع (34) ووقعت الإشارة إلى ذلك في مطلع الجزء الأول (35) .
وقد جمع أبو يعقوب الوارجلاني عشرة أحاديث في هذا الشأن (36) ولا يجب أن نغفل عن أنه مرتب الجامع الصحيح، وإن كان من علماء الكلام فصلته بالحديث متينة، ولذلك لم يجد أبلغ من الأحاديث للرد على من ينكر عذاب القبر وسأكتفي بذكر
أحاديث واضحة الدلالة على عذاب القبر وثوابه مستعينا بما جاء حولها من شروح للمحشي (37) والسالمي (38) .
1) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان بعلم أصحابه هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن وهو يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم وأعوذ بك من عذاب القبر" (39) .
2) أبو عبيدة عن جابر بن زيد أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" (40) .
1) جابر بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكره عنه غيره- انه عليه السلام قال: إذا وضع الميت في قبره وسوي عليه فإنه يسمع نعال القوم حين ينصرفون عنه لأنه حمل من بيته وروحه مع الملائكة فإذا وضع في قبره يأتيه ملكان أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف فيقعدان فيقولان له:" يا هذا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ " فإن كان مؤمنا قال: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبي،" فقال له:" على هذا أحييت وعليه أمتّ وعليه تبعث، انظر عن يسارك" فيفتح له باب في قبره إلى النار فيقال له:" هذا منزلك لو عصيت الله فأما إذ أطعته فأنظر عن يمينك" فيفتح له باب في قبره إلى الجنة فيدخل عليه برد منزله ولذته فيرد أن ينهض، فيقال له:" لم يأت أوان ذلك، نم سعيدا نومة العروس" فما شيء أحب إليه من قيام الساعة حتى يصير إلى أهل ومال وإلى جنة النعيم، وأما إذا كان كافرا فيقعدانه فيقولان له:" من ربك؟" فيقول لا أدري. فيقولان:" ما تقول في هذا الرجل"- يعني محمد صلى الله عليه وسلم فيقول:" كنت أقول فيه كما يقول الناس" فيقولان:" لا دريت ولا تليت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث. انظر عن يمينك" فيفتح له باب من الجنة فيقال له:" هذا منزلك لو أطعت الله فأما إذ عصيته فانظر عن شمالك فيفتح له باب من قبره الى جهنم فيدخل عليه غم منزله وأذاه ما شيء أبغض إليه من قيام الساعة فيصير إلى العذاب" (41) .
إن في هذه الأحاديث ذكرا صريحا لعذاب القبر ففي الأول دعوة إلى الاستعاذة منه، وفي الحديثين الآخرين تصوير دقيق لما يقع للميت منذ أن يوضع في قبره فيسمع نعال القوم الى أن يترك إما في روضة من رياض الجنة أو في حفرة من حفر النار.
وقد صعب على شارح هذه الأحاديث وغيرها تصور هذا النوع من الحياة فلذلك تأولوا النصوص بطرق مختلفة تتلخص في ما يلي:
أ) حياة حقيقية بالجسد والروح (42)
ب) حياة بالروح فقط (43) .
ج)حياة الروح مع جزء أو أجزاء من الجسد (44) .
ويقول المحشي ملخصا هذه القضية:" قوله: وكان جابر ممن يثبت عذاب القبر" وهذا هو الصحيح والمشهور بين العلماء وهل واقع على الروح فقط أو عليه وعلى سائر الجسد؟
قال ابن حجر (45) في حق البخاري (46) :" لم يتعرض المصنف لترجمة كون عذاب القبر يقع على الروح فقط أو عليها وعلى سائر الجسد وفيه خلاف شهير عند المتكلمين وكأنه تركه لن الأدلة التي يرضاها ليست قاطعة في أحد الأمرين فلم يتقلد الحكم في ذلك.
وكفى بإثبات وجوده خلافا لمن نفاه مطلقا من الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو (47) وبشر المريسي (48) ومن وافقهما وخالفهم في ذلك أكثر المعتزلة وجميع أهل السنة وغيرهم وأكثروا من الاحتجاج له. وذهب بعض المعتزلة كالجبائي إلى انه يقع على الكفار دون المؤمنين وبعض الأحاديث الآتية ترد عليهم" (49) .
والمهم أساسا أن هذه النصوص تثبت أن القبر جزء من عالم الجزاء بقي على أية صورة يتم هذا الجزاء فذاك محط الخلاف والتأويل إلا أن هذا لا ينبغي أن يدفع إلى إنكار الأصل إذ مهما كانت الحال التي يكون عليها الإنسان فإنه يحس بهذا الجزاء وليس مجرد جثة تأكلها الحشرات.
ويجدر أن نشير أيضا إلى أن التأويل شمل قضية أخرى متصلة بالعمل فهل أن هذا الجزاء خاص بالكفار دون المؤمنين كما يقول الجبائي أو انه خاص بالمؤمنين فقط؟ أو لا يشمل إلا العصاة من أهل الصلاة؟
قال القرطبي (50) : وهذا (العرض)( في حق المؤمن والكافر واضح فأما المؤمن المخلط فيحتمل في حقه أيضا لأنه يدخل الجنة في الجملة" (51) .
ويرد المحشي على القرطبي بقوله:" الاحتمال لا أصل له عندنا فإن المخلط كافر فيعرض عليه مقعده من النار ولا واسطة كما يدل عليه الحديث" (52) .
فالقضية ترجع إلى موضوع الأسماء والأحكام (53) وبما أن الإباضية اعتبروا كافر النعمة من أهل الوعيد أثبتوا أنه من المعذبين في القبر أما من اعتبر العصاة مغفورا وإن لم يتوبوا فطبيعي أن يعتبرهم من أهل السعادة في القبر.
ويلح تبغورين على أن عذاب القبر لأهل الكفر والنفاق فيقول:" إنما عذاب القبر في أهل الكفر والنفاق وليس هو لأهل التقى والإخلاص وهو الصحيح" (54) .
ولا يغفل العلماء عن التنبيه إلى الشهداء فهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون بصريح قوله تعالى: ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (3 آل عمران196).
فهؤلاء يقول فيهم القرطبي:" ويحتمل أن يقال إن فائدة العرض في حقهم تبشير أرواحهم باستقرارها في الجنة مقترنة بأجسادها فإن فيه قدرا زائدا على ما هي فيه الآن" (55) .
وفي آخر الفصل الذي يرد فيه أبو يعقوب الوارجلاني على المنكرين يورد خطبة لعلي ابن أبي طالب يقر بان القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار. كما يورد قصة مفادها أن جماعة أتوا يستفتون عبدالله بن عباس في أمر قبر رجل كلما حفروا لـه وجدوا أسود قد ملأ القبر فقال ابن عباس" ذلك الغل الذي يغل به" وأمرهم أن يدفنوه قائلا" فوالله لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها" وتبين من استفسار أهله أنه كان يأخذ قوته من متاع الناس.
ويلح بعد ذلك على ما شاع في أمة محمد مما أبصروه عيانا في المقابر ثم يقول أبو يعقوب:" ولو أردنا ذكر شيء من ذلك. مما رأينا وعاينا وعاينوه هم بأنفسهم لا تسع الحال، وإنفسح المجال، وفاق القيل والقال مما لا ينكره عاقل" (56) .
ويختم أبو يعقوب تحليل القضية بالتهوين من أمرها فيقول:" ومسألة عذاب القبر ليست من مسائل الديانات، فمن جهلها سلم ومن علمها غنم، ومن تورط فيها ندم" (57) .
واضح حينئذ أن الإباضية يثبتون ما في القبر من ثواب أو عقاب ويجعلون من مات على كبيرة دون أن يتوب في زمرة المعاقبين.
وقد هون الوارجلاني القضية فلم يعتبرها من مسائل الديانات وعذر فيها من جهل. وكذلك السالمي رأى أنه يصح الخلاف في عذاب القبر (58) وكذلك صاحب قاموس الشريعة:" والاختلاف في هذا جائز" ويقول أيضا" إن هذا كله في علم الغيب لا يصح فيه التحقيق" (59) .
=====================================
(32) عبد الله السالمي: المشارق: 273.
(33) الربيع بن حبيب: 2/24- 25 وخاصة عدد 484و 487 و 488.
(34) نفس المصدر: 4/18- 19 عدد 982.
(35) نفس المصدر: 1/13 عدد 43.
(36) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان ط2: 3/318- 321.
(37) المحشي: حاشية الترتيب:
1/65 أورد الحديث ولم يشر إلى القضية.
4/67- 81 حلل القضية تحليلا ضافيا.
8/105- 112 تحليل مع الإحالة إلى ج 4 باستمرار.
(38) السالمي: شرح الجامع الصحيح:
1/70- 71 اكتفى بذكر بعض آداب زيارة القبور.
2/ 348- 361 تحليل مفصل واضح، أما الجزء الأخير فلم يطبع بعد.
(39) ر. أبو داود:أدب 101 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 4/168.
(40) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح : 2/24 عدد 484 ر.البخاري: جنائز 90، بدء الخلق 8، رقاق 42 ،مسلم : جنة 65،66 الترمذي: جنائز70. النسائي: جنائز 116.ابن ماجة: زهد 32. الموطأ: جنائز48 . أحمد بن حنبل 2/16...ر. ونسنك: المعجم المفهرس 5/442.
(41) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح :4/18 عدد 982 .ر. البخاري: جنائز 68، 87. مسلم جنة 81. 82 أبو داود: جنائز 74 سنة 24. النسائي: جنائز 108. 110. أحمد بن حنبل 2/126 .ر. ونسنك: المعجم المفهرس 5/226.
ملاحظة: ويحسن أن نذكر بالاختلاف الوارد في شأن أن يعذب الميت ببكاء النائحين عليه، ويفصل المحشي القضية كما يلي: أقول :" وهذا لا يناسب ما هو المذعب من أن الله عدل لا ينسب إليه الجور في حكم ولا فعل ، وأنه لا يؤاخذ أحدا بما لم يصدر منه لقوله تعالى:] وما ربك بظلام للعبيد[ (41 فصلت 46)، وقوله:] لا يظلم ربك أحدا[ (18 الكهف 49). وقوله:] وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين[(43 الزخرف76) أي لا يؤاخذهم بغير ما اكتسبوا ، ولا يعذبهم بغير ما اجترموا فإنه تعالى نفى عن نفسه هذه الصفة وجعل مؤاخذة الإنسان بما لم يصدر منه ظلما...فالحق ما ذهبت إليه عائشة رضي الله عنها ] ألا تزر وازرة وزر أخرى[(53 النجم 38) إلا أن صح الحديث (أي الميت يعذب ببكاء أهله عليه) فيتأول بما يكون للميت فيه مدخل كأن أوصى بذلك أو لم ينه أهله من قبل كما تقدم في بعض التأويلات والله اعلم بحقيقة الحال." حاشية الترتيب: 4/74.
ويقف السالمي نفس الموقف ويختم بقوله:" ومن سلم من ذلك كله فاحتاط فنهاهم ثم خالفوه فعذابه تألمه بما يراه من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربه". عبدالله السالمي : شرح الجامع الصحيح: 2/353.
(42) ويرجح جميل بن خميس السعدي هذه الصورة فيقول :" إن الروح لا تعقل إلا في جسدها ، وأظن أنه الأصح". قاموس الشريعة :6/216. ويقول ابن حزم في ذلك :" ولم يرو أحد أن في عذاب القبر رد الروح إلا المنهال بن عمرو وليس بالقوي". المحلى: 1/22.
(43) ينقل المحشي عن ابن حجر أنه أحد قولي القرطبي.ر. حاشية الترتيب: 4/75. كما ينقل المحشي أيضا أن ابن عبد البر يذكر أن الأرواح على أفنية القبور .ر. حاشية الترتيب: 4/76.
(44) ينقل المحشي عن ابن حجر أنه أحد قولي القرطبي .ر. حاشية الترتيب: 4/75 . كما ينقل المحشي أيضا أن ابن عبد البر يذكر أن الأرواح على أفنية القبور. ر. حاشية الترتيب: 4/76.
(45) ينقل المحشي عن ابن حجر أنه أحد قولي القرطبي .ر. حاشية الترتيب: 4/75
ر. جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/216.
ملاحظة : لقد أورد جميل بن خميس السعدي كل هذه الأقوال في سياق واحد دون أن ينسبها إلى أصحابها. قاموس الشريعة: 6/215.
(46) البخاري (194- 256/810- 870) .ر. الزركلي: الأعلام 6/258.
(47) انظر ما سبق: 308.
(48) بشر المريسي (ت218/833) فقيه معتزلي عارف بالفلسفة .ر. الزركلي: الأعلام 2/28.
(49) المحشي: حاشية الترتيب: 4/80- 81 نقلا عن ابن حجر.
(50) القرطبي: حاشية الترتيب(ت 671/ 1273) المفسر.
(51) المحشي: حاشية الترتيب: 4/75.
(52) نفس المصدر.
ملاحظة: لقد أثيرت قضية الاختلاف في شأن الكافر أيسأل في القبر أم لا؟ وقد جاء في ذلك ما يلي عند المحشي:" وأما إذا كان كافرا، هذا الكلام يدل على أن سؤال القبر عام في المؤمن والمنافق خلافا لمن يزعم أن السؤال إنما يقع على من يدعي الإيمان محقا كان أو باطلا. قال ابن حجر: مستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق من طريق عبيد بن عمير أحد كبراء التابعين قال: إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ولا يعرفه.
وهذا موقوف ، والأحاديث الناصة على أن الكافر يسأل مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة فهي ألوى بالقبول.
وجزم الترمذي بأن الكافر يسأل ...حاشية الترتيب: 8/109- 110. يثبت من هذا أن الإباضية يتفقون مع ابن حجر والترمذي في أن الكافر كفر شرك أو كفر نعمة يسأل في قبره لما ثبت في ذلك من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله e .
(53) انظر ما سبق: 488
(54) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول الدين: 73.
(55) ر. المحشي: حاشية الترتيب: 4/75.
(56) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: 322- 323.
(57) أبو يعقوب الوارجلاني: الدليل والبرهان: 3/322.
(58) ر. عبد الله السالمي: المشارق: 274
(59) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/216
________________________________________
الشفاعة:
الشفاعة من شفع والشفع هو الزوج، وشفع لي يشفع شفاعة وتشفع: طلب. والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، وشفع إليه: في معنى طلب إليه، والشافع: الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب.
هذا ما جاء في لسان العرب (1) أما عمرو التلاتي فيعرفها بأنها " سؤال النبي صلى الله عليه وسلم من الله الإذن للمؤمنين في دخول منازلهم في الجنة بعد الفراغ من الحساب وبعد سؤال المؤمنين النبي أن يرسل لهم من الله تعالى ذلك الإذن" (2) ويشير إلى أنها تعني في اللغة: الوسيلة والطلب وفي العرف: سؤال الخير للغير (3) ، ويأتي تعريف السالمي أكثر شمولا حيث يقول:" وشرعا: طلب تعجيل دخول الجنة أو زيادة درجة فيها من الرب عز وجل لعباده المؤمنين فتكون للأنبياء وغيرهم، ويختص نبينا عليه السلام منها بخصلة هي تقدمه إليها قبل كل شافع، فلا تفتح بابها إلا له، ثم من بعده يشفع من شاء الله أن يشفع. قيل وهو المقام المحمود الذي في قوله تعالى: ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) (17 الإسراء79) أي يحمدك فيه الأولون والآخرون حيث لم يجدوا قبلك شافعا" (4) .
إن المتأمل في هذه التعاريف يلمس بوضوح مدى اتصال القضية بموضوع الوعد والوعيد (5) فالقائلون بإنفاذ الوعيد مثل الإباضية لا يعتبرون أن في الشفاعة دفعا للضر إلا في مستوى الدنيا أما في مستوى الآخرة فهي زيادة في جلب النفع ويقول القاضي عبد الجبار في هذا الصدد عند مناقشة المرجئة (6) :" بل لو جعل الأصل في هذا الباب النفع ويرجع بدفع الضرر إليه لكان أولى وأوجب" (7) ومثل هذا الاتجاه واضح غاية الوضوح في تعريف التلاتي والسالمي الذي جاء معبرا عن موقف الإباضية.
أما التعاريف الأخرى فقد عكست فكرة أصحابها في خلف الوعيد واعتبرت أن الشفاعة تتمثل في جلب النفع ودفع الضر والضر هنا هو الكبائر إلا أن صاحب المنار سلك مسلكا آخر في التعريف اعتمد فيه على التمثيل وانتهى إلى أن إرادة الله حسب علمه، وعلمه أزلي فلا سبيل إذن إلى فسخ إرادة الله تعالى وإنما تكون الشفاعة إكراما للشافع حيث توافق شفاعته علم الله الأزلي (8) .أما مغنية فقد أكد على أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه بهذا تختلف عن الشفاعة لدى المخلوقين لأنها قد تكون بإذنهم وقد تكون بدون إذن منهم (9) .
ويحسن هنا أن نشير إلى ما ألح عليه صاحب المنار من تأثر المسلمين بما كان عند الوثنين واليهود من تصورات فاسدة في شأن الشفاعة مما غرس في المجتمعات الإسلامية بعض العادات هي أبعد ما يكون عن الإسلام يذكر منها ما يعطي لغاسل الميت من النقد ويسمونه "أجرة المعدية" أي أجرة نقله إلى الجنة (10) .
واضح إذن أن لتصور مفهوم الشفاعة تأثيرا حضاريا واضحا، لكن قبل أن نقف عند هذا التأثير في المجتمع الإسلامي عامة وفي البيئة الإباضية خاصة يحسن أن نتعرض لما اتفقت عليه الفرق الإسلامية في شأن الشفاعة ولما اختلفت فيه.
الشفاعة المتفق عليها:
يقول القاضي عبد الجبار:" لا خلاف بين الأمة في أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثابتة" (11) والمتفق عليه نقطتان: (12)
أ) الشفاعة العظمى: أو المقام المحمود (13) وتكون في المحشر عندما يطول الانتظار (14) فيلجأ الصالحون إلى الأنبياء واحدا بعد واحد فيعتذرون إلى أن يصلوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيستجيب لهم ويدعو ربه فيأذن لهم بدخول منازلهم في الجنة (15) .
ب)الشفاعة بمعنى رفع الدرجات في الجنة (16) كما ذكر في تعريفها (17) ويجيب القاضي عبد الجبار على هذا السؤال: انصح الشفاعة في مزيد التفضل لمن حالته موفورة في النعم؟ بما يلي:" قيل له نعم وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه بقوله ( لا يشفعون إلا لمن ارتضى) (21 الأنبياء28) فوصف ذلك شفاعة وإن كان لأهل الجنة ويدل عليه قوله تعالى في حملة العرش. (يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) (40 غافر7).
والاستغفار يجري مجرى الشفاعة وقد ثبت في الشاهد أن الزيادة في النعم والإحسان قد تطلب بالشفاعات كما أن التخلص من الشدائد قد يطلب بذلك" (18) .
ويجيب المحشي على سؤال افتراضي من هذا النسق:" فإن قال قائل: إن المؤمنين قد وعدهم الله في كتابه الجنة فما حاجتهم الى الشفاعة؟ بما يلي: قيل له" إن الشفاعة زيادة في الثواب وتشريف في المنازل وأيضا فإن المؤمنين تكون عليهم الذنوب والتبعات من قبل الأرحام والقرابات ومن حقوق الجيران والأولاد والزوجات وما أشبه ذلك، ألا ترى إلى قول الله تعالى وحكاية عن المؤمنين ( يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير) (66 التحريم8) فأخبر أنهم يسألونه إتمام نورهم وغفران ذنوبهم وهم يمشون على قناطر جهنم قبل دخول الجنة، ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي" (19) .
ويقول الجيطالي أيضا:" والشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب ولكن الشفاعة زيادة لهم في الثواب وتشريف في المنازل" (20) .
والأشاعرة أيضا يقولون بهذا المعنى إذ جاء عند البيجوري عند تعداد الشفاعات ما يلي:" منها شفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها" (21) .
ويقول يوسف المصعبي:" وما صاحب الكشاف فقال:" عن الشفاعة ثم في زيادة الفضل لا غير" فيؤخذ منه أن المعتقد عندهم مساو لما هو عندنا من نفي الشفاعة في الكبائر وتخصصها برقع الدرجات كما دل على ذلك قوله تعالى: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (21 النبياء28) وغير ذلك كما هو معلوم (22) .
أما جواد مغنية فإنه لم يشر إلى القضية وسلك مسلكا آخر فيه احتزاز كبير سنشير إليه بعد حين (23) .
والملاحظ أن في هذا الاتفاق حول هاتين النقطتين نظرا لأنهما لمن تأتيا منفصلتين عن بقية الموضوع، ودفاعا من اثبتوا الشفاعة للتائبين عن موقفهم يدل على صراع في النقطة الثانية، أما في النقطة الأولى فالتفصيل فيها واضح إذ يرى مثبتو الشفاعة لهل الكبائر أن الشفاعة عامة بينما يرى الآخرون أنها خاصة بالصالحين.
وقبل أن نبين حجج هؤلاء وأولئك يحسن أن نشير إلى الحقيقة التالية وهي: أن الإباضية يعتبرون أن الشفاعة واحدة ويقول يوسف المصعبي في ذلك نقلا عن الجيطالي ما يلي:" وكلامه أيضا في شرح النونية صريح في أنها في المحشر والظاهر أنها قبل الحساب، ويستمر حكمها إلى الشفاعة في زيادة الثواب وتشريف المنازل وأن ذلك كله في الموقف قبل دخول الجنة فلا يدخل أحد الجنة إلا وقد علم منزله الذي صار إليه بالعمل الصالح ورحمة الله وشفاعة المصطفى وغيره ممن تحصل منه الشفاعة فإذا دخل أحد منزله فلا ينتقل منه بعد ذلك فلا منافاة بين كونها في المحشر للإراحة من الموقف وكونها لزيادة الثواب ورفع المنازل فإن الشفاعة واحدة لكنها تتضمن ذلك كله" (24) .
أما الأشاعرة فيعتبرونها شفاعات يصلون بها إلى الثمانية : وانه صلى الله عليه وسلم له ثمان شفاعات نذكر منها ثلاثا على سبيل المثال:
1- أعظمها شفاعته المختصة به للإراحة من طول الموقف وهو أول المقام المحمود.
2- وثانيها: في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهي مختصة به في قول النووي (25) .
1- وثالثها: فيمن استحق دخول النار ألا يدخلها وفي اختصاصها به أيضا تردد...". (26)
إن هذا العرض يثبت اختلافا في تصور قضية الشفاعة وإن اتفق على ثبوتها فبم يستدل هؤلاء وأولئك؟
============================
(1) ابن منظور : لسان العرب: مادة شفع.
(2) عمرو التلاتي: نخبة المتين: 165.
(3) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 117 وجه ر. عبد العزيز الثميني : النور 299 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 33 قفا. عبدالله السالمي: المشارق: 287.
والملاحظ أن الأباضية اتجهوا هذا الاتجاه في تفسير الشفاعة من وقت مبكر اعتمادا على ما جمعه الربيع بن حبيب من أحاديث .ر. النامي الأطروحة :237 وتجدر الإشارة إلى أن تبغورين بن عيسى الملشوطي يقر بنفس المعنى إلا أنه لم يعرف الشفاعة تعريفا اصطلاحيا واضحا، وكذلك فعل يوسف المصعبي في حاشيته على أصول تبغورين (ر. كتاب أصول الدين: 70- 71. وحاشية المصعبي عليه: 111- 116), كما أن البرادي لم يضبط التعريف الاصطلاحي في رسالة الحقائق.
(4) عبدالله السالمي: المشارق: 287.
ملاحظة: وللتوسع في تعريف الشفاعة عند الأشاعرة والمعتزلة والشيعة راجع ما يلي : القرطبي، أحكام القرآن: 1/378. الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 1/486. القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة :688. محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف:1/97.
(5) يقول القاضي عبد الجبار: " ووجه اتصاله(فصل في الشفاعة) بباب الوعيد هو أن هذا أحد شبه المرجئة الذين يوردون علينا طعنا في القول بدوام عقاب الفاسق". الأصول الخمسة : 687.
(6) وقالت المرجئة:" إن موضوع الشفاعة إنما هو لدفع الضرر عن المشفوع له لا غير." القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة :69
(7) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 690.
(8) محمد عبده: تفسير المنار 1/ 308 " وإنما هي( الشفاعة) إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقب دعائه". واضح أن صاحب المنار خالف الأشاعرة رغم انتمائه إليهم، ورأى أن الصواب حليف الذين لا يتوسعون في أمر الشفاعة، ويرى أنها لا يمكن أن تشمل أهل الكبائر.
(9) ر. محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف:1/97- 98.
(10) ر. محمد عبده: تفسير المنار 1/306.
(11) القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة : 688
(12) ويقول الطاهر بن عاشور:" واتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع الدرجات ولم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداء". التحرير والتنوير: 1/487 .
(13) وعن المقام المحمود ينقل المحشي عن إسماعيل الجيطالي ما يلي:" وقال أيضا في قنطرة الإيمان: في ما يجب على الإنسان أن يعتقده : التاسعة : الشفاعة وهي حق، فمن كذب بها فقد كذب القرآن، وهو المقام المحمود قال الله لنبيه عليه السلام: ] عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا[( 17الإسراء 79) أي يحمده فيه الأولون والآخرون
يحمده الآخرون بما فتح لهم من الشفاعة ، وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها النبي عليه السلام .
ويحمده الآخرون حيث نجاهم من هول المقام." إسماعيل الجيطالي كتاب قناطر الخيرات: 230 .
المحشي: حاشية الترتيب: 8/137.
راجع في هذا الشأن القرطبي: أحكام القرآن : 10/309- 312. ويورد في ذلك أربعة أقوال:
1) الشفاعة العظمى.
2) أن يكون لواء الحمد بيد الرسول عليه السلام.
3) أن يجلس الرسول عليه السلام على الكرسي مع الله تعالى.
4) إخراج الرسول عليه السلام من يخرج بشفاعته من النار. ويلح على أن أصحها القول الأول، ويدعم ذلك بما رواه البخاري عن جابر بن عبدالله أن رسول الله e قال: " من قال حين سمع النداء (الآذان) اللهم ربي هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد e الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة". ر. البخاري: آذان 8. تفسير سورة الإسراء 11. مسلم: صلاة 43. النسائي: آذان 37- 38. ابن ماجة: آذان 4. أحمد بن حنبل 2/168. 3/245.ر. ونسنك المعجم المفهرس 3/151.
(14) هناك اختلاف جزئي سنعود إليه عند ذكر الحديث وتحليله.
(15) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح : 4/23 عدد 1004. ويقول المحشي في شاشية الترتيب: 8/139، " وقد طلبها المسلمون ليستريحوا كما ذكر في الحديث عندنا دون الكفار خلاف لما رواه قومنا من أن أهل الموقف جميعا يفزعون إلى من ذكر من المرسلين" .ر. الإيجي: المواقف: 2/449 .ر. الرازي: التفسير الكبير: 1/63- 64.
(16) يقول القرطبي وهو يعدد أنواع الشفاعات:" الخامسة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها ، وهذه لا ينكرها المعتزلة. وتنكر شفاعة الحشر الأول ". أحكام القرآن :10/310. ويقول القاضي عبد الجبار:" فأما قولنا في إثبات الشفاعة فهو معروف ، ونزعم أن من أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم لكنا نقول لأهل الثواب دون أهل العقاب، ولأوليائه دون أعدائه، ويشفع e في أن يزيدهم تفضيلا عظيما". فضل الاعتزال : 207.
(17) انظر ما سبق : 654
(18) القاضي عبد الجبار: فضل الاعتزال 207- 208.
(19) المحشي: حاشية الترتيب 8/102 ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 118 وجه عبد العزيز الثميني: النور 302. وجاء الحديث بصيغة " فيدخلهم الجنة برحمته بعد شفاعة من يشفع "ر. أحمد بن حنبل 2/400.ر. ونسنك : المعجم المفهرس 3/152.
(20) إسماعيل الجيطالي: القناطر ط 2: 1/321.
(21) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد : 187. أما الرازي فقد ناقش بقوة هذا الموقف وألح على أن التائب ليس في حاجة إلى شفاعة وهو بذلك مخالف لما جاء عند الأشاعرة : التفسير الكبير :1/61- 62. أما الإيجي فإنه لم يحلل القضية بل أشار إليها إجمالا وأحال على تفسير الرازي . الإيجي : المواقف: 2/450.
(22) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 91 وجه.
(23) محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف:1/97- 98.انظر 694 تعليق: 120 ملاحظة.
(24) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين :111- 112.
(25) النووي( 631- 676/ 1233- 1277) يحي بن شرف النووي الشافعي. علامة بالفقه والحديث ر. الزركلي: الأعلام: 9/183.
(26) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 117 وجه وقفا. عبد العزيز الثميني: النور 300 ويورد البيجوري ستة منها ثم يقول :" ومنها غير ذلك كما ذكره السيوطي": شرح جوهرة التوحيد: 187.
________________________________________
الشفاعة المختلف فيها:
أدلة مثبتي الشفاعة لهل الكبائر (27)
يقول جواد مغنية:" والعقل لا يحكم بالشفاعة من حيث الوقوع لا سلبا ولا إيجابا أما من حيث الإمكان فإن العقل لا يرى أي محذور من وجود الشفاعة وعليه يتوقف وقوعها وثبوتها على صحة النقل عن الله ورسوله" (28) .
أما محمد عبده فيرى أنه ليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة وما جاء متن آيات عديدة تشير إلى الشفاعة ليس إلا من المتشابهات (29) وفعلا نجد نفس الآيات يتأولها الطرفان كل حسب النفي أو الإثبات.
أ) الأدلة من القرآن الكريم (30) :
- قوله تعالى: ( ولا يقبل منها شفاعة) (31) يقول الرازي في تفسير هذه الآية:" هب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل فإذا قامت الدلائل على وجود الشفاعة وجب المصير الى تخصيصها". (32)
ويقول أبو السعود:" وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر والجواب أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديث المروية فيها" (33) .
- وقوله تعالى: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (34) لقد جاء عند الرازي ما يلي:" وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة وغنما قلنا إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده... وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق" (35) ويقول الأشعري إجابة عمن سأل عن هذه الآية " فالجواب عن ذلك:( إلا لمن ارتضى) فهم يشفعون له" (36) .
- وقوله تعالى: ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا) (37)
يقول الرازي:" والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهدا، فكل من اتخذ عند الرحمن عهدا وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهدا وهو التوحيد والإسلام فوجب أن يكون داخلا تحته" (38) .
- وقوله تعالى: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع) (39) يقول الرازي فالجواب عنه أن قوله ( وما للظالمين من حميم ولا شفيع) نقيض لقولنا للظالمين حميم وشفيع لكن قولنا للظالمين حميم وشفيع موجبة كلية ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية والسالبة يكفي في صدقها تحقيق ذلك السلب في بعض الصور، ولا يحتاج فيه إلى تحقيق ذلك السلب في جميع الصور وعلى هذا نحن نقول بموجبه عندنا لن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا (40) ".
- وقوله تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين) (41) يقول الرازي " فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين" (42) .
تلك بعض الآيات التي رأى فيها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر دليلا على موقفهم وقد اكتفينا بما جاء عند الرازي لنه حلل القضية بحماس وكل من جاء بعده لم يخرج عن الدائرة التي رسمها (43) .
أ) الأدلة من الحديث الشريف:
واضح أن العمدة الأساسية في قضية إثبات الشفاعة هي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول محمد عبده في هذا الشأن:" ولكن ورد الحديث بإثباتها" (44) .
ومعلوم أن الاستشهاد بالحديث يثير اكثر إشكالا من القرآن الكريم ذاك لن التأويل مع القرآن يتمثل نصا متفقا عليه عنه المسلمين بينما تتعلق بالحديث قضيتان فقضية السند وقضية المتن ويكفي أن يضاف نفي لجملة ما فينقلب المعنى من الإثبات الى عكسه وموضوع الشافعة تكدره هذه النقطة بالذات كما سنرى.
وسنحاول أن ننتخب بعضا من الأحاديث لنتبين كيف بتصرف مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر ومن ذلك:
- ما جاء عن أبي هريرة قال: " أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك؟ قالوا:" لا يا رسول الله" قال:" يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب مالا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض:" ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم"؟ فيقول بعض الناس لبعض:" أبوكم آدم" فيأتون آدم فيقولون :" يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا" فيقول لهم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي ، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح". فياتون نوحا فيقولون:" يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه" فيقول لهم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإن كانت لي دعوة دعوت بها إلى قومي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم". فياتون إبراهيم عليه السلام فيقولون:" أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه". فيقول لهم إبراهيم:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وذكر كذباته نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى". فيأتون موسى ويقولون:" يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالاته وبكلامه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه". فيقول لهم موسى:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها ،نفسي ، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى عيسى ابن مريم". فيأتون عيسى فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا الى ربك ألا ترى ما نحن في؟" فيقول لهم عيسى:" إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر له ذنبا ،نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد" فيأتون فيقولون:" يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا الى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟" فأنطلق وأستأذن على ربي فيأذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول لي:" يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع، وسل تعطه واشفع تشفع" فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثم أرجع فأقول:" يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود" . (45)
يقول الرازي بعد أن أثبت أن هذا واحد من الأخبار:" وغن كان مرويا بالآحاد إلا أنها (الأخبار) كثيرة جدا وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مرويا على سبيل التواتر فيكون حجة والله أعلم". (46)
- وقوله صلى الله عليه وسلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" . (47)
رغم صراحة هذا النص فإن الرازي اضطر أمام مطاعن المنكرين من المعتزلة أن يقول:" واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة" (48) .
- وما رواه أبو هريرة قال: " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (49) .
يقول الرازي:" والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا وصاحب الكبيرة كذلك فوجب أن تناله الشفاعة" (50) .
- وما جاء عن أبي سعيد الخدري قال: " وأما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم وقال بخطاياهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن الشفاعة فجيء بهم ضبائر فبثوا على انهار الجنة، ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبّة تكون في حميل السيل" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (51) .
وقد اعتبره ابن حزم دليلا على الشفاعة لأهل الكبائر وإن لم تشر إليه الكتب الأخرى التي وقفنا عليها مثل تفسير الرازي وتفسير القرطبي وتفسير ابن عاشور.
- وما جاء عند الأشعري:" ونقول إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا (52) بشفاعة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديقا لما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (53) .
هذه مجموعة الأحاديث التي يستدل بها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر ويناقش الأشعري المعتزلة بشدة لنفيهم مثل هذه الشفاعة الى أن يقول:" وإنما الشفاعة المعقولة في من استحق عقابا أن يوضع عنه عقابه أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل به عليه فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا" (54) .
تلك هي الأدلة النقلية التي أثبت بها هؤلاء الشفاعة لأهل الكبائر فكيف كان رد المنكرين لها على هذا الصحيح؟
==========================
(27) الأشاعرة والإمامية." والذي يذهب إليه أبو هاشم هو أنه تحسن الشفاعة مع إصرار المذنب على الذنب كما في العفو". القاضي عبد الجبار : الأصول: 688.
(28) محمد جواد مغنية: التفسير الكاشف:1/97.
(29) ر. محمد عبده : تفسير المنار: 1/307.
(30) لا نرى ضرورة بأن نورد كل ما استدل به وإنما ننتخب ما نراه أكثر تعبيرا عن الغرض.
(31) 2 البقرة 48. والخطاب موجه في السياق لبني إسرائيل والآية هي:] واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون[.
(32) الرازي : التفسير الكبير:1/65.
(33) أبو السعود : تفسير أبي المسعود 1/121 وعن أبي السعود (1295/ 1879) ر. الزركلي: الأعلام 3/142.
(34) 21 الأنبياء 28 والحديث في السياق عن فضائل الملائكة والآية ] يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون[.
(35) الرازي : التفسير الكبير 22/60.
(36) الأشعرية : الإبانة 178.
(37) 19 مريم 87 والسياق يذكر حال المتقين والمجرمين يوم القيامة، وهو :] يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا(85)ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا(86)لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا[(19 مريم 85- 87).
(38) الرازي : التفسير الكبير 3/59- 60.
(39) 40 غافر 18 والآية :] وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع[.
(40) الرازي : التفسير الكبير: 1/65.
(41) 74 المدثر 48 والسياق يعرض الجواب عن تساؤل أصحاب اليمين عن الأسباب التي أدت بالمجرمين إلى الجحيم.] قالوا لم نك من المصلين(43)ولم نك نطعم المسكين(44)وكنا نخوض مع الخائضين(45)وكنا نكذب بيوم الدين(46)حتى أتانا اليقين(47)فما تنفعهم شفاعة الشافعين[.
(42) الرازي : التفسير الكبير: 1/65.
(43) ر. القرطبي: أحكام القرآن: 1/379- 380. ابن عاشور: التحرير والتنوير: 1/487 .ر. الإيجي :المواقف: 2/450.
(44) محمد عبده : تفسير المنار: 1/307.
(45) ر. البخاري: أنبياء 3. تفسير سورة الإسراء 5. مسلم : إيمان 327. 328 أبو داود: اطعمه 6( الترمذي: طعمه 34 ، قيامة 10، ابن ماجة طعمه 28 أحمد ابن حنبل 1/334...ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/176. ويقول الرازي بعد نقل الحديث:" واكثر هذا الخبر مخرج بلفظة في الصحيحين" . التفسير الكبير: 3/65.
(46) الرازي : التفسير الكبير: 1/65.
(47) الرازي : التفسير الكبير: 3/62- 63. رواه أبو داود رقم 4739 في السنة باب في الشفاعة ، والترمذي رقم 2437 (2438) في الزهد باب رقم 12 ، وأحمد في المسند، وابن حبان والحاكم عن انس رضي الله عنه ، والترمذي وابن ماجة والحاكم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وهو حديث صحيح .ر. تحقيق الإبانة تعليق 46: 178.ر. ونسنك المعجم المفهرس 3/151.
(48) الرازي : التفسير الكبير 3/63.
(49) نفس المصدر: 63. وعن الحديث ر. البخاري توحيد 31، دعوات 1. مسلم: إيمان 334، 345. الترمذي : دعوات 130 . ابن ماجة : زهد 37. الدارمي :سير 28، رقاق 85. الموطأ : قرآن 26. أحمد ابن حنبل 1/281...ر. ونسنك : المعجم المفهرس : 3/152 وقد أورده ابن حزم في المحلى :1/17 إلا أنه وقف عند قوله :" لأمتي يوم القيامة" وكذلك فعل الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير: 1/487.
(50) الرازي : التفسير الكبير 3/63.
(51) رواه ابن حزم بسنده في المحلى :1/17 وسنده هو: حدثنا نصر بن علي حدثنا بشر يعني ابن الفضل- عن أبي سلمة- هو سعيد بن زيد – عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري. انظر ما سبق: 626.
(52) محشت النار جلده: أحرقته. ما يلي: 749- 750
(53) حديث الإخراج من النار أخرجه البخاري 11/399 في الرقاق، باب الصراط جسر جهنم. ومسلم رقم 182 في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية من حديث أبي هريرة. والدارمي: 1/27- 28 باب ما اعطى النبي e من الفضل من حديث انس بن مالك.
وحديث الشفاعة رواه البخاري 13/395- 397 في التوحيد باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم و 13/332 باب قوله تعالى: ] لما خلقت بيدي[(ص 75) و13/ 398 باب قوله تعالى : ] وكلم موسى تكليما[(4 النساء164) و 8/ 122 في تفسير سورة البقرة باب: ] علم آدم الأسماء كلها[(2 البقرة 31) ومسلم رقم 193 من حديث انس بن مالك ، والبخاري 6/264و 265 ومسلم (194) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها من حديث أبي هريرة . والبخاري 11/367و 371 من حديث جابر. الأشعري: الإبانة: 23 وتخريج الأحاديث عن نفس الكتاب تعليق 2 ص 14 وتعليق 10 ص 23.
(54) الأشعرية: الأبانة: 179.
________________________________________
أدلة منكري الشفاعة لهل الكبائر (55) :
ذكرنا أن كل الفرق مقرة بوقوع الشفاعة إلا أن الاختلاف بدا واضحا في من تكون هذه الشفاعة والإباضية والمعتزلة يعتبرون أنها خاصة بالمؤمنين الموفين فما أدلتهم على ذلك من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؟
أ) الأدلة من القرآن الكريم:
لقد جمع عمرو التلاتي كل الآيات التي احتج بها المثبتون في سياق واحد مع آيات أخر، واعتبرها دليلا على أن الشفاعة للمؤمنين فقط فقال:" إن أصحابنا رحمهم الله تعالى قالوا إن الشفاعة حتى لا شك فيه وإنها للمؤمنين لا لهل الكبائر العاصيين والفجار الفاسقين لقولـه تعالى: ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (21 الأنبياء28) (56) وسنبين موقف المنكرين من نفس الآيات التي اعتمدها المثبتون لتبيين مدى قوة حجتهم.
- قوله تعالى ( ولا يقبل منها شفاعة) (2 البقرة48) لقد رد يوسف المصعبي على البيضاوي بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (57) ولقد نفى محمد اطفيش عن هذه الآية التخصيص الذي احتج به المثبتون فقال:" ولا يخفى أن النفس التي ذكر الله عز وجل أنها لا تجزي عنها نفس ولا يقبل شفاعة شافع لها، ولا فداء ولا تنصر هي التي أوبقتها معاصيها وماتت مصرة عن حق لزمها فكل نفس بهذه الصفة لا شفاعة فيها مشركة أو فاسقة، فلا شفاعة لهل الكبائر المصرين والخطاب في قوله(واتقوا) ولو كان لبني إسرائيل لكن قوله( ولا تجزي نفس عن نفس شيئا) الخ عام ولا يمكن أن يقال خاص" (58) ثم يذكر كل الأحاديث التي تدعم موقفه (59) .
- وقوله: ( لا يشفعون إلا لمن ارتضى) (21 الأنبياء28) يقول يوسف المصعبي:" قوله أن لهم ومثله قول البيضاوي أن يشفع لـه مهابة منه وفي هذا التفسير صرف للآية عن ظاهرها لتكون وفق معتقدهم من جواز الشفاعة للعصاة مع أن الآية بظاهرها ناعية على بطلان ما ذهبوا إليه. وأما صاحب الكشاف ففسرها على ظاهرها حيث قال:" ومن تحفظهم انهم لا يحسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله وأهله للشفاعة في ازدياد الثواب والتعظيم والحاصل أن الشفاعة تكون لإراحة الخلق من الوقوف وتمسى الشفاعة العظمى وتكون للمسلمين برفع الدرجات كما هو معلوم" (60) .
ويقول السالمي :" ففي الأولى (يشير الى هذه الآية) تصريح بان الشفاعة مقصورة على من ارتضاه الله تعالى (61) ".
- وقوله تعالى: ( لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمان عهدا) (19 مريم 87) (62) قال تبغورين :" وعهده الوفاء بدينه" (63) ويقول محشية:" هذا أحد تفسيرين ذكرهما الشيخ هود والثاني المحافظة على الصلوات الخمس وقال بعضهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا بعمل صالح" (64) كما يقول يوسف المصعبي:" المناسب لما هو المعتقد عندنا ما فسر به العهد صاحب الكشاف حيث قال:" واتخاذ العهد الاستظهار بالإيمان والعمل" (65) .
كما يرى أن في استدلال تبغورين بهذه الآية نظرا " وذلك أن المقصود إنما هو الرد بهذه الأدلة على من يثبت الشفاعة للعصاة الموحدين كما دل سياق كلامه. وظاهر هذه الآية يدل على أن الشافعي لا يأتيها- الشفاعة- إلا إن كان ممن اتخذ عند الرحمن عهدا على ما سبق من تفسير العهد، والكلام في المشفوع له لا في الشافع والله أعلم" (66) . والحقيقة أن الآية تحتمل المشفوع لـه أيضا كما ذهب إلى ذلك الرازي وإن اتخذ موقفا آخر في التأويل (67) وكما أشار إلى ذلك الزمخشري كما ذكرنا ذلك في التعليق.
- وقوله تعالى: ( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) (40 غافر 18): قال محمد اطفيش:" أي لا شفيع البتة فضلا عن أن يطاع فلا شفاعة ولا طاعة شفيع قال الحسن: والله ما يكون لهم البتة شفيع (68) وهذا هو المراد...ويجوز أن يراد الظالم مشركا أو موحدا" (69) .
ويقول السالمي : وفي الثالثة( يشير إلى هذه الآية) دليل على نفيها (الشفاعة عن الظالم وهو اسم لكل من ظلم نفسه أو ظلم غيره فلا تخص المشركين كما زعموا فغنها وإن كان سبب نزولها فيهم فلا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ" (70) .
- وقوله تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين) (74 المدثر 48)
يقول محمد اطفيش :" أو المراد انتفاء الشافع فضلا عن أن يشفع وذلك من نفي اللازم بانتفاء الملزوم والسبب انتفاء المسبب كقولك:" لا أراك هنا" أي لا تكن هنا فضلا عن أن أراك" (71) .
هذه وقفات منكري الشفاعة لهل الكبائر عند بعض الآيات ويحسن أن نذكر بقية الآيات التي يستشهدون بها كما جاءت في شرح النونية.
"... وقولـه تعالى: ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن) (20 طه 109) وقوله تعالى حكاية عن أهل الكبائر: ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) (26 الشعراء100) وقوله: ( واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) (31 لقمان33) أي لا يجزي والد عن ولده المطيع أمر الله عز وجل ونهيه ولا مولود عن والده المضيع لهما أيضا" (72) .
وجاء ذكر آيات أخر في أصول تبغورين: مثل (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون) (44 الدخان41).
كما يقول تبغورين" وكيف يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر بعدما أخبر الله عنهم أنهم أعداؤه في قوله ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (43 الزخرف 67) وفي قوله: ( فإن الله عدو للكافرين) (2 البقرة 98) وقالت الملائكة عليهم السلام (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) (40 غافر7)...
وقول الله: ( لا ينال عهدي الظالمين) (2 البقرة 124) وقال الله في الزاني: ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله) (24 النور 3) هذا في حدود الدنيا التي يتراحم فيها العباد بالترك والعفو والإعراض عنها وكيف بالآخرة التي لا تواصل فيها ولا تراحم" (73) مع الاستشهاد بما جاء في آيات تثبيت الخلود لمرتكبي الكبائر (74) .
كما أورد أبو مهدي ما يلي:" وقال الله تعالى: ( يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) ...الآية (75) وقال في امرأة نوح ولوط ( كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا) (66 التحريم 10) فكيف طمع أهل الكبائر المصرين عليها مع هذا في شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم " (76) .
وقبل أن نقارن بين الاستدلالات يحسن أن نورد احتجاج منكري الشفاعة لأهل الكبائر بالحديث الشريف.
==================
(55) المعتزلة والإباضية .
(56) ر. عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 117 قفا .ر. عبد العزيز الثميني النور: 301 وسلك السالمي نفس المسلك ر. المشارق 287. وكذلك المحشي حاشية الترتيب: 4/102 وكذلك تبغورين: أصول الدين 70- 71 وكذلك القاضي عبد الجبار الأصول: 689 وفي كتاب فضل الاعتزال : 207- 208. وأورد الرازي احتجاجهم بهذه الآيات للرد عليها. التفسير الكبير: 1/63.
(57) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 33 قفا
(58) امحمد اطفيش هيميان الزاد ط 2: 2/ 23.
(59) انظر ما يلي سنورد هذه الأحاديث 677.
ويقول الزمخشري: "فان قلت هل فيه دليل على أن الشفاعة للعصاة؟" قلت :" نعم لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى ألان تقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاه". الزمخشري: الكشاف 1/279.
ويذكر الرازي عن المعتزلة في شأن هذه الآية ما يلي:" هذه الآية قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه:
الأول : قوله تعالى: ] لا تجزي نفس عن نفس شيئا[ ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئا.
الثاني :قوله تعالى:] ولا يقبل منها شفاعة[ وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة.
الثالث: قوله تعالى:] وهم لا ينصرون[ (41 فصلت16) ولو كان محمد e شفيعا لأحد من العصاة لكان ناصرا له وذلك على خلاف الآية". الرازي: التفسير الكبير 3/56.. ويقول القاضي عبد الجبار :" إن من حكم ذلك اليوم أن المرء ينتفع بعمله دون هذه الأمور وأن العقاب لا يتخلصون إلا بما يكون منهم في الدنيا من التوبة وتلافي المعصية ." القاضي عبد الجبار : تنزيه القرآن عن المطاعن : 24.
(60) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 580 قفا و 581 وجه .ر. الزمخشري: الكشاف: 2/569.
(61) عبدالله السالمي: المشارق: 287.
ويستدل القاضي عبد الجبار بالآية في سياق نفي الشفاعة لأهل الكبائر في الأصول :289، وفي فضل أهل الاعتزال: 207.
ويورد الرازي قول المعتزلة فيها بما نصه:" أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل ، والفاسق ليس بمرتضي عند الله تعالى : وإذا لم تشفع الملائكة فكذا الأنبياء عليهم السلام لأنه لا قائل بالفرق،" الرازي: التفسير الكبير 3/57.
(62) قال الزمخشري ويجوز أن ينتصب (عهدا) على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة من اتخذ، والمراد لا يملكون أن يشفع لهم، واتخاذ العهد الاستظهار بالعمل الصالح ...وقيل كلمة الشهادة أو يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا، إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها وتعضده مواضع في التنزيل.] وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى[ (53 النجم26) الكشاف: 2/525.
(63) تبغورين : أصول الدين: 71.
(64) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين:115
(65) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 562 قفا. ثم نقل الحديث الذي ذكره الكشاف. واكتفى بذلك.
(66) يوسف المصعبي: حاشية على أصول تبغورين: 116
(67) انظر ما سبق: 664
(68) وقد نقل الزمخشري نفس الرواية عن الحسن . الكشاف: 3/421.
(69) محمد أطفيش تيسير التفسير ط1: 5/112
ويستشهد القاضي عبد الجبار بالآية في نفس السياق فيقول:" فالله تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع البتة فلو كان النبي شفيعا للظالمين لكان لا أجل ولا أعظم منه . الأصول الخمسة 689. كما يقول :ذلك: ( أي ورود الآية بعد قوله تعالى:] وأنذرهم يوم الآزقة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين[ يمنع من صرف قوله:]ما للظالمين[ إلى أن الراد بها للدنيا دون الآخرة. فضل الاعتزال: 208 ويقول الزمخشري: فان قلت: ما معنى قوله تعالى:] ولا شفيع يطاع[؟
قلت : يحتمل أن يتناول النفي الشفاعة والطاعة معا، وأن يتناول الطاعة دون الشفاعة... فان قلت: فعلى أي الاحتمالين يجب حمله؟ قلت: على نفي الأمرين جميعا من قبل أن الشفعاء هم أولياء الله لا يحبون ولا يرضون إلا من أحبه الله ورضيه وإن الله لا يحب الظالمين فلا يحبونهم، وإذا لم يحبوهم لم ينصروهم ولم يشفعوا لهم. قال تعالى : ] وما للظالمين من أنصار[(2 البقرة 270) وقال:] ولا يشفعون إلا لمن ارتضى[(21 الأنبياء28) ولأن الشفاعة لا تكون إلا في زيادة التفضل، وأهل التفضل وزيادته إنما هم أهل الثواب بدليل قوله تعالى:]ويزيدهم من فضله[(4النساء173) . الكشاف 3/420- 421
وينقل الرازي عن المعتزلة ما يلي:" والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره". التفسير الكبير: 3/56.
(70) عبدالله السالمي: المشارق: 287.
(71) محمد أطفيش تيسير التفسير ط1: 6/415.
يقول الزمخشري: أي لو شفع لهم الشافعون جميعا من الملائكة والنبيين وغيرهم لم تنفعهم شفاعتهم لأن الشفاعة لمن ارتضاه الله وهم مسخوط عليهم، وفيه دليل على أن الشفاعة تنفع لأنها تزيد درجات المرتضين. الكشاف: 4/187. ويختصر الرازي استدلال المعتزلة بالآية كما يأتي:" ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية . التفسير: 3/57. ويعتبر محمد عبده الآية ناطقة بنفي منفعة الشفاعة. تفسير المنار: 1/307 ويحسن هنا أن نورد حوصلة مهمة لصاحب المنار حول عدة آيات في الشفاعة خلص منها إلى انتقاء وجود نص قطعي الدلالة على الشفاعة في القرآن الكريم" في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة ] لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة[ (2 البقرة 254) وأخرى ناطقة بنفي الشفاعة كقوله عز وجل : ]فما تنفعهم شفاعة الشافعين[ (74المدثر 48) وآيات تفيد النفي بمثل قوله:] إلا بإذنه[(2 البقرة 255) وقوله:] إلا لمن ارتضى[(21 الأنبياء 28) فمن الناس من يحكم الثاني بالأول ، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فتحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء أي الاستثناء بالإذن والمشيئة معهود في أسلوب القرآن في مقام القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل. كقوله تعالى: ] سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله[ (87 الاعلى7) وقوله:] خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك[(11هود 108). فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها في معناها. تفسير المنار: 1/307.
(72) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 117 قفا . عبد العزيز الثميني: النور: 301
(73) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول تبغورين: 71.
(74) انظر ما يلي: 729
(75) الأحزاب 30] يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا[
(76) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل : الرد على البهلولي: 155- 156.
________________________________________
ب) الاحتجاج بالحديث الشريف:
إن المتأمل في احتجاج الطرفين يدرك حقيقة ما وصل إليه محمد عبده (77) من أن الأساس في إثبات الشفاعة هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك أن كل محتج إذا استعصى عليه التأويل يفزع إلى الحديث ليدعم موقفه ومعلوم أن الحديث جاء مبينا لما جاء مجملا في كتاب الله تعالى لكن هنا تختلف الروايات وباختلافها تتباين المواقف وتتباعد وسنقف عند نفس الأحاديث التي استدل بها مثبتو الشفاعة لأهل الكبائر كما يرويها المثبتون.
- جاء في الجامع الصحيح ما يلي: ذكر لنا في حديث الشفاعة (78) أن أهل الإيمان يحبسون في الموقف بعدما قد بشروا عند الموت وبعد ما أجابوا عند المحنة في القبور أن الله ربهم قد غفر لهم وأخذهم كتبهم بأيمانهم وابيضت وجوههم وثقلت موازينهم وأراد الله أن يدخلهم الجنة بالشفاعة والشفاعة مخزونة لا يصل إليها نبي ولا ملك حتى يفتحها الرسول صلى الله عليه وسلم قال والأنبياء ومن اتبعهم محبوسون الأولون والآخرون، قال: فينما هم كذلك فيقولون:" لو استشفعنا الى ربنا فيريحنا من هذا المقام" فيقول بعضهم لبعض:" عليكم بآدم" فيأتونه فيقولون:" أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته فلو استشفعت لنا الى ربك فيريحنا من هذا المقام" فيقول:" فني أكلت الشجرة التي نهاني الله عنها وإني استحيي من لقاء ربي ولكن عليكم بنوح فإنه أول نبي أرسله" فيأتون نوحا فيقولون:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" غني سألت ربي ما ليس لي به علم وأنا استحي من لقاء ربي لكن عليكم بإبراهيم خليل الرحمن" فيأتونه فيقولون له:" لو استشفعت لنا ربك". فيقول إني استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بموسى كليم الله". فيأتونه فيقولون له:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" غني قتلت نفسا فأنا استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته" فيأتونه فيقولون لـه:" لو استشفعت لنا ربك" فيقول:" إني عبدت من دون الله فأنا استحي من لقاء ربي ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم عبد قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر" قال النبي صلى الله عليه وسلم :" فيأتوني فامشي بين سماطين من المؤمنين فأقرع باب الجنة فإذا فتح لي (كذا) ثم يقال لي:" يا محمد اشفع نشفعك فيقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن" يعني وجب عليه الخلود في النار" قال لهل العلم: هو المقام المحمود الذي يحمده فيه الأولون والآخرون حيث نجاهم الله من ذلك المقام ويحمده الأولون بما فتح لهم من الشفاعة وكانت مخزونة لا يصل إليها أحد حتى يفتحها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفع آدم في وقت له في ولده ثم يشفع الأنبياء كل نبي يشفع لأمته ويشفع المؤمنون وكذلك شاء الله أن يدخل المؤمنون الجنة بالشفاعة حتى بلغنا أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته إذا كانوا مؤمنين متقين" (79) ويحلل المحشي هذا الحديث تحليلا ضافيا ويستشهد بأقوال من سبقه من علماء الإباضية خاصة منهم الجيطالي وتبغورين ويتبنى مواقفهم كما يقارنها بأقوال ورادة في الصحاح ويناقشها وتتمثل عصارة تحليله في قوله: وهي (الشفاعة) عند أصحابنا في الحساب بعد طول مقام على أرجلهم وبعد أن بشر أصحاب الإيمان وأخذوا كتبهم بأيمانهم فشع لهم حتى أراحهم الله من الموقف وهي تشريف منازلهم وترفيع لدرجاتهم لأن من أوجب له القرآن الخلود في النار لا شفاعة له" (79مكرر ) .
كما يرد بشدة على الأقوال التي حشرت المتقين في عذاب أهوال يوم القيامة فيقول نقلا عن تبغورين:" وهذا من تزيين الشيطان لهم في أحاديثهم وكيف يكون هذا في المسلمين بعد قول الله عز وجل ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) (19 مريم 86) وقوله: ( لا يسمعون حسيسها) (21 الأنبياء 102) أم كيف يكون المؤمن مضبطا على بطنه وقد قال الله في كتابه ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (46 الأحقاف13) وما وصفهم من الغضارة والنضارة... ولكن الصراط المستقيم هو دين الله الذي افترضه الله على عباده والعدل الذي أنزله وهو دقيق لا يوافق الهوى ولا الشهوات ولذلك يشبهونه بحد السيف المرهف والشفرة الرقيقة الدقيقة فلا يميزها إلا ذو الحجا والنهي والبصيرة النافذة مع عون الله وتوفيقه" (80) .
ثم يقول مبينا موقفه الشخصي:" أقول : ومما يدل على أن المسلمين ليس عليهم شيء من أهوال الآخرة وإن كانوا يشاهدونها قول عز وجل: ( لا يحزنهم الفزع الأكبر) (21 النبياء103)... وقوله: ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) (75 القيامة 23) أي منتظرة متى يؤذن لها في دخول الجنة الى غير ذلك من الآيات الدالة على أن المسلم لا حرج عليه يوم القيامة في موطن من المواطن لأن الله لا يجمع على شخص واحد آمنين أو خوفين بل من أمن في الدنيا خاف في الآخرة ، ومن خاف في الدنيا أمن في الآخرة، وفي الحديث " لا راحة للمؤمن دون لقاء ربه" (81) الى غير ذلك من الأحاديث فالظاهر أن معنى قول المسلمين عند طلب الشفاعة " فيريحنا من هذا المقام" أي لما فيه من النظر إلى الأهوال وأن يصل إليهم منها شيء لأنهم آمنون مطمئنون جعلنا الله منهم آمنين" (82) .
- وما جاء عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ... يحلف جابر عند ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله أوعد أهل الكبائر النار في كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس بن مالك أن الشفاعة لأهل الكبائر فوالله ما عن القتل والزنا والسحر وما أوعد الله عليه النار. وذكر عن أنس بن مالك يقول: إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من الكبائر" (83) .
ويقول السالمي في شأن هذا الحديث:" وخالفت الأشاعرة فيها (الشفاعة) فأثبتوها لأهل الكبائر تعويلا على حديث رووه: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" (84) ويجاب بوجوه:
أحدهما : انه خبر واحد لا يعارض القطعي.
وثانيها: أنه لو لم يعارض قطعيا لما أوجب العلم.
وثالثها: انه عارضته رواية مثلها ونصها: " لا تنال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي" فهذه بتلك على أن هذه قد عضدها الكتاب وتلك قد خالفته فوجب إما القول بوضع تلك الرواية إذ لو كانت الشفاعة لأهل الكتاب لتقرب إليه المتقربون بالكبائر (85) .
وإما القول بأنها معلقة بشرط دل عليه الكتاب وهو ما إذا تابوا فإن من فعل كبيرة وتاب منها كان مستحقا لأن يشفع له غيره، ولا يلزم من هذا تخصيص الشفاعة لمن أتى الكبيرة ثم تاب منها دون من أوفى في طول عمره لتغليب من عصى فتاب على من لم يعص قط والفائدة في تخصيصهم بالذكر دفع إياسهم من رحمة الله وتسهيل الطريق لهم ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) (39 الزمر53) " (86) .
ويستدل المحشي بما أورده الجيطالي من أدلة من القرآن ومن الحديث الى أن يصل إلى ما نقله منسوبا الى جابر بن زيد وهو قوله:" والله ما شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين إلا للتائبين" وكان يقول:" ما نالت دعوة مؤمن منافقا قط" وقوله:" الشفاعة ليست لمن استوجب العقاب فيصير بها إلى الثواب، ولكن الشفاعة للمؤمنين زيادة لهم في الثواب وتشريف المنازل وبالله التوفيق" (87) .
ثم ينقل المحشي نصوصا عن الجيطالي والغزالي أساسها أن ما كان يعتبر كبائر عند الصحابة وعلماء الآخرة صار يعتبر من الصغائر أو من المعروف أحيانا في العصور المتأخرة هذا توضيحا لتعليق جابر بن زيد على رواية أنس بن مالك (88) .
ثم إلى جانب هذا الحديث تورد المصادر الإباضية أحاديث أخرى في هذا النسق إلا أنها لا تلتفت إلى بقية الأحاديث التي اعتمدها المثبتون (89) . ومما ترويه هذه المصادر: ما جاء عن جابر بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وشفاعتي" .
- وبنفس السند: " لا تنال شفاعتي الغالي في الدين ولا الجافي عنه" (90) .
- قال صلى الله عليه وسلم : " صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة... قال: القدرية والمرجئة " (91) .
ويورد تبغورين أحاديث أخرى بدون سند وهي قوله صلى الله عليه وسلم : " يا فاطمة بنت رسول الله ويا صفية عمة الرسول اعملا لانفسكما فإني لا أغني عنكما من الله شيئا" (92) .
- وقولـه صلى الله عليه وسلم : " لا ينال شفاعتي أهل الكبائر من أمتي ولا ينال شفاعتي زان ولا سارق ولا مدمن على الخمر ولا قاتل النفس التي حرم الله إلا بالحق" (93) .
وقوله عليه السلام: " وليذاذن رجال عن حوضي كما يذاذ البعير الضال، وأقول:" هلم هلمّ أصحابي ، أصحابي" فيقال لي:" قد غيروا بعدك ولم يزالوا مرتدين على أعقابهم. فأقول سحقا، سحقا. فاختلجوا دوني فيمر بهم ذات الشمال" (94) .
ذلك تقريبا ما تجمع لدى الإباضية من نصوص الحديث في باب الشفاعة، ونحن نرى أنها تتظافر لتثبت ألا شفاعة لأهل الكبائر فكيف يمكن أن نقارن بينها وبين ما ورد عند غير الإباضية؟
======================
(77) ر. محمد عبده: تفسير المنار: 1/307.
(78) جاء في التعليق:..." والمخبر عن ذلك جابر بن زيد ... فالحديث مرسل وقد ثبت في الصحاح المتفق عليها والله أعلم" انظر ما سبق: 665 وما يلي.
(79) الربيع بن حبيب: المسند: 4/23 عدد 1004، ونقلنا ما نسبه الربيع لأهل العلم لأنه يزيد الموضوع توضيحا .ر. ابن ماجة: زهد 37 أحمد بن حنبل: 3/116 .ر. ونسنك المعجم المفهرس: 2/536.
(79 مكرر) المحشي: حاشية الترتيب 8/137 .ر. عبدالله السالمي: المشارق: 289.
(80) المحشي: حاشية الترتيب 8/146، نقلا عن تبغورين: أصول الدين: 68- 69.
(81) لم يرد في معجم ونسنك.
(82) المحشي: حاشية الترتيب 8/146- 147.
(83) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح :4/22 عدد1004 . ر. أحمد الشماخي: الرد على صولة الغدامسي:46.
(84) انظر ما سبق: 667
(85) يقو القاضي عبد الجبار ردا على المرجئة :" ثم يقال لهؤلاء المرجئة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة، فلو كان الأمر على ما ذكرتموه لكان يجب أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفساق وذلك خلف". الأصول الخمسة : 692 كما يقول أيضا:" وإنما تعلقوا بأخبار أكثرها مضطربة، وما يعرف منها فهو روي: أن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وذلك إن صح فالمراد به إذا تابوا وأنابوا." فضل الاعتزال: 208.
كما يقول أيضا:" والجواب أن هذا الخبر لم يثبت صحته أولا ، ولو صح فإنه منطوق بطريق الآحاد عن النبي ومسألتنا طريقها العلم، فلا يصح الاحتجاج به. ثم إنه معارض بأخبار رويت عن النبي في باب الوعيد نحو قوله :" ولا يدخل الجنة نمام ولا مدمن خمر ولا عاق"... فليس بان يوجد بما أورده أولى من أن يوجد بما رويناه فيجب اطراحها جميعا أو حمل أحدها على الآخر فنحمله على ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله. ويقول المراد به شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا" الأصول الخمسة 691. وعن الحديث ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 7/1 ر. مسلم: إيمان 168. أحمد بن حنبل: 5/389. 391.
(86) عبدالله السالمي: المشارق: 288.
(87) اسماعيل الجيطالي: القناطر ط2: 1/ 321.
(88) ر. المحشي: حاشية الترتيب 8/133. ويورد الرازي تحليلا طويلا لاحتجاج المعتزلة في الرد على من نسب إلى النبي عليه السلام أن الشفاعة لأهل الكبائر من الأمة الإسلامية عند معارضة الرواية فيعتبرون أنها من الآحاد مردودة إذا خالفت القرآن، ويرون أنه لا يصح أن تخص أهل الكبائر لأن في ذلك حرمانا لأهل الثواب، ويلحون على أنه ظني والظني لا ينفع في العقيدة.
وعند التسليم بها جدلا يؤولونها على أنها استفهامية للإنكار من باب قوله:" هذا ربي" ، كما يفترضون أن كلمة لأهل الكبائر قد تحتمل أهل اكبر الطاعات . الرازي: التفسير الكبير: 3/63.
(89) وسنذكر ردهم على الحدثيين الأخرين في قضية الخلود. انظر ما يلي ص 753.
(90) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح: 4/22 عدد 1001- 1002- 1003 لم ترد في معجم ونسنك. هذا ما ينقله شارح النونية ورقة 117 قفا وامحمد اطفيش: هيميان الزاد ط 2: 1/ 23- 24.
(91) الربيع بن حبيب : الجامع الصحيح 3/11 عدد 806. لم يرد في معجم ونسنك.
(92) عمرو التلاتي : شرح النونية ورقة 118 وجه. عبد العزيز الثميني: النور 303. ر. عبدالله السالمي ر. المشارق: 290. وعن الحديث ر. البخاري: وصايا 11 تفسير سورة الشعراء الآية 2. الدارمي رقاق 23. أحمد بن حنبل 1/206 . ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 5/15.
(93) لا يوجد في معجم ونسنك.
(94) تبغورين: أصول الدين 70- 71 .ر. مسلم : طهارة 39. ابن ماجة: زهد 36. الموطأ : طهارة 28 ر. ونسنك : المعجم المفهرس 2/194.
________________________________________
تأملات في نصوص هذا وذاك من القرآن والسنة:
لقد تجاذب الطرفان النصوص القرآنية التي لا يأتيها الباطل منن بين يديها ولا من خلفها وكل من أحس بشيء من الضعف في التأويل والتوضيح يلجأ إلى التدعيم بالحديث الشريف- ودائرة الاختلاف واسعة بالنسبة إلى هذه النصوص بين التواتر لفظا ومعنى أو معنى فقط وبين الإرسال والإيصال- للوصول الى تقوية الموقف المتبني.
أما خلاصة القول في الاستدلالات القرآنية فتتمثل في الاعتماد الكلي على التأويل عند الطرفين إذ لا نجد نصا صريحا يحدد موضوع الشفاعة من جميع جوانبه، وغاية ما هنالك أن الشفاعة حق، وان مردها كبقية الأمور إلى الله تعالى ولن تكون إلا بإذنه ولهذا اختلف الناس في تعيين الشفعاء والمشفوع لهم وهل هي شفاعة واحدة أو شفاعات؟ وهل هي يوم القيامة أو تمتد الى ما بعد الجزاء لتنقل قوما من النار إلى الجنة (95) ؟
والمتأمل في مختلف التأويلات يلفت انتباهه أمر جلي وهو أن الأشاعرة ومن سلك مسلكهم في إثبات الشفاعة لأهل الكبائر- وهم عادة يحجمون عن التأويل بل يعيرون به المعتزلة- كانوا أكثر توغلا في التأويل في موضوع الشفاعة ومواقف الرازي من الآيات المذكورة أكبر دليل على ذلك.
معنى هذا انهم اعوزهم الظاهر فاضطروا للرد على خصومهم لاستعمال نفس السلاح لتقرير ما جنحوا إليه مما يتماشى مع موقفهم العام من خلف الوعيد ومن القول بالخروج من النار.
أما الطرف المقابل- الإباضية والمعتزلة- فليس من الغريب أن يعتمد على التأويل إذ أقر به من البداية ورأى ألا سبيل إلى فهم القرآن الكريم بدون اعتبار أن له ظاهرا وباطنا (96) .
وقد كان مدار التأويل على نقطتين هما الخصوص والعموم واحتمالات وظائف الكلمات.
أ) الخصوص والعموم:
فكل الآيات النافية للشفاعة عن الظالمين اعتبرها المثبتون خاصة بالمشركين بينما اعتبرها المنكرون عامة تشمل العصاة من أهل الصلاة وفي الغالب يتقارب الاحتجاج بين الطرفين إلا أن احتجاج الرازي كان معتمدا اعتمادا كليا على استنتاجات القياس المنطقي لتخصيص النص بالمشركين.
أما في ما يتعلق بالسياقات التي تثبت الشفاعة ( لمن ارتضى) فقد وصل فيها تأويل الرازي إلى حد اعتبار أن مرتكب الكبيرة- الذي مات مصرا على كبيرته- مرتضى عند الله تعالى على أساس أنه تلفظ بكلمة الإيمان (97) والحقيقة أنه إذا كان مرتكب الكبيرة مرتضى فما الحكمة من تحريمها ومن هنا تكتسب قضية الشفاعة مع الوعيد والخلود بعدها الحضاري العميق (98) . وفي تأويل مثل هذه السياقات تبدو حجج المنكرين مستساغة أكثر.
ب) البلاغة والإعراب:
أما العزف على وتر البلاغة والإعراب فهذا طبيعي في فهم النصوص إلا أنه لم يلجأ إليه إلا نادرا في مثل قوله تعالى: ( ولا شفيع يطاع) حيث يقول الزمخشري وينقل عنه محمد اطفيش:" المطاع مجاز في المشفع لأن حقيقة الطاعة نحو حقيقة الأمر في أنها لا تكون إلا لمن فوقك (فإن قلت ما معنى قوله تعالى(ولا شفيع يطاع)؟ قلت: يحتمل أن يتناول نفي الشفاعة والطاعة معا وان يتناول الطاعة دون الشفاعة (99) ) كما تقول ما عندي كتاب يباع فهو محتمل نفي البيع وحده وأن عندك كتابا إلا انك لا تبيعه ونفيها جميعا وألا كتاب عندك ولا كونه مبيعا ونحوه:" ولا ترى الضب بها ينجحر" يريد نفي الضبّ وانجحاره" (100) .
والحقيقة أن القضية البلاغية هنا تعلقت بنفي الشفيع أو إثباته ولم تتعلق بالمشفوع له حيث رجع الأمر الى التخصيص والتعميم (101) .
فمدار التأويل حينئذ على التخصيص والتعميم ولذلك حلل الرازي الكلام في آيتين ثم أحال على هذين التحليلين في ما جاء من آيات أخر.
ذلك أهم ما يقام عن الاستدلالات القرآنية أما الاستدلالات بالحديث فهي أيضا رغم أنها جاءت موضحة للقرآن الكريم فإنها لم تسلم من التأويل إذا لم يطعن في صحتها تماما والأقرب لدى هؤلاء وهؤلاء إذا تعارضت الأحاديث وتضاربت أن يطعن كل في صحة الحديث الذي يحتج به الآخر.
والقضية تتلخص أيضا في نقطتين:
أولاهما : ذلكم الحديث الطويل الذي أثبته الطرفان مع اختلاف جوهري في النقط الحساسة واتفاق في السياق العام (102) .
ويتمثل الاختلاف في بداية الحديث خاصة حيث إن الذاكرين للشفاعة عند الإباضية هم أهل الإيمان من أتباع الأنبياء وهم الذين يطلبونها من الله ولا دخل للبقية فيها. أما عند البخاري ومسلم فالطلب عام ويتقدم الناس جميعا كافرهم ومؤمنهم لطلب الشفاعة ومن هنا اختلف الموقفان.
كما يقع إشكال في ما يصيب المسلمين الموفين من تعب يوم القيامة مع أن النصوص صريحة في ألا تعب لهؤلاء (103) .
أما قبيل الآخر فقد ناقش الأشاعرة قولة عليه السلام " ثم أخرجهم من النار فأدخلهم الجنة" (104) والحال أنهم ما يزالون في الموقف فقال ابن حجر في قوله: ثم أخرجهم من النار " قال الداودي: كان راوي هذا الحديث ركب شيئا على غير أصله وذلك أن في أول الحديث ذكر الشفاعة في الإراحة من كرب الموقف وفي آخره ذكر الشفاعة في الإخراج من النار، وذلك إنما يكون بعد التحول من الموقف... وهو إشكال قوي" (105) .
أما خاتمة الحديث فمتفق عليها عند الطرفين" ما بقي من حبسه القرآن أي أوجب عليه الخلود" وهنا يرجع الأمر إلى التأويل فمن الذين حبسهم القرآن عن الشفاعة المشركون فحسب أم يشمل الأمر مرتكبي الكبائر المصرين؟
وهكذا رغم الاتفاق على إثبات الشفاعة اعتمادا على هذا الحديث بقي الخلاف قائما في شأن المشفوع لهم.
ثانيهما:" النفي والإثبات اعتمادا على نفس النص: " ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتي" " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" .
رغم لجوء المنكرين إلى تأويل هذا الحديث عند التسليم بصحته جدلا على انه يخص التائبين فإن الرازي لم يعتبره كافيا وحده بل يعتبر أنه في حاجة إلى الأحاديث الأخرى لتعاضده.
والمتأمل في النص يحار في أمر هذا الحديث فهل كان التحوير بالزيادة أو بالنقصان؟ هل وجد النفي فحذف أو لم يوجد فأضيف ؟ ولابد من أحد الاحتمالين لكن لا نستطيع أن نجزم جزما نهائيا (106) بهذا ولا بذاك وغاية ما هنالك أن الإباضية جزموا بان النفي دخيل وحتى إن وجد فإمامهم جابر بن زيد يعفي أنس بن مالك من أن يكون قد استعمل كلمة كبائر بمفهومها الاصطلاحي وإنما حمل ذلك الاستعمال على التهويل بمفهوم أن حسنات الفجار سيئات عند الأبرار.
لكن لنا أن نتساءل لماذا لم يتفاوض جابر بن زيد مع أنس بن مالك مع ما بينهما من مودة (107) في شأن هذا الحديث ولو فعلا لأراحا الأمة من داء الاختلاف ولكان القول فصلا؟
أما بقية الأحاديث المستشهد بها عند الطرفين فهي لا تزيد الهوة إلا عمقا وكلما اتسعت رقعة الاختلاف كان لها أثر أوسع في سلوك كل من الطرفين (108) .
وبعد التأمل في احتجاج (109) كل من الطرفين- المنكرين والمثبتين- لم يبقى إلا أن ننظر في تحديد الشفعاء وكيف لا يشفعون إلا بإذن الله تعالى.
الشفعاء وحدود شفاعتهم:
قال تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين (74 المدثر48).
وقال: ( فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) (7 العراف 53) في الآيتين إشارة إلى تعدد الشافعين فمن هم هؤلاء...؟
لقد أوردنا في آخر حديث الشفاعة العظمى ما نسب إلى أهل العلم (110) ومفاده أن الرسول صلى الله عليه وسلم يفتح الشفاعة المخزونة ثم يليه في الشفاعة بقية الأنبياء ويذكر النص بعد ذلك الشهداء.
ويفهم من قوله تعالى على لسان الملائكة: ( فاغفر للذين تابوا) (40 غافر4) أن الملائكة يمكنهم الله تعالى من الشفاعة وقد بين جابر بن زيد ذلك بقوله " ما شفاعة والأنبياء إلا للتائبين" (111) .
ويفهم من كلام السالمي أن هناك شفعاء بعد الرسول عليه السلام حيث يقول:" وغنما خص شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم (112) بالذكر دون شفاعة غيره لن من لم تنفعه شفاعته لم تنفعه شفاعة غيره بطريق الأولى (113) .
فالشفاعة حينئذ حسب الإباضية تكرم يمن به الله تعالى على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ثم على الملائكة والأنبياء والصالحين من المؤمنين وليس معنى ذلك كما ذكرنا أن الشفاعة تبدل إرادة الله الأزلية بل هي مطابقة لما سطر في الأزل (114) .
هؤلاء هم أصناف الشفعاء فهل تكون شفاعتهم مطلقة؟ وغن لم تكن مطلقة فما هي حدودها؟
=================
(95) عن المسائل المذكورة انظر ما يلي: 689 وما يلي.
(96) انظر ما سبق: 655.
(97) وهنا يتحول الخلاف الى موضوع الأسماء حيث تتفاوت الفرق الإسلامية في درجات الأرجاء .أما الإباضية فقولهم فصل وهو ألا إرجاء . انظر ما سبق:
(98) انظر ما يأتي: 753.
(99) ما جاء بين القوسين ذكر في ما سبق وأعيد هنا ليتضح المعنى.
(100) الزمخشري: الكشاف: 420- 421. محمد اطفيش تيسير التفسير ط1: 5/112 ويقول محشي الكشاف في كتاب الانتصاف : قوله تعالى ] ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع[ قال فيه: يحتمل أن يكون المنفي الشفيع الذي هو الموصوف وصفته وهي الطاعة، ويحتمل المنفي الصفة وهي الطاعة والشفيع ثابت. اهـ كلامه.
قلت إنما جاء الاحتمال من حيث دخول النفي على مجموع الموصوف والصفة ونفي المجموع كما يكون بنفي كل واحد من جزأيه كذلك يكون نفي أحدهما على أن المراد هنا كما قال نفي الأمرين جميعا. حاشية الكشاف: 3/420- 421.
(101) ويقول الرازي في هذا الصدد:" والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والخاص والعام إذا تعارضا قدم الخاص على العام، فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم". التفسير الكبير: 3/65.
(102) اما المعتزلة فينقل عنهم الرازي ما يلي:
أ) أن هذه الأخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول e، فالظاهر أن الرازي رواها بلفظ نفسه، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة.
ب) وأنها خبر عن واقعة واحدة وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات وذلك أيضا مما يطرق التهمة إليها ...التفسير الكبير 3/64.
(103) انظر ما سبق: 678و 679
(104) الظاهر أن ابن حجر اعتمد رواية تختلف عن النص الذي أثبتناه: 665- 667 إذا لا نجد في هذا النص قوله:" أخرجهم من النار" بل لا نجد إلا قوله: "أدخلهم الجنة" ولا غرابة في ذلك إذ نبهنا الى كثرة الخلاف في رواية هذا الحديث: 667
(105) ر. المحشي: حاشية الترتيب: 8/148.
(106) هذا يحتاج الى عمل خاص وجهد طويل أوسع من هذا العمل.
(107) ر.ترجمة حياة جابر ص 19 .ر. الدرجيني : الطبقات 2/205.
(108) انظر ما يلي: 754
(109) وقد جاءت الإشارة إلى ضرب من الاحتجاج العقلي عند عمرو التلاتي حيث يقول:" فمن زعم أن الشفاعة تكون لأهل الكبائر لزمه القول بأنهم يدخلون الجنة، وأن الأمة كلها في الجنة، وذلك خلاف ما في الكتاب والسنة من أن الأمة مخلدين في النار وهم أهل الكبائر الميتون عليها غير التائبين منها، ولأنها لو كانت لهم لم يجز سؤال الكون من أهلها لاستلزامه سؤال الكون من أهل النار غير الجائز. شرح النونية ورقة 117 قفا ورقة 118 وجه. عبد العزيز الثميني: النور: 302 وقد وقف عند مثل هذا الاحتجاج عبد الجبار .ر. فضل الاعتزال: 208- 209 والأصول الخمسة : 688. وقد رد الرازي بشدة على القفال القائل بأنه لا يجوز في حكمة الله تعالى التسوية بين أهل الطاعة وأهل المعصية ، ولبين تأثره بالاعتزال مع قلة نصيبه أن مثل هذا الاحتجاج ثانوي تماما في مثل هذه القضية الغيبية.
(110) انظر ما سبق: 678
(111) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 117 قفا عبد العزيز الثميني : النور301.
(112) يشير إلى قوله في المتن الذي شرحه: (رجز)
شفاعة الرسول للتقي
من الورى وليس للشقي
(113) عبدالله السالمي: المشارق: 288.
(114) يقول القاضي عبد الجبار:" وجملة ذلك أن فائدة الشفاعة رفع مرتبة الشفيع والدلالة على منزلته من المشفوع (كذا) الأصول الخمسة: 689.
ويفهم من كلام الرازي في إثبات حجج المثبتين للشفاعة لأهل الكبائر أنه لا خلاف في تحديد الشفعاء. التفسير الكبير: 1/59- 63
أما القرطبي فيورد ما ذكره ابن عطية من أن العلماء والصالحين لا يشفعون إلا لمن لم يصل على النار وهو بين المنزلتين، أو وصل ولكن له أعمال صالحة، وينتقده بشدة ويتعجب كيف لم يطلع ابن عطية على ما جاء في صحيح مسلم من أن الأمر أوسع من ذلك حيث تظل الشفاعة تتكرر إلى أن يخرج من له مثقال ذرة من خير في قلبه.
ومما يذكر أيضا من تخريج ابن ماجة في سننه عن ابن مالك قال:" قال رسول الله e : يصف الناس يوم القيامة صفوفا- وقال ابن النمير- أهل الجنة – فيمر الرجل من أهل النار على الرجل فيقول يا فلان أما تذكر يوم استقيت فسقيتك شربة! قال: فيشفع له، ويمر الرجل على الرجل فيقول أما تذكر يوم ناولتك طهورا؟ فيشفع له، قال ابن النمير ويقول: يا فلان أما تذكر يوم بعثتني لحاجة كذا وكذا فذهبت لك؟ فيشفع له. القرطبي: أحكام القرآن 3/273- 275. وعن الحديث المذكور: ر. ابن ماجة أدب 8.ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 3/318.
________________________________________
حدود شفاعة الشافعين:
لقد بينا الاختلاف في ضبط حدودها بالنسبة إلى المشفوع لهم، وبقي أن نثبت حدودها بالنسبة الى المشفوع عنده وهو الله تبارك وتعالى .
يختلف أمر الشفاعة اختلافا جوهريا بين الدنيا والآخرة فغن كانت الشفاعة لدى العظماء في الدنيا تكون بدون إذن منهم وبدون علم لديهم وقد تقلب مجرى الحقائق فالعادل يقبل الشفاعة لثبوت خطئه والظالم يقبلها لإرضاء الشفيع ولو كان ذلك على حساب المحكوم عليه، فهي عند الله أرفع وأسمى ولن تكون إلا بإذن الله تعالى ولمن ارتضاه تعالى ورفع مقامه. قال عز وجل: ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (2 البقرة 255) وقال: ( ما من شفيع إلا من بعد إذنه) (10 يونس 3) وقال: (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن) (20 طه109) وقال: ( ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (34 سبأ23).
وقال يوسف المصعبي في تفسير آية البقرة: ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) : أي لا حد يشفع. قال في الكشاف: ( من ذا الذي يشفع عنده) بيان لملوكته وكبريائه وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذ أذن له في الكلام كقوله: ( لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) (78 النبأ38) . (115)
ويقول محمد اطفيش:" الاستفهام إنكاري فهو نفي بدليل إلا أي انتفى لعظم شأنه تعالى وكبريائه أن يخلص أحدا غيره منه تعالى بتوسل وخضوع إليه فكيف يخلصه عنادا أو محاربة إلا بأن يأذن له بالشفاعة...الآية مخبرة أنه لا شفاعة لأحد عنده إلا بإذنه وإنما يشفع الأنبياء والمؤمنون.
( وعنده) متعلق بشفيع أو بمحذوف حال من ضمير يشفع والمعنى على الأول: من ذا الذي يوقع عنده الشفاعة وعلى الثاني من ذا الذي يشفع حال كونه قريبا إليه تعالى عن النسب، وقرب المسافة وهذا أقوى فإنه إ ذا كان لا يشفع أحد عنده بأمر من الأمور إلا بإذنه أو بمحذوف حال من المستتر فيه أي لا يشفع في حال إلا ثابتا بإذن الله" (116) .
واضح من خلال هذه التحاليل أن الفرق الإسلامية متفقة على أن شفاعة الشافعين لا تتم إلا بإذن الله إلا أن دائرة هؤلاء تضيق وتتسع حسب منطلق أهل الإثبات وأهل الإنكار ويبدوا أن أحسن ما قيل في هذا الباب هو قول محمد عبده بأن إذنه غير معروف (117) .
وفعلا فإن تحديد هذا الإذن يعتبر ضربا من التطاول على الغيب يحسن بالمسلمين أن يتساموا عنه الحقيقة أن الأمر لله من بعد ومن قبل ويتجلى ذلك يوم القيامة في قوله عز من قائل ( والأمر يومئذ لله) (82 الانفطار19).
يبدو بعد هذه التأملات أنه لم يبق إلا أن نختم الحديث عن الشفاعة وذلك بعرض مواقف العلماء من صلتها بأصول الدين.
أما المصادر الإباضية فتعتبر أن صلتها بعلم أصول الدين وثيقة فالجيطالي مثلا يقول:" إنها حق فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن" (118) ويميز السالمي بين المتأول فيعتبره كافرا كفر نعمة وبين غير المتأول فيعتبره مشركا (119) .
وهذا موقف متأصل عند الإباضية يرجع إلى إمامهم جابر بن زيد حيث كان يحلف انه ما لأهل الكبائر شفاعة لأن الله قد أوعدهم النار في كتابه (120) وما يزال مستمرا إلى يومنا هذا.
ومهما يكن من أمر فإننا نتفق مع جواد مغنية في أن أحسن شفيع للإنسان إنما هو عمله وبه يكون من أولياء الله والملائكة والرسل والأنبياء والحقيقة أن الشافع الحق إنما هو الله رب العالمين، إذ يقول عز من قائل: ( الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون) (32 السجدة4) (121) كما يقول: ( قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون) (39 الزمر44) (122) فالله حينئذ هو " مالك إجابة شفاعة الشفعاء الحق" (123) .
والحقيقة فإن قضية الشفاعة تبقى وثيقة الصلة بالوعد والوعيد وقضية الخلود، ولنجمع الحديث عن البعد الحضاري للكل في آخر المطاف ولعله يحسن الآن أن نقف عند قضية متفرغة عن موضوع الخلود وهي هل أن الجنة والنار مخلوقتان الآن أم لم تخلقا بعد؟ وهل هما فانيتان في النهاية أم لا؟
=================================
(115) يوسف المصعبي : حاشية على الجلالين: 72. الزمخشري: الكشاف 1/384، ويسكت القاضي في تنزيه القرآن عن الشفاعة في آية البقرة ويونس وطه إلا أنه تعرض لها في سورة سبأ كما تعرض لها في متشابه القرآن في سورة طه وهذا قوله في سورة طه:" يدل على قولنا في الشفاعة وأنها لا تكون لأعداء الله لأنه تعالى بين أنها لا تنفع إلا من اختص بهذين الشرطين:
أحدهما أن يكون الإذن واضحا في بابه.
والثاني أن يكون مرضي الطريقة في القول، فمن يقول الكذب ومالا يجوز لا يجب أن يكون داخلا في الشفاعة على وجه . متشابه القرآن : 2/494 ويقول في سورة سبأ:" من المراد بذلك"؟
وجوابنا أن المراد بذلك الملائكة ،بين تعالى أنهم لا يشفعون إلا بإذنه وأنهم بخلاف الشياطين فلا يقع منهم إلا ما هو طاعة لله تعالى". تنزيه القرآن : 339.
(116) امحمد اطفيش: هيمان الزاد ط 2: 3/355.
ويتبنى محمد عبده نفس الموقف حيث يقول ] من ذا الذي يشفع عنده[ منهم فيحمله على ترك مقتضى ما مضت به سنته ، وقضت به حكمته وأوعدت به شريعته، ومن تعذيب من دسى نفسه بالعقائد الباطلة، ودنسها بالأخلاق السافلة، وأفسد في الأرض وأعرض عن السنة والفرض، من ذا الذي يقدم على هذا من عبيده إلا بإذنه والأمر كله له صورة وحقيقة، وليس هذا الاستثناء نصا في أن الإذن سيقع، وإنما هو كقوله:] يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه[(11 هود 105) فهو تمثيل لانفراده بالسلطان والملك في ذلك اليوم: ] يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله[(82 الانفطار 19) ولهذا قال البضاوي في تفسير الجملة بيان لكبرياء شأنه وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه ويستقبل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا عن أن يعاوقه عنادا أو مناصبه.
وقال الاستاذ الإمام ما محصلة: إن في هذا الاستثناء قطعا لأمل الشافعين والمتكلمين على الشفاعة المعروفة التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب عامة ببيان انفراده تعالى بالسلطان والملك وعدم جرأة أحد من عبيده على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه وإذنه غير معروف لأحد من خلقه. تفسير المنار: 3/30: 3/30- 31 راجع في هذا الشأن القرطبي: أحكام القرآن 3/275 والطاهر ابن عاشور : التحرير والتنوير: 3/21. وكل منها يوسع في إذن الله تعالى اعتمادا على نصوص من الحديث.
(117) ر. محمد عبده تفسير المنار: 3/31.
(118) إسماعيل الجيطالي: قناطر الخيرات ط2: 1/230
(119) ر. عبدالله السالمي: المشارق: 287.
(120) الربيع بن حبيب: الجامع الصحيح: 4/22 وانظر ما سبق: 679
ملاحظة: يجدر أن نشير إلى أن كلا من الطاهر بن عاشور وجواد مغنية قد اعتبر أن موضوع الشفاعة ليس من القضايا الأصولية الأساسية . فيقول الطاعر ابن عاشور" والحق أن المسألة( الشفاعة) أعلق بالفروع منها بالأصول لأنها لاتتعلق بذات الله ولا بصفاته" الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 1/438.
ويقول جواد مغنية:" والعقل لا يحكم بالشفاعة من حيث الوقوع لا سلبا ولا ايجابا
أما حيث الإمكان فإن العقل لا يرى أي محذور من وجود الشفاعة وعليه يتوقف وقوعها وثبوتها على صحة النقل عن الله ورسوله فمن ثبت لديه هذا النقل وجب عليه أن يؤمن بالشفاعة وإلا فهو معذور ... وبهذا يتبين معنا أن الشفاعة ليست أصلا من أصول الدين وأن من أنكرها مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، فهو مسلم بلا ريب". التفسير الكاشف: 1/97.
(121) ر. امحمد اطفيش: تيسير التفسير: 4/776.
(122) ر. امحمد اطفيش: 5/74
(123) الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير: 24/27
________________________________________
برهان
10-20-2009, 06:42 PM
وجود الجنة والنار الآن وفناؤهما
قبل أن نعرض موقف الإباضية من الخلود في الجنة والنار يحسن أن نشير إلى قضيتين أثيرتا على هامش قضية الخلود وهما: هل الجنة والنار موجودتان الآن، وهل ستفنيان؟
1) قضية وجود الجنة والنار الآن (1)
إن الفرق الإسلامية تجاذبت النصوص التي تثير هذه القضية وقد كان للإباضية نصيب في هذا التجاذب.
والحقيقة أن الموقف من القضية يمكن أن يكون بالإيجاب أو السلب أو الوقوف. وقد قال بالوقوف خميس الرستاقي :" ونحن نقول : عن الجنة والنار حق ونؤمن بذلك، ونرد علم ذلك إلى الله تعالى وهو العالم بجميع خلقه" (2) .
أ) القائلون بأن الجنة والنار قد خلقتا بعد:
يقول السالمي:" ذهب جمهورنا (الإباضية ) والأشاعرة (3) وبعض المعتزلة (4) إلى أنهما موجودان" (5) .
وتتلخص حجج هؤلاء كما جاءت عند ابن محبوب وعثمان السوفي (6) وعمر التلاتي (7) ويوسف المصعبي (8) والسالمي (9) ومحمد اطفيش (10) كما يلي:" الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن لقصة آدم وحواء في الجنة وإخراجهما وكذا النار إذ لا قائل بالفرق لقوله تعالى ( أعدت للمتقين) (3 آل عمران133) وقوله ( أعدت للكافرين) (2 البقرة 24) وقوله: ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى) (53 النجم 14).
ومن الأحاديث التي يحتج بها هؤلاء ما جاء عنه عليه السلام " أن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش" (11) . وقوله:" الجنة مخلوقة وهي في السماء والنار مخلوقة وهي في الأرض" (12) . (13) وقوله صلى الله عليه وسلم : " اطلعت على الجنة فوجدت أقل أهلها الأغنياء والنساء، وأطلعت على النار فوجدت أكثر أهلها الأغنياء والنساء" (14) ولا يطلع إلا على شيء قد خلق وفرغ منه (15) .
ب) القائلون بعدم الوجود الآن:
إن كانت تلك حجج المثبتين فالمنكرون (16) لم يقبلوا هذه الحجج وأقواها قصة آدم عليه السلام فقالوا في شأنها:" آدم كان رجلا في الجنة أي بستان له على ربوة أي محل مرتفع، فعصى ربع فأنزله لبطن الوادي" (17) .
وهؤلاء يرون أنهما يخلقان ليوم الجزاء إذ لا حاجة إلى وجودهما الآن ومن أدلتهم:
" قوله تعالى: ( أكلها دائم) (13 الرعد 35) بمعنى مأكولها دائم أي لا ينقطع مع قوله تعالى: ( كل شيء هالك إلا وجهه ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (55 الرحمن 27) فلو كانت الجنة مخلوقة الآن لزم فناؤها وهلاكها فلا تكون دائمة والنار مثلها إذ لا قائل بالفرق.
وقوله تعالى: ( وجنة عرضها السماوات والأرض) (3 آل عمران 133) فلو كانتا موجودتين للزم تداخل الأجسام لن الآية صريحة في أن عرض الجنة هو عرض السماوات والأرض" (18) .
ويقول أبو هاشم في باب الاستدلال العقلي:" لو وجدنا فلا تكونان إلا في عالم الأفلاك أو العناصر أو في عالم آخر" (19) .
ج)الرد على القائلين بعدم الوجود الآن:
وقد تصدى القائلون بوجودهما لهذه الحجج فبينوا أنه لا حاجة إلى تأويل قصة آدم وحواء في الجنة، وتأويلها من غير ضرورة إلحاد في الدين (20) .
وأما الجمع بين الدوام والهلاك للوصول إلى أنهما فانيتان فهو من باب التأويل المردود إذ كيف تفنيان بفناء الدنيا وهنالك تبدأ وظيفتهما ويقول السالمي في هذا الصدد:" وأجيب عنه بأن دوام مأكول إنما هو على سبيل البدل بمعنى أنه إذا فني واحد جيء بآخر، أي لا يتصور دوام مأكول واحد بعينه فلا تنافي.
أو نقول: إن فناءهما أن تتفرق أجزاؤهما وتبقى ذواتهما على ما هي عليه فتكونان فانيتين صورة باقيتين ذاتا.
أو نقول: إن كون ذاتيهما قابلتين للفناء كاف في كونهما فانيتين فإن ما أمكن فيه الفناء لذاته فإن على الحقيقة ورفع الفناء عنه فعلا لعارض عرض عليه من خارج لا يدفع ذلك الإمكان الذاتي.
أقول: وهذا هو الجواب لأن الأول والثاني وإن أمكنا فهما يحتاجان إلى دليل يدل على أن ذات الجنة والنار فانية فعلا على الأول وأن صورتهما دون ذاتهما فعلا أيضا على الثاني " (21) .
أما اعتبار العرض دليلا على وجوب التداخل فهذا دليل تمجه البلاغة القرآنية لأن الصورة من أبلغ وجوه التشبيه يعاضدها التشبيه الصريح في الآية الأخرى ( كعرض السماء والأرض) (57 الحديد21).
بقيت الأدلة العقلية الثلاث لقد جاء دحضها كما يلي:
أما الأول: فلأن الأفلاك لا تقبل الخرق والالتئام فلا يخالطها شيء من الكائنات الفاسدات وهو باطل لن الأفلاك أجسام، وإذا كانت أجساما فلابد لها من صانع وكذا الأعراض فهي قابلة للتغير والله عز وجل يغيرهما.
وأما الثاني: ( في العناصر) فلأنه قول بالتناسخ....
وأما الثالث: ( في عالم آخر) فلأن العالم بسيط... (22)
إن المتأمل في حجج الطرفين يجد أنها تمكن من الاحتمالين إلا أن حجة واحدة ترجح كفة القائلين بوجودهما الآن وهي قصة آدم عليه السلام إذ جاء فيها تأويل المنكرين في منتهى درجات الضعف. وما دام آدم قد سكن الجنة مع زوجته وهبطا منها بعد ذلك ليبتليهما الله في الدنيا فلا سبيل إلى إنكار وجودهما وما جاء من آيات تشير إلى الهلاك يجب أن تتأول للتناسق مع السياق الأسبق فاتضح من خلال ما ذكر أن القول بخلقهما الآن هو الأصح (23) .
ويندرج تحت هذا السياق أيضا التفكير في محلها الآن إن وجدتا ويتفق جمهور الإباضية والأشاعرة (24) على تفضيل الوقوف (25) .
===============================
(1) أي في الحياة الدنيا قبل البعث.
(2) خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/ 525 .ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 22 قفا وقد أشار إلى القول بالوقوف دون أن ينسبه إلى صاحبه.
(3) يقول الأشعري:" ونقر أن الجنة والنار مخلوقان" ويقول أيضا : " ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان". المقالات: 1/349.
(4) يذكر الإيجي منهم أبا علي الجبائي وبشر بن المعتمر. المواقف : 2/445 كما تذكر المصادر الحسن البصري ومعلوم أن جل الفرق تتجاذبه
(5) ر. عبدالله السالمي ر. المشارق: 334- 335
(6) ر. عثمان بن خليفة السوفي: كتاب السؤالات : 90
(7) ر. عمر التلاتي: شرح كتاب الديانات: 67
(8) ر. يوسف المصعبي: شرح كتاب الديانات: 16- 17 . حاشية على تفسير الجلالين ورقة 22 قفا.
(9) ر. عبدالله السالمي ر. المشارق:278- 279
(10) امحمد اطفيش : شرح عقيدة التوحيد ط 2: 45- 46
(11) ر. الترمذي . فضائل الجهاد 13. الدارمي: جهاد 18 . أحمد بن حنبل 6/386.ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 3/201
(12) جاءت أحاديث بعنوان :" ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة" .ر. البخاري بدء الخلق 8، 10 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس:2/73
(13) ر. يوسف المصعبي:حاشية على كتاب الديانات: 17 .ر. من المراجع الأشعرية الإيجي : المواقف 2/445 واللقاني والبيجوري: جوهرة التوحيد وشرحها: 182
(14) ر. البخاري : رقاق 16. بدء الخلق 8. الترمذي : جهنم 11. أحمد بن حنبل 1/234...ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 4/14
(15) ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج: 1/524
(16) أبو سهل الفارسي، وأبو المؤثر الصلت بن خميس وابن أبي نبهان من الإباضية ، وأبو هاشم وعبد الجبار وضرار بن عمرو من المعتزلة.ر. يوسف المصعبي: شرح كتاب الديانات: 17. امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط2: 45. عبدالله السالمي ر. المشارق: 278. الإيجي : المواقف 2/445. البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 182
(17) ر. يوسف المصعبي: شرح كتاب الديانات: 17. البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 182
(18) عبدالله السالمي ر. المشارق: 278
(19) ر. الإيجي : المواقف 2/445. امحمد اطفيش : شرح عقيدة التوحيد ط 2: 45- 46
(20) ر. البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 182
(21) عبدالله السالمي . المشارق: 278
(22) ر. امحمد اطفيش: شرح عقيدة التوحيد ط2: 45. 46 الإيجي : المواقف: 2/445. وواضح أن امحمد اطفيش استفاد استفادة كلية من كلام الإيجي لأن المقارنة بين النصين تبين ذلك، ولا حرج ما دام الموقف واحدا. وكان ألوى لو أحال عليه لأنه من عاداته يحيل على مراجعه.
ويشير الجرجاني إلى أن في هذا الاحتجاج ردا على من ينكر وجودها مطلقا لا على من ينكر وجودهما في الحال فقط.ر. شرح المواقف: 2/445
(23) ر. عبدالله السالمي ر. المشارق:279.
(24) البيجوري: شرح جوهرة التوحيد: 182. ولم يرد نص صريح في تعيين مكان الجنة والنار كما شرح المقاصد ، والأكثرون على أن الجنة فوق السماوات السبع وتحت العرس، وأن النار تحت الأراضين السبع، والحق تفويض علم ذلك إلى اللطيف الخبير كما في شرح المصنف .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج : 1/525
(25) ر. عبدالله السالمي . المشارق:277 .
________________________________________
1) قضية فناء الجنة والنار أو دوامهما:
إن المتثبت في المصادر يتبين وجود موقفين متقابلين في هذه القضية وهما:
1- موقف يقول بفنائهما وينسب إلى الجهمية.
2ـ وموقف يقول بعدم الفناء وتلتقي فيه بقية الفرق التي تقول بخلود المشركين فحسب والتي تقول بخلود المشركين والعصاة من المصرين من المسلمين.
ولكل حججه وردوده وقد حوصل تفسير المنار هذه الحجج في ست وملخصها:
1) إجماع الصحابة والتابعين على ذلك والمخالف مبتدع.
2) دلالة القرآن قطعية إذ أخبر سبحانه أن عذاب جهنم مقيم (26) وانه ( لا يفتر عنهم) (27) (الكفار) وانهم... ( لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (7 الأعراف40).
3) لو خرج الكفار من جهنم لم يختص الخروج بأهل الإيمان ولكانوا بمنزلة واحدة والسنة شاهدة على ذلك.
4) من المعلوم بالضرورة.
5) اتفاق عقائد السلف على ذلك ومن قال بغير ذلك مبتدع.
6)دوام تعذيب الكفار يقضي به العقل كما يقضي به السمع.
إلا أن القائلين يرددون هذه الحجج واحدة وملخصها كما يلي:
1) رفض الإجماع على أساس أن هناك من الصحابة من قال بغير ذلك.
2) النصوص القرآنية تقتضي خلود الكفار فيها ما دامت باقية ولا يخرجون منها مع بقائها.
والفرق كالفرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس على حاله وبين من يبطل حبسه بخراب الحبس وانتفاضه.
3) نصوص السنة مثل القرآن : نفس الرد.
4) ليس من المعلوم بالضرورة سوى خلود المشركين ما دامت باقية.
5) التمييز بين الجنة والنار فالاتفاق على الإفناء للجنة أما النار فلا .
6)لا دخل للعقل في هذه المسألة (28) .
تلك وجوه الاحتجاج كما نقلها صاحب المنار عن الدر المنثور في التفسير المأثور للسيوطي فما هو موقف الإباضية في هذا المعترك؟
الحقيقة أن الإباضية يقبلون حجج القائلين بالدوام لكنهم يضيفون إليها خلود المصرين على العصيان من المسلمين وبالتالي يردون الوجه الثلث من وجوه احتجاج القائلين بالدوام.
وقد جاءت نصوص العقيدة مصرحة بعدم فناء الجنة والنار معا فمن ذلك قول أبي الربيع سليمان بن يخلف" وندين بأن الجنة والنار لا انقضاء لهما ولا غاية لدوامهما" (29)
.
ومن ذلك قوله عامر الشماخي:" وندين بان الجنة والنار دائمتان لا يفنيان" (30) .
ومن ذلك شرح التلاتي لقول عامر الشماخي " دائمتان " " باقيتان" "مستمرتان" لا يفنيان: أي لا يذهبان ولا يزولان (31) وكذلك يقول السالمي (32) .
ومما نقله صاحب قاموس الشريعة عن شرح النونية في الرد على القائلين بالفناء:" وأما الجهمية فالحجة عليهم قول الله تعالى في وصف الجنة: (أكلها دائم) (13 الرعد35) وقوله ( لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين) (15 الحجر 48) وقوله: ( خالدين فيها) (2 البقرة 162- 3 آل عمران 15) وفي أمثالها من القرآن (33) ".
واضح أن القضية لم تقع الإشارة إليها إلا عرضا في نصوص القرون المعنية بالدرس ولكن مدار النقاش حول خلود أهل الكبائر غير التائبين أو عدم خلودهم وذلك لأن الإباضية يعيشون في محيط أشعري يرميهم بالابتداع في هذا الشأن وهم يحاولون الدفاع عن موقفهم والتمسك بأقوال سلفهم.
ثم إلى جانب هذا تثير كتب أصول الدين قضية وثيقة الصلة بالوعيد والخلود واصطلح على تسميتها بالورود انطلاقا من استعمال مشتقات هذه الصيغة في عديد من الآيات.
ورود النار:
جاء في لسان العرب عن ابن سيده: ورد الماء وغيره وردا وورودا وورد عليه: أشرف عليه، دخله أو لم يدخله وعن الجوهري: ورد فلان ورودا: حضر.
هذا ما جاء تقريبا من المعاني اللغوية إلا أن ابن منظور توغل في التفسير العقائدي أكثر من الشرح اللغوي (34) .
واضح من الروايات التي نقلها ابن منظور أن ابن إسحاق تحمس للقائلين بأن الورود لا يعني الدخول فلنتبين حجج هؤلاء وأولئك. وما هذا الاحتجاج إلا ضرب من التأمل في النصوص القرآنية وتفسير بعضها ببعض ليعزز كل من الطرفين الموقف الذي يتناسق مع الوجهة العامة لتفكيره.
1) حجج القائلين بان الورود يفيد الدخول:
جاء في التفسير الكبير:" القول الثاني: عن الورود هو الدخول ويدل عليه الآية والخبر.
أما الآية فيقول تعالى: ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) (21 الأنبياء98) وقال: ( فاوردهم النار وبئس الورد المورود) (11 هود 98) ويدل عليه قوله تعالى: ( أولئك عنها مبعدون) (21 الأنبياء101) والمبعد هو الذي لولا التبعيد لكان قريبا فهذا غنما يحصل لو كانوا في النار ثم أنه تعالى يبعدهم عنها ويدل عليه قوله تعالى: ( ونذر الظالمين فيها جثيا) (19 مريم72) وهذا يدل على انهم يبقون في ذلك الموضع الذي وردوه وهم إنما يبقون في النار فلابد وأن يكونوا قد دخلوا النار.
أما الخبر فهو أن عبدالله بن رواحة (35)
قال: اخبر الله عن الورود ولم يخبر بالصدور، فقال عليه السلام:" يا ابن رواحة . اقرأ ما بعدها ( ثم ننجي الذين اتقوا) (36) وذلك يدل على ابن رواحة فهم من الورود الدخول والنبي صلى الله عليه وسلم ما أنكر عليه في ذلك.
وعن جابر (37) انه سئل عن هذه الآية فقال:" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما حتى إن للناس ضجيجا من بردها (38) " (39) .
ثم يورد تأويلات القائلين بهذا القول ومفادها أنه دخول بغير خوف ولا ضرر أو أن يخمد الله النار عند عبورهم أو أن يغير طبع النار كما كان في حق إبراهيم عليه السلام (40) .
=========================
(26) ر. أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب التحف: 35
(27) ر. عامر الشماخي : كتاب الديانات:44، والآية (الزخرف 75)
(28) ر. محمد عبده: تفسير المنار: 8/77. 81
(29) أبو الربيع سليمان بن يخلف: كتاب التحف: 35
(30) عامر الشماخي : كتاب الديانات:44
(31) عامر الشماخي : شرح كتاب الديانات:67
(32) السالمي . المشارق: 305و 307 .ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج : 1/525 جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/12 .
(33) جميل بن خميس السعدي: قاموس الشريعة : 6/12 ، وشرح النونية هو شرح إسماعيل الجيطالي.
(34) نرى من الصالح إيراد هذه الشروح فهي لغوية عقائدية: وقوله تعالى:] وإن منكم إلا واردها[(19 مريم 71) فسره ثعلب فقال: يردونها مع الكفار ولا يدخلها المسلمون، والدليل على ذلك قوله عز وجل :] إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون[(21 الأنبياء101) وقال الزجاج: هذه آية كثر اختلاف المفسرين فيها، وحكى كثير من الناس أن الخلق جميعا يردون النار فينجو المتقي ويترك الظالم ، وكلهم يدخلها.
والورود خلاف الصدر. وقال بعضهم: قد علمنا الورود ولم نعلم الصدور، ودليل من قال هذا قوله تعالى: ] ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا[ (19 مريم72) وقال قوم: الخلق يردونها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما. وقال ابن مسعود والحسن وقتادة : إن ورودها ليس دخولها وحجتهم في ذلك قوية جدا لأن العرب تقول: وردنا ماء كذا ولم يدخلوه. قال الله عز وجل:] ولما ورد ماء ماء مدين[(28القصص23) ويقال:" إذا بلغت إلى البلد ولم تدخله: قد وردت بلد كذا وكذا.
قال أبو اسحاق: والحجة قاطعة عندي في هذا ما قال الله تعالى:] إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها[(21 الأنبياء 101) قال: فهذا، والله أعلم دليل على أن أهل الحسنى لا يدخلون النار. وفي اللغة ورد بلد كذا وماء كذا إذا أشرف عليه دخله أو لم يدخله قال: فالورود بالإجماع ليس بدخول. ابن منظور: لسان العرب: مادة ورد
(35) عبدالله بن رواحة (ت 8/629 انصاري من الخزرج ر. الزركلي: الأعلام 21694
(36) الآية مريم 72: لم يرد عند ونسنك وإنما ورد حديثا جاء فيه ذكر الصدور: " يرد الناس النار ثم يصدرون عنها". ر. الترمذي تفسير سورة 5 الدرامي: رقاق 89 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس 7/192
(37) جابر بن عبدالله (16ق- 78/ 607- 697) أنصاري من الخزرج .ر. الزركلي: الأعلام 2/92
(38) ر. مسلم : إيمان 316. أحمد بن حنبل 3/383 ر. ونسنك: المعجم المفهرس: 7/192
(39) الرازي : التفسير الكبير: 21/243
(40) ر. الرازي : التفسير الكبير: 21/244
________________________________________
1) حجج من اعتبروا أن الورود ليس بمعنى الدخول:
يقول القاضي عبد الجبار:" وربما قيل في قوله تعالى: ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا) (19 مريم 71) بعد ذكر جهنم أليس يدل ذلك على أن كل من يحشر يرد النار فكيف يصح ذلك في أهل الثواب؟
وجوابنا أنه بمعنى الوقوع فيها كقوله تعالى في قصة موسى ( ولما ورد ماء مدين) (28 القصص 23) وهذه طريقة العرب في الورود بمعنى القرب ولذلك قال بعده ( ثم ننجي الذين اتقوا) (19 مريم 72) لأنهم إذا قربوا سلك بأهل الثواب مسلك الجنة وأدخل أهل العقاب النار ولا بد أن يتأول على ما ذكرناه فإنه تعالى يبين أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ومن هذه حالته لا يجوز أن يلقى في النار ويظن به ذلك وبين تعالى بعده بقوله ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) (19 مريم 76) أنه عز وجل يخص المهتدي بألطاف من حيث آمن واهتدى وأن ذلك يؤديه إلى الباقيات الصالحات وذكر قبله ( قل من كان في الضلالة فليمدد لـه الرحمن مدا) (19 مريم 75) انه تعالى يبقيهم ليزولوا عن الضلالة ويفعل بالمهتدين الهدى ليثبتوا على الإيمان" (41) .
كما يذكر الفائدة من هذا الدنو فيقول:" غنما أراد تعالى بذلك أن المؤمنين إذا قربوا منها وعاينوها وعلموا أن المخلص لهم منها ما فعلوه ن الطاعات في ما سلف وأن أعداءهم يقعون فيها لأجل معاصيهم السابقة عظم عند ذلك سرورهم فيكون ذلك زائدا في سرورهم فيكون ذلك زائدا في سرورهم ونعيمهم" (42)
كما يقول:" ولو لم يحمل على ما قلناه لوجب أن يقال في الأنبياء والمؤمنين إن الله يدخلهم النار وليس ذلك بمذهب لأحد ولو كان فيه خلاف لم يمتنع أن يقال : إنهم يردون النار ويجنبهم تعالى الضرر فيها كما نقوله في الملائكة الموكلة بالعذاب" (43) .
وقد سلك الإباضية نفس المسلك وفي ذلك يقول يوسف المصعبي بعد أن أورد أقوال القائلين بالدخول:" الورود عندنا محمول على ورود النظر دون الدخول قالوا ولا يلزم الدخول بدليل قوله تعالى في حق موسى عليه السلام: ( ولما ورد ماء مدين) (28 القصص 23) فإنه من المعلوم أنه لم يدخله واستدل أصحابنا على ذلك بقوله تعالى: ( لا يمسهم السوء) (3 آل عمران 174) وبقوله: ( أولئك عنها مبعدون) ( 21 الأنبياء101) بعدها (44) ".
إن احتجاج هؤلاء وأولئك أثبت أن اللغة- وهي أساس الفهم- آزرت الذين اعتبروا أن الورود هو الدنو والقرب والوصول ولذلك التجأ الطرف الثاني إلى عديد من التأويلات فقد بين الطاهر ابن عاشور (45) - هو من هؤلاء أقرب- أنها غير مستساغة وبين بوضوح ألا اعتداد بما ذكره الرازي من فوائد تنجز للداخلين بشكل من الأشكال" (46) .
الصراط:
كنا أشرنا إلى حقيقة الصراط عند استلال الإباضية على عدم جواز تعذيب الموفين يوم القيامة (47) وقد وضح تبغورين موقف الإباضية بقوله " الصراط المستقيم دين الله القيم الذي افترض الله على عباده والعدل الذي أنزله وهو دقيق لا يوافق الهوى ولا الشهوات" (48) .
واكتفى صاحب النونية بالإشارة إلى هذا الموقف من الصراط حيث قال: (طويل)
إلا أن إسماعيل الجيطالي يقول:" والذي عندي- والله أعلم- أن الصراط المذكور في القرآن على وجهين: أحدهما طريق الإسلام كما قدمنا. والثاني أنه الجسر الموضوع على متن جهنم المرتب عليه القناطر السبع التي هي مراصد ومجالس للعباد حتى يسألوا عن السبع السؤالات المشهورة (50) هذا مشهور في كتب أصحابنا ويدل على هذا قوله تعالى ( فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون) (37 الصافات 23) إذ يستحيل حمل الصراط المذكور هاهنا على طريق الاسلام والله اعلم، فهذا ممكن في العقل لأنه ليس فيه ما يحيله ولا في الشرع ما يبطله فإن القادر على أن يطير الطير في الهواء قادر على أن يسير الإنسان على الصراط والله أعلم بكيفيته" (51) .
أما في الشرح النونية فلم يذكر إلا الموقف الأول وهو المعنى المجازي " وقال أصحابنا رحمهم الله في الصراط ما قاله الناظم فيه من أنه دينه عز وجل الذي هو الطريق المستقيم المؤدي الى دار النعيم ويوصف بالرقة والحدة على المجاز باعتبار الهلاك المعتري للإنسان بأقل حركة منه على خلافه" (52) .
ويحوصل السالمي مبينا أسماء من ذهب من الإباضية الى الجمع بين الموقفين فيقول: فقد ذهب مثل ما ذهبوا ( الأشاعرة) إليه بعض أصحابنا منهم الشيخ هود بن محكم وأبو القاسم البرادي والشيخ إسماعيل في القناطر وقطب الأئمة في الهيميان وجامع الشمل" (53) .
ويقرر السالمي أن المسألة ليسن من باب الدين ويذكر بعض الآيات استدل بها من اعتبروا الصراط جسرا منها قوله تعالى: ( فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون) (36 يس66) وقوله تعالى: ( فاهدوهم الى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسؤولون) (37 الصافات 23) وقوله تعالى: ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم) (67 الملك 22).
ويبين أنه أجيب بان الصراط في الآيات بمعنى الطريق ولا دلالة فيهما على الجسر المذكور.
كما يذكر أنهم استدلوا على ثبوت الجسرية بالأحاديث المروية وأجيب أنها أحاديث أحادية لا توجب الأمور الاعتقادية والذي يظهر لي إبقاء الأحاديث على أصلها من غير تعرض لردها على راويها وتفويض أمره إلى الله فمن صدقها من غير قطع بكفر من خالفه فيها فقد أحسن ظنه بالراوي ولا بأس عليه إن شاء الله (54) .
والحقيقة أن المتأمل في ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم يتبين أنها يغلب عليها مفهوم الدين وطريق الهداية في ما عدا الآيات المذكورة آنفا والتي استشهد بها القائلون على أن الصراط جسر على جهنم فهي توحي بذلك إلا أن تتأول عن طريق المجاز لتواكب بقية الآيات.
وهنا تعترضنا الأحاديث في هذا الشأن وهي ثروة عقائدية في حاجة إلى أن تمحص أكثر عن طريق المقارنة المدققة بين مواقف مختلف الفرق الإسلامية.
والمهم أن القضية تبقى تبعية تامة لقضيتي الوعد والوعيد والخلود من حيث البعد الحضاري والتأثير في الواقع الاجتماعي ولذلك ذكر السالمي أنها ليست من قضايا أصول الدين الأساسية فالقائلون بإنفاذ الوعيد والخلود يغلب عليهم تفسير الصراط بالمنهج الإسلامي الموصل إلى النجاة والقائلون يطهر بخلف الوعيد وعدم الخلود رجحوا تفسير الصراط بالجسر عسى أن يطهر المسلم من ذنوبه مع الإقامة المؤقتة في الجحيم قبل أن يستقر نهائيا في الجنة.
وتبقى في النهاية أسرار يوم القيامة من علم الغيب الذي استأثر به المولى تعالى وأولى بالمؤمن أن يختار المواقف الأكثر احترازا ليكون من الناجين فيسلك مسلك الدين باعتباره المسلك الأقوم.
قال تعالى ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (17 الإسراء 9) فإن وجد الجسر بجميع مواصفاته المبالغ في وصفها يكن من العابرين بسلام.
وبالوقوف عند قضية الصراط نكون قد استوفينا المواضيع التي جاءت على هامش القضيتين الأم وهما الوعد والوعيد والخلود ولم يبق إلا أن نقتحم معركة القائلين بالخلود في النار والقائلين بعدمه والجدل فيها يشتد ويحتدم لن القضية قضية مصير أبدي وهي في الحقيقة محور حياة الإنسان.
==============================
(41) القاضي عبد الجبار: تنزيه القرآن عن المطاعن: 250
(42) القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن 2/486.
(43) القاضي عبد الجبار: متشابه القرآن 2/486.
(44) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 560 قفا. ر. عبدالله السالمي . المشارق:308- 309 ر. خميس بن سعيد الرستاقي: المنهج1/ 522. فالورود عند أصحابنا: الانتهاء والمرور والاجتياز.
وقد جاء مثل هذا عند الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير.16/151- 152. وعند محمد جواد مغنية : التفسير الكاشف 5/193
(45) ر. الطاهر بن عاشور : التحرير والتنوير 16/151-152
(46) ر. الرازي : التفسير الكبير: 21/445، 2/245
ويعدد ست فوائد نذكر منها واحدة:" أن فيه مزيد غم على أهل النار حيث يرون المؤمنين الذين هم أعداؤهم يتخلصون منها وهم يبقون فيها". التفسير الكبير : 21/244
ولزيادة التوسع في القضية عامة ر. الزمخشري: الكشاف: 2/520 البيضاوي: أنوار التنزيل: 2/19. القرطبي: أحكام القرآن: 11/135- 141.
(47) انظر ما سبق: 678 مكرر.
(48) تبغورين بن عيسى الملشوطي: أصول تبغورين: 69
(49) أبو نصر فتح بن نوح الملوشائي: النونية عدد 132. 133:10
لسان العرب: اكتفى بذكر أن أصل الصاد سين أو زاي ولم يشر إلى الشرح اللغوي مادة صرط.
وجاء في المعجم الوسيط : الطريق ، قال تعالى:] ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله[(7الأعراف86).
ويقول القاضي عبد الجبار :" ومن جملة ما يجب الأقرار به واعتقاده الصراط وهو طريق بين الجنة والنار يتسه على أهل الجنة ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه، وقد دل عليه القرآن :قال الله تعالى:] اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم[(1 الفاتحة7) فلسنا نقول في الصراط ما يقول الحشوية، أن ذلك أدق من الشعر وأحد من السيف، وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به, فمن اجتازه فهو من أهل الجنة، ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار، فإن تلك الدار ليست هي بدار تكليف، حتى يصح إيلام المؤمن وتكليفه المرور على ما هذا سبيله في الدقة والحدة، وأيضا فقد ذكرنا أن الصراط هو الطريق وما وصفوه ليس من الطريق بسبيل ففسد كلامهم فيه." القاضي عبد الجبار: الأصول الخمسة 728 ر. أيضا : 737- 738 نفس المصدر.
(50) إشارة إلى ما ينتظر الإنسان من أسئلة يوم القيامة عبر عنها الجيطالي بالقناطر ولذلك سمى كتابه قناطر الخيرات.
(51) إسماعيل الجيطالي: القناطر ط2:1/318.319
(52) عمرو التلاتي: شرح النونية ورقة 186 قفا و 187 وجه. عبد العزيز الثميني: النور 440.
(53) عبدالله السالمي ر. المشارق: 286. أما عن موقف الأشاعرة فانظر البيجوري حيث يقول: " الصراط... ومعناه لغة: الطريق الواضح مأخوذ من صرطة إذا ابتلعه لأنه يبتلع المارة. وشرعا: جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون حتى الكفار ، خلافا للحليمي حيث ذهب الى أنهم لا يمرون عليه ولعله أراد الطائفة التي ترمى في جهنم من الموقف بلا صراط...
ثم ذكر مختلف الأقوال في أنواع العبور وطول المدة الزمنية وتفاوتها من شخص الى آخر ، وذكر ما جاء في هذا الشأن من الأحاديث من ذلك قوله عليه السلام" ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجوز".
وذكر في نهاية كلامه الحكمة من مرورهم على الصراط ، وهي ظهور النجاة من النار وأن يتحسر الكفار بفوز المؤمنين بعد اشتراكهم في المرور". شرح جوهرة التوحيد : 180- 181
وقد أورد عمرو التلاتي هذا النص كله. شرح النونية ورقة 186 وجه وقفا ر. عبد العزيز الثميني : النور: 438- 440، وعن الحديث المذكور ر. البخاري آذان 129. توحيد 24 مسلم : إيمان 299. ابن ماجة زهد 33 أحمد بن حنبل 2/293. 3/11- 17 .ر. ونسنك : المعجم المفهرس: 3/300
(54) ر. عبدالله السالمي ر. المشارق: 286
________________________________________
قضية الخلود أو عدمه
جاء في لسان العرب: الخلد: دوام البقاء في دار لا يخرج منها خالد يخلد خلدا وخلودا بقي وأقام. ودار الخلد: الآخرة لبقاء أهلها فيها، وخلده الله وأخلده تخليدا، وقد أخلد الله أهل دار الخلد فيها وخلدهم وأهل الجنة خالدون مخلدون آخر الأبد (1) .
إن كانت اللغة بينت أن الخلود دوام البقاء (2) فإن أهل التفسير وجدوا من الشواهد في النصوص ما يحول اللفظة عن معناها فكان هذا مصدر اختلاف كبير في اتخاذ مواقف متضاربة متناقضة.
ومعلوم أن القرآن الكريم يشير إلى أن القضية طرحت عند اليهود وقد تدرعوا بأنهم شعب الله المختار وأنهم أحباؤه فلذلك اعتقدوا أن النار لا يمكن أن تمسهم إلا أياما معدودة إلا أن القرآن رد عليهم وبكتهم واتخذت الآيتان الواردتان في القضية منطلقا للنقاش بين الفرق الإسلامية وخصصها أغلبهم باليهود (3) .
كما أن الاختلاف الذي قام بين الفرق الإسلامية في شأن الأسماء (4) كان له تأثير بالغ في تقرير مصائر الناس، ذاك أن كلا يفهم النص حسب تحديده الاصطلاحي ولهذا تكثر عبارة " وهذا الوجه اللائق على أصولنا" (5) .
فلا سبيل إلى التوفيق مثلا بين من يعتبر أن الإيمان مجرد اعتقاد بالقلب، وبين من يعتبر أن العمل جزء لا يتجزأ منه.
والواضح في القضية أن الاختلاف لم يكن في شأن الخلود في الجنة كما لم يكن من قبل في شأن الوعد ذاك لأن الجنة كل يشتاق إليها ولم يقل واحد في شأنها بالمكث الطويل وإنما جاء الخلاف حادا عنيفا في شأن الخلود في النار وعدمه.
ورغم مساس القضية بالغيبيات نجد من هون من شأنها على أساس أنها ليست من الإلهيات ولا من الرساليات كما يشير إلى ذلك محمد اطفيش بقوله:" عن خلود الموحد وعدمه ليس من الأصول التي يكون بها تفسيق معتقد أحدهما" (6) والجلال الدواني حيث يقول بعد حديث عن الصفات:" والحال انه لا حرج على من قال فيها بخلاف الصواب فأحرى أن يكون ذلك في ما ليس من الإلهيات ولا من الرساليات كمسألة الخلود" (7) .
لكن إلى جانب هذا نجد من اعتبر أنها من القضايا العقائدية الأساسية فهذا رشيد رضا يقول:" فإن هذه المسألة قديمة، وهي اكبر مشكلات الدين" (8) وكذلك جواد مغنية فإنه يقول أثناء حديثه عن هذه القضية:" ونحن نتكلم في الأمور العقائدية القطعية لا في المسائل الفرعية الظنية" (9) وكذلك أحمد الخليلي في تعليقه على كتاب المشارق يقول:" مسألة الخلود في النار من مسائل الاعتقاد المهمة" (10) .
وكذلك محمد علي ناصر الجعفري يقول:" وليعلم أن عقد القلب المعتبر في أصول الدين إنما هو بالنسبة إلى الآثار الأخروية كالتخلص من الخلود في النار" (11) .
وكذلك يقول الرازي:" واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل" (12) .
والراجح أنها من القضايا العقائدية الأساسية لأن كل حياة الإنسان مرتبطة بمصيره واعتقاد الخلود وعدمه يجول مجرى حياة الإنسان تحويلا جذريا ولولا تصور عالم الجزاء لما استقام الدين بما فيه من عقيدة وشريعة.
والمتأمل في النصوص الإسلامية قرآنا وسنة يتبين أنها خصصت الجانب الأوفى منها للتعريف بعالم الجزاء ولا تكاد تخلو سورة تقريبا من التذكير بالدار الآخرة وعدا أو وعيدا.
وانطلاقا من هذه النصوص التي جاء فيها ذكر الخلود مرات مشفوعا بالتأبيد ومرات غير مشفوع به، ومرات صريحا للمشركين ومرات صريحا للعصاة من أهل الصلاة كان الخلاف بين الأصوليين فما هي أبرز المواقف في هذه القضية وما هي مكانة الإباضية منها؟ وما هي الحجج المعتمدة نقلا وعقلا عن صح للعقل أن يحكم؟ وما هي الأبعاد الحضارية لهذه المواقف؟
مختلف المواقف من قضية الخلود:
لقد لخصها السالمي في خمسة حيث يقول:" والناس فيه على مذاهب: أحدها: وهو قول الأشعرية: إن أهل الشرك مخلدون في النار وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.
المذهب الثاني: عن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها، ونسب هذا إلى طائفة خرجت عن الإسلام.
المذهب الثالث: إن أهل الكبائر غير معذبين قطعا وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة ونسب هذا إلى مقاتل وبعض المفسرين.
المذهب الرابع: إن الجنة والنار فانيان بعد دخول أهل كل واحد منهما فيها، ونسب هذا القول إلى جهم بن صفوان.
المذهب الخامس: وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة: إن أهل الكفر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون:" إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون بوجوب (13) ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين" (14) .
والمتأمل في كتب الأصول يلمس أن الصراع بقي على أشده بين أصحاب الموقف الأول (15) وأصحاب الموقف الخامس (16) .
والملاحظ أيضا أنه يصعب الوقوف عند كل النصوص القرآنية التي تجاذبها الطرفان ولذلك سننتخب منها ما نرى أنه أكثر تعبيرا عن القضية إذ كل ما استشهد به يمس الموضوع من قريب أو من بعيد. وسنسلك في هذه المرة مسلك عرض حجج الطرفين في نفس الوقت لنلخص إلى الاستنتاجات العامة بعد ذلك ومنهجنا يقوم على عنصرين أساسيين:
1) القرآن الكريم ودحضه ادعاء اليهود.
2) القرآن الكريم وقضية الخلود عامة.
=============================
(1) ر. ابن منظور : لسان العرب مادة خلد مع الملاحظ أنه لم يشر إلى النار.
(2) عدا ما جاء في اللسان من باب المجاز حيث يقال للجبال والحجارة والصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال.ر. ابن منظور : لسان العرب مادة خلد.
(3) انظر ما يلي: 718
(4) انظر ما سبق: 488
(5) الرازي: تفسير الكبير 3/158 .ر. جواد مغنية : التفسير الكاشف: 1/137 يقول:" يوافق مذهبنا"
(6) سعيد بن تعاريت: المسلك المحمود: 130 نقلا عن:" كتاب ازالة الاعتراض عن محقي أهل أباض".
(7) نفس المصدر والصفحة
(8) رشيد رضا: تفسير المنار: 1/401
(9) جواد مغنية: التفسير الكاشف: 1/401
(10) عبدالله السالمي: المشارق: 219 تعليق عدد1 وهو محقق الكتاب في طبعته الثانية .
(11) ناصر الجعفري: أصول الدين: 50
(12) الرازي : التفسير الكبير: 3/144
(13) انظر ما سبق: 559
(14) السالمي : المشارق: 294. وقد أورد ابن حزم التقسيم التالي:
1- أما من قال بأن صاحب الكبيرة يخلد..
2- وأما من خص القاتل بالتخليد.
3- وأما من قال أن الله تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
4- وأما من قال بمثل هذا أنه قال: الله تعالى إن عذب واحدا منهم عذب الجميع.
5- وأما من قال بالموازنة .ر. ابن حزم الفصل: 4/46- 52 وابن حزم يقول بالقول الثالث:
مسألة: وإن النار حق دار مخلوق لا يخلد فيها مؤمن.
مسألة: يدخل النار من شاء الله تعالى من المسلمين الذين رجحت كبائرهم وسيئاتهم على حسناتهم ثم يخرجون منها بالشفاعة ويدخلون الجنة . ابن حزم: المحلى 1/10
ويقول الرازي:" اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر: فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان : ومنهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبت وعيدا منقطعا وهو قول بشر المريسي والخالد. ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
والقول الثالث إنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي، ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا ، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدا منهم مدة ف‘نه لا يعذبه أبدا بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية". التفسير الكبير 3/145
(15) وهو موقف الماتريدية حسب ما يذكر أبو السعود في تفسيره (1/147) والشيعة الزبدية كما ينقل ذلك عن إمامهم زيد أبو زهرة في كتابه: الإمام زيد ص 204 والشيعة الإمامية كما ينقل أبو زهرة عن الشيخ المفيد في أوائل المقالات وكما ذكر ذلك الرازي: التفسير الكبير: 3/145.
(16) وهو موقف من وسموا بالخارجية جميعا .
- الأدلة من القرآن الكريم :
1) القرآن الكريم يدحض ادعاء اليهود:
قال تعالى: ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (2 البقرة 80- 81) .
وقال تعالى: ( ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (3 آل عمران24).
نحن أمام سياقين قرآنيين يتكرر فيهما ادعاء اليهود أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة مع اختلاف جزئي في الجمع والإفراد، والحقيقة أن هذا الاختلاف لا يغير المعنى في شيء (17) إذ سواء أكانت الأيام قليلة أو كثيرة المهم في الخروج من النار كما أن جل المفسرين يتعرضون لسياق سورة آل عمران عند تحليل السياق الأول ويكتفون بالإحالة على ما سبق عند تفسير السياق الثاني (18) وتتمثل مواطن الاختلاف- وهي أساس البحث- في ما يلي:
أ- تحديد السيئة والخطيئة وإحاطتها.
ب- هل يشمل الخلود أهل الكبائر أم هو خاص بأهل الكتاب.
ج- الخلود بقاء مؤبد أم مكث مؤقت.
أ) تحديد السيئة وإحاطة الخطيئة:
- السيئة عند منكري الخلود لأهل الكبائر:
قال ابن عباس:" من كسب سيئة أي أشرك بالله وأحاطت به خطيئته أوبئة شركه أي مات عليه" (19) .
ويورد محمد عبده ما يلي:" وخصها مفسرنا (الجلال) وبعض المفسرين بالشرك" (20) .
أما الرازي فلم يذهب إلى أنها تعني الشرك حيث قال:" أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي قال تعالى ( وجزاء سيئة سيئة مثلها) (42 الشورى 40) ( من يعمل سوء يجز به) (4 النساء 123) . (21)
وأما القرطبي فلم يشر إلى تفسير الكلمة تماما (22) .
وأما أبو السعود فيقول:" من كسب سيئة فاحشة من السيئات أي كبيرة من الكبائر كدأب هؤلاء الكفرة" (23) .
وأما جواد مغنية فيقول:" السيئة تعم الشرك وغيره من الذنوب ولكن المراد منها هنا خصوص الشرك بقرينه قوله تعالى: ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) . قال صاحب مجمع البيان إن إرادة الشرك من السيئة يوافق مذهبنا أي مذهب الامامية" (24) .
ويقول ابن عاشور:" والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليه بقوله: ( وأحاطت به خطيئته) (25) .
- السيئة عند مثبتي الخلود لأهل الكبائر:
يقول الزمخشري :" ( من كسب سيئة) من السيئات يعني كبيرة من الكبائر" (26) .
يقول أبو مهدي:" ( من كسب سيئة) وهي الشرك في ما وجدنا في التفسير" (27) .
ويقول يوسف المصعبي:" وما ذكره الكشاف هو الموافق لما عليه أصحابنا رحمهم الله كما هو معلوم" (28) .
ويكتفي البرادي بقوله:" حقيقة السيئة ما أساء فيه المرء إلى نفسه" (29) .
ويقول محمد اطفيش :" سيئة خصلة قبيحة وهي الذنب الكبير، سواء كانا نفاقا أو شركا ومن الذنوب الكبيرة الإصرار فإنه نفسه كبيرة سواء على الصغيرة أو الكبيرة لقوله تعالى: ( فأولئك أصحاب النار) ويحتمل وجه آخر وهو أن السيئة ذنب صغير أو كبير...
ثم يناقش قول من قال: إن السيئة هنا بمعنى الشرك فيقول: وإن قلت روى قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السيئة هنا الشرك وكذا قال الشيخ هود رحمه الله إنها الشرك قلت: ما ذكرته أولى مما ذكراه فإن لفظ السيئة عام وحمله على العموم أولى إذ تلك تفسير منهما، لا حديث ولا سيما أنهما وقومنا يعترفون بأن الكبيرة تدخل فاعلها النار، ولم يحصروا دخولها على الشرك ومعترفون بان لفظ الخلود يطلق على المكث الكبير سواء كان أبديا أو غير أبدي وادعاء أن الخلود في الموحدين بمعنى المكث الطويل وفي المشرك بمعنى المكث الدائم استعمال للكلمة في حقيقتها ومجازها وهو ضعيف وأيضا ذكر إحاطة الخطيئات ولو ناسب الشرك كغيره لكنه أنسب بغيره لأن الشرك أقوى" (30) .
وقال محمد عبده:" للسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا (الجلال) وبعض المفسرين بالشرك ولو صح هذا الوعيد لما كان لقوله: ( وأحاطت به خطيئته) معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق الوعيد لذاته كيفما كان" (31) .
- الخطيئة عند منكري الخلود لأهل الكبائر:
أما عن الخطيئة فقد قرأت بصيغة الإفراد والجمع " خطيئاته" وجاء تفسيرها متأثرا بتفسير السيئة فيقول فيها منكرو الخلود ما يلي:
لقد ذكرنا أن ابن عباس اعتبر الخطيئة أوبئة الشرك الذي يموت عليه صاحبه (32) .
وأما الرازي فيفهم من كلامه أنه يعتبر الخطيئة مرادفة للسيئة فيقول:" ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك هاهنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة".
ثم بعد أن يبين لم حمل السيئة على الكبيرة يقول:" فكأنه تعالى يقول بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" (33) .
وأما البيضاوي فيحملها على الكفر بسبب الإحاطة فيقول:" ولذلك فسرها السلف بالكفر" (34) .
وأما أبو السعود فينقل عدة روايات في فهم الخطيئة حيث يقول:…." فسرها السلف بالكفرة" (35) .
وقيل السيئة الكفر والخطيئة الكبيرة وقيل العكس وقيل الفرق بينهما أن الأولى قد تطلق على ما يقصد بالذات والثانية تغلب على ما يقصد بالعرض لأنها من الخطأ " (36) وأما كل من القرطبي (37) ومغنية (38) فلم يقفا عند كلمة خطيئة.
وأما ابن عاشور فيتوسع في التحليل فيقول:" وقوله وأحاطت به خطيئاته " الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعلية بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك لـه منفذا للإقبال على غير ذلك، قال تعالى: ( وظنوا أنهم أحيط بهم) (10 يونس22) وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجري على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح...." (39)
تلك هي مواقف المنكرين والملاحظ أنه وقع الإلحاح على الإحاطة أكثر من الإطالة في تفسير الخطيئة على أنه ورد فيها القول وعكسه بالنسبة إلى السيئة فواضح إذن أن السطح متموج، وكل يجذب المفاهيم من طرف لتعزيز موقفه.
- الخطيئة عند مثبتي الخلود لأهل الكبائر:
أما الزمخشري فيقول:" وقيل في الإحاطة كان ذنبه أغلب من طاعته وسأل رجل الحسن عن الخطيئة فقال: سبحان الله ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة؟ انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة" (40) .
وينقل يوسف المصعبي نفس النص (41) .
أما أبو مهدي فيقول:" وأحاطت به خطيئاته وهي الكبائر في ما وجدنا أيضا" (42) ولم يتعرض البرادي لتعريف الخطيئة (43) .
أما محمد اطفيش فيقول:" ربطته وأوجبت له دخول النار فصار لا خلاص له منها كمن أحاط به العدو أو الحريق أو حائط السجن وذلك بان مات غير تائب وقيل معنى الإحاطة أن ذنبه أغلب من طاعته ومن مشارقة أصحابنا من يقول ذلك.
شبه الخطيئات بنحو الحائط الدائر في مضرة على شيء وأحاطت رمزا وشبه إيباق خطيئاته له إلى النار وقصرها إياها على النار بدوران الشيء الضار على شيء....
والخطيئة في قراءة الإفراد يحتمل أن تكون هي السيئة المذكورة أولا ويحتمل أن يراد به الجنس كما صرحت به قراءة الجمع....
ثم يورد أن السيئة ما يقصد بالذات والخطيئة ما يكون عرضا ويضرب لذلك أمثلة كما يورد جواب الحسن إلا انه يرد فيه بالتعليق التالي:" وهذا الذي قال إنما هو في القرآن وليس متعينا في جميعه أيضا وأما في غيره فالخطيئة تحتمل الصغيرة وكذا السيئة والذنب والمعصية والله أعلم " (44) .
أما محمد عبده فيقول:" ومعنى إحاطة الخطيئةهو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحاسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجا منها يرى نفسه حرا مطلقا وهو أسير الشهوات وسجين الموبقات ورهين الظلمات؟ وغنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب والتمادي على الإصرار قال تعالى: ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) (83 المطففين14) أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة يكسبون معنى الاسترسال والاستمرار وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبق منفذ للنور يدخل إليها منه. ثم أورد حديثا يؤازر موقفه وختم بقوله: لمثل هذا كان السلف يقولون:" المعاصي بريد الكفر" (45) .
من خلال ما ذكر من تفسير السيئة وإحاطة الخطيئة (46) نتبين أنه سال مداد كثير نتيجة تأملات العقول وكل ذلك إما لتيسير الأمر على أهل الكبائر المصرين لما في قلوبهم من إيمان أو لحشر هؤلاء مع المشركين في نار جهنم خالدين فيها أبدا. فالسيئة والخطيئة تتأرجحان بين الشرك والكبيرة والصغيرة واللغة تحتمل ذلك وإن كان الشرك مستبعدا ولذلك ناقشه حتى من باب التعسف والتسلط على اللغة. أما عن الإحاطة فهذا يعتبر ألا إحاطة إلا بالشرك والآخر يلح على أن الذنوب هي الأخرى تحجب القلب وتطمس ما تسرب إليه من نور الإيمان.
والذي يقلبه العقل ولا تلفظه اللغة أن السيئة وإحاطة الخطيئة أو الخطيئات إنما هي المعاصي مهما كان نوعها ولذلك يترجح أن الخلود شامل للمشركين وللعصاة المصرين الذين ماتوا دون أن يتوبوا وجاهروا خالقهم بما نهاهم عنه رغم البشير والنذير فهؤلاء وغن آمنوا فإنهم لم ينتفعوا بإيمانهم في الدنيا فكيف يمكن أن ينتفعوا به في الآخرة.
===================
(17) يقول الرازي:" إن الاسم إن كان مذكرا فالأصل في صفة جمعه التاء يقال كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة، وإن كان مؤنثا كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء يقال جرة وجرار مكسورات وخابية وخواب مكسورات إلا انه قد يوجد الجمع بالألف والتاء في ما واحده مذكر في بعض الصور نادرا محو حمام حمامات وحمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى] في أيام معدودات[(3آل عمران 24) و] في أيام معلومات[( 22الحج 28) فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله تعالى ] أياما معدودة[، وفي آل عمران بما هو الفرع". التفسير الكبير: 3/142 ( وسبطر تفيد معنى الثقل أو السرعة).
(18) الرازي: التفسير الكبير: 7/233 " فالكلام في تفسيره قد تقدم في سورة البقرة" كذلك القرطبي: 4/51 "وقد مضى الكلام في معنى قولهم: لن تمسنا النار في البقرة ، مع العلم أنه لم يستوف القضية تحليلا حتى هنالك" 2/10- 12
(19) ابن عباس: تنوير المقباس: 12. وقد نيه إلى ذلك امحمد اطفيش حيث قال :" روى قومنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السيئة هنا الشرك". هيمان الزاد ط2: 2/140.
(20) محمد عبده : تفسير المنار:1/144
(21) الرازي: التفسير الكبير: 3/144
(22) القرطبي: أحكام القرآن: 1/12
(23) تفسير أبي السعود1/147
(24) جواد مغنية: التفسير الكاشف: 1/137
(25) الطاهر ابن عاشور: التحرير والتنوير: 1/581
(26) الزمخشري: الكشاف: 1/292
(27) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 144
(28) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 42 قفا
(29) البرادي: رسالة الحقائق:40
(30) امحمد اطفيش: هيمان الزاد ط 2: 2/140
(31) محمد عبده : تفسير المنار: 1/363
(32) انظر ما سبق: 719
(33) الرازي: التفسير الكبير: 3/144
(34) البضاوي: أنوار التنزيل: 1/29
(35) وقد حدد هذه التفسير، بينما لم يحدد سند بقية الأقوال
(36) تفسير أبي مسعود: 1/147
(37) القرطبي: أحكام القرآن: 1/12
(38) جواد مغنية: التفسير الكاشف: 1/137
(39) ابن عاشور: التحرير والتنوير: 1/581
(40) الزمخشري: الكشاف: 1/929
(41) يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 42 قفا
(42) أبو مهدي عيسى بن إسماعيل: الرد على البهلولي: 144
(43) البرادي : رسالة الحقائق: 40
(44) امحمد اطفيش: هيمان الزاد ط2: 2/141
(45) محمد عبده : تفسير المنار:1/363
(46) وما لم يذكر أكثر
أ) هل العبرة بالخصوص أم يمكن التعميم؟
لا شك أن آية تقرير الخلود جاءت في سياق محاجة اليهود الذين يزعمون انهم لا يبقون في النار إلا أياما معدودة والإنكار عليهم لنهم يقولون مالا يعلمون لذلك ذهب بعض إلى أن الخلود خاص باليهود وذهب البعض الآخر إلى إلحاق كل من أحاطت به خطيئاته من جميع الأمم بهم في الخلود.
- موقف المخصصين وحججهم:
إن ما جاء ضمنيا عند القرطبي (47) ومغنية (48) وأشار إليه الرازي عند ردوده على المعتزلة (49) عبر عنه بوضوح كل من أبي السعود وابن عاشور.
أما أبو السعود فيقول:" ...أولائك الموصوفون بما ذكر من كسب السيئات وإحاطة خطاياهم بهم أصحاب النار أي ملازموها في الآخرة حسب ملازمتهم في الدنيا لما يستوجبها من الأسباب التي من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك إنما لم يخص الجواب بحالهم بأن يقال مثلا بلى إنهم أصحاب النار الخ، لما في التعميم من التهويل وبيان حالهم بالبرهان والدليل مع ما مر من قصد الإشعار بالتعليل.
(هم فيها خالدون) دائما أبدا فأني لهم التفصي عنها بعد سبعة أيام أو أربعين يوما كما زعموا فلا حجة في الآية الكريمة على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر " (50) .
أما بان عاشور فقد جاءت صيغة أدق في ربط من كسب بما سبق من السياق حيث يقول:" وقوله بلى إبطال لقولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة.
وقوله (من كسب سيئة) سند لما تضمنته بلى من إبطال قولهم أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة الخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولائك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة.... فمن في قوله " من كسب سيئة" شرطية بدليل الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم...
ثم يمضي في تحديد السيئة والخطيئة (51) إلى أن يقول:" فذلك لم تكن في الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة.
والقصر المستفاد من التعريف في قوله ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) قصر إضافي لقلب اعتقادهم" (52) .
فالسياق حسب هؤلاء خاص بالكفار واليهود جزء لا يتجزأ من هؤلاء فماذا عن حجج الطرف الآخر الذي يعمم الخلود ويدخل فيه مرتكبي الكبائر المصرين على الموت؟
- موقف المعممين وحججهم:
أما الزمخشري فلم يحلل قضية التعميم والتخصيص لكت يفهم من تفسيره للسيئة والخطيئة أنه يعمم (53) ولم يتعرض يوسف المصعبي للقضية (54) . وقد أورد الرازي ضمن عرض حجج المعتزلة تحليلهم لهذه الآية وإثباتهم فيها دلالتها على العموم...." فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة " من" في معرض الشرط للعموم" (55) .
وأما محمد اطفيش فيقول:" فأولئك البعداء مقامات الخير وإنما عبر بإشارة البعيد تلويحا لهذا المعنى... أصحاب النار أس مستحقوها بكسبهم أو ملازموها في الآخرة كما لزموا موجباتها في الدنيا وهي الذنوب.
( هم فيها خالدون) دائمون فيها لنهم وقد أحاطت بهم خطاياهم مصرون فلم يكن للبثهم فيها آخر كما أن المصر لا آخر للمعصية وملازمتها عنده والناس إما مصر وإما غير مصر مرحوم يدخل الجنة" (56) .
أما صاحب المنار فيقول:" قوله ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خادون) " خبر" ( من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ) أي هم أصحاب دار العذاب في الآخرة الأحقاء بها دون من لم يصل الى درجتهم في الدنيا وهو من في قلبه شيء من نور الإيمان وتوحيد الله تعالى وما يتبعه من الخير" (57) .
واضح من خلال هذه التحاليل أن كلا من الطرفين حرص على تطويع التركيب لغرضه وكل منهما بعد عرض أدلته يصل إلى النتيجة المقررة من البداية والراجح أن " من" هي أقرب إلى التعميم منها إلى التخصيص .
ج)الخلود بقاء مؤبد أو مكث طويل:
واضح من خلال ما بينا أن مخصصي الخلود الذين تأولوا السيئة بالشرك والكفر ليسوا في حاجة الى القول بالمكث الطويل بالنسبة إلى الخلود. ويقول أبو السعود في هذا الصدد:" ولا حاجة إلى حمل الخلود على اللبث الطويل" (58) .
بينما البيضاوي وقد اعتبر السيئة من القبائح فإنه يقول في تفسير قوله تعالى ( هم فيها خالدون) دائمون أو لابثون لبثا طويلا (59) .
ويرد على القائلين باللبث الطويل محمد عبده بما يلي:" ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته. أولوا هذا التأويل هروبا من قول المعتزلة إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار وتأييدا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة والقرآن فوق المذهب يرشد الى أن من " تحيط به خطيئته" لا يكون أو لا يبقى مؤمنا" (60) .
وتعليق محمد عبده على هؤلاء يغني عن زيادة التحليل.
وموقف الاباضية صريح من هذين السياقين إذ يعتبرون أنهما شاملان لأصحاب الكبائر والكل خالد في الجحيم أبد الآبدين وسنعود إلى الاستنتاج عندما نحوصل الحديث عن بقية النصوص.
هذا وإن تأرجحت المواقف لصلة السياقين باليهود هنا فماذا عن الآيات المتعلقة بالخلود بصفة عامة؟
القرآن الكريم وقضية الخلود عامة:
إن الآيات الواردة في هذا المعنى يمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام:
أ) آيات جاءت كلمة" خالدين مجردة من " أبدا" وأخرى متبوعة بها".
ب) آيات علقت العذاب بالمشيئة.
ج) آيات حددت اللبث بالأحقاب أو بدوام السماوات والأرض.
================================
(47) القرطبي: أحكام القرآن: 2/7
(48) جواد مغنية: التفسير الكاشف: 1/137
(49) الرازي: التفسير:3/153 حيث يقول:" فأولئك أصحاب النار يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم يقتضي وذلك يقتضي أن لا يكون صاحب الكبيرة من أهل النار".
(50) تفسير أبي السعود: 1/147
(51) انظر ما سبق: 721- 722
(52) ابن عاشور: التحرير والتنوير: 1/581
(53) ر. الزمخشري: الكشاف: 1/292
(54) ر. يوسف المصعبي: حاشية على تفسير الجلالين ورقة 42 قفا
(55) الرازي: التفسير الكبير: 3/147
(56) امحمد اطفيش: هيمان الزاد: 2/144
(57) محمد عبده : تفسير المنار: 1/368
(58) تفسير أبي السعود: 1/147
(59) ر. البضاوي: أنوار التنزيل: 1/29.
(60) محمد عبده : تفسير المنار: 1/363- 364
أ) آيات الخلود أو ما يفيد معناه
لا يمكن استيفاء كل الآيات الواردة في هذا المعنى لكثرتها وسنكتفي بالوقوف عند بعضها لنتبين كيف يدافع كل من الطرفين عن موقفه.
- قوله تعالى: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا مهينا) (4 النساء 93). (61)
- وقوله تعالى ( والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (10 يونس27).
- وقوله تعالى ( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (4 النساء 14).
- وقوله تعالى: ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) (72 الجن23).
أول ما يلاحظ عند التأمل في هذه الآيات ومثيلاتها في كتاب الله تعالى يتبين أن سورة الجن تفردت بإضافة التأبيد للخلود ومع ذلك يجد لها نفاة الخلود للعصاة مخرجا،أما بالنسبة إلى الآيات الأخرى فالخطب أهون والتأويلات لا تبعد عما ذكر في آية سورة البقرة بل في أغلب الأحيان تقع الإحالة على ما ذكر هناك (62) لن القضية استوفاها جل المفسرين تحليلا هنالك، وإنما وقع التنبيه الى بعض النكت في ما بعد.
ويكن أن نلخصها عند منكري الخلود لأهل الكبائر كما يلي:
- تأويل الخلود بطول المكث: خاصة في آيتي سورة النساء حيث إن الأمر يتعلق بالقتل العمد (الآية 93) والنص يحتمل أن يكون القاتل من أهل الصلاة والمقتول كذلك، ويتعلق بتجاوز الحدود في سياق يتحدث عن المواريث والنص يحتمل أيضا أن يتعلق الوعيد بمن يظلم في قسمة التركات وما اكثر هؤلاء في الأوساط الإسلامية، وقد ذهب هذا المذهب كل من البيضاوي (63) والقرطبي (64) وأبي مسعود (65) وابن عاشور (66) .
- التعميم: إن كان الأمر واضحا ، وكانت العبارة صريحة في المواقف السابقة فقد جاء الأمر عاما في بعض الأحيان وقد ظهر هذا خاصة عند ابن عباس (67) وجواد مغنية (68) في الآيات المشار إليها من سورة النساء والجن. ومن صيغة التعميم الى السكوت عن القضية.
- السكوت: وقد يرى المفسرون ألا فائدة في الرجوع الى ما ذكر فيمرون على قضية الخلود دون الوقوف عندها، ومثال ذلك ما نجده عند البيضاوي (69) وأبي مسعود (70) ومغنية (71) في آية النساء14 عن المواريث والرازي (72) وجواد مغنية (73) مع آية سورة يونس وإن لم يقف هؤلاء مثل هذه المواقف فإنهم يلجئون الى تخصيص الخلود الدائم للكفار.
- تخصيص الخلود للمشركين: وهذا ما عبر عنه كل من أبي السعود (74) وابن عاشور (75) وفي آيتي سورة يونس وسورة الجن.
هذه تقريبا حوصلة عامة لمواقف المفسرين- منكري الخلود لأهل الكبائر- من هذه الآيات ويواكبهم في ذلك الأصوليون ونذكر منهم مثلا الإيجي حيث يقول ردا على المعتزلة:" ولا نسلم (أن من اكتسب كبيرة فقد تعدى حدوده بل) تعدى (بعض حدوده والمراد من قتل مؤمنا لأنه مؤمن ولا يكون ذلك القاتل إلا كافرا) فالآيات المذكورة لا تتناول صاحب الكبيرة (سلمنا) تناولها إياه (لكن الخلود) المذكور (76) فيها (هو المكث الطويل وما ذكرتم معارض بما يقال حبس مخلد وخلد الله ملكه" (77) .
والأساس حينئذ لدى هؤلاء جميعا أن رحمة الله أوسع من غضبه فلذلك لا يرتضون تخليد عصاة أهل الصلاة في النار ، فما هو موقف القائلين بخلود العصاة المصرين من هذه الآيات؟.
والأساس حينئذ لدى هؤلاء جميعا أن رحمة الله أوسع من غضبه فلذلك لا يرتضون تخليد عصاة أهل الصلاة في النار (78) ، فما هو موقف القائلين بخلود العصاة المصرين من هذه الآيات؟
موقف الإباضية والمعتزلة من هذه الآيات:
يتفق الإباضية والمعتزلة (79) والموسومون بالخارجية ويساندهم في ذلك ممد عبده على أن هذه الآيات وأخواتها في القرآن الكريم أكبر دليل على ما ذهبوا إليه من اعتقاد الخلود الأبدي اللانهائي الذي يشمل العصاة الذين ماتوا دون أن يتوبوا الى الله تعالى مع القول بتفاوت العذاب بينهم وبين من ماتوا على الشرك ولا يخلو تحليل أصولي في الموضوع من الاستشهاد بهذه الآيات وأخواتها ونكتفي بذكر نص أبي مهدي لنه استوعب ما جاء قبله وعليه اعتمد من جاء بعده.
يقول أبو مهدي بعد أن حلل آية البقرة (81) التي وقفنا عندها: ( وأحاطت به خطيئاته) وهي الكبائر في ما وجدنا أيضا ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) (2 البقرة 81) وقوله: ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) (5 المائدة37) وقال: ( وما هم بخارجين من النار) (2 البقرة 167) وقال: ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون) (43 الزخرف77) أي مقيمون، وقال: ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها) - إلى قوله- ( ولهم عذاب مقيم) (9 التوبة68) فإن قال قائل هذه الآية في أهل الشرك خصوصا قيل له: ( وكذلك قوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) (4 النساء14) وقوله: ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) (72 الجن23) وقال: ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق) - الى قوله- ( ويخلد فيها مهانا) (25 الفرقان 69) فإن قالوا هذه الآيات كلها في الشرك قيل لهم وكذلك النهي عن الكبائر إنما هو في أهل الشرك فلا يجد في ذلك فرقا. وقال: ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) (22 الحج22) وقال: ( عن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين وما هم عنها بغائبين) (82 الانفطار 13- 16) وقوله: ( سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا محيض) ( 14 إبراهيم 21) أي من مذهب ومخرج" (80) .
ويقف تفسير المنار إلى نفس الموقف حيث يقول محمد عبده في شأن منتهك حدود الله:" وظاهر الآية أن العاصي المتعدي للحدود يكون خالدا في النار" (81) كما يقول في شأن القائل المتعمد " فهو جدير بالخلود في النار والغضب واللعنة" (82) ويضيف رشيد رضا فيقول:" أقول وقد استكبر الجمهور خلود القاتل في النار وأوله بعضهم بطول المكث فيها وهذا يفتح باب التأويل لخلود الكفار فيقال إن المراد به طول المكث أيضا" (83) .
ثم أعطى صاحبا المنار بعدا حضاريا لهذا الموقف سنعود إليه في الاستنتاجات (84) .
ب) الآيات التي علقت العذاب بالمشيئة:
- قوله تعالى: ( ويوم نحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا. قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) (6 النعام128).
- وقوله تعالى: ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) (85) .
لقد تضاربت الآراء في شأن التعليق بالمشيئة (86) كما تضاربت في شأن تعليق المغفرة بالمشيئة وأطال المفسرون الكلام.... وذكروا وجوها جعلت المعنى من الطلاسم (87) إلا أن الجدل يدور حول ثلاثة محاور:
1) تصور إمكانية خروج المشركين من النار، ومثل هذا التصور يرده المفسرون بسرعة وإنما يذكرونه لتفنيده (88) .
1) استثناء الموحدين العصاة، وهذا ما رجحه كل من قالوا بخروجهم من النار فاعتبروا الاستثناء من أدلتهم وهذا ما نقل عن ابن عباس :" وإلا ما شاء ربك أن يخرجهم من أهل التوحيد من كانت شقاوته بذنب دون الكفر فيدخله بإيمانه خالصا" (89) .
وهذا ما ختم به الرازي مختلف الوجوه التي ذكرت في الاستثناء قائلا:" إخراج أهل التوحيد من النار....وهذا كلام قوي في هذا الباب" (90) . وقاس على هذا النسق كل من أبي السعود (91) ورشيد رضا (92) وابن عاشور (93) . وجواد مغنية (94) والكل يلح على تركيز موقفهم باختتام تفسير الآية بقوله تعالى: ( إن ربك فعال لما يريد) (11هود107) . وفي تحليل جواد مغنية وضوح وتبسيط لأنه اعتبر السياق من المحكم لذلك أجبنا أن نورده حيث يقول:" ويتلخص بان من يدخل جهنم بأي ذنب من الذنوب فلا يستطيع الخروج منها بنفسه ولا بشفيع ومعين، ولا بفداء فهو من هذه الجهة خالد فيها... ولكن إذا شاء الله أن يخرجه منها خرج، وانتفى عنه وصف الخلود في النار لأن إرادته تعالى لا يحدها شيء" ( إن ربك فعال لما يريد) وكل شيء يرجع في النهاية إلى إرادته ولا ترجع إرادته إلا إليه وحده فسبب الخلود يؤثر أثره ما دام الخالق مريدا له ذلك، وغن لم يشأ لم يكن عملا بمبدأ ( إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (36 يس 82). (95)
واضح حينئذ أن هؤلاء يعتبرون " أن صاحب الكبيرة غير مخلد، وإن عذب فإنهم يقولون هو في مشيئة الله إن شاء غفر وعفا عنه بلا تعذيب، وإن شاء شفع فيه من شاء، وإن شاء عذبه في ناره بقدر عمله أو إلى ما شاء الله من المدة ثم يقطعون بخروجه منها" (96) .
هذا عن المشيئة عند هؤلاء فماذا عن هذه المشيئة عند من رأوا خلود العصاة المصرين الى الموت؟
==========================
(61) لقد أشرنا في ما سبق إلى مواقف العلماء من قاتل العمد: 623 وما يلي 746.
(62) ر. الرازي: التفسير الكبير: 30/165، 10/ 240 ر. جواد مغنية: التفسير الكاشف: 2/408
(63) ر. البضاوي: أنوار التنزيل: 1/98
(64) ر. القرطبي: أحكام القرآن :5/335و 5/ 82 إنه عبر بالاستعارة في قوله: "فالخلود مستعار لمدة ما"
(65) ر. تفسير أبي السعود: 1/567
(66) ر. ابن عاشور: التحرير والتنوير: 4/268و 5/164
(67) ر. ابن عباس: تنوير المقباس:173
(68) ر. جواد مغنية: التفسير الكاشف: 2/408، 7/442 فيقول مثلا : " وذكر الله سبحانه في هذه الآية (4 النساء 93) أن جزاءه في الآخرة الخلود في جهنم والغضب واللعنة من الله والعذاب العظيم": 2/408
(69) ر. البضاوي: أنوار التنزيل: 1/81
(70) ر. تفسير أبي السعود: 1/495
(71) ر. جواد مغنية: التفسير الكاشف: 2/269
(72) الرازي: التفسير الكبير: 17/234
(73) جواد مغنية: ر.التفسير الكاشف:2/152
(74) أبي السعود: التفسير الكبير: 2/488و 4/780
(75) ابن عاشور: التحرير والتنوير: 11/148و 29/ 245
(76) وقد ذكر معها آية البقرة 81 إحاطة الخطيئة.
(77) الإيجي مع شرح للجرجاني: 2/447. ما داخل قوسين للإيجي , والبقية لشارحه.
(78) وقد حلل الرازي قضية الغفران والعفو والرحمة أثناء ردوده على المعتزلة. التفسير الكبير: 3/155- 159. وكذلك نقل صاحب المنار تحليلا موسعا لهذا الموضوع . تفسير المنار: 8/ 81- 98. ألح فيه صاحبه كثيرا على أن العذاب من الرحمة وأن دخول النار تطهير وأنه من رحمة الله ألا يبقى في النهاية أحد في جهنم ، وذلك للرد عليه.
(79) ر. ابن حزم الفصل: 4/46 يورد هذه الآيات في سياق ذكر حجج من يقول إن صاحب الكبيرة يخلد في النار . الرازي: التفسير الكبير: أنها تفيد العموم اعتمادا على صيغة (من ) في معرض الشرط.
(80) أبو مهدي : الرد على البهلولي: 144- 145. ونفس هذه الآية تقريبا نقلها صاحب قاموس الشريعة عن شرح النونية للجيطالي ر. جميل بن خميس السعدي/ قاموس الشريعة: 6/12- 13 والكل أخذ عن أبي عمار عبد الكافي : الموجز: 2/110- 112 مع الملاحظ أن امحمد اطفيش لم يحلل الأمر في التفسير: الهيميان ط 2: 2/281و 383 واكتفى بما ذكره في آية سورة البقرة(81)
(81) محمد عبده : تفسير المنار:4/432
(82) محمد عبده : تفسير المنار: 4/432
(83) محمد عبده : تفسير المنار: 5/341. والغريب أن رشيد رضا بعد ذلك في آية سورة يونس يقول: " خالدون فيها لا يبرحونها لأنه ليس لهم مأوى سواها كما تقدم في آية أخرى ، وقد يدخلها بعض عصاة المؤمنين فيعاقبون على ما اجترحوا من سيئات ثم يخرجون منها." تفسير المنار: 11/352
(84) انظر ما يلي: 758
(85) 11هود 107 جاءت في سياق المقابلة بين مصير الأشقياء والسعداء إذ تقول الآية الموالية: ] وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ[ 108.
(86) انظر ما سبق: 608
(87) ر. جواد مغنية: التفسير الكاشف: 4/210
(88) ر. الرازي: التفسير الكبير: 18/64.
ويقول في ذلك القاضي عبد الجبار :" وربما قيل في قوله تعالى:] قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله[ أو ليس في ذلك دلالة على أن في الجن والإنس من الكفار من لا يخلد في النار. جوابنا أن المراد ما شاء الله ممن لا يبقى على كفره.
ولأنه تعالى قال:] النار مثواكم خالدين فيها[ ومن الجائز أن نؤمن بعضهم فقال:] إلا ما شاء الله[. تنزيه القرآن 138
(89) ابن عباس : تنوير المقباس: 191
(90) الرازي: التفسير الكبير: 18/66
(91) ر. تفسير أبي مسعود: 3/69
(92) ر. رشيد رضا : تفسير المنار: 12/ 216
(93) ر. ابن عاشور: التحرير والتنوير: 12/165
(94) ر. جواد مغنية: التفسير الكاشف: 4/270
(95) جواد مغنية: التفسير الكاشف: 4/270
(96) عبدالله السالمي: المشارق: 300
1) لا دليل في الاستثناء على خروج العصاة
يلتقي الإباضية والمعتزلة في هذا الموقف وفي هذا الصدد ينقل أبو مهدي ما جاء عن الجيطالي في شرح النونية كما يلي:" وأما ما احتجوا به من قوله تعالى ( إلا ما شاء ربك) فقالوا أن يخرج أهل الكبائر من النار فإن هذا تقول وذهاب عن الظاهر بغير دليل.
وأيضا فإن أهل التفسير اختلفوا فيها، فقال بعضهم ( إلا ما شاء ربك) من الزيادة في الخلود وقيل في العذاب ونظيره قوله تعالى: ( فلن نزيدكم إلا عذابا) (78 النبأ30) وقال آخرون: ( إلا ما شاء ربك) من مكثهم في الدنيا وقيل:" في البرزخ" وقيل:" ما لبثوا في ظهور آبائهم" وقيل:" في أرحام أمهاتهم" وقيل:" ما لبثوا في المحشر قبل أن يدخلوها".... فكل ذلك ما شاء الله وهو الذي استثناه فمن زعم غير ذلك فعليه بالدليل ولو كان في هذا ما يدل على الخروج لدل على خروج الإنس والجن أجمعين، وكذلك قوله تعالى: ( يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله) (6 الأنعام 128) (97) .
كما ينقل عن البرادي ما يلي:" الوجه الثاني (98) أن الاستثناء الكائن في الآية مقرونة بمثله من الاستثناء أعني قوله تعالى: ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) (11 هود 108) فإن جاز أن يخرج أهل النار من النار بهذا الاستثناء جاز مثله في أهل الجنة ولا فرق لأن الآيتين جاءتا مجيئا عاما، ولا أظن عاقلا يرد على الله سبحانه في كتابه ولا يكذب خبره، وقد قال سبحانه في غير ما موضع من كتابه: ( خالدين فيها أبدا) (2 آل عمران 15. 136. 198) وقال: ( عطاء غير مجذوذ) (11 هود 108) وقال ( أكلها دائم وظلها) (13 الرعد 35) فإذا بطل على أهل الجنة واستحال في حقهم الخروج منها بخبر الله الصادق فقد بطل الاستثناء الذي تعلقوا به وما صاروا إليه، قال سبحانه: ( يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) (5 المائدة 37) وقال: ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) (32 السجدة 20) وقال: ( وما هم عنها بغائبين) (82 الانفطار 16) (1) 99).
وإن كان الزمخشري خص آية سورة الأنعام بالمشركين وتأول المشيئة بتحويلهم من عذاب قصد التشفي (100) 1 فإنه يرفض أن يكون الاستثناء دالا على خروج أهل الكبائر فقال:" ولا يخدعنك عنه قول المجبرة" عن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة فإن الاستثناء الثاني (101) ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم" (102) 1.
أما محمد اطفيش فبعد أن يورد جل الآراء الواردة في شأن الاستثناء يقول:" والأولى في هذا جعل الاستثناء منقطعا وقيل المعنى إلا ما شاء ربك لو فرض أنه تعالى وعز وجل يشاء إخراجهم فهو تعليق بالمحال فيكون ذلك برهانا على الأبدية كقوله تعالى عز وجل: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط) (7 الأعراف 40) " (103) .
فالإباضية حينئذ كما فعلوا من زمن الإمام جابر في تعليق المغفرة بالمشيئة اعتبروا التعليق بالمشيئة دليلا على الخلود للمشركين والعصاة لأن إرادة الله لا تتحول (104) ولا مبدل لكلماته وهو الفعال لما يريد.
أما محمد اطفيش فيعتمد على التفسير المأثور ويختار التفويض في شأن المشيئة فيقول:" أما ما ورد في التفسير بالمأثور في الاستثناء هنا فيؤيد ما جرينا عليه من تفويض الأمر الى الله تعالى وعدم الحكم على مشيئته في هذا الأمر الغيبي وهو ما رواه ابن جرير (105) عن ابن عباس قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ألا ينزلهم جنة ولا نارا" (106) .
ومن هذه المقارنات بين الآراء المتقابلة نفهم شيئا فشيئا كيف يوجه السياق القرآني حسب منطلقات محددة فتكون نفس الآيات دليلا لهؤلاء وأولئك فهل تكون الآيات التي تحدد المكث بالأحقاب وبدوام السماوات والأرض هي الأخرى في هذا النسق؟
ج) تحديد اللبث بدوام السماوات والأرض:
- قال تعالى: ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك) (11 هود 107).
- وقال تعالى: ( إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا) (78 النبأ 21- 23).
فمن هم الأشقاء والطغاة وما المقصود من هذين التحديدين بدوام السماوات والأرض وبالأحقاب؟ ذلك هو مثار الجدل في شأن هذه الآيات.
إن المتأمل في مواقف منكري خلود أهل الكبائر ومثبتيه يلمس بوضوح أن مركز الكلام كان قائما على تحديد مفهوم الطغيان والشقاوة فمنكرو الخلود اعتبروا أن الشقاوة والطغيان بمعنى الكفر وقد جاء هذا واضحا عند ابن عباس (107) والبيضاوي (108) وأبي السعود (109) وابن عاشور (110) ، أما الرازي فلن يصرخ بمدلول الشرك إلا أن السياق في التفسير يؤكد أنه يعتبر أن الآيتين متعلقتان بالمشركين فهو يقول:"الشقي هو الذي يكون من أهل العقاب" (111) كما يقول:" المراد بالطاغين من تكبر على ربه وطغى في مخالفته ومعارضته" (112) ثم يتوغل في الرد على من يعتبر أن عذاب الكفار منقطع. (113)
أما الإباضية والمعتزلة فقد ذهبوا الى أن الطغيان والشقاوة يشملان المشركين والعصاة من أهل الصلاة فإن لم يفسر الزمخشري كلمة الطاغين (114) فإنه يرى " أن الشقي هو الذي وجبت له النار لإساءته" (115) وكذلك محمد اطفيش فإنه يقول:" الشقي سيئ الحال في عذاب وتعب في النار بعمله لموجب العذاب" (116) . ويقول:" الطاغين شامل للموحد الفاسق" (117) وكذلك يقول السالمي:" فإن اسم الشقي شامل لهما (الفاسق والمشرك) (118) (119) .
فواضح إذن أن المشكلة ترجع الى تحديد الأسماء واختلاف الفرق فيها (120) أما في ما يتعلق بمفهوم الأحقاب ودوام السماوات والأرض فهم مجمعون على أن القصد منها التأبيد.
- أما قوله تعالى: ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) فقالوا إن المقصود من ذلك التأييد على أحد وجهين:
1) أن تراد سماوات الآخرة وأرضها وهي دائمة مخلوقة إلى الأبد والدليل على أن لها سماوات وأرضا قوله تعالى: ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات) إبراهيم 48) وقوله: ( وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء) (39 ]الزمر74) ولأنه لابد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم سماء يخلقها الله أو يظلم العرش وكل ما أظلك فهو سماء.
2) أن يكون عبارة عن التأييد ونفي الانقطاع كقول العرب: ما دام تعار ، وأقام ثبير، وما لاح كوكب وغير ذلك من كلمات التأييد (121) .
- أما قوله تعالى: ( لابثين فيها أحقابا) فقد أجمعوا على أنها تعني التأييد ويقول ابن عباس في ذلك:" مقيمين في جهنم أحقابا بعد حقب- ثم يقول بعد تحديد الحقب- ويقال ولا يعلم عدد تلك الأحقاب إلا الله فلا ينقطع عنهم" (122) .
وتعددت المواقف من مدة الحقب ونكتفي بإيراد ما روي عن ابن عباس " والحقب الواحد ثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، واليوم الواحد ألف سنة مما يعد أهل الدنيا، ويقال لا يعلم عدد تلك الأحقاب إلا الله فلا ينقطع عنهم" (123) .
ويورد الزمخشري وجها آخر وهو أن يكون من حقب عامنا إذا قل مطره وخيره، وحقب فلان إذا أخطأه الرزق فهو حقب وجمعه فينتصب حالا عنهم : يعني لابثين فيها حقبين جحدين (124) .
وإن وقع الإجماع على التأييد عند الجمهور مع اختلاف في شمول عصاة المسلمين المصرين على عصيانهم إلى الموت فيشير الرازي الى من نفى الخلود المؤبد حتى عن المشركين (152) مبينا أن من حججهم هاتين الآيتين، ثم يرد عليهم بنفس المعاني التي ذكرنا ملحا على أن القول بالتأييد لهؤلاء هو قول الجمهور الأعظم من الأمة ومعزوزا موقفه بأدلة أخرى قائمة على المنطق لا نرى من الضروري إيرادها لأننا لسنا في نطاق الرد على هؤلاء (126) .
والأساس بالنسبة الى الفكر الإباضي يتمثل في ما نقله أبو مهدي عن الجيطالي في سياق الرد على القائلين بإخراج أهل الكبائر:" وأما قوله ( لابثين فيها أحقابا) فليس فيه دليل على الخروج أيضا لأنه قال: ( إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا) (78 النبأ21. 22) الى آخرها، فهي عامة لجميع من دخلها من أهل الشرك ومن أهل الكبائر فمن ادعى التخصيص فعليه بالدليل وإن تفسيرها في ما وجدت في كتب التفسير ( لابثين فيها أحقابا) وهو حقب أي زمانا لا غاية له ويقال الحقب ثمانون ألف سنة كل يوم منه ألف سنة كلما مضى حقب تبعه حقب إلى مالا غاية له....
وجاء أيضا في نفس الرسالة: وقوله تعالى: ( لابثين فيها أحقابا) (78 النبا23) قال قتادة أحقابا لا انقطاع لها، وقيل الهاء من قوله فيها عائدة على الأرض أي لابثين في الأرض، وقال بعضهم ( لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) أي يمكثون أزمنة يعذبون بهذا النوع من العذاب ثم بعد ذلك يعذبون بغيره وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحقب ثلاثون ألف سنة" ... (127)
قال قتادة: هي أحقاب لا انقطاع لها كلما مضى حقب جاء بعده آخر وقال الحسن: أما الأحقاب فليس لها عدة إلا الخلود في النار (128) ".
ويقول السالمي:" الآية ( لابثين فيها أحقابا) في المشركين خاصة لقوله تعالى: ( إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا) فيلزمكم عدم تخليد أهل الشرك وأنتم لا تقولون به والكتاب يرده فوجب حمل الأحقاب على عدم الغاية أي مدة غير متناهية" (129) .
وجاء عند أبي مهدي في قوله تعالى: ( ما دامت السموات والأرض) إن ذلك على قطع الرجاء كقوله تعالى: ( حتى يلج الجمل في سم الخياط) (7 الأعراف40) ومثله في كلام العرب " لا أفعل ذلك حتى يؤوب القارظان" " ولا أفعله سن الحسل" أي لا ترجو إتياني كما لا يرجع الموتى الى الدنيا وحتى يقع أسنان الحسل (وهو ولد الضب) وأسنانه لا تقع أبدا في ما ذكروا.
وقال الشاعر: (طويل)
وأمثاله هذا ما يتكلمون به على اليأس وقطع الطمع" (130) .
و " يقول الشيخ أبو القاسم (131) رحمه الله: " وما تعلقوا به من قوله تعالى ( خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) فباطل من وجهين: أحدهما: أن هذا تقوله العرب على الاستبعاد والتأبيد كقولهم لا أفعل هذا ما اختلف الجديدان وما اختلف الليل والنهار، وما حنت الإبل وما أقام الجبل وما طرق طارق وما دامت السماوات والأرض وما طما البحر هذا كله يريدون به التأييد فخاطبهم الله بما يعقلون من كلامهم ب